ثالثًا: اللغة المتوسطة (السريانية)

وقد يكون أحد أسباب الخطأ في الترجمة من لغةٍ إلى أخرى توسُّط لغةٍ ثالثة، كما حدث في توسُّط السريانية بين اليونانية والعربية.١ وهنا لا يكون الجدل فقط رباعيًّا بين لفظَين ومعنيَين في اللغتَين، بل سداسيًّا بين ثلاثة ألفاظ وثلاثة معانٍ في اللغتَين المنقول منها والمنقول إليها واللغة المتوسطة؛ وبالتالي يكون احتمال الخطأ مضاعفًا: الأول في النقل من اللغة المنقول منها إلى اللغة المتوسطة. والثاني من اللغة المتوسطة إلى اللغة المنقول إليها. ولكن علم الناقل الجيد باللغتَين الأولى والثالثة يجعله قادرًا على تصحيح أخطاء النقل من اللغة الأولى إلى اللغة المتوسطة؛ فالناقل هنا ينتقل مباشرة من اللغة الأولى إلى اللغة الثالثة، ويُصحِّح أخطاء النقل من اللغة الأولى إلى اللغة المتوسطة؛ مما تتطلب النقل مرةً ثانية من اليونانية إلى العربية مباشرةً دون اللجوء إلى السريانية. وفي حالة التوسُّط من النقل عادةً ما يكون الناقل الأول الذي على علمٍ باليونانية والسريانية غيرَ الناقل الثاني الذي على علمٍ بالسريانية والعربية. وإذا ما أَحسَّ الناقل الثاني من السريانية إلى العربية ببعض الغموض واللبس، فعليه مراجعة الناقل الأول في النص السرياني المتوسط لعله أساء النقل من اليونانية؛ ومن هنا أتى العمل الجماعي في النقل، على الأقل العمل المشترك بين ناقلَين. قد يكون الناقل الأول لغويًّا وليس فيلسوفًا، كما هو الحال في حالة الراهب أثانس، فينقل حرفيًّا أرسطو من اليونانية إلى السريانية، فإذا ما كان الناقل من السريانية إلى العربية فيلسوفًا اكتشف الخلل في النقل الأول، وطلب المراجعة عليه قبل النقل الثاني، فإنَّ فهم المعنى هو الطريق لإصلاح اللفظ، فإن لم يجد اعتمد على فهمه الفلسفي الخاص، وأصلح الخلل في النقل الأول بما يتطلبه الفهم الفلسفي، والعقل الخالص واتساق الخطاب. وقد يكون الناقل الثاني على علمٍ باللغة السريانية المتوسطة، فيقوم بالمراجعة بنفسه على النقل الأول؛ مما يتطلب جهدًا مضاعفًا في مراجعة النقل الأول ثم في النقل الثاني. وقد يكون الناقل واحدًا في النقل الأول والنقل الثاني؛ حرصًا على النقل وتدرُّجًا فيه واسترشادًا بنصٍّ متوسط أقرب إلى العربية منه إلى اليونانية، سواءٌ في تركيب الجملة أو في المصطلحات المقابلة. وإنَّ إصلاح الخلل في الترجمات المتوسطة من الناقل أو الناقل الثاني، هو بداية النقل المعنوي المباشر، كخطوةٍ سابقة على التعليق والشرح والتلخيص، إيذانًا بمرحلة التأليف. وتُستعمل السريانية للمراجعة والتصحيح للترجمة العربية على الأصل اليوناني؛ لإدراك معاني النص الأول؛ لذلك يُعتمد على كل الترجمات لتصحيح بعضها بعضًا، دون إدخال التضارُب بينها، كما هو الحال في القرآن الكريم، والجمع بين الآيات لمنع ضرب الآيات بعضها ببعض. وقد يرضى المترجم عن ترجمته ولا يرضى عن أخرى بالسريانية أو بالعربية. وهو في بحثه عن المعنى في عصر بلاغة، التعبير عن المعنى بأبلغ الطرق؛ فالبلاغة هي التعبير عن المعنى طبقًا لمقتضى الحال.

