تمهيد

هذه مجموعة من التجارب الفلسفية التي عِشتها خلال العشرين سنةً الماضية، أحاول اليوم أن أضمَّها بين دفَّتَي كتاب بعد أن كانت مشتَّتة في كثيرٍ من المجلات الثقافية في القاهرة والكويت.

وما دمتُ قد أطلقت عليها صفة التجارب أو الخبرات، فليس لهذا الوصف من معنًى سوى أنها نابعة من الحياة نفسها كما نعيشها ونُكابِدها كل يوم، ومِن بحثنا عن المعنى الكامن في علاقاتنا بمن حولنا من الناس، وبالحياة والعالم والوجود في مجموعه، وبالرؤية الشاملة التي كوَّناها أو ما زلنا بصدَد تكوينها، لكي يُصبح لنا موقف أو دور نؤديه في العالم وفي المجتمع الذي نعيش فيه، ونحاول مع غيرنا أن نُنقِذه من أوجه الفساد والتدهور والانهيار التي تتهدَّده في كل لحظة؛ نتيجةً للنظرة الضيِّقة إلى الحياة نفسها، وانحصار تجاربنا الضحلة فيها على قِيم — أو بالأحرى لا قِيم! — المنفعة والمصلحة، بعيدًا عن معايشة الأسرار والأعماق والمنابع الحقيقية للحياة في ثرائها وقيمتها، التي لا تعلو عليها قيمة سوى الحياة ذاتها التي هي القيمة والحقيقة الكبرى والنهائية.

لا شك عندي في أن القارئ قد فطن من الكلام السابق إلى أن التجارب التي أشرتُ إليها وشيجة القُرب من تيار فلسفي ازدهر منذ عشرينيات القرن الماضي حتى أربعينياته، وذلك بفضل فيلسوفَين كبيرين هما دلتاي (١٨٣٣–١٩١١م) الألماني وبرجسون (١٨٥٩–١٩٤١م) الفرنسي، وبعض المُعاصرين لهما مثل زيميل وكلاجيس وكيزرلبنج وفرويد وهانز دريش وغيرهم، على الرغم من أن تاريخها بعيد الجذور في الفلسفة والأدب الغربي بدءًا من أنبادوقليس وبعض الرواقيِّين، حتى بعض خصوم عقلانية عصر التنوير المتطرِّفة، مثل هامان وهيردر وجوته الذي لم يتوقَّف في إنتاجه الأدبي كله عن الدعوة إلى الاندماج والتوحُّد مع الكل الحي، ومشاركة الفاعل الأبدي الخلَّاق في فعل الخلق والإبداع، ثم بعض فلاسفة الحركة الرومانسية والمثالية الألمانية — مثل شيلنج وشلاير ماخر حتى شوبنهور ونيتشه وعدد من الأخلاقيِّين وفلاسفة الوجود أو الوجوديِّين الذين تأثَّروا بغير شك بفلسفة الحياة ومناهجها القائمة على الفهم أو التفهُّم — لسَبرِ أغوار الحياة وتبيُّن معناها والغاية منها من ناحية، وللبحث في العلوم الإنسانية أو علوم الروح عن طريق هذا الفَهم المزوَّد بالتعاطف الوجداني، والبصيرة الكاشفة، والذوق اللمَّاح والحَدس — أو العيان — المباشر الذي يمكِّننا — على حدِّ تعبير برجسون — من التوصُّل إلى ما هو فريد ونسيج وحده في الإنسان وفي الظواهر التاريخية والاجتماعية والأدبية والفنية التي تحاول أن تصل إلى مضامينها العقلية والروحية؛ وذلك تمييزًا له عن منهج التفسير أو التعليل الخاص بالعلوم الطبيعية والمادية. وقد كان من الطبيعي أن يتعرَّض هذا المنهج الحدسي للنقد الشديد من عددٍ كبير من العلماء البارزين في العلوم الإنسانية نفسها، مثل ماكس فيبر وريكمان — الذي قدَّم فلسفة دلتاي للعالم الناطق بالإنجليزية — وهابرماس (الذي يقف اليوم على رأس فلاسفة الحداثة والتنوير والحوار والتواصل مع النزعة النقدية الاجتماعية التي أخذها عن مدرسة فرانكفورت النقدية)؛ إذ حاول هؤلاء العلماء أن يُضفوا الصبغة العلمية الدقيقة على منهج الفهم أو التفهُّم؛١ حتى لا يسقط في الذاتية والنسبة، أو في النزعة الصُّوفية والشعرية الخالصة لدى تعمُّق معاني التجارب الإنسانية عبر العصور، ومُحاولة تكرارها أو معيشتها واستعادتها مرة أخرى (كما يفعل المؤرِّخ والروائي!) وذلك من خلال بعض الخطوات والإجراءات التي تسير عليها العلوم الطبيعية والتجريبية بعد أن يتمَّ تطويعها للتطبيق على علوم الروح، أي العلوم الإنسانية، مثل الملاحظة وفرض الفروض والتحقق منها والقياس الإحصائي والاستقرائي؛ وبذلك لا يكتفي الباحث في العلوم الإنسانية بالفهم الغامض والحدس والتعاطف والحب والمعرفة النابعة منه ومن القلب، بل تخلع عليها الطابع العلمي والتعميمي المُقنِع.

هكذا نرى أن فلسفة الحياة لا تخلو في نهاية المطاف من الذاتية والنسبية، التي أخذَتها — بصورة مباشرة أو غير مباشرة — عن كتابات جوته وبعض الداعين إلى اللامعقولية في مواجهة العقل التنويري الجاف كما سبق القول، وعن الإبداعات الرومانسية سواء في ذلك الإنشائية أو النقدية، وعن الثورة الهائلة التي أطلق نيتشه رياحها العاتية على المفاهيم التقليدية الراسخة عن العقل والحقيقة والتاريخ لكي تُصبح مفاهيم حية، تخدُم الحياة نفسها وتزيدها حياةً عن طريق إرادة القوة — التي هي في النهاية إرادة الحياة — أي إرادة هذه الأرض وهذا العالم الذي نعيش فيه، التي تتجسَّد أو سوف تتجسد فيما سمَّاه الإنسان الأعلى، الذي سيعلو على نفسه وحياته بالمزيد من عشق الحياة بكل لحظة فيها، وملئها بالإبداع والخلق المتحرِّر من ثِقَل الماضي ومن خوف المستقبل؛ حتى يجعل إرادة الحياة أكثر قوةً وبراءة وتجدُّدًا وحياة.

