الفصل السادس

الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة والخروج من مشكلة العلوم الإنسانية

القابلية للاختبار والتكذيب التجريبي، والمنهج الفرضي الاستنباطي، هما التمثيل المنطقي المنهجي للإبستمولوجيا العلمية المعاصرة، والتي تَخْرج فعلًا من مشكلة العلوم الإنسانية، من حيث إنه يتأتى في سياقها التقارب بين العلوم الطبيعية والإنسانية، وتشارُك المشاكل، وتلاقي الطرق والمنعطفات، فيمكن أصلًا حَلُّ مشكلة العلوم الإنسانية على ضوء الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية، وتساوُقها المنهجي. إن الإبستمولوجيا المعاصرة هي معامل التسارع في معدلات تَقَدُّم العلوم الطبيعية، كما فَصَّلْنا في الفصل الأول من الكتاب، وفي البقية الباقية منه، استغلالها لمسارعة تَقَدُّم العلوم الإنسانية.

لقد رأينا كيف كانت الإبستمولوجيا الحديثة أو الكلاسيكية يُلَخِّصها ويُبَلْوِرها مبدأ الحتمية العلمية، وأنه بفضلها وفضْله عَرَفَت الدراسات الإنسانية الإخبارية كيف تَتَلَمَّس طريقها العلمي، وتمخر عبابه، بحيث كانت نشأة العلوم الإنسانية بُعْدًا من أبعاد النجاح الخافق للعلم الحديث وإبستمولوجيته، وذلك النجاح الخفاق بأبعاده المترامية أَكْسَب مبدأها الحتمي هيلًا وهيلمانًا لا مثيل لهما في عالَم العلم، لكن العلم المعاصر يواصل التقدم ويسْحق الحتمية ذاتها مؤكدًا أنه بَلَغَ من العمر رشدًا، وقادر على الاستقلال.

كان العلم الحديث «من القرن ١٧ حتى القرن ١٩» مراهقًا يشق طريق النمو والنضج، فكان في حاجة إلى راعٍ وَجَدَه في مبدأ الحتمية، لكن المبدأ أدى دَوْرَه، بصفة خاصة انتهت مرحلة النشأة بالنسبة للعلوم الإنسانية، وبصفةٍ عامة استنفد المبدأ مقتضياته، وتكشَّفَتْ قصوراته، ووجب تجاوزه لاستيعاب المرحلة الأعلى من التقدم العلمي، وبعد أن تميزت معالمها نستطيع التأكيد أنَّ تجاوُز مشكلة العلوم الإنسانية في وقتنا هذا، وتجاوُز تخلُّفها النسبي عن العلوم الطبيعية إنما يَرْتَهن باستيعاب الإبستمولوجيا الجديدة التي تَفْتَح الطريق إلى هذا، وبالتخلص من رواسب الإبستمولوجيا الكلاسيكية، ومبدئها الحتمي الذي أصبح يَخْلُق المشاكل للعلم، ويُعَرْقِل انطلاقاته التقدمية، إن أزمة الفيزياء الكلاسيكية التي تَخَلَّقَتْ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والتي أشرنا إليها في القسم الأخير، أو الفقرة الأخيرة من الفصل الأول، وأوضحنا أنها أدَّت في النهاية إلى انقلابة أو ثورة النسبية والكمومية، هذه الأزمة لم تكن إلا عجز التصور الحتمي الميكانيكي عن استيعاب ظواهر وعلاقات جدَّت. فقد تعاملت فيزياء نيوتن مع الكتل الماردة: العالَم الأكبر البادي أمام الخبرة العادية للحواس، ومع مطالع القرن العشرين كان العلم قد اقتحم بنجاح مُظَفَّر العالَم الأصغر، عالَم الذرة والإشعاع الذي ضَرَب عرْض الحائط بكل ما له علاقة بالحتمية، واستعصى تمامًا على قوانين نيوتن، فلا تجرؤ على الاقتراب منه، ويستقل عنها رسميًّا ونهائيًّا بنشأةِ وتنامي، بل تَعَمْلُقِ نظرية الكمومية Quantum، ولتقتصر نظرية نيوتن على الكتل الضخمة، ولنعلم أن ما بدا معها من حتمية ميكانيكية أتى من سطحية النظرة، لما يقع مباشَرة في خبرة الحواس الفجة، بينما الحقيقة الرابضة في أعماق المادة: حقيقة الذرات التي هي لبِنات هذا الوجود، تكشف عن خطَلِ كُلِّ ادعاء بالحتمية والعلية والضرورة واليقين واطراد الطبيعية … إلى آخر عناصر المبدأ الحتمي، ثم أصبح التصور الميكانيكي للكون أثرًا بعد عَيْن، حين تقدَّمَت النظرية النسبية بتصور للكون يهدم الميكانيكية، فإذا كانت النسبية لا تَمَسُّ الحتمية مباشَرة، فإنها تُحَطِّم الإطار المفتَرَض لها أو لِعَالَمها.
وأصبحت الإبستمولوجيا المعاصِرة بدورها يُلَخِّصها ويبلوِرها مبدأ اللاحتمية Indeterminism، إنها انقلاب جذري من النقيض إلى النقيض، فكل ما تَعْنِيه أن الحتمية كاذبة، فهي سَلْب أو نفي لها، تنفي أن كل الأحداث محدَّدة سلفًا بدقة مُطْلَقة بكل تفاصيلها اللامتناهية في الصغر أو الكبر، تنفي اللاحتمية هذا، لكنها لا تعني ما عناه ديفيد هيوم من أنه ليس ثمة أي حادثة ترتبط بالأخرى، بل تعني أن القوانين التي تربط هذه الأحداث ليست حتمية، فحتى لو كان ثمة حدث يشترط آخر كظرف أساسي أو أَوَّلِيٍّ له، أو كان بينهما علاقة وُثْقَى، فليس يعني هذا أن ذلك الحدث — فضلًا عن كل الأحداث — مُحَتَّم سلفًا، أو يعني عليه فضلًا عن أبدية المبدأ العلي، لقد انهارت العلية: عماد الحتمية التي تتصور تسلسلًا لأحداث (علة … معلول … علة … معلول) في المكان الإقليدي المستوى أو المطلق، عبر الزمان المطلق الذي ينساب في نِسَب ثابتة مُطْلَقة في اتجاه واحد، مُطْلَق من ماضٍ إلى مستقبَل، وكل ما على العالِم أن يلاحظها بموضوعية مُطْلَقة، بمعنى أنه لا يتدخل إطلاقًا، دوره سلبي لا يؤثر البتة على نتيجة استقراء الظاهرة: القانون العلمي حقيقة الظاهرة.

