الفصل الثالث

نشأة خالد

خالد بن الوليد بن المغيرة أحد سبعة إخوة من الذكور وقيل عشرة، بل ثلاثة عشر بين ذكور وإناث، ومنهم أختان …

وقد تقدم إجمال القول في شرف قومه ونصيب أعمامه خاصة من الرئاسة والزعامة. أما أبوه الوليد، فقد كان الرأس بين الرءوس والزعيم بين الزعماء، وكانت له في بعض نواحي خلقه وعقله لمحات تلك المواهب التي تجلَّت بعد ذلك في عبقرية ولده العظيم.

كان أغنى أبناء زمانه في صنوف الثراء المعروفة بينهم كافة؛ الذهب والفضة والبساتين والكروم، والتجارة والعروض، والخدم والجواري والعبيد، وسُمِّيَ من أجل ذلك بالوحيد، ولقب من أجل ذلك بريحانة قريش.

وهو الذي قال فيه القرآن الكريم من سورة المدثر (١١–١٤): ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا.

ويروي سفيان الثوري أنه كان يملك ألف ألف دينار، ويروي ابن عباس أنه كان يملك من الفضة تسعة آلاف مثقال.

ولكبريائه في جوده أو جوده في كبريائه، كان ينهى أن توقد نار غير ناره في منًى لإطعام الحجيج.

وكان يأنف لنفسه في الجاهلية أن يرى سكران، على إباحة الخمر وشيوعها في تلك الأيام، فانتهى عنها بغير ناهٍ، وقيل إنه قطع يد السارق على سبيل القصاص.

وقد كان من أصحاب الحيلة والحول والإقدام، ضربة من ضرباته في موقف اللبس والتردد ترينا فيه أبا خالد قبل أن يعرف العالم ضربات خالد، وذلك يوم تداعت الكعبة وأوجس المشركون أن يهدموها ليعيدوا بناءها، توقيرًا لتلك الحرمة التي كانوا يقاربونها بالضراعة والخشوع ويدخلها بعضهم حفاة الأقدام ولم يقربوها قط بهدم أو عدوان، فلما رأى وسواسهم وفزعهم تناول المعول وضرب الضربة الأولى بيديه وهو يقول: «اللهم لم ترع. اللهم لا نريد إلا الخير»، ومضى في أثره الهادمون غير متهيبين.

ويؤخذ من بعض أحاديثه مع أبي جهل أنه كان من أفقه الناس لمعاني الكلام ومن أحفظهم للشعر والخطب في أيامه.

قام النبي في المسجد يصلي والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي لاستماعه أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم، فقال: «والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، والله إنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لمثمر، وإنَّ أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى … ثم انصرف إلى منزله.»

فقالت قريش: «صبأ والله الوليد ولتصبون قريش كلهم.» فأوفدوا إليه أبا جهل يحتال لصرفه عن الإسلام إن كان قد نوى الدخول فيه، وما زال به حتى قام معه إلى مجلس قومه، فقال لهم: «تزعمون أنَّ محمدًا مجنون، فهل رأيتموه يخنق قط؟ تزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه تكهن قط؟ تزعمون أنه شاعر وما فيكم أحد أعلم بالشعر مني، فهل رأيتموه ينطق بشعر قط؟ تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئًا من الكذب؟»

يسألهم ويجيبونه: «كلا»، في كل سؤال.

حتى أعياهم أن يردوا كلامه، فسألوه رأيه في تفسير بلاغة القرآن، ففكر ثم قال: «ما هو إلا سحر يؤثر! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فهو ساحر وهذا هو السحر المبين …» فذاك إذ يقول القرآن الكريم: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (المدثر: ١٨–٢٤).

واختلف المفسرون في تفسير المعنى المقصود بالعتل الزنيم الذي قيل إنه نزل فيه.