أعتقد أنني لا أُبالغ في شيء إذا قلت إنني قد طبَّقت على الدوام منهج التفهم أو الحدس والتعاطف القلبي والوجداني مع النصوص الأدبية والفلسفية، التي كنت أعكُف على كتابتها أو قراءتها قبل أن أعرف أي شيء يُذكَر عن فلسفة الحياة وأصحابها وتياراتها وجذورها التاريخية التي سبقَت الإشارة إليها. ولعلِّي — إذا أذِن لي القارئ — قد «فهمت» منهج الفهم الحدسي وتقمَّصت روحه بفضل التعاطف، وهو الموهبة الوحيدة التي حبَتنيها السماء والفطرة والوراثة أيضًا (كانت أمي — رحمة الله عليها — رمزًا حيًّا ومجسِّدًا للتعاطف مع الخلق كله إلى حد البكاء المُر عندما أقرأ عليها أخبار الحوادث أو الكوارث الطبيعية التي تُصيب بلادًا بعيدة عنا وبشرًا لا صلة لنا بهم، ولا تعرف شيئًا عن طبيعة حياتهم أو تاريخهم أو لغاتهم … إلخ).

وإني لأتذكَّر الآن كيف كنت أتفهَّم — أي أتغلغل — في أعمق أعماق النص الشعري والأدبي الذي أقرؤه أو أحاول أن أُترجِمه وأدرسه، سواء كان نصًّا لبسافو الإغريقية أو لاو-تزو الصيني، أو لدستوفسكي أو تشيخوف اللذَين أحببتُهما أكثر من كلِّ مَن حولي وما حولي، إلى الحد الذي كدتُ معه أن أفقد هويَّتي، وأصبح شبحًا هائمًا في بيوت ونفوس شخصيات رواياتهم وقصصهم، أو كان نصًّا عويصًا لأبي العلاء الذي أدمنتُ قراءته منذ أن كنت لا أزال صبيًّا حالمًا في المرحلة الثانوية، أو لجبران أو توفيق الحكيم اللذَين عاشا فيَّ وعشتُ فيهما إلى حد التقمُّص أو التوحُّد اللذَين أخشى ألا أكون قد استطعتُ حتى اليوم الحاضر — بعد أن بلغت العقد الثامن من عمري — أن أنجو من تأثيرهما، أو كان في النهاية نصًّا لقصيدة من مئات القصائد التي ترجمتُها ودرستُها، أو نصًّا فلسفيًّا من النصوص التي نقلتها من أفلاطون إلى هيدجر. لا أقول ما قلت بدافع من الزهو أو الغرور، فأنا بحمد الله مُتواضِع تواضُع القدِّيسين، أو على الأقل أحاول أن أكون كذلك، منذ أن أمسكت القلم ودوَّنت أول مقال أو قصيدة أو قصة أو مسرحية، كانت كلها — وربما ما فتِئت كذلك! — متدثِّرة من الرأس حتى القَدم بأثواب السذاجة والرومانسية الراسخة الجذور في كياني، والحزن الذي لم أُفلِح أبدًا في الخلاص من حضور شبحه الجهم المتجهِّم في كل لحظاتي وكلماتي وأفعالي.

بقي الحال كذلك حتى قُدِّر لي — أو قُدِّر عليَّ — منذ منتصف الستينيات أن أنتظِم في سلك التعليم الجامعي، وأقوم بتدريس تاريخ الفلسفة الغربية من طاليس إلى هيدجر! وكان من الضروري أن أتطرَّق في دروس الفلسفة المعاصرة، إلى جذور فلسفة الحياة الكامنة في مذاهب الكانطيين الجُدد، بشِقَّيهم العلمي والتاريخي والأخلاقي، وأن أتعلَّق بأدب «جوته» وشِعره ونثره تعلُّقَ الفراشة الصغيرة بالشجرة الضخمة الوارفة الظلال، والغنيَّة بالثمار الناضجة، والزهور العبِقة، والأوراق المتجدِّدة الخضرة. ويبدو أن حماسي وانفعالي مع حبي الذي كنت أنقل به معلوماتي القليلة عن فلسفة الحياة، قد أعدى بعض طُلابي النابهين الذين واصلوا الدرس الجامعي، ونبغوا فيه بعد أن اختفوا عقودًا كاملة عن عيني. يؤكِّد هذا كتابٌ قيِّم أصدَره في العام الماضي تلميذي الفاضل الكريم الدكتور محمود سيد أحمد، وتقدَّمت الإشارة إليه في هامشٍ سابق. والواقع أنني شعرت بعد قراءة الكتاب بالعجز عن التعبير عن سعادتي وشعوري بأنني حقَّقت — مع هذا الطالب السابق أو غيره ممن لا يزالون يذكُرونني في جامعات القاهرة والخرطوم وصنعاء والكويت — ذلك المعنى الكبير الذي ينطوي عليه الدرس والتدريس بوجهٍ عام، وهو أن يُوجَد بين الأجيال التي تجيء بعدنا مَن يتسلم الأمانة ويحافظ على سطوع شعلتها المُضيئة، والأهم من ذلك وجود الأوفياء الذين يُتمُّون ما عجزنا نحن عن إتمامه، ويحقِّقون ما لم تُسعِفنا ظروفنا البائسة اليائسة من تحقيقه.

مِن المُتفق عليه أن الفلسفات المختلفة، مهما أوغلت في التجريد وأمعنت في التنظير والنسقية، لها جذورها المؤكَّدة في الظروف والأوضاع التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي نشأت فيها، وفي «حالة الوعي» العام الذي كان سائدًا أثناء عكوف الفيلسوف على بناء نسقه أو رؤيته الشاملة. ويظلُّ مِن الصحيح أيضًا أن الفلسفة، كغيرها من الأبنية الفوقية المختلفة كالأدب والفن، لا بد أن تعكس بصورة غير مباشرة ومتعالية أو متجاوزةٍ نبضَ اللحظة التاريخية التي تكوَّنت فيها، وتظل كذلك كلمة هيجل أو تعريفه للفلسفة في تقديري المتواضع صادقَين صدقًا مُطلَقًا، وهو أن الفلسفة بِنت عصرها، أو هي عصرها مُعبَّرًا عنه ومُبلوَرًا في الأفكار. وقد سبق لي، في موضعَين سابقين من كتاباتي في الفلسفة، تأكيد هذا المعنى بصورةٍ ربما تكون أكثر رومانسية وشاعرية، أو أكثر التصاقًا بالتجربة الإنسانية الحية؛ ففي الموضع الأول من كتابي المُبكِّر مدرسة الحكمة (الطبعة الثانية، دار شرقيات، القاهرة، ٢٠٠٦م، ص٩) ترِد هذه العبارات: «إن تاريخ الفلسفة هو تاريخ البحث في المشكلات الفلسفية، قبل أن يكون مجموعة من المذاهب والنُّظم والنظريات. والفلاسفة أناسٌ مِثلنا من لحم ودم، لا آلات مُفرَغة تصنع أفكارًا مجردة وكلمات جافَّة مُخيفة. لقد واجهوا مشكلات عذَّبَتهم، ووقفوا أمام ألغاز في الكون وفي أنفسهم حاولوا أن يجدوا لها حلًّا.» وفي الموضع الثاني (من مقدمة كتابي «لمَ الفلسفة؟» منشأة المعارف بالإسكندرية، ١٩٨١م، ص١١) ترِد العبارات التالية: «إن المشروعات الفلسفية بطبيعتها متعدِّدة الأهداف، وهي بالرغم من طموحها إلى المُطلَق، أعمالٌ بشرية مؤقَّتة ومحدودة كسائر أعمال البشر. ومع ذلك فأنت مُحقٌّ إذا وجدتَ نفسك تختار إحداها وتفضِّلها على غيرها؛ فطبع الإنسان هو الذي يحدِّد فلسفته — كما تقول عبارة وليم جيمز — واختيار الإنسان لإحدى الفلسفات يتوقَّف على طبيعته كإنسان كما يقول فشته. وكل واحد منَّا يميل في النهاية إلى فلسفة دون غيرها. قد تكون وراء هذا المَيل نزعةٌ عقلية أو علمية أو واقعية، رغبةٌ في الإصلاح والتغيير الاجتماعي، أو حاجةٌ إلى الراحة والتدبر والعزاء، شغفٌ بالمعرفة لذاتها أو … إلخ، ولكنه في النهاية يميل إليها بدافع غلَّاب يمتدُّ إلى جذوره نفسها؛ إذ لا يكفي — إذا كان جادًّا ومُخلِصًا بحق — أن يكون له حظٌّ من البراعة والذكاء لمعرفة إحدى الحقائق، بل لا بد أن تملك هذه الحقيقة عليه نفسه، أن يجرِّبها ويتعذَّب بها بما هو شخص وإنسان، خاصةً إذا كانت تتعلق بمعنى وجوده وبمعنى العالم وحقيقة الحياة.»