كان من الممكن استعمال لفظ «النقل» للترجمة من اليونانية إلى السريانية، واستخدام لفظ الترجمة للنقل من السريانية إلى العربية أو العكس؛ من أجل التمييز بين النقلَين، واستعمال لفظَين مختلفَين للدلالة على كل مرحلةٍ، بالإضافة على أن النقل من اليوناني إلى السرياني خاص بالحضارة السريانية أساسًا، في حين أن الترجمة من السريانية إلى العربية خاص بالحضارة الإسلامية، خاصةً وأن النقل من اليونانية إلى السريانية من لغةٍ هندية أوروبية إلى لغةٍ سامية، في حين أن الترجمة من السريانية إلى العربية من لغةٍ سامية إلى لغةٍ سامية أخرى؛ وبالتالي تكون المسافة في النقل بين اللغتَين اليونانية والسريانية أبعد من المسافة بين اللغتَين السريانية والعربية. النقل اختلاف في النوع في حين أن الترجمة اختلاف في الدرجة. النقل يتم على مستوى اللفظ في حين أن الترجمة تعبير عن المعنى، كما هو الحال في ترجمة معاني القرآن. ومع ذلك تم استعمال اللفظَين «النقل» و«الترجمة» على التبادُل دون هذا التمييز الدقيق بينهما.

والأقرب إلى العقل أن الترجمة الأولى كانت عبر السريانية، في حين أن الترجمة الثانية كانت من اليونانية مباشرةً؛ فالترجمة عَبْر نصٍّ متوسطٍ عادةً ما تكون في البداية؛ نظرًا لقلة العالمين باللغة الأصلية؛ ولأن هذه النصوص كانت قد تُرجمَت من قبلُ إلى السريانية اللغة الدينية لعرب الشام، فكان من السهل بعد ذلك نقلها إلى العربية، من إحدى لهجات اللغة العربية إلى اللغة العربية الأم، وليس من اللغة اليونانية الأجنبية إلى اللغة العربية.٢
ويمتاز هذا النقل المتوسط من اليونانية إلى العربية عبر السريانية، بأن التعليقات السريانية تُساعد المترجم العربي على فهم النص اليوناني، وتفتح له آفاقًا جديدة، وتُوحي له بمعانٍ مُتضمَّنة في الأصل اليوناني، أظهرتها الترجمة السريانية؛ فالترجمة العربية من السريانية تفكير على تفكير، واجتهاد على اجتهاد. كما يعطي النص السرياني المتوسط إثراءً أكثر للترجمة العربية ومراجعتها على الأصل اليوناني؛ إذ يكون أمام المترجم العربي نصَّان ينقل عنهما: اليوناني والسرياني. وكانت هناك مراجعةٌ للترجمات على أكثر من نصٍّ يوناني وسرياني.٣
ويمكن عمل نفس التحليل المتقابل بين الأصل اليوناني والترجمة السريانية، لمعرفة مدى النقل اللفظي أو الترجمة المعنوية. وتلك مهمة الباحث السرياني الذي يريد أن يثبت أن الترجمة السريانية لم تكن نقلًا حرفيًّا، بل كانت إبداعًا ذهنيًّا يدل على موقفٍ حضاريٍّ عام. وما يهم الباحث العربي هو المقارنة بين النص اليوناني والنص العربي؛ لإثبات نسبة النقل اللفظي إلى الإبداع في الترجمة من خلال التعليق، أولًا داخل الترجمة الواحدة، وأيضًا من خلال الاختلاف بين الترجمات المتعددة. ومع ذلك فإن توسُّط السرياني بين اليوناني والعربي، يمكن أن يُقدِّم بعض النماذج المشابهة لصلة النص اليوناني بالترجمة العربية، من خلال طرق الترجمة الأربعة، فإذا اختلفَت الترجمتان العربيتان ولم يستطع المترجم الترجيح بينها، لجأ إلى السرياني كعاملٍ مُرجِّح لفهم النص اليوناني الأول، وشرح الترجمة العربية الثانية وتوضيحها.