فرأى بعضهم أنَّ الزنيم هو الدَّعِيُّ، وأن الوليد بن المغيرة يوصف به؛ لأن أباه ادعاه بعد ثماني عشرة من مولده.

ورأى بعضهم أنَّ الزنيم وصف له من زنمة كان يعرف بها في عنقه، وهي اللحمة المدلاة، ويخالفهم آخرون فيقولون إنَّ الرجل الذي كان يعرف بهذه الزنمة هو الأخنس بن شريق، وكان أصله من ثقيف وعداده في زهرة.

وفي رواية أنه — عليه السلام — سُئل عن العتل الزنيم فقال إنه هو الفاحش اللئيم، وغير ذلك من الروايات والتأويلات كثير.

إلا أنَّ الذي يعنينا فيما نحن بصدده أنَّ الوليد لم ينسب قط إلى أحد غير أبيه المغيرة، وأنَّ المغيرة لم يكن بحاجة إلى استلحاق ولد غريب عنه لكثرة أولاده ونجابتهم بين فتيان مخزوم وقريش عامة، وأنَّ شبه الوليد ببني المغيرة ظاهر حتى في بعض الفروع البعيدة. فإنَّ عمر بن الخطاب كانت أمه قريبة خالد بن الوليد، وكان يشبهه أقرب الشبه كما يتفق في أيامنا هذه كثيرًا بين أبناء العمات والأخوال، وأنَّ غير الوليد لأولى بذلك الوصف لما تقدم من اعتزاز قريش بنسبته فيهم حتى لقب بريحانة قريش وسمي بينهم بالوحيد.

وعلى أية حال، فقد نشأ خالد في بيت الوليد بن المغيرة وهو سيد بني مخزوم، وأحد السادات المعدودين في قريش، وصاحب الكلمة التي يتعلق بها مصير قومه فيما يجنح إليه من شرعة أو دين.

أما أمه فهي لبابة بنت الحارث الهلالية، وهي أخت ميمونة أم المؤمنين زوج النبي عليه السلام، وأخت لبابة بنت الحارث الكبرى زوج العباس عمه، وأخت أسماء بنت عميس التي تزوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر الصديق، ثم علي بن أبي طالب، ولها أخوات أخريات بنى بهن رجال من ذوي الأخطار ومقاديم العشائر النابهين.

وندر في بيوت العرب النبيلة بيت لم يكن له صلة بخالد وذويه بالنسب والمصاهرة، من جانب أمه أو جانب أبيه.

والأقوال في سن خالد وتاريخ مولده لا تنتهي إلى قول يمتنع فيه الخلاف. فمن المؤرخين من يقول إنه مات وله من العمر ستون سنة، فإذا كان قد مات في السنة الحادية والعشرين أو الثانية والعشرين للهجرة؛ فقد ولد إذن في السنة الثامنة والثلاثين أو السنة التاسعة والثلاثين قبل الهجرة.

ولكنه قول يحول دون تصديقه والأخذ به أنَّ خالدًا كان صغير السن في عام الفتح — فتح مكة — كما يفهم من تلقيب أبي سفيان له بالغلام وشيوع هذا اللقب بين عارفيه.

فقد كان أبو سفيان والعباس يرقبان عبور الكتائب والقبائل في يوم الفتح، فكان خالد بن المغيرة أول من مر في بني سليم. فسأل أبو سفيان: من هذا؟ قال العباس: هذا خالد بن الوليد، فعاد أبو سفيان يسأل وهو يخفي حنقه: الغلام؟ قال العباس: نعم، كأنه لقب كان معروفًا بين شيوخ قريش.

والرجل لا يقال له «غلام» وهو في نحو السادسة والأربعين، وقد يقال له ذلك وهو حول الأربعين إذا كان القائلون من رؤساء الشيوخ، وكان اللقب قد عرف قبل ذلك بسنوات وبقي بحكم العادة والتردد على الأفواه. فإذا كان خالد بن الوليد يومئذ في نحو السادسة والثلاثين أو السابعة والثلاثين، فمولده على التقريب بين سنتي ثمان وعشرين وثلاثين قبل الهجرة.