مع النظرة اللاحتمية المتخلصة من الإسقاطات اللاعلمية كافة، نجد عدة عوالم تؤدي علاقاتها ببعضها إلى عدة احتمالات كلها ممكنة، حدوث أي منها أو عدم حدوثه لن يهدم العلم، ولا العالَم، ولن يُحِيلَه إلى فوضى وعَمَاء، إنه تعاقُب الأحداث اللاحتمي، لا تسلسُلها الحتمي، وتتابُعها وفقًا لقوانين اللاحتمية العلية، والأحداث في كلتا الحالتين مترابطة، ومنتظمة، وقابلة للتعقل، والتفسير النسقي، لكن شتان ما بين التفسيرين.

حلت اللاحتمية محل الحتمية، فحل الترابط الإحصائي بين الأحداث مَحَلَّ الترابط العلي والاتجاه المحتمل مَحَلَّ الاتجاه الضروري، واحتمالية الحدث محل حتميته، لم يعد حدوثه ضروريًّا، ولا حدوث سواه مستحيلًا، فأصبح التنبؤ العلمي أفضل الترجيحات بما سوف يَحْدُث لا كشفًا عن القَدَر المحتوم، ومن ثَمَّ انقطعَتْ كل همزة وصْل بين العلم وبين الجبرية العتيقة، بعد أن تكَفَّل في مراهقته الحتمية بمواصلة مسيرتها، إنه زيف اليقين الذي انكشف لمَّا انكشف زيف المطلق؛ حيث تصَدَّعَتْ تصورات الزمان والمكان المطلَقَيْن بفضل نسبية أينشتين، فاختفى المثل الأعلى للعالم العلام بالحقيقة المطلقة، الذي يَعْلم كل شيء عن كل شيء، ويتنبأ بكل شيء — كما تصور لابلاس Laplace (١٧٤٩–١٨٢٧) — لما اختفى المثل الأعلى للعالم الحتمي الذي يسير كما تدور الساعة المضبوطة، والنتيجة أن ارتدَعَ العلماء عن الغرور الأهوج الذي أكسَبَتْهم إياه الحتمية، إنهم أدركوا سذاجةَ وسطحيةَ تصوُّر العمومية المطلقة لقوانينهم، بحيث لا يَخْرُج من بين يدي أي منها، ولا مِنْ خَلْفه صغيرة ولا كبيرة، لا في الأرض، ولا في السماء، لا في الطبيعة، ولا في الإنسان، على هذا انتهينا إلى أن اطراد الطبيعة الذي يُبَرِّر العلية وهي تُبَرِّره «في دوران منطقي شهير» مثله مثلها افتراضات بلا أساس، كما كانت التحليلات المنطقية والفلسفية قد أوضحت، ومنذ هيوم.

