باب النقد

(١) الأدب في القرن التاسع عشر

فشا بيننا معشر المصريين داء عُضال لم يجد أمامه من الأساة من يقاومه ويستأصل شأفته، حتى طال به العهد وأصبح كأنه غريزة في النفوس، اعتدنا أن نعتقد العجز في أنفسنا مهما بلغت قدرتنا وكفاءتنا فلا نحكم عقولنا في أي أمر مهما كان سهلًا لا يستدعي للحكم عليه إجهاد الفكر أو الاستعانة بأولي النظر؛ ظانين أن هذا من التواضع والنفور من الغرور، لعمرك ما هذا إلا الضعف والخذلان والجمود وقتل النبوغ حينما تبدو بوادره، والحيلولة دون الترقي والفلاح، فترانا إن اختلفنا في قيمة عمل ما لم نجد أمامنا حكمًا غير الرأي العام الذي نجله ونمجده وننصاع إليه، كلنا نعلم أن العامة مهما فاقوا الخاصة في العدد أضعافًا مضاعفة لا يعتد برأيهم ذوو الرأي الثاقب؛ لتجردهم من المقدرة التي تؤهلهم للحكم.

لست بذلك أبغي من كل فرد أن يسلك سبيل الغرور ويركب متن الشطط فيضل في بيداء أوهامه، ويحكم نفسه في كل شيء سواء كان من ميسوره أو فوق مقدوره، بل ينبغي له أن يعرف قدره وفضله ويضع نفسه بعدل في موضعها اللائق بها، فلا يتناول حكمه أمرًا لا يستطيع القضاء عليه، فبذلك يستمر في رقيه لبعده عن الغرور ويكون عادلًا في قضائه.

ومن الناس من يستعين في حكمه بمعلوماته ومحفوظاته دون أن يكون له رأي ذاتي ويظن أنه هو الذي أصدر هذا الحكم، كلا فإنه واهم؛ إذ الحقيقة أنه صادر من فئة من العلماء الذين حفظ أقوالهم وآراءَهم، فيجب عليه إذن أن يتجرد من معلوماته ومحفوظاته عند الحكم لئلا تؤثر في فكره ويستملي عقله وشعوره ليصل إلى الحقيقة، ولا مانع من الرجوع إلى المعلومات بعد إصدار الحكم علَّنا نجد فيها ما يعزز رأينا ويؤيد حكمنا.

ومن أدوائنا القتالة حب الشهرة التي لا تتفق مع الرقي؛ إذ هما ضدان لا يجتمعان، وللمتفانين في حب الشهرة الكاذبة أساليب متنوعة؛ فمنهم من يستعين بأقلام غيره، ومنهم من يسرق خطبة من الكتب المتفرقة، ويا ليته عرف كيف يجمعها ويجعلها موضوعًا مفهومًا، أو يترجم قطعة ينتحلها لنفسه ثم يذهب إلى المدارس الساقطة ويلقيها بتشدق عجيب وإشارات ملؤها الخيلاء على مجمع من تلاميذ المدرسة وخليط من عامة جيرانها فيصفقون له التصفيق الحاد، فيتمايل حضرة الخطيب المِصْقَع تِيهًا وإعجابًا، ومنهم من يستأجر الكتاب لتحرير مجلة أو جريدة ينسبها لنفسه ويستمر في إصدارها ولو كانت سائرة في سبيل الخراب، وكفاه فوزًا بأمنيته أن يلقبه صغار التلاميذ بالكاتب الفاضل صاحب جريدة أو مجلة كذا ومنشئها، ومنهم من يسعى في تأليف ما يسمونه بالجمعيات الأدبية وينفق عليها من ماله الخاص تسهيلًا لتأسيسها؛ ليكون لها رئيسًا وخطيبًا وينقش على بطاقة زيارته اسمه بخط الثُّلُث ويُزَيِّله برئيس جمعية كذا، ومنهم من يريد أن يمهر ابنته فضلًا إن أعوزها المال والجمال وأصبحت عانسًا فيستأجر من يكتب لها كل أسبوع مقالًا يملأ بها أعمدة الجرائد، وقد فاته أن المال أعظم شفيع للجهل والدمامة وسوء الخلق والسمعة، وأن شبابنا لا يهمهم أن تكون لهم عروس أديبة فاضلة كريمة الأخلاق … حياة الشهرة الكاذبة قصيرة؛ إذ لا تلبث أن تبددها شمس الحقيقة ويعقبها السقوط الأبدي والافتضاح والحسرة على ضياع عمر طويل جريًا وراءها، وكان الأجدر به أن يصرفه في الرقي حتى يصل لدرجة تؤهله لإخراج ما ينفع الناس من جليل الأعمال، وما يكسبه شهرة صحيحة يتناقلها الخلف عن السلف.

ليس من الحزم أن نجاري السلف في أحكامهم ونطبقها على عصرنا دون إعادة النظر فيها وتمحيصها؛ لأن الأزمان تختلف في درجات مدنيتها ومعارفها، ولقد تمادينا في تمجيد الشهرة القديمة حتى كادت تغطي على نوابغ العصر، وما فتئ كثير منا ينقب على مؤلفاتهم ويشتريها بأثمان باهظة ويدخرها كأنفس الأعلاق أو المخلفات المقدسة.

ابتدأت اللغة في عهد محمد علي باشا وخلفائه أن تدب فيها الحياة بعد موتها، فنبغ في مصر فئة كانوا نجوم عصرهم فاهتدت بهم الأمة في ديجور الجهل، وكانت لهم اليد الطولى في تلك النهضة العلمية، مثل: «عبد الله باشا فكري، وقدري باشا، ورفاعة بك رافع، وعبد الله أفندي أبي السعود، ومحمد أفندي عبد الرازق، ومحمد بك عثمان جلال، وعبد الله أفندي نديم، ومحمود أفندي صفوت الساعاتي، والشيخ علي أبي النصر، والشيخ أحمد عبد الرحيم»، فمنهم من خدم الشعر والنثر، ومنهم من عُنِيَ بالتعريب، ومنهم من اختص بالصحافة، ومنهم من نفع القضاء، ونريد الآن أن ننظر في أعمالهم ونختبرها لا قصد الازدراء؛ بل لنعلم إن كانت تنفعنا في عصرنا أم لا، فننشرها من رموسها أو ندعها نائمة مطمئنة محترمين رفاتها كأنها آثار تاريخية نستعين بها على درس أطوار اللغة والأدب في مصر.

(١-١) عبد الله باشا فكري

نبدأ بأميرهم في الصناعتين ألا وهو الشاعر الناثر عبد الله باشا فكري ناظر المعارف، مَن كانت قدمه راسخة في العلوم العربية رقيقًا في النثر والنظم، ولئن جارى زمنه في التسجيع فإن سجعه كان مقبولًا سلسلًا متينًا تزينه سلامة الذوق قليل التكلف، ومن أرق ما كتبه نثرًا رسالته التي كتبها لأحد أصدقائه يصف بها الأزهريين في ذاك الزمان، وقد حوت من رقيق الفكاهات ودقيق الوصف ومزايا العربية وفضلها وطباع أهل الأزهر وأخلاقهم، وأولها:

كتبت والذهن فاتر من وهن الدفاتر.

ومن جيد شعره قصيدته الرائية التي نظمها عقب الإفراج عنه بعد اتهامه إبَّان الثورة العرابية، وقد توجه إلى سراي عابدين فأعرض عنه الخديو توفيق باشا ولم يسمح له بمقابلته، وأولها:

كتابي توجه وجهة الساحة الكبرى
وكبر إذا وافيت واجتنب الكبرا

ومنها:

أيجمل في دين المروءة أنني
أكابد في أيامك البؤس والعسرا
وأُحْرَم من تقبيل كفك بعدما
ترامت بي الآمال مستأنسًا برا
ولي فيك آمال ضميني بنَجْحِها
وفاؤك لا أرجو سواك لها ذخرا
وقد مرَّ لي فوق الثلاثين حِجَّة
بخدمة هذا الملك لم آلها صبرا
أرى الصدق فرضًا والعفاف عزيمة
ونصح الورى دينًا وغشهم كفرا
وجاوزتها لا لي عقار يفيدني
كَفافًا ولا في الكف قد أبتغي وفرا
ولو شئت كانت لي زروع وأنعم
ومال به الآمال أقتادها قسرا
ولكنها نفس فدتك أبية
تعاف الدنايا أن تمر بها مرا

وقد كانت هذه القصيدة أعظم شفيع له، فسمح له الخديو بالمثول بين يديه وحظي بصفوه ورضاه وأعيد إليه معاشه، فقال في هذا المقام قصيدته المشهورة ومطلعها:

لي الله من عاني الفؤاد متيم
ولوع بمغرى بالدلال منعم

ومن أحاسن شعره قصيدته التي هنأ بها توفيق باشا حينما جلس على عرش الأريكة الخديوية، وأولها:

اليوم يستقبل الآمال راجيها
وينجلي عن سماء العز داجيها

نشأ عبد الله باشا فكري في أواخر حكم محمد علي باشا يتيمًا فتكفله بعض أقاربه، ولم يُعْنَ بإدخاله إحدى المدارس بل اقتصر على تعليمه القرآن، ثم أرسله إلى الأزهر فأتقن العلوم العربية المتداولة فيه واللغة التركية، ولو كان يعرف الفرنسية لكان أطول باعًا وأعظم شأنًا.

(١-٢) محمد قدري باشا

كان عالمًا فاضلًا، متبحرًا في العربية والفرنسية، بارعًا في فقه أبي حنفية، شاعرًا رقيقًا، ذا إلمام تام بالجغرافية والتاريخ، يحسن التركية والفارسية، ومن مآثره «كتاب الأحوال الشخصية» وبعض كتب مدرسية، وكان أعظم العاملين في ترجمة قانون المحاكم، وله كتاب جغرافية باللغة الفرنسية طبع في النمسا، ومن رقيق نظمه قصيدته التي مدح بها الخديو إسماعيل باشا ومطلعها:

حيا الصفا مصر مسرورًا بواديها
وزارها الغيث فاخضلت بواديها

ومنها:

وتيمتهم بها سكرًا وما عرفوا
السكر من راحها أم من لَمى فيها
ووجها البدر قد تمت محاسنه
أستغفر الله ما أنصفت تشبيها
فالشمس منها استعارت نور طلعتها
والبدر أدنى فكيف البدر يحكيها

ومنها:

ورحلتي عن دياري أمرها عجب
لولا الإطالة كنت الآن أحكيها
كانت حدائق بالعرفان يانعة
كما هي الآن يا محيي معاليها
وكعبة لبني الآمال يقصدها
للفضل والأنبيا كانت توافيها
«سولون» «أودوكس» «أفلاطون» قد درسوا
في «عين شمس» وكانوا من مواليها

ومنها:

وفضل مصر عظيم الشأن قد شهدت
به الممالك قاصيها ودانيها
لكنها أصبحت من بعد عاطلة
من العلوم التي كانت تحليها
أسباب ذلك لا تخفى على فَطِن
له وقوف على أحوال ماضيها
إن الممالك كالأفراد في شبه
فالجهل يخفضها والعلم يعليها
وأنت أدرى بذا مني ومطلع
على التواريخ لا تحتاج تنبيها
«لا يعرف الشَّوْق إلا من يُكابده
ولا الصَّبَابة إلا من يُعانيها»

وله من قصيدة أخرى:

رجوت علاه أن يُشَنِّفَ مسمعي
فغنى من الفتيان دورًا وقسما
أغن إذا ما جَسَّ أوتار عوده
يكاد حنين العود أن يتكلما