وعندئذ تخطر لنا قصة أخرى لها صلة بهذا التقدير، وهي قصة المصارعة بينه وبين عمر بن الخطاب وهما غلامان وغلبته عمر وكسره ساقه في هذه المصارعة، وإنما يتصارع الندان أو المتقاربان. وعمر على تقدير مشهور قد ولد قبل الهجرة بأربعين سنة أو قرابة هذا التاريخ …

فالتوفيق بين هذه الأقوال جميعًا إنما يستقيم لنا بتأخير مولد عمر قليلًا عن سنة أربعين، وتقديم مولد خالد قليلًا عن سنة ثلاثين، فيرجح إذن أن يكون مولده في نحو سنة أربع وثلاثين قبل الهجرة، ولا مانع إذن أن يصارع عمر ويغلبه كما يغلب الفتى في الرابعة عشرة مثلًا زميلًا له في السادسة أو السابعة عشرة، إذا كان مولودًا للدربة على الرياضة وألعاب الفروسية، وكان خالدٌ ولا شك كذلك؛ لأنه ورث قيادة الأعنة من باكر صباه.

نعم يظهر أنه كانت عليه مخايل الفروسية منذ صباه الباكر؛ إذ رشحه أبوه لقيادة الخيل ولم يكن أكبر أبنائه، ورأيناه على قيادة الفرسان — فرسان قريش — في وقعة أحد التي أحاط فيها برماة المسلمين من ورائهم، فحلت الهزيمة بجيش المسلمين بعد انتصاره.

وقد أسلفنا أنَّ بني مخزوم كان لهم في الجاهلية أمر القبة والأعنة، فالقبة هي خيمة عظيمة يضربونها ليجمعوا فيها عدة القتال، والأعنة هي الخيل وفرسانها، وولاية خالد هذه «الوظيفة» الموكولة إلى قبيلته بين بطون قريش جميعًا هي آية استعداده للرئاسة والقيادة منذ صباه.

وفي أخبار خالد قصة واحدة تنفعنا في تصوير ملامحه وسماته لقلة أوصافه المحفوظة، على خلاف ما تعودناه من أحاديث العرب عن أبطالهم، وهي في الغالب مفيضة في وصف أولئك الأبطال.

تلك القصة هي ما أشرنا إليه من المشابهة بينه وبين عمر بن الخطاب، حتى كان أناس من ضعاف النظر يخلطون بينهما من قريب، ولا يميزونهما بالرؤية ولا بسماع الصوت الخفيض.

وخلاصتها أنَّ علقمة بن علاثة لقي عمر بن الخطاب ليلًا فقال له: مرحبًا بك يا أبا سليمان … ثم دنا منه فلم يميزه مع دنوه وسماع صوته برد السلام عليه، فقال: عزلك ابن الخطاب؟ فأجابه عمر: نعم. فمضى علقمة يقول: ما يشبع، لا أشبع الله بطنه.

وأصبح عمر، فدعا بخالد وعلقمة وسأل خالدًا: «ماذا قال لك علقمة؟» فنفى أن يكون قد لقيه أو جرى بينهما كلام، وكرر عمر السؤال فأقسم خالد بالله ما رآه ولا سمع منه شيئًا … فقال علقمة كالموسع له من حرج: «حلًّا أبا سليمان» … ولم يفطن لغلطه، حتى تبسم عمر وأخبرهما بالحديث.

ومن هنا تفهم أنَّ خالدًا كان طويلًا بائن الطول، وأنه كان عظيم الجسم والهامة، مهيب الطلعة يميل إلى البياض.