أما ما أضافته ثورة العلم المعاصر، فهو أنه لم يَعُد ثمة مبرِّر لبقائهما ولا حاجة لهما، تضع الإبستمولوجيا المعاصرة نصب عينيها أن الفيزيائي المعاصر الذي يعمل بالآلات الدقيقة في معمله ليكشف قوانين انتظام الطبيعة لا يُعْوِزه البتة مفهومُ الاطراد الحتمي؛ لأنه يعلم جيدًا حدود الدقة المتاحة، ويُدْرِك صعوبةَ وعبثيةَ أن يجعل الظاهرة تُكَرِّر نَفْسَها تمامًا، إلا داخل حدودٍ معيَّنة من اللاتعَيُّن، ومن الخطأ المحتمل، إنه الآن لا يبحث عن اطراد الطبيعة، ويكفي انتظامها القائم على أساس إحصائي لا علي، ليبحث عن احتماليتها؛ أي تردُّدها بنسبة مئوية معيَّنة مستمَدة من ترددات لوحِظَتْ في الماضي، ويُفْتَرَض أنها سوف تسري تقريبًا على المستقبل، لقد استرحنا أخيرًا من العلية والاطراد ودورانها المنطقي، انهارَا معًا حين تحققْنا من دخول عنصر المصادَفة في بنية الطبيعة، اكتست المصادَفة ثوبًا قشيبًا، وتخلَّصَتْ من الأدران الجائزة التي لحِقَت بها في عصر يقين العلم الحتمي، الذي كان يفسر كل مصادفة وكل احتمال تفسيرًا ذاتيًّا؛ أي كان يُرْجِعه إلى جهل الذات العارفة، وعجْزِها عن الإحاطة بعلل الظاهرة، أما اليقين فلا حديث عنه سوى أنه تبخَّر تمامًا من دنيا العلم، حتى شاع القول الدارج: العلماء ليسوا على يقين من أي شيء، ويكفي أن العوام على يقين من كل شيء، فالعلم احتمالي، وحَلَّتْ موضوعية الاحتمال محل ذاتيَّته، لا سيما بعد نشأة الميكانيكية الموجبة البارعة.

إن أبرز معالم الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة هي أنها جزَمَتْ — منطقيًّا — أن أي قضية إخبارية بما هي إخبارية، احتمالية ونقيضها ممكن، ولا يقين إلا في القضايا التحليلية الفارغة من أي مضمون إخباري قضايا المنطق الصوري، والرياضيات البحتة، وإذا كانت رياضيات الإحصاء، وحساب الاحتمال هي ألِفُ باء العلم المعاصر، فلا يعني هذا لاحتمية، كما تَصَوَّر الكلاسيكيون من أن صياغة القوانين باللغة الرياضية الضرورية تؤكد الحتمية، الأمر الذي تبدَّى الآن أن صياغة القوانين العلمية في أيِّ لغة رياضية لا تعني حتمية أو لاحتمية، فالرياضيات في حد ذاتها محايِدة تمامًا، مَحْض رموز تُعَبِّر عن أي مرموز إليه، ونملؤها بالمضمون التطبيقي سواءٌ افترضناه حتميًّا أو لاحتمي، المهم أن منطق الاحتمال أصبح العمود الفقري للعلم، بعد أن كانت العلية هي العمود والعماد والعمدة، وكما ذَكَرْنَا: قَوَّضَت النسبية عالَمَها الميكانيكي.

وفي خِضَمِّ هذه الأطلال الدوارس اتضح مدى عَبَثِيَّةِ وسذاجةِ تصورات الكلاسيكيين العينية لمفاهيم الكتلة والطاقة والسرعة والأبعاد الثلاثة الثابتة، وتحديد أو التنبؤ بموضع وحركة وسرعة كل جسم بدقة فائقة … اتضح عبثية تصوُّرهم لعالَم فيزيقي يُمْكِن وصفه بدقة متناهية، إن لم يكن بواسطة علماء اليوم، فعن طريق علماء الغد، وكما يقول الأمير — أمير نسبًا وعلمًا — لويس دي بروي أبو الميكانيكا الموحية (١٨٩٢–١٩٨٧): «لقد ظنوا أن كل حركة أو تغيُّر يجب تصويره بكميات محددَّة الموضعِ في المكان والتغير في مجرى الزمان، وأن هذه الكميات لا بد أن تُيَسِّر الوصف الكامل لحالة العالم الفيزيقي في كل لحظة، وسيكتمل هذا الوصف تمامًا بواسطة معادلات تفاضلية، أو مشتقات جزئية، تُتِيح لنا تتبُّع مواقع الكميات التي تحدد حالته، ويا له مِنْ تصوُّر رائع لبساطته، توطدت أركانه بالنجاح الذي لازمه لمدة طويلة.»١
إنه المبدأن الحتمي الذي أملاه العلماء في مرسوم مهيب، وانقلب في النهاية إلى اقتراح لا تجيزه الوقائع، فأصبحت الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة بدورها لا تجيزه، إنها إبستمولوجيا لاحتمية لا تبحث عن التحديد الفردي الميكانيكي، بل عن متوسطات الإحصاء، وحساب الاحتمال، هي الآن تسود العلوم٢ الطبيعية باقٍ أن تمتد إلى العلوم الإنسانية، وإلى أقصى درجة مُمْكِنة.