٤ ويتم بنفس الطرق: شرح لفظٍ بلفظ، ولفظٍ بعبارة، وعبارةٍ بلفظ، وعبارةٍ بعبارة، وهم الأعم والأغلب. مثلًا «شتم» في اليوناني تصبح استخفافًا مع هزؤ في السرياني. وأحيانًا يكون السرياني أكثر راحةً من حيث التعبير عن اليوناني، حتى يسهل استخدامه من بعدٌ كفكرة موجهة أو كأداة عمل، فإذا كان النص اليوناني «إن كان الفاعل للخير ناقصًا فالفاعل للشر ضارًّا» فإنه يصبح في السرياني «إن كان النافع هو الفاعل للخير فالضار هو الفاعل للشر» تبادلًا بين المبتدأ والخبر، بين التقديم والتأخير. وإن كان النص اليوناني «إن ضد الشر الخير إذ كان ضد الخير شرًّا» فإنه يصبح في السرياني «الخير هو ما هو المضاد للشر فمن البين أن يكون الشر هو ما هو المضاد للخير» قلبًا لصلة الشرط بين الشارط والشروط، تقديمًا وتأخيرًا؛ فالتركيب أوضح وإن لم يكن أبلغ. وفي النص أن العمر الناسك والعمر الفاضل، وفي التعليق في السرياني بنقل إسحاق التدبير السعيد والتدبير الفاضل، وهو أقرب إلى إبراز المعنى من النص.٥
وقد تُؤخذ مصطلحات من السريانية باعتبارها مصطلحاتٍ شارحة وإعادة استخدامها في الترجمة العربية.٦ وقد سبق استعارةَ اللغة العربية من اليونانية استعارةُ السريانية عن اليونانية؛ فتداخُل اللغات موازٍ لتداخُل الثقافات، واللغات تحيا بالتبادل كما تحيا الثقافات.
ويصل الأمر بالإحساس بالفرق بين الترجمة اليونانية والسريانية، إلى الإحساس بالعبارة وتكوين الجملة والتعبير عن المعنى بعباراتٍ مختلفة تتراوح بين العموم والخصوص. ويدُل على ذلك وجود المعنى والفكر ما وراء اللفظ والعبارة.٧ كان حرص القدماء على ترجمة اللفظ والمعنى على عكس الأوروبيِّين المحدَثين، وحرصهم على ترجمة المعنى وحده.٨ كانت الأمانة في نقل اللفظ والمعنى في حضارة وحي، تقوم على الربط الوثيق بينهما؛ لذلك كانت ترجمة متى غير المباشرة لكتاب الشعر أقرب إلى النص اليوناني.
١  نقل كتاب «الشعر» أبو بشر متى بن يونس القناني من السريانية إلى العربية، وكذلك كتاب أنالوطيقا الأواخر المعروف بكتاب البرهان لأرسطوطاليس من نقل أبي بشر إلى العربي من نقل إسحاق بن حنين إلى السرياني (منطق، ج١، ص٢٤). ويذكر الفهرست نقل حنين قطعة من أنالوطيقا الأولى إلى السرياني ونقل إسحاق الباقي (منطق، ج١، ص١٦-١٧). ويبدو من التعليقات أن ثمَّة نقلًا آخر رجع إليها يحيى بن عدي ونقله إلى السريانية ثاوفيل وأثالس وترجمة لابن البطريق (منطق، ج١، ص١٨). أمَّا باري أرميناس فقد نقله حنين إلى السرياني وإسحاق إلى العربي. والسؤال هو: هل كان نقل حنين من اليونانية مباشرةً أم من السريانية؟ وإذا كان يعرف اليونانية فليس بحاجةٍ إلى السريانية (منطق، ج١، ص١٥-١٦). واتصل بي أن إسحاق إبراهيم بن بكوش نقل هذا الكتاب من السرياني إلى العربي، وأنه كان يجتمع مع يوحنا القس اليوناني الهندي المعروف بابن فتيلة على إصلاح مواضعٍ منه من اليوناني ولم يقع إليَّ. وقيل إن أبا بشر أصلح النقل الأول ونقله نقلًا آخر ولم يقع إليَّ (منطق، ج١ ص٣٢٣، ج٣، ص١٠١٧-١٠١٨)، المقالة الثامنة من كتاب طوبيقا بنقل إبراهيم بن عبد الله الكاتب من السرياني بنقل إسحاق (منطق، ج٣، ص٦٩٠).