من هذَين النصَّين «القديمَين» نلاحظ مدى قُربي «الفطري» من فلسفة الحياة، حتى قبل أن أقرأ في بعض أعمال أصحابها، وفي مقدمتهم برجسون (من خلال الكتاب الرائع عنه لأستاذي وزميلي الدكتور زكريا إبراهيم رحمة الله عليه) ودلتاي (لا سيَّما من خلال كتابه التجربة والأدب)، وبعض الأعمال القليلة للودفيج كلاجيس وجورج زيميل وماكس شيلر القريب منهم، وكذلك مدى قُربي بحكم العاطفة والتعاطف والفهم عن طريق القلب والحب قبل العقل، من فلاسفة الوجود أو الوجوديين (من باسكال ونيتشه وشوبنهور، وبعض أعلام التصوف في الشرق والغرب، إلى هيدجر وكاسبرز وكامي، الذين وضعنا لكلٍّ منهم كتابًا مستقلًّا …)

بهذه المعاني السابقة التي تتحوَّل معها الفلسفية والانشغال بها والكتابة فيها إلى تجربة حية، أعتقد — إن لم أكن مُخطِئًا أو مُبالغًا — أن معظم المقالات والدراسات التي ستُطالعك وتُطالعها في هذا الكتاب هي تجارب عِشتها؛ أي كابدتها وعانيتها، حتى ولو كانت تتسم في بعض الأحوال بالنزعة النقدية والتحليلية، أو تميل إلى أن تكون علمية، ولا تخلو من موضوعية بعيدة عن الذات وهمومها وتجاربها، حتى هذه الدراسات والمقالات من النوع الأخير كنت كثيرًا ما أحوِّلها أو تتحول عند صياغتي لها إلى تجارب ذاتية وشخصية.

بعد هذا التمهيد يمكنني أن أستعرض مع القارئ باختصار شديد بعضَ الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بنشأة هذه المقالات، وبعض التجارب الحياتية والفكرية التي دفعتني إلى تدوينها في لحظتها قبل أن تغرق كالأسماك الصغيرة في بحور النسيان والغياب والسأم التي تكتسحنا موجاتها كل يوم وبلا رحمة، ولعل هذه البحوث والمقالات — إذا جاز هذا التعبير — أن تكون جزءًا لا يتجزأ من سيرة حياتي العقلية والروحية التي تمزَّقت طويلًا بين البحث والإبداع، وتكسَّرت أمواجها على صخور الغدر والتجاهل اللذَين طالما واجهتهما وحاولت أيضًا أن أتجاهلهما؛ حتى أستطيع على الأقل أن أُواصل التنفس.

وأبدأ بالمقال الأول في هذا الكتاب، فأقول إنني كتبته في العام ١٩٩٣م متأثِّرًا بالصور المُؤلِمة التي كانت تبثُّها وسائل الإعلام عن الحرب أو بالأحرى المجزرة التي أقامها «أبطال» الصرب لمُسلِمي البوسنة، ووقف العالم فترة طويلة من مذابحهما موقف المتفرِّج. كنت أيامَها أعمل في جامعة الكويت، وأفكر كثيرًا في جدوى الفلسفة ودورها الممكن والضروري في الاهتمام بحياة الناس اليومية وبالقضايا التي تشغل وعي وضمير الإنسان العادي البسيط (أو الرجل الصغير)، وإمكانات تواصُل الفلسفة معه لتوسيع آفاق هذا الوعي، ومعرفة المعايير التي يبني عليها أحكامه وقِيمه، ومساعدته على تكوين رؤية للعالم والحياة تُساهِم في دفع حركة تاريخه ومجتمعه المحلي نحو التطور والاستنارة، وترسيخ قِيم الحرية والعدل والخير والتسامح، والتواصل مع الغَير أفرادًا وشعوبًا وثقافات لزرع شجرة الأمل في مستقبل بشري أفضل وأجمل. ودفعتني مذابح البوسنة أيضًا إلى التفكير الطويل في إمكان وضرورة قيام محكمة للضمير على المستوى المحلي والدولي، على غرار محكمة راسل وسارتر وغيرهما من كبار حكماء العالم وعلمائه وكتابه، لا لإدانة حرب فيتنام وحدها، بل كل أشكال الظلم والقهر والقمع وإذلال الإنسان وتشويهه وإهدار كرامته وحقوقه الطبيعية في الحرية والسعادة والتفكير والتعبير الحر.