ومنها:

ويا كفه هل أنت أو غَيْث دِيمَة
أجبني فإني خلته لك توأما
رضيعا لبان أنتما لكما الوفا
ويكفيكما فخرًا رضا مصر عنكما
وكان أخوك الغيث لا يعرف الندا
وعلمته أنت الندا فتعلما

(١-٣) رفاعة بك

لا نبالغ إن قلنا: إن هذا الرجل أعظم من نفع البلاد، وهو الذي أسس مدرسة الألسن وعُيِّن ناظرًا لها، وقد هذَّب مئات من خيرة الرجال، وكانت عزيمته لا تعرف الملل، يقطع نهاره في التدريس ويحيي ليله في ترجمة الكتب النافعة، وقد ألف وترجم وحده عدة كتب، هذا بخلاف ما ترجمه قلم الترجمة بمراقبته، مثل: «كتاب لمونتسكيو» لم أتحقق من اسمه، «ووقائع تليماك»، وثلاثة أجزاء من «جغرافية مالت برون»، ونبذة من «تاريخ الإسكندر»، و«أصول المعادن»، و«تقويم سنة ١٢٤٤»، و«مقدمة جغرافية طبيعية»، وثلاث مقالات في «الهندسة»، ونبذة في علم «الهيئة»، وقطعة من «علميات رؤساء ضباط العسكرية»، و«أصول الحقوق الطبيعية»، ونبذة في «الميتولوجيا»، ونبذة في «علم سياسات الصحة» (تقويم الصحة)، ومما ألفه «أنوار توفيق الجليل في تاريخ مصر وتوثيق بني إسماعيل»، و«نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز»، وكتاب «المرشد الأمين في تربية البنات والبنين»، وكتاب «مناهج الألباب»، وكتاب «قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر»، ورحلته المسماة «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» وغيرها، وله قصائد عديدة مدح بها سعيد باشا وإسماعيل وغيرها قالها في مناسبات مختلفة وأعظمها التي نظمها وهو في السودان، وقد عُيِّن هناك ناظرًا لمدرسة الخرطوم فأرسل هذه القصيدة إلى حسن باشا كتخدا مصر متوسلًا إليه أن ينتشله من السودان بعد أن مات نصف من بصحبته من الأساتذة، والقصيدة تشير إلى أحوال السودان وعوائد أهلها، ويشكو فيها ما ناله من الظلم إثر سعاية أهل الفساد، فسمحوا له بالعودة إلى مصر بعد أن مكث هناك أربع سنين، ومطلع القصيدة:

ألا فادعُ الذي ترجو ونَادِ
يُجِبْكَ وإنْ تكن في أي ناد

ومنها:

رعى الحنان عهد زمان مصر
وأمطر ريعها صوب العهاد
رحلت بصفقة المغبون عنها
وفضلي في سواها في المزاد
وما السودان قط مقام مثلي
ولا سلماي فيه ولا سعادي
بها ريح السموم يشم منها
زفير لظى فلا يطفيه وادي
عواصفها صباحًا أو مساء
دوامًا في اضطراب واضطراد
ونصف القوم أكثره وحوش
وبعض القوم أشبه بالجماد

ومنها:

خدمت بموطني زمنًا طويلًا
ولي وصف الوفاء والاعتماد
فكنت بمنحة الإكرام أولى
بقدر للتعيش مستفاد
وغاية مطلبي عودي لأهلي
ولو من دون راحلة وزاد

وله تخميس لقصيدة من نظم الشيخ عبد الرحيم البرعي وهي متوسطة في الجودة وهو معذور؛ لأن الأصل من شعر الفقهاء، ومطلعها:

تُبْدي الغرام وأهل العشق تكتمه
وتدعيه جدالًا من يسلمه
ما هكذا العشق يا من ليس يفهمه
خَلِّ الغرام لصَبٍّ دمعه دمه
حيران توجده الذكرى وتعدمه

نريد أن نلقي نظرة عامة على نثره، فلذلك نورد طرفًا من رحلته إلى باريس قال في أول مقدمته: الباب الأول في ذكر ما يظهر لي من سبب ارتحالنا إلى هذه البلاد التي هي دار كفر وعناد (كذا) وبعيدة عنا غاية الابتعاد، وكثيرة المصاريف لشدة غلو الأسعار غاية الاشتداد، ومنها: «ويتعلق بالرقص في فرنسا كل الناس وكأنه نوع من العياقة (كذا) والشلبنة (كذا) لا من الفسق، فلذلك كان دائمًا غير خارج عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر فإنه من خصوصيات النساء؛ لأنه لتهيج (كذا) الشهوات، وأما في باريس فإنه نط (كذا) مخصوص لا يشم منه رائحة العهر أبدًا، وكل إنسان يغرم امرأة (كذا) يرقص معها، فإذا فرغ الرقص عزمها (كذا) آخر للرقصة الثانية …» إلى أن قال: «وبالجملة؛ فمَسُّ المرأة أيًّا ما كانت في الجهة العليا من البدن غير عيب عند هؤلاء النصارى (كذا)، وكلما حسن خطاب الرجل مع النساء ومدحهن عُدَّ هذا من الأدب.» ومنها: «وقرأت كثيرًا في كازيطات العلوم اليومية والشهرية التي تصل كل يوم ما يصل خبره من الأخبار الداخلية والخارجية المسماة البوليتيقية، وكنت متولعًا بها غاية التولع (كذا)، وبها استعنت على فهم اللغة الفرنساوية، وربما كنت أترجم منها مسائل علمية وسياسية خصوصًا وقت حرابة الدولة العثمانية مع الدولة المسقوبية.» (وقد تكررت لفظة حرابة بعد هذه الجملة مرارًا في الصحيفة التي تليها.)

ولنذكر شيئًا من «وقائع تليماك» وهي من أشهر ما ترجمه، فمنها:

وقد استقام برهة من الزمان يقاوم الأعداء المتكاثرة، ويصادم بشجاعته وصموله (كذا) جموعهم الوافرة، ثم انتهى به الحال أن تثاقلت عليه الأحمال فكنت شاهد هلاكه ومشاهد استهلاكه، وذلك أن أحد عساكر صور طعنه برمح في صدره فأصاب أشد الصدور، فانفلت زمام مطيته من كفه، ووقع تحت أرجل الخيل يهوي إلى حتفه، فبادر نفر من العساكر القبرصية فجر ناصيته الدنية بعد أن كانت قصية وقبضها (كذا) من شعورها المرخية لتتفرج عليها البرية، ولتكون علامة على النصرة الذهبية البهية.

ومنها قوله في أول المقالة الرابعة:

والى هذا الوقت كالبسة باهتة متحيرة ممتلئة من الحظ والسرور من هذه القصة المبينة حال تليماك وعن صفاته مخبرة، فقطعت بكلامها كلامه الفصيح حتى إنه من التعب يستريح قائلة له: قد حان لك أن تتمتع بلذيذ المنام بعد النصب الكامل من حكاية هذا الكلام، لا خوف عليك هنا بل كل شيء يلائم مزاجك، فأطلق عنان هواك في ميدان الهنا، وذق طعم الراحة فالدهر لك مسالم، وكل الخيرات المخلوقة تفيض عليك من عندنا فاغتنمها فأنت أسلم غانم وأغنم سالم.

يتبين للقارئ من أول وهلة أن هذا النثر لا يليق إلا بالأطفال، ولولا هذا السجع السمج المرذول لاستقام إنشاؤه وانتظم، وما السجع إلا عقبات وقيود تضل الكاتب وتجعله يترك الخيال والفكر وينصرف إلى البحث عن ألفاظ يحشرها تذهب بطلاوة كلامه وتكون لغوًا باطلًا وتنميقًا ممقوتًا عاطلًا من المعاني وآيات البلاغة، وهو الذي هوى بالسلف إلى دركات الانحطاط في الإنشاء، بل سرى داؤه إلى الشعراء فأصبحوا لا يعتنون إلا بالألفاظ وتزيينها بالمحسنات البديعية، ويظن الشاعر منهم أنه إن نظم بيتًا موزونًا وزخرفه بنوع أو أكثر من البديع ملك أعِنَّة الشعر وهرولت إليه البلاغة طائعة خاضعة، ولو كان كلامه ألفاظًا مرصوصة وتركيبه خاليًا من المعاني.

كان رفاعة بك ينقصه الذوق السليم وهو روح الإنشاء وملاك البيان، وكثيرًا ما يلحن في تصريف الأفعال أو يأتي بألفاظ عامية أو يكرر اللفظ مرارًا دون أن يغيره بمرادف ويتصرف في ترجمته، وقد انتقده «البارون سيلفسز دوساسي» المستشرق الفرنسي الشهير الذي ترجم المقامات الحريرية وكليلة ودمنة إلى الفرنسية، إذ قال في خطاب أرسله إلى المسيو جومار في شهر فبراير سنة ١٨٣١:

ولكنه يشتمل على بعض أوهام إسلامية.

وأظن أنه يشير بذلك إلى ألفاظ التعصب الديني الذميم المودعة في رحلته إلى باريس، إذ ليس من الأدب واللياقة أن يستضيف قومًا يأخذ عنهم العلم ويسبهم في رحلته التي قدمها إلى مشاهير مستشرقيهم ملتمسًا منهم إبداء رأيهم فيها.

وقال في نقده أيضًا: «وليست عبارته دائمًا صحيحة بالنسبة لقواعد العربية، ولعل سبب ذلك أنه استعجل في تسويده وأنه سيصلحه عند تبييضه، وفي التكلم على علم الشعر ذكر استطراد بعض أشعار عربية تخرج عن موضوع الكتاب، وربما أعجب ذلك إخوانه من أهل بلاده.»

وتكلمت بعض الجرائد أو المجلات عن نتيجة امتحان الإرسالية المصرية، فقالت عن رفاعة بك:

وقد اعترض عليه في الامتحان بأنه بعض الأحيان قد لا يكون في ترجمته مطابقة تامة بين المترجم والمترجم وعنه، وأنه ربما كرر وربما ترجم الجملة بجمل والكلمة بجملة.

وقد ترقى في نثره قليلًا في كتبه: مناهج الألباب، وأنوار توفيق الجليل، والإيجاز في سيرة ساكن الحجاز، ولا سيما حينما يترك التسجيع في عرض كلامه.

(١-٤) عبد الله أفندي أبو السعود

نابغة من نوابغ عصره، نشأ بناحية دهشور وحفظ القرآن ثم انتقل إلى مدرسة البدرشين، وكان أبوه ناظرها، ثم انتخبه رفاعة بك فيمن انتخب لمدرسة الألسن فالتحق بها وسنه إذ ذاك أربع عشرة سنة، فبرع على أمثاله سيما في اللغة العربية، ثم درَّس العربية بدلًا من أستاذه الشيخ حسين القمري، ودرَّس لإخوانه «كتاب مغني اللبيب»، ثم عُهد إليه تدريس الفرنسية وتصحيح تراجم الكتب الرياضية بالمهندسخانة، وكان متضلعًا في الفقه، إذ حضر «ملتقى الأبحر» بمدرسة الألسن على الشيخ خليل الرشيدي المفتي، ومع قيامه بوظيفة التدريس كان مواظبًا على الحضور بالأزهر فقرأ به عدة كتب نفيسة منها «الدر المختار»، وتنقل في عدة وظائف أخرى منها تدريس الجغرافية والتاريخ بمدرسة دار العلوم، ورياسة قلم الترجمة إلى أن عُيِّن في أواخر أيامه عضوًا في مجلس الاستئناف، وله عدة مؤلفات منها: «تاريخ مصر» وجانب من «التاريخ العام»، وقد ترجم «نظم اللآلئ في السلوك فيمن تولى فرنسا ومصر من الملوك»، و«قانون المرافعات المدنية والتجارية»، وكتاب «تاريخ مصر القديم» وكتاب «الأنتيكخانة الخديوية»، و«تاريخ محمد علي»، وكتاب في «علم الجغرافية»، وآخر في «الكيمياء الزراعية»، وطرفًا من رواية «جيلبلاس»، وقد اشتغل بالشعر أيضًا وله بعض قصائد لم أعثر إلا على ثلاثة أبيات من ضمن قصيدة طويلة له:

ومن قال إن الدولة اليوم وحدها
تصفق منها الكف كي يصلح الأمر
وماذا عسى يجدي اجتهاد لدولة
وليس من الآحاد شد لها أَزْر
أما يقتضي أن نبذل الجهد كي يرى
لها الشطر في إصلاحنا ولنا شطر

وهو الذي أنشأ صحيفة «وادي النيل» سنة ١٢٨٤، ثم أنشأ نجله محمد أنسي بك جريدة «روضة الأخبار» فكان هو محررها.