٢  يرى عبد الرحمن بدوي أن الترجمة الأولى كانت من اليونانية مباشرة، في حين أن الترجمة الثانية كانت بتوسُّط السريانية، ويعطي لذلك سببَين تاريخيَّين صِرفَين: الأول قلة الذين يعرفون اليونانية بين المُشتغلِين بالترجمة. والثاني ترجمة أكثر المؤلَّفات من رجال العهد الأول أنفسهم إلى السريانية؛ توطئةً لترجمتها بعد ذلك إلى العربية؛ مما سهَّل مهمَّة الثاني (منطق، ج١، ص٨).
٣  في الهامش «حاشية بخط ابن السمح: يجب أن نعلم أني كنتُ أنسخ هذه النسخة من نسخةٍ عربية، وما أجده فيها مما أشك فيه كنت أرجع فيه إلى نسخةٍ سريانية صحيحة، وأنظر ما يجب أن يُصلَح فأُصلِحه وأُثبته مصلَحًا في هذه النسخة. ولمَّا انتهيتُ من النسخ إلى هذا الموضع وجدتُ فيه.» تمت المقالة الأولى من هذا الكتاب، ووجدتُ في السرياني، وفي نسخةٍ أخرى عربيةٍ شيئًا كثيرًا من المقالة الأولى فأثبتُّه، وعنده تمام المقالة الأولى وهو قوله: فقد ينبغي أن تعلم أن هذا هو القول فيها. وبعد هذا بالأحمر رجعنا إلى اليوناني، فوجدنا آخر هذه المقالة الأولى على حسَبِ ما هو ثابتٌ في هذه النسخة الثانية وموافقٌ له (الخطابة، ص٥٥، هامش ١). «لم أجد هذه الأحرف في نقل إسحاق إلى السرياني، ووجدتُها في نقل أثانس على هذه الصفة» (منطق، ج١، ص٥٣٠ (٣٠)).
٤  في السرياني بنقل إسحاق وأثانس للحس (منطق، ج٢، ص٥٧٢، (١))، شرح النص اليوناني في السرياني (ج٢، ص٦٠٣، (٢))، شرح المعنى وتوضيحه (ج٢، ص٦٠٤، (٣)، ص٦٠٥، (١)).
٥  منطق، ج٢، ص٦٤١، (١)، ٦٥٤، (١)، ٦٥٥، (٢)، ج٣، ص٦٧٦، (١).
٦  وذلك مثل مصطلح الطرف الأصغر؛ فهو مصطلح سرياني (منطق، ج١، ص١٧٢، (٢)، وفي السرياني أن يضعف ويتسلخ وفي الأصل أن يتشكك (منطق، ج٢، ص٥١٥، (٢)).
٧  في الترجمة «وليس بين المقدمة البرهانية والمقدمة الجدلية فرق». وفي الهامش يذكر نقل حنين في السرياني لا فرق في كون القياس من كلِّ واحدةٍ منها (المنطق، ج١، ص١٠٥، هامش ٨، وأيضًا ص١٤٧، هامش ٢).
٨  كتاب الشعر، مقدمة شكري عياد، ص١٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١