مرَّت الأيام ولم أستطع أن أبدأ المشروع الأول، ولا حتى استطعت أن أعرف من أين أبدؤه، ثم داهمتنا أشكال أخرى من العنف وإرهاب الجماعات المتطرِّفة والدول، وتابعنا العدوان الوحشي على لبنان، والعدوان اليومي المستمر على أشقائنا في فلسطين، والغزو الهمجي للعراق الذي حوَّل أم التراث والشعر والعلم العربي الإسلامي إلى عماء دموي، أو مقبرة جماعية لا ندري متى سيخرج منها هذا البلد العزيز. لقد آن الأوان للدعوة الملحة لتشكيل محكمة الضمير من كبار حكماء البشرية وعلمائها وكُتابها بكل وسيلة ممكنة، كما آن أوان مساهمة المتفلسفين الصادقين من شتى البلاد في جعلها حقيقة حية لإنقاذ مصير البشرية من حمق الإرهابيين والمستبدين وكل مجانين العصر. هل ستُصادف الكلمات السابقة أي صدًى لدى شباب المشتغلين بالفلسفة وبالمعرفة بوجه عام؟ وهل يمكن أن يظهر مِن بين الأمواج العكرة والاضطراب والإحباط واللامبالاة مَن يهتم بالكتابة عن «فلسفة» رجل الشارع أو الرجل العادي البسيط؟ ربما لا تتحقق هذه الآمال — إن قُدِّر لها أن تتحقق وترى النور! — إلا بعد أن أصبح أنا وأمثالي ترابًا وذكرى لا يتذكرها أحد، لكن المهم قبل كل شيء وبعد كل شيء هو بقاء شجرة الأمل باسقةً وشعلة نجمته متوهِّجة، مهما ادلهمَّت الظلمات من حولنا.

وتأتي مقالة «الأزمة أم الإبداع» التي أشعر اليوم — بعد كتابتها بأكثر من خمس عشرة سنة — أنها كانت صدًى «نظريًّا» أو انعكاسًا تجريديًّا غير مباشر للأزمة الناجمة عن أم المِحن (الغزو العراقي الغاشم الأحمق لدولة الكويت الصغيرة المستنيرة) في تاريخنا العربي والإسلامي الحديث والقديم على كثرة مِحنه وفتنه. كنت أيامها أعيش مع أسرتي في القاهرة خلال الإجازة الصيفية. قضت المحنة بأن أُمضي عامًا كاملًا في انتظار تحرير الكويت والعودة إلى عملي بجامعتها، وكان من الطبيعي أن تجدِّد أم المِحن تفكيري وانشغالي الدائم بمشكلة التسلط والطغيان، وأن تؤكِّد سوء ظني به وإلحاحي المستمر في معظم كتاباتي الفلسفية والأدبية السابقة، بل في أكثر قصصي ومسرحياتي، على التخلص من جميع أشكاله وصوره المُحبِطة في شتى ميادين حياتنا، وكنت قبل ذلك بشهور قليلة قد فرغت من كتاب ضخم عن أدب الحكمة البابلية، وأتاح لي أن أتعمَّق «جذور الاستبداد» والطغيان في العراق القديم، وأن أُطيل التفكير في قضية الحرية الغائبة عن حياتنا العربية لا عن العراق وحده، وأنشغل بطبيعة الحال بطاغيته وبطله الملحمي «جلجاميش»، واغتنمت فرصة الإجازة الإجبارية، فعكفت على تجسيد المخطَّط القديم عن هذا البطل في مسرحية ملحمية سمَّيتها «محاكمة جلجاميش» (ونشرتها دار الهلال في كتابها الشهري سنة ١٩٩٢م)، ثم فاجأني صديقي العزيز العالم الكبير والناقد الأدبي الفذ الدكتور عز الدين إسماعيل — رحمة الله عليه — بأن طلب مني مقالًا عن الإبداع في الفلسفة ليُنشَر في أحد أعداد مجلة «فصول» المرموقة التي كان يرأس تحريرها. لم يكن همي في الحقيقة هو الوقوف عند نقد الفلاسفة لمذاهب بعضهم البعض ومناهجهم لإبداع مذاهبهم وأذواقهم ومناهجهم الجديدة؛ فتاريخ الفلسفة منذ أن نقد أنكسمسمندروس أستاذه طاليس هو تاريخ النقد المتصل ونقد النقد. أضِف إلى ذلك أنني كنت مشغولًا بتهيئة نفسي لإعداد بحث عن المقولة التي شاعت في السنوات الأخيرة، خصوصًا عند هيدجر ورورتي — كما سبق القول — وإن كانت جذورها واضحة عند ماركس ونيتشه، وهي مقولة نهاية الفلسفة والميتافيزيقا التقليدية، وضرورة تجاوزها بلغتها ومصطلحاتها ومشكلاتها الأبدية لإبداع «فكر وجود» جديد، أو تكييفها للممارسة العملية والثقافية في الواقع العملي. صحيحٌ أنني لم أُتم هذا البحث أبدًا، ولم تبقَ لديَّ رغبة ولا قدرة على إتمامه، لكن الأمر في نظري كان وما يزال هو إبداع الذات العربية لِذاتها ووجودها وقدرها وحاضرها ومستقبلها من خلال كفاحها التقدمي المستنير وعلى ضوء تراثها العظيم، إبداعًا جديدًا تؤكِّد به حريتها ورسالتها وجدارتها بالإسهام في الجهد المشترك لإنقاذ البشرية التي تقف على شفا الاندثار.

وحتى لا أقع في التعميم الإنشائي كتبت هذا البحث عن أزمات التناقض المنطقي والتاريخي، التي رأى بعض الفلاسفة أن يخرجوا منها بإبداع رؤًى ومناهج أخرى جديدة. هل وقع في ظني آنذاك أن تخرج أمتي العربية — التي شقَّت المحنة جسدها، وصرعت حلمها بالوحدة والتضامن — من تلك الأزمة، وتُبدِع ذاتها وحاضرها إبداعًا جديدًا؟ وكيف تصوَّرت هذا وما زِلت أتصور إمكانه مع تفاقُم المحنة، وتحوُّل العراق بعد الغزو الأمريكي إلى جحيم دموي، واستمرار العدوان الصهيوني اليومي على شعب فلسطين، وتصميم القوة الكبرى وحلفائها على التربص بنا ونهب ثرواتنا وإذلالنا؟ إنني لم أتخلَّ أبدًا حتى في شيخوختي الراهنة عن التمسك براية الأمل، ويقيني أن «أم المِحن» قد أكَّدت في الوعي العربي العام حتمية الحرية والديمقراطية إذا أردنا أن يكون لنا إبداع أو حتى أثر للوجود في أي مجال. ولقد أخذت بعض دولنا بالتجربة الديمقراطية، حتى ولو بقيت في بعضها على المستوى الشكلي والقانوني وحده، واقتنع الجميع — الذين تكتَّل بعضهم بالفعل لتحقيق مصالح مشتركة — بحتمية الوحدة العربية على أُسُس واقعية ومصلحية جديدة، وبقي على المشتغلين بالفلسفة وبالهموم الثقافية بوجه عام أن يُواصِلوا إضاءة الطريق نحو إبداع وجود عربي يرتكز على بديهية الحرية، وتحرِّك تاريخَه وحاضرَه القِيمُ الحية والضمائر اليقظة الطاهرة. والواقع أن تتابُع موجات الاجتهادات الفلسفية المُبدِعة، منذ جيل أساتذتنا إلى الجيل الحاضر من إخوتنا وأبنائنا الذين يصعب حصر أسمائهم، يجعلني أزداد تشبُّثًا براية الأمل على الرغم من كل المِحن، ومِن خطر الوقوع كل لحظة — أنا ورايتي! — في مُستنقَع التشرذم والفساد والغدر والتآمر والتبلد، الذي تزكم روائحه الكريهة أنف كل عربي مُؤمِن بأن التوحد هو قارب الإنقاذ الوحيد من مَشانق المصاب التي تزحف ليلَ نهار على رقابنا.