(١-٥) محمد أفندي عبد الرازق

كان من أقران أبي السعود أفندي، تعلم في مدرسة الألسن وبرع في العربية والفرنسية، وكان أعظم العاملين في قلم الترجمة، يضارع في قوته أبا السعود، ولم أرَ أحدًا من أقرانه وأساتذته بلغ مبلغه في النثر المتين البليغ الذي لا يفترق عن كتابة العصر الحاضر، وله قاموس في المواليد الثلاثة بالفرنسية والعربية محفوظ بالكتبخانة ولم يطبع وينقصه بعض حروف، ومما ترجمه «خلاصة تاريخ العرب لسيدبو» وقد مات قبل إتمام ترجمته، فكلف علي باشا مبارك مَنْ أتم الجزء الصغير الذي كان باقيًا منه وطبعه.

وإني لمورد طرفًا من كتابته في هذه الترجمة ليقف القراء على متانة أسلوبه العربي وذوقه السليم في التعبير، قال في أول المبحث التاسع:

كان بين الإسماعيلية والقحطانية تنافس المعاصرة المؤدي إلى اختلاف الكلمة، ثم مالوا إلى الوحدة السياسية لتوفر أسبابها من إغارة الحبشة عليهم بمكة واتحادهم في الأخلاق والعادات، وإن سائرهم تمسك بأوهام العبادة الوثنية والعادات الجاهلية؛ كمعاملة النساء معاملة الرقيق، ووأد البنات مع التكبر الوحشي وحب الانتقام والمقاصة، وإجازة النهب بعد الانتصار، وإقامة القوة مقام الحق، وقِرى الضيف مع حرمان النفس تشوقًا إلى السمعة بين القبائل، وحب شرف النفس الموجب للبسالة والحماسة والمحاماة عن المظلوم، وتقديم الوفاء بالوعد على الحياة، ونزيد على ذلك شهواتهم النفسية فإنها أكبر تلك الخصال غلبة وظهورًا، ومن ذلك يعلم أنه متى اتجهت عقولهم الهائجة المخاطرة إلى شيء وثبوا إليه وثبة واحدة وذلك يوجب الوحدة في اللغة المتيسر بعضها بواسطة اختلاف القبائل.

(١-٦) عبد الله أفندي نديم

صحافي شهير وكاتب أخلاقي اجتماعي طويل الباع في الخطابة، وكان إذا اقتُرِحَ عليه أي موضوع في محفل من المحافل قام بين الناس خطيبًا مرتجلًا، طلق اللسان، فصيح الإلقاء، سريع الخاطر، مستمرًّا في خطابته ساعتين أو ثلاثة دون أن يتلعثم لسانه، وهو الذي أنشأ مجلة «الأستاذ» و«الطائف» و«التنكيت والتبكيت»، وفضلًا عن نبوغه في النثر فإنه مهر في المجون والأزجال والمواليات، وصحيفته الأخيرة حافلة بهذا النوع، وكان يعقب الموضوع الهزلي بالتبكيت والموعظة الحسنة.

ومن جيد مقالاته التي أمكنني العثور عليها: «بمن أقتدي إذا اختلفت الآراء؟» و«هذه يدي في يد مَنْ أضعها؟» و«حرب الأقلام بجيوش الأوهام»، ولنذكر قطعة من مقالته الأولى لنقف على أسلوبه:

اقتدِ بمن إذا أُسبغت عليكم النعم كان مهنئًا معك، وإذا نزلت بك مصيبة كان لك معزيًا، فإن إخلاص النصح من غيره لا يتأتى إلا إذا عاد لبطن أمه وولد مرة ثانية في أرض مس ترابها جسمك وليدًا، وخدمت في إصلاحها شابًّا، ودبرت شأنها شيخًا، وكيف يقتدي العاقل بنازح عن دياره وقد لطفت هواء وعذبت ماء وطابت مقرًّا وكثرت خصبًا؛ فلم يرض بما رضي به آباؤه، واستهجن ما استحسنه أجداده، وقطع رحمًا يجب صلتها عليه.

وله رسالة ضمن غالبها بالآيات القرآنية أولها:

لا حول ولا قوة إلا بالله، اشتبه المراقب باللاه، واستبدل الحلو بالمر، وبيع الدر بالخزف، والخز بالخسف، وأظهر كل لئيم كبره، إن في ذلك لعبرة.

(١-٧) محمود أفندي صفوت الساعاتي

ولد هذا الشاعر المجيد بالقاهرة سنة ١٢٤١ وانتقل إلى الإسكندرية مع أبيه وهو في الثانية عشرة، ثم عَنَّ له حينما بلغ العشرين أن يحج البيت الحرام، وهناك التحق بأمير مكة الشريف محمد بن عون فكان له سميرًا وشاعرًا لا يفارقه في حله وترحاله وغزواته، ولما عُزل الشريف هاجر معه إلى مصر ثم سافر إلى الآستانة بمعيته، وفي عام ١٢٦٨ آب إلى القاهرة وانتظم في سلك المعية الكتخدائية زمنًا ما، ثم تعين بمعية الخديو سعيد باشا، ثم تقلَّب في عدة وظائف إلى أن عُيِّن أخيرًا عضوًا في مجلس أحكام الجيزة والقليوبية، وتوفي سنة ١٢٩٨.

كان من فحول الشعراء المطبوعين، رقيقًا حسن الذوق، غزير المادة، متوقد الذكاء، نبغ في عصر كاد الشعر فيه يندرس فهذبه وأعلى شأنه في مصر والحجاز، وبزغ في سماء القريض شمسًا مشرقة استنار بها كل من عالج هذه الصناعة من مواطنيه.

ومن آيات بلاغته قصيدته الهمزية وبها نفحات عظيمة في الفخر، وأولها:

رقت لرقة حالتي الأهواء
وحنت عليَّ البانة الهيفاء
وبكى الغمام عليَّ من أسف وقد
كادت تمزق طوقها الورقاء
ماذا تريد الحادثات من امرئ
من جنده الشعراء والأمراء
دعها تمد كما تريد شباكها
فلربما علقت بها العنقاء
أنا ذلك الصلُّ الذي عن نابه
تلوي المنون وتلتوي الرقطاء
وفمي هو القوس الأرن ومقولي الـ
ـوتر الشديد وأسهمي الإنشاء
فكر ينظم في البديع فرائدًا
من دونها ما تلفظ الدأماء

وله من قصيدة دالية مطلعها:

دعيني فما في الأمر غير التوعد
فحتى متى إدمان هذا التهدد

ومنها:

ألا في سبيل المجد نفس عزيزة
يعز عليها أن تذل لمُعْتَد
فما لك لا تأوين لي من صبابة
رويدك إن الحسن غير مُخَلَّد
فكوني كما شاء الوشاة وصدقي
زخارفهم واصغي لقول المُفَند
فليست يد الهجران قاتلة امرئ
يهز من السلوان كل مجرد

ومنها:

فلا فضحت نظم الجُمان قصائدي
ولا بلغت بي رقتي كل مقصدي
إذا لم أطوق مجده بقلائد
بغير حلاها الدهر لم يتقلد
فرائد مدح في سلوك مناقب
لمنفرد بالمكرمات مسود
وإن لم أسيِّر بالقوافي ركائبًا
فلا قيدت شعري محابر منشد

(١-٨) محمد بك عثمان جلال

كان مولعًا بالآداب العربية والإفرنجية، وقد تقلب في عدة وظائف إلى أن عُيِّن قاضيًا بمحكمة مصر المختلطة، وترجم في أوائل أيامه حينما كان بنظارة الحربية بعض كتب عسكرية كما أشار بذلك قدري باشا في تقريظه كتاب «الأماني والمنة في حديث قبول وورد جنة»، ثم عكف على تعريب طائفة من مؤلفات بعض من مشاهير الشعراء والكُتَّاب الفرنسيين، فمما ترجمه عن «كورنيي» رواية «أوراس» لم تطبع وهي محفوظة عند ورثته، ومما عربه عن «راسين» رواية «أتالي» ولم تطبع أيضًا، ورواية «أستير، وإيفيجيني، وإسكندر الأكبر» وهذه الروايات الثلاثة مطبوعة في مجموعة واحدة باسم «الروايات المفيدة في علم التراجيده»، ومما ترجمه عن «موليير» رواية «ترتوف، والنساء العالمات، ومدرسة الأزواج، ومدرسة النساء» وهي مطبوعة في مجموعة سماها «الأربع روايات في فن التياترات»، وعرَّب «بول وفرجيني» للكاتب الفرنسي الشهير «بيرناردان دوسان بيير»، وأغلب حكايات «لافونتين» وسماها «العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ»، وقد امتاز في الأزجال هو وعبد الله أفندي نديم والشيخ محمد النجار، وكانت له ملكة راقية فيها تزينها فكاهات لطيفة ونكات ظريفة وبها كتب معظم معرباته، وله عدة أزجال متفرقة منها: «رواية المخدمين» وهي من وضعه، ونبذة في «تاريخ ولاة مصر» ابتداء من عهد محمد علي باشا إلى عصرنا هذا، وآخر في «المأكولات» وغيره في «الأزهار»، وقبل أن نفحص هذه التراجم نورد كلمة نعرف بها مزايا «راسين» و«موليير» ولو أنها لا تخفى على معظم القراء.

كان «راسين» من فحول الشعر الكلاسيك المحزن، وتختلف رواياته المحزنة «تراجيدي» عن روايات «كورنيي» برقتها وقربها من الحقيقة، مع سهولة مبنى الموضوع وبعده عن تعقد الحوادث، ويزين شعره فن رقيق وذوق سليم وروح مؤثرة تأخذ بمجامع القلوب، وغير خافٍ أن الشعر الكلاسيك عند الغربيين هو بمثابة الشعر الجاهلي عندنا، فاتت المعرب جميع هذه المزايا فلذلك عمد إلى تعريبه باللغة العامية مع تصرف عظيم، فجعله زجلًا مضحكًا ملؤه النكات والفكاهات المصرية المتداولة بين العامة.