وغنِيٌّ عن تواريخ المؤرخين — ولا جدال — أنَّ خالدًا قد تعلم في صباه كل ما يتعلمه الفتى المرشح للحرب والفروسية وشمائل الرئاسة، ومن الصغائر العارضة التي زعم أناس أنها أصل الجفاء بينه وبين قريبه عمر بن الخطاب أنه صارعه كما تقدم، فغلبه وكسر ساقه، وهي صغيرة تنبئ عن دراية باكرة بفنون الصراع والكفاح، ولكنها لو لم تذكر في مصادرها لأغنانا عنها علم القائد الكبير بفنون الفروسية على أنواعها، وسرعته في مأزق النزال إلى مصارعة أقرانه ومبارزيه واحتضانهم بعنف شديد حتى يعجزهم عن الحراك.

وغير بعيد أنه تعود عيشة الشَّظَف وراض نفسه على الخشونة عمدًا في البادية ليصبر على مضانك الحرب وشدائد الجوع والظمأ حيثما تفرد عن موارد الزاد. فقد جاء في بعض الأحاديث أنَّ خالدًا كان يأكل الضب ويشتهيه كما يأكله الأعراب ويشتهونه، وهو أغنى إنسان في مكة أن يَسِيغ هذه الأكلة الأعرابية، مع يساره وافتنان أهله في الأطعمة الحضرية.

قال ابن عباس رواية عن خالد: إنه دخل مع رسول الله على خالته ميمونة بنت الحارث، فقدمت إلى رسول الله لحم ضب جاءها مع قريبة لها من نجد، وكان رسول الله لا يأكل شيئًا حتى يعلم ما هو، فاتفق النسوة ألا يخبرِنْه حتى يرينَ كيف يتذوقه ويعرفه إن ذاقه. فلما سأل عنه وعلم به تركه وعافَه. فسأله خالد: أحرام هو؟ قال: «لا، ولكنه طعام ليس في قومي فأجِدُني أعافُه …» قال خالد: «فاجتررته إليَّ فأكلته ورسول الله ينظر …»

ومثل هذه التربية لقائد من قواد الحرب نموذج يُحْتَذى في كل مدرسة من مدارس الفنون العسكرية الحديثة، وعلى سنتها كتب نابليون تقريره وهو طالب في المدرسة الحربية يعيب على النظام يومئذ أنه يسمح لأبناء الأعيان بمعيشة الترف واستصحاب الخدم بين جدران المدرسة، وهم أحرى بخدمة أنفسهم في مدرسة يتعلمون فيها الصبر على شدائد الحروب.

وكان لخالد — ولا ريب — علم بالبادية العربية من غير هذا الطريق، طريق الرياضة المقصودة إن صح ما رجحناه. فلعله سافر كثيرًا في الجزيرة قبل الإسلام، ولعله عرف في تلك الأسفار دروبها العصِيَّة التي كان يطرقها من العراق إلى الحجاز، ومن الحجاز إلى اليمن، ومن نجد إلى الشام، وبعضها كان يعتسفه على عجل بغير أدلاء.

ولم تكن بخالد ولا بإخوته حاجة على التجارة لكسب العيش وتحصيل المال؛ إذ كان أبوه على تلك الثروة التي لا مزيد عليها في البلاد العربية، وكانت ثروته أشبه شيء في عصرنا هذا بثروة المصارف التي تعمل في صفقات القروض والربا ومضاربات الأسعار. أما الثمرات والخضر في مزارعه، فلم تكن مما يحمل إلى البلاد القصية للبيع والشراء. وإنما قصاراها أن تباع في الحواضر الحجازية وما قاربها من البوادي القادرة على شيء من الترف والمتعة، ولا سيما في أيام الأسواق والحجيج. ولهذا فسر بعضهم وصف بنيه ﺑ «الشهود» فيما تقدم من الآيات بأنهم كانوا أبدًا في صحبته وجواره مفاخرة بهم وتنزيهًا لهم عن الكدح والتصرف في شئون المعاش. فإن قضيت لأحدهم رحلة أو سياحة، ففي غير هذه الأغراض أو غير حاجة ملحة إلى الاتجار، وإنما هي الدربة والتمرس بالمصاعب والانتفاع بخبرة السياحة وآدابها، وقد ينفقون في ذلك خير ما يكسبون، كما كان يصنع عمه «زاد الراكب» وأعمامه الآخرون الذين اشتهروا بالأنفة من مجاراة أحد لهم في الضيافة وبذل العطايا والهبات.