أما عن «النظرية النقدية»، فقد كتبت هذه المقالة أثناء الإجازة الاضطرارية التي سبق أن أشرت إليها، وكانت مجلة «الوحدة» التي يُصدِرها المجلس القومي للثقافة العربية هي التي طلبتها مني لتُنشَر في عدد نوفمبر ١٩٩٢م، الذي كرَّسته للفلسفة والفكر المعاصر. وقد رحَّبت بهذا التكليف — على الرغم من كراهيتي لأي تكليف من أي نوع كان — لأنني كنت وما زِلت مُقتنِعًا بأن الحياة والفكر لا يستقيمان بغير نقد حر مستقل، وأن ممارسة النقد في كل ميادين الحياة الاجتماعية والروحية هو الدليل الناصع على الاعتراف بحرية الناس وحقهم المقدَّس في التعبير والتفكير بعيدًا عن كل المخاوف والضغوط. والحقيقة أن قصتي مع النقد قصة طويلة وطريفة؛ فقد بدأت أُومِن بضرورته القصوى بعد أن فرغت من قراءة «نقد العقل الخالص» كلمةً كلمة وسطرًا سطرًا أثناء دراستي في جامعة فرايبورج تحت إشراف أستاذي فولفجانج شروقه، الذي درس على يدَي هسرل وهيدجر عندما كانا من أبرز الأساتذة فيها، تشرَّفت بعد رجوعي إلى الوطن بترجمة كتابه الأساسي «فلسفة العلو» (حوالَي سنة ١٩٧٢م). لم يكن أستاذي من النقديين بأي شكل من أشكالهم وتياراتهم العديدة؛ إذ اتَّجه نحو تصوُّف دنيوي أو عالمي لم يزَل يُتابع كتابة حِكمه وشذراته العميقة فيه. كان أستاذي الأول إذن في النقد هو كانط صاحب الفلسفة النقدية المعروفة، لكني — مع إعجابي به إلى حد الانبهار والإكبار — لم ألبث أن مارست عليه النقد المعروف، وهو أن نقده للعقل معرفيٌّ بحت، ويفتقر إلى الأبعاد التاريخية والاجتماعية المتغيِّرة التي تغيِّر معها بنية العقل وأدواته، ثم حانت فرصة أخرى للتعرف على أحد التيارات النقدية المعاصرة التي لم تخلُ من العدوانية والتهجم الشديد على التيارات الفلسفية المعاصرة لها، كما لم تخلُ — في تقديري — من الرومانسية ومحاولات التشويه المُغرِض لكل من الماركسية في الشرق والليبرالية الديمقراطية في المجتمعات الصناعية الغربية دون تقديم بديل مُضاد ومُقنِع. كان ذلك عندما عكفت في أواخر سنة ١٩٧٨م، وفي ليل صنعاء الطيِّبة الأصيلة المُنعَم بالصمت والسكينة والهدوء، على قراءة بعض أعمال رُواد النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت. وكنت منذ الأيام الأولى لوجودي باليمن قد بدأت الإعداد لكتابَين؛ عن أفلاطون (وهو الذي ظهر بعد ذلك تحت عنوان: المُنقِذ، قراءة لقلب أفلاطون)، وعن جدوى الفلسفة أو عدم جدواها بالنسبة لعالمنا العربي المتخلِّف والمُمتحَن بالهزائم والمصائب والأخطار التي تهدِّده من داخله ومن خارجه. وظهر الكتاب في سنة ١٩٨١م تحت عنوان «لمَ الفلسفة؟» كان من المحتَّم عليَّ أن أقدِّم دفاعًا نقديًّا عن ضرورة الفلسفة في ذلك الوقت وحتى الآن أكثر من أي وقت مضى. وتيسَّر لي أن أطَّلع على بعض كتابات أدورنو، مثل كتابه عن المصطلح الفلسفي ومقاله عن ضرورة الفلسفة، إلى جانب كتاب زميله ومؤسِّس مدرسة فراكفورت النقدية ماكس هوركهيمر عن الوظيفة الاجتماعية للفلسفة، والكتاب الشهير الذي اشتركا في تأليفه، وهو «جدل التنوير». لم تفِ هذه القراءات بالحاجة إلى معرفة هذه المدرسة معرفةً كافية، وجاء تكليف مجلة «الوحدة» بعد ذلك، فنبَّهني إلى ضرورة التعمق في أفكار هذه المدرسة على قدر الطاقة، وبلغ إلى علم أستاذي الحبيب فريتس شتيبات — رحمة الله عليه ورضوانه — من إحدى رسائلي إليه أنني مشغول بالنقد وبهذه المدرسة، فأرسل إليَّ على الفور كتاب فيجرهاوس الضخم عن مدرسة فرانكفورت النقدية — تاريخها وتطورها النظري وأهميتها السياسية. وغرقت في الكتاب، وفي تدوين ملاحظاتي النقدية على هذه المدرسة، في مقال طويل نُشر في المجلة السابقة الذِّكر، ورجعت إليه بعد ذلك فنشرته في سلسلة حوليات كلية الآداب بجامعة الكويت (الحولية الثالثة عشرة، الرسالة الثانية والثمانون، ١٤١٣ﻫ/١٩٩٣م)، وذلك بعد إضافة تعريفات وافية بأهم أعلام هذه المدرسة (أدورنو – وهوركهيمر – وماركوز – وهابرماس، إلى جانب أهم الرُّواد الذين أثَّروا عليهما، وهما جورج لوكاتش والفيلسوف الطوباوي إرنست بلوخ).

سأكون مقصِّرًا في حق نفسي وثقافتي لو اقتصرت على ذِكر المصادر والمنابع الغربية السابقة؛ فقد طالما تأثَّرت ببعض الأعلام العرب المعاصرين من أساتذتي الذين أدين لهم بكل العرفان والتقدير؛ لفضلهم العظيم في تكوين عقلي ورؤيتي النقدية. وإذا كانوا أكثر من أن تُحصيهم الذاكرة، فأكتفي بتسجيل هذه الأسماء الكريمة: زكي نجيب محمود رحمة الله عليه، الذي هزَّتني وزلزلتني — منذ استمعت إلى محاضراته التي كان يُلقيها علينا في أواخر الأربعينيات — ثوريتُه النقدية ونقده الثوري لمعظم المفاهيم والمعايير والقِيم، التي صوَّر لنا التلقين والتقليد أنها راسخة وثابتة وأبدية؛ وأستاذي وصديقي العظيم فؤاد زكريا — شفاه الله وعافاه — الذي طالما بهرتني بصيرته النقدية الحادة الثاقبة في كل ما كتبه على وجه التقريب. وأخيرًا يُسعِدني تزايد الاهتمام بهذه المدرسة في السنوات الأخيرة في كلٍّ من لبنان ومصر، وإقبال بعض أبنائنا على تسجيل رسائلهم العلمية عن بعض أعلامها البارزين، وبعض القضايا التي تركتها معلَّقة ودون حسم، ومِن أهمها قضية «النظرية النقدية» نفسها التي لم يُوفَّق أصحابها إلى بلورتها في صورة مُقنِعة.