أصبحت الترجمة لا تنفع مريد التمثيل، ولا محب الأدب، ولا كلفًا بالحوادث والوقائع، ولا مغرمًا بالأزجال؛ لأنه خلط بين الجد والهزل والحزن والمزاح حتى صارت عاطلة من مزاياها الأدبية والنظمية والتمثيلية، ومن فكاهاته في رواية «إيفيجيني»:

لو كنت يوم دافعت عنها بهمتك
ماكنتش انذليت وصغرت عمتك
لا أب فيك رحمة ولا جوز تنشكر
إلا أنت واحد بربري مخك عكر

ويُعد «موليير» أول من رقي التمثيل المضحك في فرنسا، ولم يبارِه في هذا الفن مبارٍ لغاية عصرنا هذا، ولم تزل رواياته خالدة على جميع المسارح الأجنبية، كان يمثل الطباع والسجايا والعادات تمثيلًا لا يفترق عن الحقيقة بشكل وحيد في بابه، تزين إنشاءه بلاغة نادرة وذوق رفيع، وقد أسعد اللغة العالية والمتداولة الاستعمال بأشعار وكلمات واصطلاحات ذهبت مذهب الأمثال.

فإن بحثنا عن شيء واحد من هذه المحاسن طي ترجمته لم نجده، وحاشا أن نعتبر أن هذه الأزجال تمثل لنا آيات «موليير» الباهرة، بل هو بريء منها؛ إذ في نسبتها إليه حطة وازدراء.

كلنا نعلم أن رواية «تارتوف» هي صفوة ما ألفه «موليير»، بل أحسن رواية مضحكة في جميع التمثيل الفرنسي، فمسخها المترجم وقلب موضوعها وسماها «الشيخ متلوف» ونقل الحادثة إلى مصر بين هذا الفقيه وكعب الخير وأم النيل وبهانه وغيرها، فإن اعتبرناها زجلًا من أزجاله يقطع به العامي وقته وجدناها أضعف من أزجاله الأخرى، وإني مورد طرفًا منها لنقارنه بغيره.

الفصل الأول

أم النيل :
يا الله بنا نروح قوام يا كعب خير
دولا جماعه الكل مافيهمش خير
كعب خير :
هو جرى حاجه هنا يا ستنا
حتى نروح برا ونترك بيتنا
أم النيل :
كتر الكلام مالوش نفع يا الله بنا
راح اقعد اتلفت هناك والا هنا
كعب خير :
بس الخروج دا ليه وانا شايفه الجميع
من تحت أمرك كلهم سميع ومطيع
والكل تحت اليد فللي تأمريه
تقدمي اللي تقدميه وتأخريه

وقال في رواية المخدمين:

وتغسل الحوض الكبير وتبخره
وفي الكنيف الإبريق دائمًا تحضره
وعندنا القربه وعندنا الحمير
تملا لنا القربه من البحر الكبير
وتروح للجامع تجيب ستين رغيف
لكن تنقيهم من العيش النضيف
وكل يوم تبيع لنا العيش القديم
ويكون معك في السوق عبد الشيخ سليم
وكل شيء تسلمه لي بالعدد
أوعى يغشك حد في السوق يا ولد
طهق من الخدمة وكتر المرمطه
والشيخ دا لاخر يحب المظرطه
قوم يا ولد هات الجرايه وعدها
ونضف البغلة قوام وشدها
ويطخخه مشوار لتمن السيده
من شان عزومه وكل يوم على كده
حتى انبرى عظمه وجسمه انتحل
كأنه اتولد لا شك في طالع زحل

ترى الفرق شاسعًا بين الاثنين وأن السهولة والانسجام يطاوعانه في الأخير، ليت شعري ما الذي حداه إلى تعريب هذه الروايات التمثيلية؟ أيريد أن يقدم بها التمثيل في عصره، أم ينفح القراء بمعجزات «راسين وموليير»، أم يهدي إليهم من الحوادث والوقائع ما يتفكهون به في أوقات فراغهم؟ وايم الحق إنها لا تصلح لهذا ولا لذاك، حتى إن اعتبرناها الاعتبار الأخير سئم منها القارئ وفضَّل عليها «روكامبول» و«اللص الشريف» وأمثالهما من الروايات المحشوة بالحوادث الغريبة والوقائع المدهشة.

تطاول قلم المعرب أيضًا إلى الروايات القصصية التي تعد من أمهات كتب النثر الفرنسي فترجم رواية «بول وفرجيني» وسماها «الأماني والمنة في حديث قبول وورد جنة»، وكلنا نعلم أن هذه الرواية تعد في نوعها درة يتيمة لم يوفق أحد قبل مؤلفها ولا بعده أن يأتي بمثالها أو ينسج على منوالها، فكأنه دخل في قلب هذين الطفلين البائسين وقرأ ما خط فيهما من آيات الهوى العذري الطاهر وأخرجه للناس في قالب رقيق ساحر كأنه أنغام شجية تستهوي الأفئدة رقة وعذوبة.

عمد المترجم في تعريبه إلى السجع فمسخ هذه الآيات البينات وأقبر محاسنها وكساها ثوبًا من الركاكة تنفر منه القلوب قبل الأسماع، وإني لمورد منها بعض جمل ليحكم القراء عليها، قال في أول الكتاب: قال الناقل لهذا الخبر الصحيح والقول الفصيح: بينما أنا في سياحتي على كفي تعبي وراحتي وإذا بجزيرة من جزر بحار أفريقية، فنزلت فيها على الجهة الشرقية، فرأيت تحت سفح الجبل من هذا المحل بمينا يقال لها: مينا الواس أرضًا أفلحت لبعض الناس، ورأيت بها أثر عشتين صغيرتين في وسط حوض كائنتين.

ومنها: إني لا أطمع في هذا الفخر إلا لأنشره على ورد جنة، وأجعل ذكرها به يرن أعظم رنة، حتى تسير بذكرها الركبان وتصير به سيدة البنات والنسوان، وأنت يا أبتي، بالله عليك وحق خضوعي بين يديك إن كنت تعلم طرفًا من الغيوب وأنه سيجتمع المحب بالمحبوب، فحدثني بالخبر الصحيح، وأدخل عليَّ التفريح.

وقبل التكلم على «العيون اليواقظ» نذكر كلمة على «لافونتين» لنعرف درجته في الفضل.

اشتهر هذا الشاعر الفرنسي بقصصه وحكاياته التي ذاع صيتها في الآفاق وتُرجمت إلى جميع اللغات، ولم يُرَ في جميع الأمم شاعر تفنن مثله في أسلوبه الذي جمع بين شائق القريض وبدائع التعريب وسلاسة التركيب ورائق الوصف ولذيذ الفكاهات وطلى المُلَح.

كان قادرًا على تصوير النبات والجماد والحيوان قدرته على تمثيل أشخاصه تمثيلًا لا يشوبه التقصير ولا المغالاة، حتى أصبحت حكاياته نافعة لتهذيب الفتيان قبل الصبيان، ومهما كنت قادرًا لا أستطيع أن أوفي هذا النابغة حقه في المجد الأثيل والفضل الجزيل، وما على القارئ إلا أن يرجع إلى الأصل الفرنسي ويتمعن فيه ليتجلى له خفي معانيه ودقائق مبانيه.

سلك المعرب سبيل التصرف المخل، وكان مسوقًا إليه لركونه إلى النظم في التعريب؛ إذ لا يتيسر لأشعر الشعراء أن ينقل إلى الشعر شيئًا دون تصرف، حتى المترجمين من الإفرنج لا يترجمون النظم إلا نثرًا، ولو كانت الترجمة والأصل من لغتين مصدرهما لاتيني؛ ليحافظوا على روح الشاعر وأسلوبه ومعانيه الدقيقة، حتى يكون الأصل والترجمة صنوين أو توأمين.

توخى المعرب في كتابته الأزجال والأدوار والأراجيز وشيئًا قليلًا يُعد على أصابع اليد من بحور العروض، وغير خافٍ أن الرجز ممقوت ولا يعتد به الشعراء؛ لأنه من خصائص «الفقهاء»، إذ ينظمون به متونهم، وعبَّر عنه بعض الفضلاء بحمار الشعراء.

فبعمله هذا ذهب بطلاوة هذا النظم البديع والمحاسن الرائقة، وضاعت الفكرة المنشودة، وأصبحت الترجمة لا تليق أن تُعزى بشكلها هذا إلى عطارد الزمان في القصص والحكايات … ومن أنعم النظر في قريضه بهذا الكتاب وجده لا يفترق تقريبًا عن نثره الذي أوردنا طرفًا منه، وما على القارئ إلا أن يراجعه ليتبين صدق ما قلناه.

(١-٩) الشيخ أحمد عبد الرحيم

ولد بطهطا عام ١٢٣٣، وتلقى العلوم العقلية والنقلية بالأزهر، ثم عُيِّن مدرسًا للنحو والصرف بمدرسة التجهيزية فالمهندسخانة فالحربية، ثم أُسندت إليه أخيرًا رئاسة تحرير الوقائع المصرية، اشتغل بالآداب والنظم والنثر، وله مؤلفات منها: «منظومة في الصرف»، و«نهاية القصد والتوسل في فهم قولة الدور والتسلسل»، ورسالة في «علمي العروض والقوافي»، وجملة رسائل نحوية أحضرها «النقطة الذهبية في علم العربية»، وديوان مدائح نبوية لم يطبع مرتب على حروف المعجم سماه «در الشرف المنظم في مدح النبي الأعظم» وكل قصيدة منه زهاء خمسين بيتًا، وقصائد ومقطعات عديدة جيدة منه ما كتبه لأحمد أفندي فارس صاحب الجوائب بالآستانة في ذيل رسالة:

يا أيها البحر قد أهديتني دررًا
فليت شعري ماذا اليوم أهديكا
أخلاقك الغر مثل الشمس ظاهرة
فأنت في غُنْيَة عن وصف مطريكا
أجمال مدحك لا أرضى به وإذا
فصلت أخشى قصورًا ليس يرضيكا
فإنما هو راحٌ لستُ آمن من
إكثاره نشوة تنسي معاليكا
أنت الخضم لعلم لا مراء به
فكنه للحلم وامنحني تغاضيكا

وقال: يقول محرر الوقائع: لما رأيت اللآلئ من البحر وقلادتها لا تليق إلا بذلك النحر زاوجت قصيدة مؤلف الجوائب فيه محافظًا فيها على غر قوافيه، فانصرف معناها إليه وصار مقصورًا عليه، فحق لها أن تختال به في حليتها ولو كانت بنت ليلتها تجد إليه السرى وهذا كما ترى:

علم الهوى لم يبقِ في بقية
فأرادني بأبي وقال هدية
أهدي إلى عبد الرحيم تحية
غراء يصحبها الثناء الطيب
كم لي تقول امدحه مدحًا باهرًا
وارصد لحلبته النجوم مساهرًا
هبني أجيد المدح لكن زاهرا
ت صفاته كالزهر ليست تحسب

والقصيدة تبلغ ثمانية وثلاثين بيتًا.