فقد أصبح ذلك المنظور الحتمي البائد منه لا سواه تَنْشَقُّ الهوة الشائعة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية من حيث المنهج، ومن ثَمَّ من حيث الثقة في حصائله. أما من حيث المنهج فإن العلوم الطبيعية تعمل بموضوعية مطلقة، الباحث بأدواته دوره سلبي لا يتدخل إطلاقًا في موضوع المعرفة، وموضوع المعرفة نفسه — أي ظواهر الطبيعة — مطلق كل ما فيه ثابت، وأي احتمال ذاتي؛ لذلك يصل الباحث إلى قوانين لا استثناء لها، ولا احتمال موضوعيًّا فيها، قوانين يقينية، ضرورية الصدق، مُطْلَقة العمومة في كل زمانٍ ومكان. أما العلوم الإنسانية فمهددة دومًا بالوصمة الذاتية؛ لأن الباحث هو نفسه موضوع البحث، عسى أن يحقق الموضوعية المطلقة، فضلًا عن أن عناصر هذا الموضوع خاضعة للتغير من عصرٍ إلى عصر، ومن حضارةٍ إلى أخرى، فلا شيء مطلقًا في حياة البشر، ثم إنه موضوع شديد التعقيدات، يستحيل ترجمته إلى بساطة العلاقة الثنائية (علة – معلول) هكذا يَجْعَل المثال الحتمي البَوْنَ شاسعًا بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، والطريق مقطوعًا أمام الأخيرة لتلحق بالأولى.

ولكن الآن بعدما أصبح مبدأ اللاحتمية أساسَ التصور العلمي في الإبستمولوجيا المعاصرة، سقط المثال الحتمي، وسقطت معه الموضوعية الكلاسيكية الزائفة التي تقوم على أساس الإنكار التام للعامل الإنساني في عملية اكتساب المعرفة، ومن أعظم معالم ثورة العلم مبدأ اللاتَعَيُّن Indeterminacy Principle الذي صاغه فيرنر هيزنبرج عام ١٩٢٥، وينص المبدأ على أن تأثير أدوات القياس يفرض قدرًا من اللاتَعَيُّن في التنبؤ بمسار الجُسَيْم، فيستحيل التعيين الدقيق لموضِعه وسرعته في آنٍ واحد، ودقة أحد الجانبين: (الموضع أو السرعة) إنما تتحقق على حساب الدقة في الجانب الآخر، إذَنْ فقد تَعَلَّمْنا من هيزنبرج ضرورة حساب الأثر المتبادَل بين الباحث وموضوع بحثه، معنى هذا أنهما لا بد أن يتفاعلا، إذن ليست العلاقة بين الباحث وموضوع البحث حيvثية لمشكلة تتفرد بها العلوم الإنسانية، بل هي مشكلة مشتركة بينها وبين العلوم الطبيعية إلى حدٍ ما، وكما يقول برود: «حقًّا إن مبدأ اللاتَعَيُّن لن يكون له أثر ذو بال على الحتمية أو اللاحتمية السيكولوجية أو الحرية في السلوك الإنساني غير أنه يوضح أن الفيزيائيين بعد نقطة معينة تواجههم صعوبات مماثلة لأخرى كثيرًا ما شعر بها علماء النفس.»٣ فالعلم يهدف إلى التفسير، وليس ثمة تفسير وافٍ ما لم يأخذ في اعتباره كلًّا من العالم والظاهرة، هذا هو الدرس العميق الذي لقَّنَتْنَا إياه الفيزياء المعاصرة.٤ وقد أكده نهائيًّا أينشتين الذي يعود إليه فَضْل الاستبعاد التام لخطأ المُطْلَقِيَّة من مجال الفيزياء، أو العلم إجمالًا، قضى مبدأ اللاحتمية على تلك الموضوعية الموهومة؛ لذلك فهو قادر على — أو هو السبيل إلى — تحرير العلوم الإنسانية من خشية السقوط في براثن الذاتية، فالمفهوم اللاحتمي الأعمق للموضوعية الذي يَضَعُ في اعتباره متغيِّرات المعرفة، ولا يُسَلِّم بمطلق هو سبيل العلم الفيزيائي الأدق والأجدى؛ لذلك لم تتهيب بقية العلوم من الأخذ به، وفي هذا يقول إرنست هطن: «مع اللاحتمية لن تعود الفجوة بين علوم الطبيعة وبين علوم الحياة والإنسان — كعلم النفس مثلًا وهو طرف النقيض مع الفيزياء — لا يمكن اجتيازها كما تُصَوِّر لنا الحتمية حين افترضَتْ أن التفاعل الضروري بين الملاحَظ وموضوع الملاحَظة من شأنه أن يُفْسِد نتيجة البحث، فيفشل علم النفس في تحقيق الموضوعية التي لا تستطيعها إلا الفيزياء، الفيزياء على أي حالٍ لم تَعُد موضوعية بالصورة التي تفترضها النظرة الميكانيكية؛ لأنها لم تَعُد مطلقة بذلك المنظور، وكنتيجة لهذا لم يعد علم النفس ذاتيًّا.»٥ وإذا كان اضمحلال تلك الموضوعية الزائفة قد أَسْهَمَ في إزالة الفجوة بين العلوم الطبيعية والإنسانية، فقد حَقَّ إذَنْ حُكْم هطن بأنها «مكسب معرفي كبير»،٦ ما دامت تُوَحِّد طريقهما، وتفتح أمامهما إمكانات تقدمية مشتركة، ولا تجعل الثقة في علمية إحداهما تستبعد الأخرى.