ونأتي إلى المقال التالي عن ماكس شيلر، الذي أعدُّه نموذج الفيلسوف الذي اقترب على الدوام من هموم الناس وقضاياهم ومشكلاتهم اليومية المُلِحة، كما لم يغِب عنه شيء من تطورات العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية في عصره. كان في نيَّتي أن يكون هذا المدخل مجرد مقدمة عامة لكتاب كبير عن فيلسوف «القِيم المادية» القائمة على عواطف وانفعالات الشخص الإنساني، وأن يكون تمهيدًا للأنثروبولوجيا الفلسفية التي احتشد لها سنواتٍ طويلة، وكان في عزمه أن يُصدِرها في مجلد ضخم، لكن الظروف والمشاغل والهموم التي عصفت بحياته المضطربة لم تُسعِفه لتحقيق مشروعه الكبير، فتمخَّض في أواخر حياته عن كتاب صغير هو «وضع الإنسان في الكون»، استطاع بشِقِّ النفس أن يرسم فيه المعالم الرئيسية لتلك الأنثروبولوجيا التي يُعَد أحد مؤسِّسيها الكبار، وصدر قبل رحيله المُفاجئ (عن دار فراتكه في برن وميونيخ) بأسابيع قليلة عندما داهمته أزمة قلبية غادرة، وكنت كذلك قد نويت على ترجمة هذا الكتاب الصغير، لكن قراءتي المتأنِّية له أثبتت عجزي عن فهم المعلومات والمصطلحات العلمية الواردة فيه فهمًا صحيحًا، بجانب عجزي عن متابعة التطورات اللاحقة في العلوم الطبيعية والإنسانية، التي لا شك في أنها غيَّرت كثيرًا من الحقائق والمعطيات التي ذكرها، واستند إليها في تمييزه لوضع الإنسان العاقل والقادر على الحب عن أوضاع جميع الكائنات الأخرى في سُلَّم الوجود الطبيعي والحيوي والعقلي. أضِف إلى هذا ندرة المَراجع التي وجدتها تحت يدي، لا سيَّما في مؤلفاته التي تعذَّر عليَّ التوصل إليها، بجانب ما أصابني مع التقدم في السن من ضعف الصحة والبصر؛ لذلك اكتفيت بهذا المدخل الشامل الذي لا يخرج في الحقيقة عن أن يكون تضمينًا أمينًا لكتابٍ وافٍ عن حياة الفيلسوف وفكره الفلسفي للأستاذ فيلهلم مادير، وهو الكتاب الوثائقي الذي صدر سنة ١٩٨٠م في سلسلة «روفولت» الشهيرة، التي تضمُّ وثائق مصوَّرة عن حياة وأعمال عدد كبير من مشاهير الفلاسفة والأدباء والفنانين في كل العصور والثقافات. للأمانة أقول أيضًا إن الإشارات إلى أعمال شيلر نفسه مأخوذة عن الكتاب المذكور، وإنني لم أتصرف فيه إلا في القليل النادر. وأملي أن يكون فيه بعض الفائدة لشباب المشتغلين بالفلسفة الذين أتمنَّى أن يهتموا، في دراسات أعمق وأوسع، بفيلسوف القِيم الكبير في وقتٍ ما أحوجَنا فيه إلى القِيم الحقيقية، التي كادت أن تُنسى وتُداس بالأقدام بعد أن غلبت على حياتنا وفكرنا وسلوكنا «اللاقِيمُ» السلبية والنفعية التي شوَّهت شخصية المصري، وسلبته الوعي بحاضره ومستقبله ورسالته الإنسانية والأخلاقية والقِيمية، على يد عدد هائل من الشُّطار والانتهازيين واللصوص الكبار والصغار، الذين لم يرعَوا للوطن ولا للحرية والعدل الاجتماعي حرمةً ولا ذمة، ولا تذكَّروا للحظة واحدة أن بلدهم هي مهد الضمير، وموطن «معات» حارسة الحقيقة، والناموس الأخلاقي والكوني الخالد.

وهذا الحوار الذي أُثبِته هنا مع الأب والمعلِّم الحكيم، الذي أتمنَّى أن يستمد منه الشباب المَثل الأعلى والقدوة السامية، هو في الحقيقة تجربة حية بالمعنى الذي وصفته في بداية هذا التمهيد، وهي تجربة لا أكفُّ عن استعادتها بالمعنى الذي ألحَّ عليه فيلسوف الحياة دلتاي، ولا أملُّ اللجوء إلى دِفئها وحنان صاحبها وحكمته ورعايته (التي أسبغها على عدد كبير من أبنائه العقليين والروحيين الذين تشرَّفت بأن أكون واحدًا منهم).

أقول إنني كثيرًا ما أستعيد هذه التجربة الحية النادرة بين تجارب حياتي القليلة، التي قُدِّر لي فيها أن أحب أو أفرح أو أسعد لحظات برعايةِ راعٍ أو بنظرةِ مُحبٍّ وفيٍّ، وذلك كلما ضربتني شمس صحراء الغربة والوحدة والإحباط والمرارة. إن في تجربة هذا الحوار الشيِّق والعميق عزاءً أي عزاء، وهو يُغنِيني ويُغنِي القارئ عن المزيد.

ليس عندي كذلك ما أُضيفه إلى هذا المقال سوى بعض المعلومات التي لا تهم القارئ العادي، وإن كان من الممكن أن تُفيد أحد الباحثين أو المؤرِّخين «لأم المِحن» وتوابع زلازلها الجهنمية، التي ما زالت تهزُّ العراق الشقيق، وتُغرِقه في جحيم دموي، وتمزِّق الصف العربي، وتكسر أجنحة حلم الوحدة العربية التي لا بديل عنها إن أردنا أن نُوجَد ونكون:
  • (أ)

    كنت في أوائل التسعينيات قد كُلِّفت من قِبل رئيسي فؤاد زكريا، الذي هو في الوقت نفسه أستاذي وصديقي العظيم، بتدريس الفلسفة الشرقية بجامعة الكويت. قبِلت التكليف راضيًا وشاكرًا، ورحت أُشبِع جوعي وظمئي القديمَين (طوال أربع أو خمس سنين) للاطلاع على ما أقدر عليه من نصوص الفلسفة الشرقية؛ مِن الحكماء الدينيين والأخلاقيين في مصر القديمة وفي سومر وبابل وآشور، إلى الزرادشتية والبوذية والطاوية والكونفوشيوسية، وذلك على الرغم من التحفظ الذي أبديته للأستاذ والصديق الكريم، وهو أن دراسة «الحكمة» أو الفلسفة الشرقية دراسةً جادة لا تتسنى أبدًا بغير العلم بالنصوص الأصلية، وما أقلَّ العارفين بها في بلادنا العربية!