(١-١٠) الشيخ علي أبو النصر

كان حَبْرًا فاضلًا في الكتاب والسنة، متضلعًا في العلوم العربية، أديبًا شاعرًا ناثرًا، لطيف المعاشرة، متقربًا من الملوك والأمراء، طيب المنادمة والمفاكهة، حاد الذهن لا يغالب في المناظرة، وله مواليات وأزجال لطيفة عبثت بها يد الإهمال والشتات فلم يعثر عليها وقت طبع ديوانه، وقد سافر مرتين إلى الآستانة؛ الأولى في زمن عزيز مصر علي باشا حينما احتفل السلطان عبد المجيد بختان أنجاله، طلب من الخديو أن يبعث إلى الآستانة بعض العلماء والأمراء من مصر لحضورهم الوليمة الملوكية، فانتخب من العلماء الشيخ التميمي مفتي الديار المصرية والمترجم له، والثانية كانت مع الخديو إسماعيل باشا في زمن السلطان عبد العزيز. هذا جُل ما عثرت عليه من ترجمته في رثاء أحمد خيري باشا ناظر المعارف له، ومن لطيف شعره قصيدته التي قالها وهو في الآستانة يمدح بها سلطان باشا، ومطلعها:

حيي وفي كفه كأس الطلا فبدت
في خده من شعاع الكأس هالات
ظبي من الترك ما أحلى شمائله
شقائق الورد في خديه شامات

وقصيدته الدالية ومطلعها:

كتب المشيب بأبيض في أسود
صحفًا أشار بها لقرب الموعد
وروى بها عني حديثًا يقتضي
بفضاء ما بيني وبين الخرَّد

وقصيدته الغزلية وأولها:

زارت مُعطرة الإزار
من بعد ما شط المزار
هيفاء تفعل بالنُّهى
ألحاظها فعل العقار

وقصيدته التي قالها في ليلة أصابه توعك أقلقه:

خيالات يصورها الغرور
وأوهام يضل بها الغرور
وأوقات زخارفها زيوف
وديدنها التصرم والمرور

وقصيدته الحكمية ومطلعها:

إلامَ تصوب الأوهام غَيَّا
وتنشر ما طواه الرشد طيا
وفيمَ تقودنا الأطماع طوعًا
إلى ما يغضب الحر الأبيا

وقصيدته التي يمدح بها الخديو إسماعيل باشا ومطلعها:

سفرت فكاد البدر أن يَتَلَثَّما
ورأى الشقيق خدودها فتبسما

وخمريته المشهورة وأولها:

بنت كرم دونها بنت الكرام
وهي بكر زفها ساقي المدام

ومنها:

آنس الندمان نارًا إذ بدت
فأتوها لاقتباس واقتسام
فرأوها محض نور تزدري
بالنجوم الزهر في وقت الظلام

إن في هذه العجالة لكفاية للقارئ؛ إذ بها يستطيع أن يقف على ما كانت عليه اللغة في عصرهم، ويستنتج مما قدمناه أن عيوب ذاك الزمن تنحصر في السجع والاعتناء بالألفاظ والمحسنات البديعية دون المعاني والخيال، وعدم توفر سلامة الذوق عندهم وهي ملاك البيان، كما أنهم لا يتوخون في ترجمتهم مراعاة الأصل ويتصرفون تصرفًا مخلًّا، غير بعيدي النظر حتى إنهم كثيرًا ما تفوتهم في الترجمة المعاني الدقيقة، وكان أغلب شعرائهم ينسجون على منوال بعض القدماء الذين لا يعدون من الشعراء ويأتون بنفس معانيهم مع تغيير طفيف في الألفاظ والوزن دون أن يعبروا عن وجدانهم وشعورهم، وقد لاحظت أن كثيرًا منهم يتوخى في مقدمات قصائده معنى من الغزل أو الوصف أو المدح يكاد لا يُغيِّره في أغلب شعره، فإن تغزل لا يتعدى ذكر الأيك وغصون البان والحمام ينشد إلفه وبكاء الغمام والفتيان وعذارهم والفتيات ورُضابهن المعسول وقامتهن الهيفاء، وإن مدح لم يتجاوز البشرى من إقبال العز واستنارة الأكوان بطلعة الممدوح المشرقة، وموافاة المجد والفخار والعلو إلى السِّماك وغير ذلك، هذا وإني أكرر القول بأن هؤلاء مهما وُصموا بالعيوب فإننا نُجِلُّهم ونمجدهم؛ إذ كانوا زعماء تلك النهضة العلمية في عصر كادت تنطمس فيه معالم اللغة والأدب، ولولاهم لقضي عليهما القضاء الأخير.

(٢) منصور

تاريخ فتى من أبناء مصر «كتبه بالفرنسية الدكتور أحمد ضيف والمسيو بونجان»

عثرت منذ ثلاثة شهور تقريبًا على هذا الكتاب بمكتبة «الأجانس» فقرأت منه باشتياق، ثم حالت أعمالي دون الاستمرار فيه فطويته في ركن إلى أن سنحت لي الفرص بالعودة إليه فأتممته بين لذة وإعجاب.

رأيت أن الواجب يقضي عليَّ ألا أغفل هذا العمل الجليل الذي حاز الإعجاب في فرنسا وباريس؛ بدليل أن الطبعة التي وقعت في يدي هي الرابعة ولم يمضِ على ظهور الكتاب أكثر من سنة أو أقل.

ليس الدكتور ضيف محتاجًا لتعريف بَيْدَ أنه من الأفراد القلائل الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة، والذين تملصوا من جمود التربية الأزهرية وأخذوا يخطون صوب الرقي خطوات واسعات تتناسب مع المدنية العالمية.

عرفت الدكتور مذ كان طالبًا بمدرسة دار العلوم، فكان يؤم متنزه الجزيرة بجوار الكوبري في بعض الأحيان وقت الأصيل، وصادف أنه جلس بجانبي فحصل التعارف.

وجدته وقتئذ رقيقًا تواقًا لمعرفة كل نافع، سليم الذوق، دقيق الملاحظة، صائب الأفكار، ولقد قلت في نفسي: سيأتي يوم يغبطه الناس فيه على فضله.

فرَّقت بيننا الأيام وسافر في العام التالي مع بعثة الجامعة، ولما آب من سفره انتظم في سلك أساتذتها وأنشأ يكتب في مجلة السفور قطعًا باهرة، أذكر منها رواية بعنوان «هي» كتب منها نحو سبع قطع ولم يتمها، كان فيها الوصف بالغًا حده من الدقة وحسن التصوير، والعواطف تلتهب التهابًا بأسلوب ظريف لا يشوبه تكلف، تزينه رشاقة جذابة ورقة فتانة.

أما المسيو بونجان فكان أحد الأساتذة الفرنسيين بوزارة المعارف، وكان درس آداب اللغة والإنشاء بمدرسة المعلمين العليا، وقد أخذ مكافأته وسافر في العام الماضي، ويعد أعظم كاتب فرنسي بين أساتذة الوزارة، وله مؤلف آخر كتبه وحده بعنوان: «أخبار الساعة الثانية عشرة»، وقد كتب مقدمته الكاتب الذائع الصيت رومان رولان وهو الآن رئيس تحرير مجلة «لانوفيل ليتيرير»، وهي من المجلات الأدبية الشهيرة.

يضطرنا البحث لمعرفة نصيب كل من الكاتبين في هذا العمل لنسند إلى كليهما ما يستحقه من الملاحظات والنقد، ومن البديهي أن المسيو بونجان لا يدري أسرار الطبائع والعادات المصرية بالتفصيل، ولا يعرف تلك الحوادث، فتكون إذن مهمته في هذا العمل تنقيح الإنشاء والترتيب الفني لسرد الحديث، ويكون الدكتور ضيف هو صاحب الفكرة ومؤلف الكتاب.

الكتاب يشمل تاريخ حياة «منصور»، وهو ابن طالب بمعاهد الإسكندرية الدينية، وشيخ طريقة يعرف بالشيخ الصغير، وجده شيخ طريقة أيضًا ويعرف بالشيخ الكبير، وهذا الأخير كان أعظم نفوذًا واعتبارًا واحترامًا.

أمضى أهل منصور شطرًا من حياتهم بالقاهرة حدثنا في خلالها منصور عن حضرات الذِّكْر وشعوذة المشعوذين من أرباب الطرق وحفلات المحمل والموالد والزار، وصوَّر لنا طبائع وعادات كثير من أقاربه ومريدي والده وجده، وسرد لنا كثيرًا من الخرافات السائدة بين العوام والتي كان يسمعها من أفواه أهله ومعارفهم، ومن ألطف ما صوره لنا صورة الكُتَّاب بمصر وفقيهه، وهي من ألذ الفكاهات الواقعية التي تمثل بؤس هؤلاء الصبية وما يقاسونه من شظف العيش وسوء الحال، وإني أترجمها للقراء بنصها وفصها:

كان والدي يعرف الشيخ الذي يُدير كُتَّابَ حينا، وأوصاه عليَّ، فكان يأتي كل يوم لمنزلنا بعد طلوع الشمس بقليل زميل أكبر مني سنَّا ليصطحبني إلى الكُتَّاب، وكنت أسمعه يناديني في السلم: يا منصور! يا منصور.

كانت رنة هذا النداء تزعجني، وكثر ما هونت عليَّ أمي وطأة الهم بإعطائي مليمًا، وفي بعض الأحيان قطعة جبن أو كعك فأضعها في مخلاتي التي تشمل عادة رغيفًا ملفوفًا بمنديل وبعض أوراق من المصحف واللوح.

ولقد أوقظت في الصباح على غير ما يرام فكنت كئيبًا ولم أهتم بشيء في طريقي، وحينما قاربنا المسجد سمعت دوي الأصوات فزاد انقباضي، ثم صعدت الدرجات الثلاث وبلمحة عين ألفيت ما كنت أمقته، إذ شاهدت سرب الزملاء متربعين يحفظون دروسهم بأصوات عالية في ألواحهم وقد أمسكوا بها باليدين، وكان اهتزازهم المستمر يطبع على ظهورهم حركة الوزن الموسيقي، وفي هذه الجلبة التي تصم الآذان ووسط هذا الاضطراب تربع سيدنا على جلد شاة وهو ثابت في مكانه دون حراك، فتوجهت إليه وقبَّلت يده.

– اجلس هناك، وأشار إلى قطعة من حصير بال.

أمعنت النظر في هذا الكُتَّاب فإذا هو بهو كبير مرتفع السقف مزخرفه، له ثلاثة جدران عاطلة، وبمكان الرابع مدخل واسع تمر منه الشمس فتملأ المكان رغم الستار المسدل، وفي أحد الأركان زير قذر وكوب علاه الصدأ، وقد ركب على أحد الجدران رفان أو ثلاثة ليضع عليها التلاميذ مخاليهم وخبزهم.

ورغمًا من كون سيدنا من أصدقاء والدي وقد تعطف عليَّ وجعلني أجلس على كَثَبٍ منه ما كنت لأميل إليه، وكل ما كان يصدر منه يظهر لي قاسيًا وظالمًا، وكنت أشعر في حضرته بتضاؤلي وقد ضل فكري حتى أصبحت لا أكيف وجودي وعملي وكأنني ضللت بين الجموع، وكنت أجد هناك شيئًا جديدًا لا أحتمله.

كنت أشعر وأنا في الطريق أو بجانب والدي أو عمي مصطفى أنني أمتاز عن باقي الصبيان، وكأنني قبلة أنظار إخواننا في الطريقة، إذ تتجه إليَّ أبصار تشف عن الحنان والعطف.

ما كنت أستطيع أن أوجه طرفي لغير المعلم، وما كنت أرى غير لحيته التي أشعلها الشيب وهيئته التي تدل على عدم الاكتراث، وكانت له وسادتان إحداهما يضعها تحت جلد الشاة والثانية خلف ظهره، وكان يرى طابع ظهره فوق الحائط.

تربع على تلك الحال أمامنا بين مقرعته الطويلة وصندوقه الصغير الذي يضم أقلامه؛ حتى أضحى يُخَيَّل إليَّ أنه هو وقاعة الكُتَّاب المرتفعة العارية الكئيبة وحدة لا تتجزأ، حتى إن ضوء الشمس الذي كان يفترش الجدار أمام المدخل ظهر لي كأنه يخالف مثيله في الطريق، وقد ساد الانسجام بين هذه الشمس الباردة المحزنة المحدودة الشكل والتي لا يتأتى تجنبها وبين شخص سيدنا.