والأهم من روح المنهج وشروطه — موضوعية أم ذاتية أم فوق هذا وذاك — هو أسلوب المنهج ذاته، إن الإحصاء وحساب الاحتمال أسلوب الإبستمولوجيا المعاصرة، فقد أسقَطَت المثال الأقليدي المفضي إلى نتائج يقينية بتحديداته الفردية، والمستعصي أصلًا على العلوم الإنسانية التي يناسبها تمامًا الإحصاء كما هو مسلَّم به الآن، والجدير بالذكر أن أقطاب العلوم الإنسانية إبَّان القرن التاسع عشر، وفي تشَوُّفهم لعلمنة دراستهم، شَنُّوا حربًا شعواء على الإحصاء، حتى إن ثمة عالِمًا بلجكيًّا في الفلك والاجتماع يُدْعى أدلف كيتليه، أصدر عام ١٨٣٥ كتابًا بعنوان «حول الإنسان وتطور ملكاته، أو محاولات في الفيزياء الاجتماعية» وأُعِيدَ نَشْرُه عام ١٨٦٩ تحت عنوانه الرئيسي: «الفيزياء الاجتماعية» كدَّس فيه كيتليه العديد من المعطيات الإحصائية حول عدة مئات من الظواهر الاجتماعية، ومعطيات ديموغرافية، متسائلًا: أفلا تظهر المعطيات المتعلقة بالظواهر الإجرامية مثلًا تناسقات وانسجامات لا تختلف عن تلك الملاحظة في علوم الطبيعية؟ فكان الإحصاء عند كيتليه هو المعبر إلى علمية علم الاجتماع، تفكيره إذن متقدم عن عصره الغارق في الحتمية العلمية، بيد أن سلطانها آنذاك حَكَمَ عليه أن يروح في طَيِّ النسيان، فقد دَفَعَت الحتمية بأوجست كونت إلى ردة فعل جامحة ضد كيتليه، وكما يقول بودون عن كونت: «إذ بينما برهن — أو ظن أنه قد برهن — على انقطاع العلوم جاء كيتليه ليجعل من علم الوقائع الاجتماعية فيزياء اجتماعية مُدَّعِيًا أنه استعمل المعنى الحقيقي للفظة فيزياء، بينما نَعَتَ حساب الاحتمال بأنه سيلاقي عقاب الجماعة.