  • (ب)

    وشاء حظي — السعيد في هذه المرة! — أن أعثر في مكتبة جامعة الكويت (كنا في أواخر الثمانينيات، وقبل المحنة التي أطبقت كوارثها على الكويت وعلينا جميعًا في أول شهر أغسطس سنة ١٩٩٠م)، أقول شاء حظي أن أعثر على كتاب قيِّم لعالم الآشوريات الإنجليزي الكبير لامبرت، يضم صورًا للألواح الأكدية للنصوص الكاملة لما يُسمَّى بأدب الحِكم البابلية (صدر الكتاب تحت عنوان أدب الحكمة البابلية، سنة ١٩٦٧م، أكسفورد، مطبعة كلاريندوز). شدَّني الكتاب كما جذبتني الحضارة البابلية بجلالها وسِحرها وغموضها أكثر من أربع سنوات، تسنَّى لي فيها أن أعرف عن السومريين — شعب الثقافة الأولى في وادي الرافدَين — ما لم أكن أعرف، وأن أعيش تجربة حية وإن تكن كئيبة وقاسية مع التاريخ البابلي والآشوري السياسي والاجتماعي، بل مع عالمهم الأخروي الذي لم ألمح فيه شعاع أمل واحد، وعكفت على ترجمة أدب الحكمة البابلية بأكمله، وقدَّمت له بمقدمة طويلة عن الحكمة الشرقية بوجه عام، وجدارتها بأن تكون هي فجر الفلسفة العقلية التي نعيش تراثها العظيم، منذ طاليس وفيثاغورس حتى هيدجر وهابرماس ورورتي وغيرهم، وكان أن أتممت كتابي «حكمة بابل» بعد جهد ثلاثة أعوام متصلة، وسلَّمته لسلسلة عالم المعرفة، التي ظهر فيها في عدد ديسمبر سنة ١٩٩٤م تحت عنوان مختلف وهو جذور الاستبداد، قبل رجوعي للقاهرة في إجازة العام الدراسي، ثم صدمتي في أم المِحن التي أطلق كارثتَها شيطانُ العراق الأحمق وطاغيته الغبي. وكان من الطبيعي أيضًا أن أغرق في دراسة درَّة الحضارة البابلية، وهي ملحمة جلجاميش، التي توفَّرت عليها في «الإجازة الاضطرارية» التي سبق أن أشرت إليها، واستوحيتها في نفس الوقت مسرحية ملحمية ظهرت في سلسلة كتاب الهلال سنة ١٩٩٢م. ولما رجعت إلى مقر عملي بعد التحرير بدا لي من الواجب أو من الخير أن أُلحِق المسرحية بترجمة جديدة للملحمة الشهيرة (إذ لم ترضني الترجمات العربية السابقة كل الرضا)، وتفضَّل قسم النشر بجامعة الكويت بنشر هذه الترجمة عن الألمانية بعد أن تكرَّم صديق العمر العزيز والمتخصِّص في الساميات، وهو الدكتور محمد عوني عبد الرءوف، بمراجعتها على الأكادية مراجعةً دقيقة (وقد نشرتها بعد ذلك دار النشر أبولُّو، ثم هيئة قصور الثقافة …)

وأخيرًا لا أجد ما أقوله عن الملحمة وافتتاني بكنوزها الأدبية والفلسفية التي لا تنفد، أكثرَ مما قلته في المقدمة المُسهِبة للترجمة، وفي سياق كتابي «جذور الاستبداد». ها هي المحنة ما زالت مستمرة، وها هو شعب العراق الحبيب الموهوب، والغني بتراثه من العلماء والشعراء منذ عهد العباسيين، بل منذ الألف الرابعة قبل الميلاد، ها هو يُذبَح أبناؤه كل يوم، ويُنهَب تراثه، ويُدمَّر تدميرًا. والمؤامرة الصهيونية-الأمريكية تُحكِم على رقبته شبكتَها العنكبوتية الدموية، وأخطبوطها الكابوسي الرهيب، ومِشنقتها الكئيبة التي قضت على الطاغية المغرور بطريقة مُهينة لكل العرب. ولسنا ندري متى يرجع العراق الحبيب لأمته مرفوع الرأس موفور الكرامة، ولا متى نخرج نحن من موقفنا المُخجِل المهين، موقف المتفرِّج، فيُشارِك كلٌّ منا على قدر طاقته في البعث الجديد لنهضة هذا الشعب البطل، الذي جنى عليه وعلينا الطاغيةُ الذي طالما تمسَّح في جلجاميش، ووضع صورته — كما سمعت — إلى جانب صورة للبطل السومري القديم على مدخل مدينة كربلاء، وليته تعلَّم شيئًا منه أو حاول أن يتطهر مثله من ذنوبه القاتلة التي أوقع شعبه في حفرتها المُميتة كما أوقع العرب أجمعين.

«تا-وتي-كنج»: لست في حاجة للكلام عن هذا الكتاب الشهير عند كل المثقفين الحقيقيين، سوى أنه كان وما يزال أحب كتاب إلى قلبي. والمقال الذي ستُطالعه عنه كان في الواقع استجابة لمجلة الهلال، وجوابًا على سؤالها الطريف عن أحب الكتب إلى قلبك. لم أتردد في القول بأنه هو كتاب الطريق (أو التاو، وهو مصطلح فلكي في الأصل، لكنه أصبح عند أتباعه الطاويين هو طريق الحقيقة أو طريق الحكمة)، والفضيلة (تي) التي تُترجَم أحيانًا بالحياة وأحيانًا أخرى بالحقيقة.

وقد سبق أن نقلت هذا الكتاب الخالد إلى العربية حوالَي سنة ١٩٦٤م، وظهر في سلسلة الألف كتاب الأولى عن دار النشر سجل العرب، وقرأه الكثيرون الذين أمكنهم التوصل إليه، وأحبَّه الكثيرون ممن تجاوبوا مع فلسفته الصوفية التي تتلخص في البساطة والوداعة وعدم الفعل؛ أي البعد عن كل ما يجرح السكينة ويُورِث العنف والقلق والصراع. إنه كتاب الديانة الطاوية التي تدعو للرجوع إلى الطبيعة أمِّ الخير كله، والتمسك بالهدوء الذي يغلب القوة والطغيان والجبروت، كما تفتِّت الصخرَ الجامد قطراتُ الماء الرقيقة.