بلغ عدد الصبيان الأربعين على الأقل، وكل منا يحفظ درسًا مخالفًا للآخر، وكنت لا أفهم شيئًا من السور المقدسة تقريبًا، وفي ظرف ساعة كان سيدنا يدعونا مشيرًا إلينا بطرف مقرعته لنسمع دروسنا، وكنا نذهب إليه كل بدوره ولوحه تحت إبطه، فمن حفظ درسه أمره سيدنا بمحوه وكتابة درس جديد غيره، ومن لم يحفظه عاد إلى مذاكرته ويفوته الدرس.

وكان يعهد بصغار الصبية إلى من هو أكبر منهم سنًّا ليراقب نسخ القرآن في الألواح، وكان هذا العمل يشغل التلاميذ لغاية الظهر.

وكان أغلب التلاميذ لا يتناولون غذاءهم في بيوتهم، وكنا نأكل خبزنا وجبننا على درجات سلم المسجد، وكانت بائعة عجوز تبيع لنا قصب السكر والفجل والحمص الأخضر «الملانة»، وكانت رائحة الطعمية فوق المقلاة تعم الطريق وتحرض شهوة الطعام، كان من المتيسر شراء أنواع الفطائر والكعك والحلوى الملونة بمختلف الألوان، ولكن الغلمان فقراء، إذ كانوا يَؤمون الكُتَّاب حفاة ممزقي الثياب وعلى رءوسهم قلانس قذرة، وكثير منهم يقنع بخبزه بغير إدام.

كانت فكرة العود إلى الكُتَّاب كافية لتنغيص ساعة الحرية هذه، فكنت أنظر بحزن إلى الموضع الصغير الذي كانت تهب فيه الرياح السافيات، وكان الجزء الذي كسته الشمس لا يمر به إلا ظل الحدأ المتقطع والتي كانت تحلق في الجو فوق رءوسنا.

وفي بعض الأيام كان القيظ يلفح وجوهنا كالنيران، فكنت أشعر أنني في حاجة إلى السكوت والسكون وتبديل مكاني كل خمس دقائق، وكان يخيل إليَّ أن النهار شديد أبيض يعمي الأبصار؛ لأن الحرارة كانت عمودية شديدة كأنها القضاء الساحق، وكانت الغرفة بشكل واحد لا يتغير تنقبض منه النفوس والأبدان.

عدنا إلى الكُتَّاب ملبين نداء العريف، وأول تأثير يجول بخاطري ما أجده في الكُتَّاب من الظل والنسيم البارد المحبوب، ولكن سرعان ما يتبدل؛ إذ كنت بعد خمس دقائق آسف على الهواء المحرق الخارجي.

صاح سيدنا قائلًا: أحذركم من القراءة بأصوات منخفضة.

فلا تلبث الظهور أن تعود إلى حركتها من الاهتزاز وتعود الحياة إلى الكُتَّاب فيُضحي كأنه آلة عظيمة الجلبة، وكانت تميز وسط هذا اللغط المزعج أصوات متباينة.

ولما يجد سيدنا أن الحركة الميكانيكية تحسنت وانتظمت ليتغذى بدوره ويشرب الحساء في طبق يضعه أمامه على الأرض، ولقد شاهدت خيوط الملوخية يكثر عددها شيئًا فشيئًا وهي معلَّقة بين لحيته وطبقه، ثم يأخذ القلة ويجرع منها بهذا الشكل.

كنا نرصد حركاته واثقين من أنه سينام بعد الطعام، وحينما نرزح تحت وطأة الحر ينتهي الأمر بأن ننام أيضًا، وكان العرق يتصبب من جباهنا ويسيل فوق ألواحنا فيلوث وجوهنا، وكان الزير دومًا محاصرًا بسرب من الصبيان ينتظر كل منهم الكوب بدوره، خفتت الأصوات شيئًا فشيئًا فاستيقظ سيدنا صائحًا: إياكم والقراءة بأصوات خافتة! هاج الكُتَّاب وماج كآلة بخارية ضخمة، ونام سيدنا ثانية إلى قبيل تسميع درس بعد الظهر، وكنا في الساعة التي يقيل فيها كل أهل المدينة نستمر دون انقطاع في القراءة بصوت عالٍ.

وأخيرًا حوالي الساعة الرابعة يرن صوت المؤذن لصلاة العصر، وكان هذا الأذان علامة الانصراف التي لاحظتها من زمن، فنستعد للرواح ويرفع سيدنا مقرعته مُؤْذنًا بالسكوت، ثم ننشد بصوت عالٍ:

اللهم يا سميع، يا من لا ييأس من عونك السائلون، انصر مولانا السلطان على الكافرين، ربنا تقبل دعاءنا يا من هو قادر على كل شيء.

ثم ألثم يد الشيخ وأرجع إلى البيت مع دليلي وأنا مهموم في الرواح كهمي في الغدو، وما فتئ لغط الكُتَّاب يدوي في أذني فيغطي صوت نفسي، كنت أعلم أنه ينبغي عليَّ أن أقضي عامة النهار من طلوع الشمس إلى غروبها وأنا سجين هذا الفقيه البارد المتعنت، وكانت الساعات والأيام حتى التلامذة في نظره كالبسلة في سلة، وقد سئمت نفسي من وطأة حياة كريهة على وتيرة واحدة، وكنت أشعر أنني كضِغْثٍ من العشب الأخضر وقع من حمل بعير فتلوث بالأوحال وداسته الأقدام.

وفي صبيحة يوم أردت أن يبري العريف قلمي فلكمني بقبضة يده، وكان سيدنا مستاء من سلوك هذا التلميذ فأشار إلى عريفين بأن يقبضا عليه، ثم نزع بنفسه الفلقة المعلقة بالحائط وأمسك العريفان كل منهما برجلٍ ليتمكن الشيخ من وضعهما في الفلقة، ثم ألهب سيدنا رجلي هذا المسكين بجريدة رفيعة، فصاح هذا التعس: عفوًا! عفوًا! بحياة النبي! بربك!

كنت أرتعد وأقشعر عند كل ضربة، وكان صياحه يخترق جسمي، ولقد ظهر لي سيدنا كالوحش الضاري وطفقت أتنفس بألم وأمقت الكُتَّاب والدنيا والحياة.

ثم رحل أهل منصور إلى الإسكندرية وأدخلوا منصورًا في كُتَّاب الشيخ خضر، وكان أرقى كتاب في الثغر، ولكن هذا الشيخ كان مثالًا للقسوة البربرية والوحشية، وكانت خاتمته سيئة؛ إذ اتُّهم بتزوير عقد، ولما عرف أنه سيُقبض عليه فضَّل الانتحار وألقى بنفسه في ترعة المحمودية فغرق.

سئم منصور من الكتاتيب، فأشار على والده أحد أصدقائه من الموظفين بأن يأخذه إلى باشكاتب إحدى محاكم الإسكندرية الموظف بها وأوصاه به خيرًا، فقبله ليقضي زمن التمرين إلى أن تتاح له الفرص ويُعيِّنه كاتبًا، ومن ألطف الفكاهات أنهم ألزموا منصورًا بأن يُحضر معه كرسيًّا من بيته ليجلس عليه، فركب منصور حمارًا وحمل له الحمار الكرسي وسار وراءه بعدما رفض في أول الأمر حمله، وقال له: ضعه أمامك على الحمار، ثم وعده بزيادة درهم على أجره فقبل في نهاية الأمر … شاهد منصور صورة جَهَنمية في قلم المحضرين، إذ رأى نساء مولولات من المساكين يستغثن بالمحضرين الذين حجزوا على ما بقي لهن من حطام الدنيا وبجانبهن العقبان والرخم، وهم كتبة العرائض يسدون على المتقاضين المسالك ليمتصوا ما بقي من دمائهم ويسلبوا درهمهم الأخير، وبجانبهم باعة الأطعمة الحقيرة كالطعمية والخبز والسلطة والباذنجان يبيعون بضاعتهم للمتاقضين والموظفين، والكل في هرج ومرج أشبه بأسواق الريف.

قضى منصور بضعة أيام والقلق يساوره والكرب يغالبه، فتوسل إلى والده لينتشله من هذه البؤرة الممقوتة، وفضَّل أن يلتحق في سلك طلبة المعاهد الدينية ليصبح أديبًا شاعرًا.

ولما أصبح الصباح لبس منصور العمامة من جديد وارتدى جبته وقفطانه وطرح البذلة جانبًا، وأخذه والده إلى الشيخ يوسف إمام مسجد حيهم وأوصاه به خيرًا، وطلب منه أن يصطحبه إلى مسجد أبي العباس المرسي ويقدمه إلى أساتذته.

كان الشيخ يوسف ضريرًا، ركب فيه اللؤم والخسة، يتشدق في مجالس العامة ليوهم أنه من كبار العلماء والشعراء المفلقين، وكانت العامة تؤمه لينظم لهم تاريخ ميلاد أو تهنئة بزفاف أو غيرها وينقدونه بضعة دراهم، وفي بعض الأحيان لا تتجاوز العشرين، وكان يتعرف بالأسر ويتشدق عندهم بفكاهات محفوظة معدودة ليحظى بالغداء أو العشاء، وكان يفضل أن يسامر نساء من يتعرف بهم ثم يسلقهم بألسنة حداد، وقع منصور في مخالب هذا الذئب، فأراد أن يستغل سذاجته فأوهمه بأنه سيعلمه النحو والصرف وعلوم البلاغة والعروض، فيصبح بعد قليل من الزمن أديبًا شاعرًا، وأنه سيسحب ذيل النسيان على زملائه من الطلبة. صدَّق منصور هذه الأوهام واستمثل له، فجعل يسخره ليل نهار في شراء الجبن والفجل والفول المدمس، ولم يكتفِ بذلك بل أرجعه إلى السوق في يوم مطير ليزيد له البائع ما باعه من الطعام، وكان يقوده من المسجد إلى البيت والسوق.

تعرَّف منصور في حلقة الدرس بشاب يُدعى إبراهيم، فقال له: إنك مغرور بهذا الشيخ وهو من الأبالسة، ولقد تعرف بنا وأضفناه وأكرمنا وِفادته ولكنه أساءنا، وسأريك ما أنا فاعل به.

وبعد صلاة العصر نادى إبراهيم: لا تبرحوا مكانكم أيها المؤمنون، أيليق بالإمام أن يذكر أحاديث الفسق والفجور أمام السيدات والبنات، فاحمرَّ الشيخ يوسف خجلًا وثار قائلًا: أخرجوا هذا الحشاش من المسجد.

كان منصور تحدثه نفسه أن التعليم في معاهد الإسكندرية ليس راقيًا كالأزهر، فطمحت نفسه إلى الالتحاق به وحدث والده بذلك، وصادف في هذه الأنباء ورود خطاب من عمه مصطفى إلى أبيه ينبئه بأن ابنه هرب إلى الأزهر والتحق به، ويعرض على منصور أن يذهب إلى الأزهر على نفقته ليراقب ابن عمه، وإلى هنا انتهى الشطر الأول من حياة منصور وتعليمه الأولي، وللكتاب جزء ثانٍ تحت الطبع وسنعود إليه عند ظهوره ونخصص له بحثًا آخر.

الكتاب صورة ناطقة للطبقة السفلى، لم يترك كبيرة ولا صغيرة من طباعهم وعوائدهم وعاداتهم إلا حللها تحليلًا دقيقًا بسيكولوجيَّا، ولقد كُتب بأسلوب رشيق لا يشوبه تكليف، تزينه النكات والفكاهات، وحوى من الوصف الدقيق ما يكاد يجسم لك الحوادث والعادات والأشخاص ليسيرها أمام القارئ صورًا حية متحركة، فهو في مجموعه عمل عظيم جليل بليغ، وما هو في الحقيقة إلا تاريخ حياة الدكتور ضيف ومذكرات له عن صباه وأدوار تربيته وما مر عليها من التقلبات.