تصور كيتليه إمكانية تطبيق هذا الحساب على الظواهر الاجتماعية»،٧ هكذا جعلت الحتمية كونت يثور على الإحصاء المفضي إلى نتائج احتمالية، وبعد أن اعتزم تسمية العلم الجديد بالفيزياء الاجتماعية، عزف عن هذا، وأسماه علم الاجتماع بدلًا من «الفيزياء الاجتماعية» التي دنسها كيتليه بالاحتمال والإحصاء، وعلى الرغم من تأكيد كونت أن الرياضة هي النموذج الأمثل الذي ينبغي أن تحتذيه كل دراسة لكي تصير عِلمًا، فإنه قد لاحظ أن الظواهر الاجتماعية أكثر تعقيدًا؛ لذلك فإن تطبيق المنهج الرياضي في دراستها سيكون محدودًا قد يعطي الوهم العلمي، لكن لن يعطينا الحتمية — العلم الحق — وسحقًا لكل ما يمس الحتمية العلمية، أجل سحقًا! وليس هذا تعبيرًا إنشائيًّا، بل دلالي، فمثلًا أدان كونت المجهر؛ لأنه يهدم الصورة البسيطة لقوانين الغازات المتسقة مع التصور الحتمي، هذا التشبث الأهوج بالحتمية، وإلى الدرجة التي تُلْهي فيها الوسيلة عن الغاية يعطينا تفسيرًا لمُعَوِّقات التقدم عمومًا، وفي العلوم الإنسانية خصوصًا؛ لأن الحتمية العلمية تنفي الحرية الإنسانية، وإمكانات الاختيار نفيًا باتًّا كما أكد أوجست كونت وسائر الوضعيين في علم الاجتماع، ومعهم السلوكيون في علم النفس، بينما الحرية الإنسانية وإمكانية الاختبار بين البدائل ظاهرة أكيدة في واقع الإنسان،٨ ولا يتأتى الوصف والتفسير الكفء بغير أخذها في الاعتبار كما يسلم مثلًا علم النفس المعرفي، وفروع أخرى من العلوم الإنسانية استطاعت استشراف ما يستشرفه من إمكانات تقدمية.

وهذا الإحصاء الذي هاجمه كونت، وتَنَازَل بسببه عن المصطلح الذي استعمله منذ البداية (الفيزياء الاجتماعية) أليس هو الآن في عصرنا اللاحتمي هو منهج الفيزياء الذرية — أو الكمومية — ذات القوانين الاحتمالية، وما دامت الإحصاء هي الأسلوب، والاحتمال سمة النتائج، فلن يقوم فارِق كيْفِيٌّ بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية ولا هوة بينهما، الفارق كَمِّيٌّ فقط في درجة التقدم.

الإحصاء والاحتمال كأساليب منهجية يلغيان افتراض الاطراد في موضوعها، أو على أوسع الفروض يجعلانه يَتَّخِذ صورة المقدمات المحتمَلة تؤدي إلى النتائج المحتملة، فلن نَصِل أبدًا لا في الفيزياء، ولا في علم من العلوم الطبيعية، أو العلوم الإنسانية على السواء إلى موقف كُلِّيٍّ واحد يكَرِّر نفسه تمامًا، وكل ما نلاحظه، وأيضًا كل ما يُعْوِزنا افتراضه في الإبستمولوجيا العلمية المعاصِرة أن مقدمات الموقف عندما تكون متشابهة، فإن المعقبات أيضًا متشابهة، والنتيجة تقريبية بما يكفي سواء في الطبيعة، أو في الإنسان، فمثلًا حين نقيس الماء بمقياس حرارة عادي، فإننا نعامل الماء على أنه مكَوَّن من عينات مختلفة لها درجات تَكَثُّف مختلفة، ونلاحظ الاختلافات الطفيفة في درجة الحرارة إذا كان مقياس الحرارة دقيقًا بما يكفي.٩ هكذا نلاحظ أن الإبستمولوجيا المعاصرة هَجَرَت مبادئ الحتمية من عمومية واطراد؛ لأن هذا يفضي إلى نتائج فيزيائية أو طبيعية أَدَقَّ وأثمن، الأمر أيضًا صحيح بالنسبة لظواهر العلوم الإنسانية التي يستحيل معها أصلًا افتراض عمومية مطلقة، واطراد ثابت، كما أوضحنا حين البحث في حيثيات مشكلة العلوم الإنسانية، وحين أمْكَنَنا أن نخلف الفكرة الكلاسيكية عن القوانين الطبيعية المطردة التي تسير بدقة مطلقة من أصغر ذرة، حتى أضخم جرم سماوي، وأن نأخذ — بدلًا منها — بمبدأ أكثر تواضعًا للثوابت التجريبية أو الإحصائية التي تسري في مجالات محددة، أصبحت معرفتنا لظواهر الطبيعة تُشَابِه مَعْرِفَتنا بظواهر الاجتماع من وجوهٍ عديدة، وكل ما في الأمر أن المعاملات الإحصائية في الاجتماع أو نِسَب الاحتمال أضعف أو أكثر انخفاضًا.١٠ مرة أخرى الفرق كَمِّيٌّ فقط في الدرجة — درجة التقدم وليس في النوعية — نوعية المناهج والقوانين والمشاكل التي تجعل نتائج البحوث الطبيعية عِلْمًا، ونتائج البحوث الإنسانية مشكوكًا في علميتها.