وموضع الترجيح والاستنتاج هنا إنما هو في إرسال خالد إلى البادية قصدًا لرياضة النفس والجسد على خشونة الأعراب وشدائد الميادين … فهذا، وإن جرت به عادة بعض الأشراف في حواضر الحجاز، لم يقطع به قول من الأقوال في سيرة الوليد بن المغيرة وبنيه «الشهود» على احتمال الشهادة للمعنى الذي قدمناه.

ولكن الأمر الموثوق به كل الثقة، الذي لا موضع فيه لترجيح ولا استنتاج — أنَّ خالدًا قد نشأ في الحاضرة أو البادية مستعدًّا للخشونة مستطيعًا لمعيشة الأعراب، مستجيب السليقة والبيئة لما يتكلفه المجاهد في أوعر القفار وأعنف الحروب، وكانت له ضلاعة العصبيين الأقوياء المعهودين بين رجال السيف، وهي ضلاعة يوشك أن تستمد من حماسة النفس وشهامة القلب أضعاف ما تستمده من العضلات والأوصال.

فلم تَعْفِه العبقرية من ضريبتها التي لا مناص من أدائها، وآية ذلك أنه مات على فراشه في نحو الخامسة والخمسين، وليست هي بالسن الغالبة فيمن يموتون بداء الشيخوخة من غير علة أخرى.

وإذا تجاوزنا هذه المظنَّة، وهي كافية، ألفينا في تراجم الأسرة كلها ما ينبئ عن عوارض الأسر التي تهيئها الأقدار لإنجاب العباقرة في شتى المواهب والمزايا.

فهذه الأسرة الغريبة تكثر فيها عوارض الاختلاف عن جملة الناس في تركيب الأعصاب خاصة، ويشاهد فيها فرد أو أفراد تتجمع فيهم عللها وتمعن بهم مخالفاتها وعناصر شذوذها حتى تسلمهم إلى الاختلال والاضطراب كأنهم ضحايا الأسرة كلها في سبيل إنجاب العبقرية منها.

وكانت هذه العوارض مشاهدة في أسرة خالد وفي إخوته على التخصيص. فذكر كتاب الاستيعاب في أسماء الأصحاب: «إنَّ الوليد بن الوليد كان يروع في منامه، مثل حديث مالك سواء في قصة خالد.»

وعن مسند ابن أبي شيبة أنَّ خالد بن الوليد كان يفزع في نومه، فشكا إلى النبي عليه السلام، فقال له: «إنَّ عفريتًا من الجن يكيدك.»

وبذلت هذه الأسرة الممتازة ضحيتها الكبرى في شخص سليلها عمارة بن الوليد أحد الإخوة المذكورين بأسمائهم من ذرية الوليد بن المغيرة.

وعمارة هذا، هو صاحب عمرو بن العاص في رحلة الحبشة رسولين إلى النجاشي؛ لتسليم المسلمين بها إلى قريش.

وكان مولعًا بالخمر والغزل، وسيمًا محببًا إلى النساء. فلما كان بالسفينة مع عَمْرٍو وامرأته شرب ونظر إلى امرأة عمرو نظرة مريبة.