لقد سطت على هذا الجمال النادر ثآليل شوَّهته ونفَّرت منه النفوس، تعرض الأستاذ للدين في كثير من المواضع بمناسبة وبغير مناسبة، وطفق يتهكم على الشعائر الدينية.

وإن كانت الشعائر عند الأستاذ بدعة من البدع أو خرافة من الخرافات، فلِمَ لم يكتب لنا بحثًا عربيًّا يُدوِّن فيه نقده وملاحظاته على الدين وينشره بين قومه الذين انتقدهم؟ ما الفائدة العائدة من نشر هذا التهكم وتلك السخرية على الدين الإسلامي عند الفرنسيين؟ وأظن القارئ إن فكر معي قليلًا في هذه المعميات والطلاسم عرف أن الذي حدا الأستاذ إلى هذا السلوك الشائن ليس إلا فكرة ترويج الكتاب بنشر هذه الأسرار الدينية التي يتطلع إليها الأجانب وخصوصًا الفرنسيين ليتخذوها مُلَحًا وفكاهات يهزءُون بها في مجالسهم، وإني أُحكِّم القراء بيني وبينه وأسرد لهم بعض جمل من الكتاب بكل أمانة دون أن أُغيِّر شيئًا في التعريب.

قال في صفحة ١٦:

ها هو الحاج قد نزل عن مقعده الخشبي «الدكة» وذهب ليأخذ حصيره المطوي بجوار الحائط، وكان باليًا تخرم في مواضع القدمين والكعبين والجبهة، فرشه في اتجاه القبلة بجانب البئر ثم نزع جلبابه واحتذى نعله الخشبي «القبقاب»، فأصبح عاري الجذع والساقين ولم تستره غير سراويله، ثم ذهب إلى البئر وملأ منها الدلو ووضعه على الأرض، وطفق يغترف الماء بيديه ليتوضأ ويغسل وجهه وذراعيه وقدميه، ثم يقف على حصيره والماء يقطر من أعضائه ويرفع يديه إلى رأسه وهو ناظر أمامه دون انحراف كأنه ينظر شيئًا وراء الجدران التي تحد نظري، وسمعته يقول: الله أكبر! الله أكبر!

ثم يضع ذراعيه إلى الأمام ويده فوق الأخرى، ويخفض رأسه غاضًّا الطرف ويتمتم بكلمات لا تفهم ويعمل حركات أخرى اعتدت عليها؛ لأن هذا المنظر يتكرر خمس مرات في اليوم، فيركع تارة ممسكًا بركبتيه، ويسجد طورًا مستندًا إلى يديه بينا يمس جبينه المتجعد الحصير، وإني أعلم أنه في هذه الآونة لا يتأتى لفت نظره إلى شيء ما، إذ يصبح ما حوله كأنه لا وجود له، ولا يتسنى لأحد مقاطعته سواء أكان من أقاربه أو زائريه، بل كان الكل ينتظرونه وهم سكوت بعيدون عنه إلى أن يجلس على ركبتيه جلسته الأخيرة ويلتفت إلى كتفيه اليمنى واليسرى مسلمًا على الملكين الحارسين.

وأظن أنه لو كان أحد الأجانب الذين يدينون بغير الإسلام أراد أن يعتنق هذا الدين وقرأ صورة هذا المصلي لعافت نفسه هذا الدين، ونفر من هذا الرجل المضحك القذر الذي يصلي وهو عريان لا تستره غير سراويله كأنه «علي كاكا» يُمثِّل فصوله المضحكة في أقذر أركان سوق العصر.

وقال في صفحة ٦٦:

ولقد مرت في مخيلتي بعض أخبار أبي كما يجري الدم في شراييني، فتذكرت سيدنا جبريل الذي أملى القرآن على محمد ، والذي اصطحبه في ليلة المعراج حينما اخترق النبي السموات حتى اقترب من القلم واللوح المحفوظ، الذي أعلم أن حظي أنا الغلام الصغير مخطوط فيه كجميع من يحيطون بي، وكان يخيل إليَّ أني أرى الملك ميكائيل الذي يرفرف بجناحيه حينما يأمر السحب والرياح بأن تبرق وترعد، والملك إسرافيل وهو واقف بالمرصاد أمام صوره وهو متهيئ لينفخ فيه يوم القيامة ليقوِّض أركان العالم.

ولقد طردت من خيالي بسرعة الصورة البشعة للملك الرابع من الملائكة المقربين وهو عزرائيل ملك الموت بأن حدقت إلى المركب الصغير المحفوف بالأسرار (هو المعلق على قبة الإمام الشافعي؛ لأنه كان هناك وقتئذ) فتذكرت سفينة نوح وهي ماخرة تقل جميع الحياة فوق ماء هاجه غضب الخالق.

وقال في صفحة ١٤٤:

وحينما تتلقى ملائكة السماء السابعة أوامر الله يبلغونها لجميع الملائكة في جميع السموات إلى أن تصل لسماء الأرض فتتحدث الملائكة بما علموه، فتظن الجن أن إرادة جديدة صدرت فيتسلقون فوق بعضهم إلى أن يبلغوا السماء ليسترقوا السمع من الملائكة، ثم يهبطون إلى الأرض ويذهبون إلى السحرة ليفشوا لهم أسرار الخالق؛ ولهذا السبب يعلم السحرة أسرار المستقبل، ولمنعهم وردعهم عن هذه الأعمال سلَّط الله عليهم الشهب الثواقب تحرقهم وتهلكهم.

وقال في صفحة ٢٣١:

ها هو أستاذك في فقه أبي حنيفة قال ذلك همسًا في أذني، فأسرع إذن لسماع درسه.

ظهر لي الشيخ لأول لمحة ثقيلًا؛ إذ كان هرمًا، وكانت فكرتي الثابتة أن أتلقى علومي على أساتذة من الشبان وسأجلس مع المستمعين وكتابي بين يدي دون أن أنبِس ببنت شفة، نظرت إلى عينيه الكبيرتين اللتين لا تتحركان ولا تعبران عن شيء، ولحيته الطويلة البيضاء، وشاربيه المستأصلين، وأنفه الكبير القذر، وعلبة سعوطه وهي في حجره فوق منديل مثقوب … وهذا هو النموذج الذي كنت أخشاه، وكان يتكلم وهو يهتز وكان شرحه ميكانيكيًّا، وفي كل ثلاث أو أربع دقائق يحشو أنفه بسعوطه ويمخط بجلبة قوية … وفي آخر الدرس أردت أن أسلم عليه فدلت هيئته على أنه لا يراني، ثم همس في أذني طالب إنه ضرير.

إن هذا المنكود ليستحق الرحمة والحنان لسوء حظه وفقد بصره، والإعجاب لانقطاعه لتلقي العلوم، ونيله شهادة العالمية، والقيام بمهمة التدريس، فلِمَ يسخر منه الأستاذ ويُعيِّره بفقد بصره وضخامة أنفه وسعوطه، والعاهات الطبيعية لا يتأتى تجنبها؟ كما أن السعوط ليس مزريًا لهذا الحد، فقد كان الإمبراطور نابوليون بونابرت وهو أبعد عظماء الرجال صيتًا لا يفارقه سعوطه، وما فتئ منتشرًا في أركان المعمورة لا سيما أوروبا، لنكتفِ بهذا القدر من أمثلة الكتاب ولو أن به كثيرًا من هذا النوع، ولنلقِ نظرة إلى وضع الكتاب.

تورط الكاتبان في وضع الكتاب وجعلاه على شكل أخبار متسلسلة بطلها منصور، وطفق يحدثنا مذ كان صبيًّا إلى أن ترعرع وأصبح فتى، وجدناه وهو صبي يحلل الأشخاص تحليلًا بسيكولوجيًّا، ويلاحظ ملاحظات دقيقة لا يراها إلا الحكماء، ويصور تصويرًا يقف دونه كبار المصورين من الكتاب.

ولو كان عند أحدهما فكرة الوضع الروائي لما وقع الاثنان في هذه الورطة، وكان للكاتبين الحرية التامة في تحليل الأشخاص وسرد الملاحظات والحكم وغيرها على لسان الكاتب مهما اختلفت أعمارهم.

ومن المستغرب أيضًا أنه قال في وسط حديثه وهو يصف كُتَّاب الشيخ خضر حينما أدخلوا فيه أمين أفندي لتعليم الحساب:

وا أسفاه على الشيخ عبد اللطيف، فإني رأيت بعد خمس عشرة سنة من هذا التاريخ رجلًا يقترب مني في الطريق ثم قال لي: يا بك! رعاك الله! انظر إليَّ بعين الرحمة وأعطني ثمن رغيف!

نظرت إلى هذا الشحاذ فإذ هو أستاذي «في كُتَّاب الشيخ خضر»، فما الذي اضطره ليحدث عن شيء قبل أن يحصل بخمسة عشر عامًا؟ ولِمَ لم ينتظر حتى يأتي زمنه وموضعه من الحديث فيسرده؟

ومن الأحاديث التي تفوق في الغرابة قصص ألف ليلة خبر إحدى أميرات الإسكندرية التي اشترت فتاة تركية من الآستانة وكانت آية في الجمال، وعند قدومها اصطف الخصيان والجواري السود على جانب السلم واصطفت في الجهة الأخرى الجركسيات إلى آخر درجات السلم، ولما مرت بينهم نثروا عليها الذهب، ثم قادتها زينب هانم إلى غرفتها وكانت من الحرير الوردي وسريرها من الفضة المموهة بالذهب، وقد خُصص لها معلمان أحدهما للفرنسية والثاني للموسيقى حتى فاقت سيدتها الأميرة.

ومن المستغربات أيضًا أن إبراهيم الذي تعرف به منصور في المسجد دعاه إلى منزله لأول مرة، وحينما دخلاه نادى إبراهيم أخته زكية وكانت في سن الزواج وعرفها بصديقه، وقال: هيئي له القهوة ثم الغداء، وفي الزورة الثانية لم يجد إبراهيم وفتحت له زكية الباب، وبمجرد دخوله احتضنته وقالت له: قبلني، فخجل وقال لها: دعيني، فقالت له: لا تخف فنحن وحدنا، فعانقها منصور وقبَّل خديها، وقالت له: إنني أحبك وأريد أن أتزوج منك.

وبعد حين سافر منصور إلى مصر، وبعد خمس سنين ذهب منصور إلى الإسكندرية وزار صديقه إبراهيم وزكية وكانت وحدها في البيت فعانقته كعادتها وجلست على ركبتيه، وأخبرته أنها تزوجت من رجل وما لبثت معه إلا قليلًا وطلقت، فسألها عن السبب، فأجابت: إني رأيته أجمل مني ولا أرغب أن أعيش مع امرأة، وإني ما زلت أحبك وأريد أن أتزوج منك، فقال لها: إني طالب فقير، فقالت له: خذ هذه الخمسين دينارًا وقدمها إلى أخي مهرًا، وبعد قليل أقبل أخوها وتردد منصور في الطلب، وأشارت إليه زكية خفية من الغرفة الأخرى ليخطبها من أخيها، فتردد وانصرف دون أن يفاتحه، وانتهى الجزء الأول على هذا.