على هذا النحو يبدو جليًّا كيف أن الهوة التي أصبح المنظور الكلاسيكي كفيلًا بشقها بين العلوم الطبيعية والإنسانية إنما تلتئم تمامًا من منظور الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة بفضل مبدئها اللاحتمي، والاسترشاد بالمثال اللاحتمي إن كان يلقي على كاهل علماء العلوم الإنسانية مسئوليةً عسيرة ومُرْهِقة حين يُطِيح بالركائز الحتمية المطلقة التي بَدَتْ كفيلة بضبط أبحاثهم، فإنه يُبَرِّئ العلوم الإنسانية من مَطْمَع المغرور، وفي نفس الوقت من اليأس والقنوط من الوصول إلى المثال الحتمي، فيمكننا من أن نعمل بعزيمة حديدية وإمكانات الانطلاق لفروض الجريئة، ويزيد من شحناتها مستوى التجريد الفائق الذي وصل إليه العلم المعاصر في الطبيعة، فلماذا لا يصل إليه في الإنسان أيضًا؟

لقد قال المنطقي الميثودولوجي المدقق بريثويت: «إن التقدم الحديث في الفيزياء قد يعطي شحنة قوية لعلماء النفس كَيْمَا يضعوا تأملات جريئة؛ لأن النظريات الفيزيائية السائدة تدور حول أشياء لا يمكن تعريفها في حدود الخبرة، وفوق هذا نَجِد أن بساطة القوانين الفيزيائية واضحة فقط أمام الرياضيين والإحصائيين؛ لذلك أشعر بأن علماء النفس يجب أن تتاح أمامهم حرية كبيرة للعمل، فيما يتعلق بالكيانات التي يستعملونها، وأحسب أن مجالهم قد تعرقل كثيرًا في الماضي بمطالب فلاسفة وآخرين (يقصد الوضعيين والسلوكيين) بأن كل مصطلح يُسْتَخْدَم يجب أن يكون له تعريف تجريبي مباشر، على أن علم النفس بالطبع يجب أن يَظَلَّ علمًا تجريبيًّا، وقوانينه المقبولة يجب أن تكون مؤيَّدة بالوقائع بصورة أو وبأخرى.»١١ أو بعبارة أخرى قابلة للاختبار التجريبي، ثم التكذيب، أو التعزيز، ولما كان قول بريثويت هذا — عام ١٩٣١ — ينطلق عن تمثُّل جيد للإبستمولوجيا العلمية الجديدة الصاعدة آنذاك، فقد أتى تحققها بعد خمسة وعشرين عامًا، حين بدأت منذ عام ١٩٥٦ الثورة المعرفية — علم النفس المعرفي، والعلاج النفسي المعرفي — ثورة على السلوكية ونماذجها الميكانيكية الآلية التي تحققت بنجاح مبدئي في دارسة السلوك الحيواني، فافترض السلوكيون أن الأفعال الإنسانية جميعًا، حتى اللغة والأفكار والإبداع وسمات الشخصية … إلخ يمكن تفسيرها بنماذج مشابهة، وإن تكن أكثر تعقيدًا، يَرْفُض الجيل الجديد من النفسانيين المعرفيين هذه النظرة الآلية، محتجًّا بأن هناك تراكيب وعمليات للعقل لا سبيل إلى إحالتها إلى أخلاط من الاستجابات المدعمة، فنظروا إلى القيود التي وَضَعَتْها السلوكية في نصف القرن الأخير بوصفها قيودًا عقيمة، وأنها — للأسف الشديد — مصوغة على أساس تصور العلوم الفيزيائية عفى عليه الزمان.١٢
على أن علم النفس المعرفي ليس رفضًا هجوميًّا للسلوكية، بل هو بالأحرى استيعاب وتجاوز أو حتى امتداد أنضج لها، إن السلوكية ذات فضل عظيم في تنمية الدراسات النفسية الإحصائية، والمعرفيون يَرَوْن ثورتهم انعكاسًا لتطور العلوم الإحصائية — لكن لأنها تُنْشِئ نوعًا جديدًا من المرونة الفكرية، وامتدادًا لاستراتيجيات البحث، مُدْرِكين أنهم على طريق التقدم الجوهري الذي سيؤدي إلى بصيرة وفَهْمٍ لهما قيمتهما النظرية والعلمية على حدٍ سواء،١٣ إن علم النفس المعرفي من أكثر التطورات في العلوم الإنسانية استجابةً واستفادة من الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة؛ لذلك كان انتصارنا له منذ بداية هذا البحث؛ ولذلك أيضًا كانت الإمكانات التقدمية المتاحة أمامه أفسح وأخصب — كما سبق أن أشرنا.