قلت إني لا أجد عندي ما أُضيفه عن هذا الكتاب؛ لأن المقال يكاد أن يكون تلخيصًا وافيًا لمعناه ومضمونه الذي عرضه الحكيم لاو-تزو (من القرن الخامس قبل الميلاد) في واحد وثمانين مقطوعة شعرية، قمت بنقلها إلى العربية (عن الترجمتَين الألمانية والإنجليزية لكل من ديبون وآرثر والي …)

أستطرد قليلًا فأقول إني قلت في مقدمة الكتاب الذي مرَّت على ترجمته للعربية أربعون سنةً ما معناه أنني أدعو الله أن يقيِّض له من أبنائنا مَن يُترجِمه عن الصينية مباشرة. وقد سمعت قبل أيام أن أحد أساتذة اللغة الصينية في كلية الألسن، وهو الدكتور محسن سيد الفرجاني، قد ترجمه إلى العربية ونشره ضمن سلسلة المشروع القومي للترجمة (التي سبق للمُترجِم الفاضل نفسه أن نشر فيها محاورات كونفوشيوس). لا أملك الآن إلا الترحيب بهذه الترجمة التي لم أطَّلع بعدُ عليها ولا أستطيع الحكم عليها، ولكنني آمل أن تكون قد وُفِّقت في التعبير عن المعاني الصوفية والإنسانية العميقة في هذا الكنز الصوفي بلغة عربية مكافئة للنص. ويبقى في النهاية أنني استلهمت من هذا الكتاب قصة طويلة نُشرت في الكتاب التذكاري الذي أعدَّه الأبناء والتلاميذ الأوفياء لأستاذهم الناقد الكبير الدكتور محمد حسن عبد الله (كلية دار العلوم، الفيوم، ٢٠٠١م).

لا أحسبني في حاجة لإطالة الكلام عن «عالم صوفيا»، ولا عن «ثورة إلى الأبد»؛ فالأُولى رواية تحقِّق الزواج السعيد بين الفلسفة والفن؛ إذ تعرِض أهم الأفكار والشخصيات والمذاهب في تاريخ الفلسفة الغربية، وتضعها في قبضة صبية صغيرة؛ ومِن ثَم في قبضة أي إنسان عادي بسيط، ليعرف نفسه، ويسأل السؤالَين الكبيرَين: مَن أنا؟ وما العالم أو الوجود الذي يحيط بي؟ ولم يكن هدف المؤلِّف النرويجي هو إلقاء دروس في الفلسفة على فتاة صغيرة بريئة، وبلبلة خاطرها بالاندهاش والحيرة والارتباك التي هي أصل التفلسف، بل كان هدفه في تقديري هو إيقاظ وعي البشر العاديين على حقائق عالمهم وأباطيله، ودعوتهم لجعل الحقائق الفلسفية حقائق حية، والتكاتف مع بعضهم لتغيير الواقع وتخليصه من الظلم والجهل والقبح والشر والعدوان. هو في النهاية حلمٌ يوتوبي جميل في رواية شديدة الجمال، ليتنا نظل نحلم به، ونُواجِه به واقع العالم السيئ والعصي على التغيير! أما الثورة إلى الأبد فتعود إلى أب الثوار في كل العصور والحضارات، بل أب البشر وخالقهم العطوف عليهم في الأساطير الإغريقية، وهو بروميثيوس سارق النار الشهير من آلهة الأوليمب، وذلك من خلال شذرة مسرحية ألَّفها جوته الشاب في مرحلة الجموح والإيمان بالعبقرية لدى الفرد العبقري المُبدِع، وهي التي تُسمَّى مرحلة العصف والدفع في تاريخ الأدب الألماني. هل ينجح هذا المقال في إقناع القارئ بضرورة الإيمان بالثورة الخالدة والتمسك بها في كل مجال؟ وهل يُغري المُبدِعين بأن يكونوا بروميثيين في كل ما يُبدِعون؛ أي يكونوا ثوريين بحق؟

وأخيرًا تأتي سيرة قصيرة وحوار قصير أيضًا، ربما ساعدا مع التجارب السابقة على إلقاء شيء من الضوء على تجربتي الفلسفية المتواضعة والمحدودة. في هذه السيرة وفي الحوار شيءٌ من الاعتراف الصادر عن القلب بعد رحلة العمر مع الفلسفة والأدب، نشرت السيرة في باب التكوين الذي دأبت مجلة الهلال على مدى سنوات طويلة على استكتاب عدد كبير من الأدباء والفنانين والعلماء والأعلام في شتى الميادين ودعوتهم للمشاركة فيه، وذلك في عدد سبتمبر سنة ١٩٩٠م أثناء الإجازة الإجبارية التي سبقت الإشارة إليها، وربما انعكست عليه ظلال من نيران الحزن والفجيعة التي أشعلتها أم المِحن التي لم نزَل نعيش في آثارها المدمِّرة.

أما الحوار فقد أجراه معي صديقي الرقيق شاعر قصيدة النثر جرجس شكري، ونشرته مجلة «نزوي» العمانية، التي يرأس تحريرَها الشاعرُ سيف الرحبي، وقد وقعت عليه بالصدفة ضمن ركام أوراق منسية، فراجعته ووجدت أنه يستحقُّ أن يُضاف إلى هذه التجارب بما فيها من اعترافات ظاهرة أو مُضمَرة.

وفي النهاية أسأل هذا السؤال: هل يُوحي هذا التمهيد مع المقالات والدراسات التالية، بالإضافة إلى ما سبق أن نشرته قبلها، بأنني قد أصبحت فيلسوفًا؟ أُجيبُ على الفور: قطعًا لا! إنما هي طرقات على باب الفلسفة، كما قال لي الأب والمعلِّم العظيم زكي نجيب محمود في حديثي معه. لقد كانت غاية جهد جيلنا كله وجهود الأجيال التي سبقتنا هو تمهيد الأرض للتفلسف الحقيقي المُبدِع، والأمل معقود على الأجيال التالية لتحقيق هذا الهدف الكبير، ولن تحقِّقه حتى تبدأ من القضايا والمشكلات والعلاقات اليومية من حولها، ثم تعمِّم وتنظر على طريقة الفلسفة، وعلى هدي خلفية واسعة من تراثها العريق في الشرق والغرب. وليتها تبدأ بالاهتمام بفلسفة الأخلاق ومبحث القِيم؛ فما أشدَّ حاجتَنا لاستعادة القيم الحية التي داستها أقدام العصر، ومرَّغتها ثقافة الانحطاط في الوحل والطين!

القاهرة
في شهر شعبان ١٤٢٨ﻫ
الموافق شهر سبتمبر ٢٠٠٧م

هوامش

(١) راجع هذا الكتاب القيِّم للدكتور محمود سيد أحمد، فلسفة الحياة، دلتاي نموذجًا، القاهرة، الدار المصرية السعودية، ص١٥١، ١٩٨٨م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