وقد نلمح عوارض الأسرة هذه في أعظم أفراد الأسرة كما نلمحها في هذا المسكين الذي ابتلى بالثمن الفادح والضحية الكبرى. فخالد بن الوليد — شرف بني المغيرة — لم يفتنه الميل إلى المرأة كما فتن أخاه، ولم يصرفه قط عن عبء من أعباء البطولة ولا عن فريضة من فرائض العظمة والعبقرية، ولكنه على هذا قد تعرض للمؤاخذة من عمر بن الخطاب ومن أبي بكر الصديق في صدد الزواج المعجل في غير حينه، فسبى امرأة مالك بن نويرة، وتزوج في حرب اليمامة وهو بميدان القتال، وسبى ابنة الجودي في دومة الجندل، وقيل: إنه فقد أربعين ولدًا في طاعون الشام وهو بقيد الحياة لما يجاوز الخمسين بكثير.

وتلك في جملتها شواهد العوارض التي يقرر النفسانيون المحدثون أنها سمات العبقرية في منابتها، ومنابتها هي الأسر التي تنجبها وتبذل أثمانها قبل أن تنعم بمجدها وفخارها.

وكما ظهرت هذه العوارض في لون من ألوانها على أخيه عمارة، ظهرت في بعض ألوانها الأخرى على أخيه الوليد الذي كان مثله يراع في رقاده.

فهذا الأخ الكريم كان مع جيش المشركين في وقعة بدر فأسره المسلمون، وطال الكلام في فدائه لغناه وعداوة أهله للإسلام، فطلب آسره أربعة آلاف درهم، وأوصى النبي ألا يقبلوا فدية له غير شكة أبيه الوليد وهي درع فضفاضة وسيف وبيضة. وكل هذه المطاولة والمساومة والوليد باق على دين الشرك في أسر المسلمين. فلما تم فداؤه وذهب إلى أهله، أعلن إسلامه بينهم وهم كارهون، وعجب المشركون لأمره فسألوه: هلَّا أسلمت قبل أن تُفتدى؟ فقال: كرهت أن يظن بي أنني جزعت من الإسار … وصبر على التعذيب والنكاية والحبس بين أهله حتى أفلت بعد جهد وحيلة ولحق بالنبي مشيًا على قدميه …

هذه أيضًا نفحة خالدية من نفحات تلك الأسرة القوية التي تأبى لخلائقها إلا أن تحير الناس وأن ترد عليهم من مورد التفاوت والإغراب والمخالفة للمألوف.

وهي في أطوارها المتباينة منجم العبقرية الذي لا مراء فيه، ومعدن البطولة التي تكتب لصاحبها وهو في الأصلاب.

فها هنا نشأة بطل عبقري مدخر للقيادة والرئاسة بميراث حسبه وطبعه، وملكات نفسه وجسده، جاءته البطولة وهو ينتظرها ولا يشك فيها، وتهيأ لها بالقدرة على الشدة والرخاء والنعمة والبأساء، ويكاد الصدق والإشاعة معًا يتوافيان إلى دلالة واحدة في تربية هذا البطل المنذور للبطولة والعبقرية من قبل ميلاده، فأكلة الضب التي سبق ذكرها واحدة؛ وغيرها أكلات مسمومات يبدو لنا أنها مخترعة أو محرفة ولكن اختراعها وتحريفها يدلان لا محالة على شيء، وهو اشتهار خالد بترويض بنيته على تجرع الغصص التي يتقزز منها الناس ويخافون منها الهلاك. ففي اليواقيت للقطب الشعراني أنه حاصر قومًا من الكفار في حصن لهم، فقالوا: تزعم أنَّ دين الإسلام حق؟ فأرنا آية؛ لنسلم، فقال احملوا إليّ السم القاتل، فأتوه به فأخذه وقال: بسم الله، وشربه فلم يضره. وتردد مثل ذلك في كتاب الإصابة فرُوِيَ عن مصادر شتى أنه لما قدم الحيرة أتى بسم فوضعه في راحته، ثم سمى وشربه، ولم يؤثر فيه.

وقد سمعنا نيتشه — بشير السوبرمان في العصر الحديث — يقول: إنَّ السم الذي لا يميتني يزيدني قوة …

فهذه بنية بطل نشأته للمجد على هذا الغرار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