•••

الخلاصة أن الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة — التي هي لاحتمية تعني انقلابًا جذريًّا على الإبستمولوجيا الحديثة الكلاسيكية — التي كانت حتمية، و«أن هذا التحول الجذري قد أدى إلى تقارب كبير في المنهج بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وإذا ما كان هذا التقارب قد بدأ أيضًا بتحرك العاملين في مجال العلوم الرياضية، فإن الصياغة الجديدة لعلم الطبيعة، والتي تتبلور الآن أمام أعيننا قد أَظْهَرَتْ أن النظم المعقدة التي تدرسها العلوم الإنسانية، ليست أكثر تعقيدًا من النظم الطبيعية، لقد كانت المحاولات الأولى لإحداث التقارب بين مجالي المعرفة أسيرة العلم الطبيعي التقليدي بموضوعيته وحتميته»،١٤ ومن ثَمَّ كان تَعَثُّرها عبر الفجوة المذكورة آنفا، وكما أوضحنا الْتأمت، وبعد النسبية والكمومية الجديدة واللاتعيُّن والميكانيكا المُوحِية … اتضح أن الظواهر الطبيعية ليست مطردة ولا متجانسة كما كان يُظَنُّ، وبعد الشوط الذي أحرزَتْه العلوم الإنسانية — لا سيما في الدراسة الوصفية — اتضح أن ظواهر العلوم الإنسانية ليست متغايرة كما كان يُظَنُّ، أي أن الطبيعة النوعية المعقدة لموضوع الدراسة لم تعد تَحُول بين العلوم الإنسانية وبين الاستفادة من إمكانات تقدمية كالمتاحة منطقيًّا أمام العلوم الطبيعية، ولا العلاقة بين الباحث وموضوع البحث في العلوم الطبيعية بأصفى وأنقى وأبسط منها في العلوم الإنسانية.

هكذا تَسْتَوْعِب الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة — لمن شاء واستطاع استيعابها — عامِلَي مشكلة العلوم الإنسانية، وتفتح الطريق للخروج منها، وتفتح الطريق لتحقيق درجة التقدم المنشودة فيها في المرحلة التفسيرية على ضوء الخاصية المنطقية المميزة للعلوم الطبيعية.

سوف نعرج الآن بالخاصية المنطقية على تفاعل العامِلَيْن معًا، والذي ينجم عنه افتقاد المرحلة التفسيرية لتقنين منطقي أَدَقَّ، المردود إلى أن الباحث مثقل بالأيديولوجيات القومية وأحكام الحس المشترك، ما يجعل أنساق النظريات في العلوم الإنسانية مفتوحة الطرفين؛ ولكي تتسع — بل لكي تتأتى إمكانات حل مشكلة العلوم الإنسانية — لا بد من الحيلولة دون تسرب أو اقتحام ما هو لاعِلْمِيٌّ إلى داخل نسق العلم، وإذا كانت المؤثرات الخارجية والأيديولوجية قد أَدَّت إلى تنازُع العلماء، فحالت دون تكامُل التفسيرات، ودون التآزر المتوازن بين التنظير والتجريب، فإن المنطق مُعَامِل موضوعي مشترك، كفيل بالجمع بين العلماء وتحقيق التآزر المنشود.

هوامش

(١) L. De Broglie, The Revolution In Physics Op Cit., PP. 129-130.
(٢) وانظر في تفصيل هذا الفصل: «إنها اللاحتمية» من كتابنا: العلم والاغتراب والحرية، ص٣٩٦، ٤٤٤ وراجِع العرض الأستاذي: محمود أمين العالم، فلسفة المصادفة، دار المعارف، القاهرة، ١٩٧٠ «من أسبق الدراسات العربية في فلسفة العلم».
(٣) C. D. Broad, Indeterminacy And Indeterminism In: Aristotelian Society Suplementary, m Vol. X, Harris Sons, London, 1931. P. 157.
(٤) E. Hutten, The Ideas Of Physics, Op Cit, P. 150.
(٥) Ibid, P. 142.
(٦) Ibid, P. 142.
(٧) ريمون بودون، مناهج علم الاجتماع، ترجمة هالة الحاج، منشورات عويدات بيروت، سنة ١٩٧٣، ص٦.
(٨) انظر في تفصيل هذه المشكلة المهمة بسائر نواتجها وأبعادها وتطوراتها عبر تاريخ العلم والفلسفة: د. يمنى طريف الخولي، الحرية والإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، ١٩٩٠.
(٩) M. Cohen, Reason And Nature, Op. Cit, P. 223.
(١٠) Ibid, P. 221.
(١١) R. B. Braithwaite, Indeterminacy And Indeterminism. In: Op Cit. P. 195-196.
(١٢) جيروم برونر وآخرون، الجديد في علم النفس، ترجمة فؤاد كامل، ملف العدد ٨ من مجلة الثقافة العالمية. الكويت. يناير ١٩٨٣. ص١٦ وما بعدها.
(١٣) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(١٤) د. أسامة أمين الخولي. في مناهج البحث العلمي: وحدة أم تنوع، ص٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