هذا الخبر من أوله إلى آخره خيالي لا يقبله العقل؛ إذ كيف يُعقل أن فتاة بكرًا تهجم على فتى وتنهشه عناقًا وتقبيلًا بمجرد المقابلة الثانية، مع أن الخليلة بها بعض من الحياء يجعلها متهيبة من عشيقها الجديد زمنًا ما إلى أن تتواتر المعاشرة، ومن وجهة أخرى ترى منصورًا شديد السمرة فقيرًا لا يملك شيئًا مع أن زكية تملك بيتًا كبيرًا وحقولًا، كما أن سبب الطلاق غير معقول، وإذا كان لكونه أجمل منها فلماذا قبلته زوجًا؟ وأنها لا بد أن رأته مرة أو مرات ولو من خلال النافذة حينما كان يزور أخاها وربما جالسته كما جالست منصور قبله.

وإن هذا الموقف الذي ختم به الجزء الأول لشائن مُزْرٍ؛ لأنه قبض المهر من الفتاة وانصرف دون أن يفاتح أخاها، وكان من حسن الذوق أن يفاتحه قبل انصرافه حتى لا يثير الظنون ضد منصور بهذا الموقف الرديء، وسنعود — إن شاء الله — لإتمام البحث عندما يظهر الجزء الثاني.

(٣) كيف تصورنا شاعرة فرنسية؟

قد تحتمل النفوس ما ينفثه الجاهلون من سم التعصب الذميم، وما توحيه إليهم عقولهم الصغيرة من تهكم قارس وبذاءة جارحة؛ فتمر عليها مر الكرام، ونناجي أنفسنا بكلمة واحدة لا يلبث أن يفوه بها اللسان بنغمة إشفاق على هؤلاء المساكين وهي «شفاهم الله».

ولكننا نحار في مفاوز التيه حينما نرى تلكم السخافات والترهات صادرة من إحدى الشهيرات من كاتبات وشاعرات فرنسا؛ ألا وهي «مدام لوسي دولارو ماردروس»، والأدهى من ذلك أنها ألقت محاضرتها التي تسخر فيها من المصريين بل من جميع أهل الشرق في ١٧ مارس الماضي، ونشرت بمجلة محاضرات جامعة «ليزانال» في أول أغسطس سنة ١٩٢٣، وهذه الجامعة خاصة بالبنات بباريس، وتلقي فيها محاضرات من آنٍ لآخر يحضرها كثير من الكتاب والشعراء وأعضاء المجمع العلمي وغيرهم من أهل الأدب ومريديه، وكان التصفيق والضحك يدويان في أركان المكان عقب كل جملة مما يدل على الإعجاب بهذا الخلط الممقوت والتعصب الفاضح، لم يكفها ذلك بل انتقلت إلى اللغة العربية وقالت بأنها نشأت من تقليد الإبل والخيل والضأن والكلاب والأسود.

والأعجب من هذا أن زوجها المصري مولدًا والمعجب بآداب العربية والذي ساح في أغلب البلاد الشرقية التي تنطق بالضاد، وعرج على الهند لجمع نفائس من الكتب القديمة المخطوطة، ومن ترجم ألف ليلة وليلة والقرآن وملكة سبأ ترجمة سحبت ذيل النسيان على جميع التراجم قديمها وحديثها، لم يراجع زوجه في شيء من هذه الخرافات، فكأن مصر الذي ولد وتربى فيها هو وأبوه وعمه وباقي أسرته التي قضت قرنًا تقريبًا في مصر وما فتئوا ينعمون بنيلها العذب وشمسها المتألقة وبركاتها الوافرة لم يكن لها عنده ذمام ولا عهد ولا واجب ولا وفاء ولا حب لوطن، ولا للغة فتن بها وقضى عمره في ترجمة شيء عظيم من معجزاتها إلى الفرنسية.

إنني كنت أعجب بهذه الشاعرة هي وزوجها وقد قرأت مقتطفات من شعرها وإحدى رواياتها القصصية المسماة rex-Voto أي: «النذر»، وهي من أبدع ما كتب في نوعها؛ إذ تمثل حياة أهل «هونفلور» مسقط رأس شاعرتنا، وهي واقعة في مصب نهر السين وغالب أهلها صيادو أسماك تمثيلًا شائقًا، وبطلة الرواية تُدعى «لوديفين بوكاي» وهي ابنة صياد سكير عربيد لا يقوم بحاجيات بيته، فكانت هذه الفتاة التي مضت طفولتها في التشرد في الطرق أو الهرولة وراء طير أو لتسلق الأسوار لسرقة فاكهة دانية أعظم مؤدب لوالدها السكير، بل لجميع أهل البيت الذي أصبحت مديرته، وقد لعبت أدوارها الشيطانية حينما أجبرها أبوها بأن تتزوج من رجل غني صاحب قهوة وسفن؛ لأنه كان ينفق على أسرتها بكرم حاتمي، وكانوا في فقر مُدْقِع، فأظهرت القبول وأصرت أن تتخلص منه ولو قبل الزفاف؛ لأنها كانت تحب فتى يتيمًا تربى معها في بيت أبيها ولم تظهر له قط الحب، بل كانت دائمًا تتهكم عليه بقارس النكات ولا تخاطبه إلا بلهجة الآمر الناهي، وكانت مسيطرة عليه كباقي أفراد الأسرة، وانتهى الأمر بأن تزوجت منه وتخلصت من الأول قبيل الزفاف. وإنها لرواية ذات مغزى عظيم تمثل قوة الإرادة والذكاء وحسن التدبير لفتاة تربت في الطرق ولم تتعلم إلا شيئًا يسيرًا في طفولتها الأولى، وكان مهذبها الفقر وسوء الحال أو بعبارة أخرى: «الزمن».

ولشاعرتنا سبعة دواوين بأسماء مختلفة وسبع عشرة رواية قصصية، وقد ظهر أول ديوان لها سنة ١٩٠١ بعنوان «الغرب»، وكانت حينذاك في ربيعها العشرين؛ لأنها ولدت سنة ١٨٨١.

أما زوجها فهو أرمني الجنس واستوطن أسلافه في حلب حتى نسوا لغتهم الأصلية وأصبحوا لا يتكلمون إلا العربية والفرنسية التي تعلموها في المدارس، وانتقل والده إلى مصر هو وأخوه منذ قرن تقريبًا، وكان والده وكيلًا لشريف مكة السابق عون الرفيق بمصر، ورزق ثلاثًا من الأولاد الذكور، أكبرهم زميلنا وصديقنا جان أفندي ماردروس الذي كان مترجمًا بمحكمة مصر المختلطة، وأحيل إلى المعاش منذ ثمانية أعوام، وهو لطيف المعشر متواضع، والثاني زوج الشاعرة، والثالث طبيب ببورسعيد، وقد ولد الأديب بمصر سنة ١٨٦٨ ثم سافر إلى باريس لدراسة الطب ونال لقب «دكتور» بعد أن قدَّم رسالة بعنوان: «بحث في ضيق مجرى البول» سنة ١٨٩٤، ومن هذا الحين انقطع إلى الأدب وساح في أغلب بلاد الشرق، ومن غريب أطواره أنه قاطع أخاه الأكبر منذ عشرين سنة أو أكثر؛ لأنه اعترض على تغيير لقبه وحذف حرف اﻟ O من Mardrous.
ذهب إعجابي واحترامي لهذين الزوجين حينما قرأت هذه المحاضرة التي يغر عنوانها وهو «الموسيقى الشرقية»، والحقيقة أنها لا تنطوي إلا على سخافات ممقوتة وتعصب مرذول، وليس فيها شيء عن الموسيقى، وها هي بنصها وفصها:

الموسيقى الشرقية
سيداتي وآنساتي وسادتي

ها أنا ذي أقف أمامكم لأحدثكم عن الموسيقى الشرقية وسأتكلم عنها حالًا. أما الشرق الذي أعرفه فهي البلاد الشرقية التي يحتضنها البحر الأبيض المتوسط، وهي الجزائر وتونس ومراكش ومصر والشام وفلسطين وتركية أوروبا والأناضول، وسأترك الكلام عن اللغة التركية المدهشة وما هي إلا أنغام موسيقية لا سيما حين تسمعونها من أفواه النساء.

إني افتتحت قولي بأن العربي موسيقي؛ لأني أفكر في الوزن، وهو نصف الموسيقى على ما أظن.

إن الذين سمعوا المراكشيين أو الجزائريين وهم يتكلمون ليقولون لك وهم يأسفون: إن لغتهم قبل كل شيء حلقية ولهم الحق في ذلك، وإن كلامهم لا يخلو من الوزن الذي هو روح الشرق.

وسأحدثكم عن منشأ اللغة العربية تخمينًا واحتمالًا، ولكني أبتدئ القول بأن العربية التي تظهر للآذان أنها تختلف حسب البلاد ما هي إلا واحدة في الكتابة.

إن النطق العربي لأقرب إلى الوحشية والرطانة، فالمصري لا يفهم النطق المراكشي ولكن لا يصدق العكس، فإن المراكشي يفهم النطق المصري من أول وهلة بل ويعجب به، وكلما اتجه الإنسان إلى الغرب؛ أي كلما ابتعد عن مكة لاحظ أن العربية تفقد نقاءها وذلك راجع إلى طرق النطق، وفي مراكش أو بلاد الغرب تجد أن اللغة عندهم كلها سواكن بدون متحركات، وبالعكس في بلاد العرب فإنها تقرب من اللغة الفصحى التي تنتهي بمقاطعها الغنائية، والقرآن هو أعظم مثال لها.

ولا مراء في أن البلاد التي يسود فيها الغناء في كلامها هي مصر وأهلها كسالى، فتراهم بعكس المراكشيين يحذفون السواكن الجامدة ليطيلوا مد المتحركات.

أما أصل العربية فهو على ما أظن — ولا أقول ذلك بقصد أن أضحككم — ناشئ عن تقليد الإبل والخيل والشاء والكلاب والأسود، فنرى زئير الأسد ظاهرًا في غضب العربي، ويعرف ذلك الذين سمعوا العرب وهم يتشاتمون.

وحرف العين واضح في هدير البعير وهو صعب النطق على الحلق الإفرنجي، وحرف القاف يمثل سعال الخيل ولا يتسنى للأوروبيين أن يلفظوه.

والصاد والضاد كثغاء النعاج، والواو في نباح الكلاب، أما الحاء والخاء فيمثلان تنخم السباع الهائجة في الصحراء (ضحك وتصفيق).

لقد حدثتكم بأن مصر أكثر البلاد غناء في كلامها؛ لأن المصريين استطاعوا أن يجعلوا من هذه اللغة الخشنة كلامًا تسود عليه نغمة الحزن والشكوى متقطعًا بسبب الإغراق في إطالة المتحركات وحذف بعض الحروف الجامدة، ولذلك استبدلوا حرف القاف المزعجة بسكون، وهذا السكون هو الذي يكسب غناء ضفاف النيل شكلًا ممتازًا، وفي مصر لا يقولون «قلبي» بل «ألبي»، ولا يقولون «قومي» بل «أومي»، ولا يقولون «القمر» بل «الأمر»، أما المتحركات فيحسن أن تصغوا إلى النساء وهن يتحدثن في خدورهن بمصر:

بتعمل إيه، تعالي هنا يا بت، أنا حبيبك يا عيني.

أما الغضب الذي حدثتكم عنه فأؤكد لكم أن اللغة العربية وحدها بما لها من الوزن والموسيقى قادرة على تلطيفه، وتيقنوا أن الإنسان يهدأ ثائره حينما يقول للآخر: «ينعل دينك يا معرص يا عكروت، وينعل أبوك وأمك وأختك يا ابن تلتمية وخمسين خنزير، وانشالله تموت بالموت الأحمر ضحك.»

وأؤمل أن تكونوا سمعتم الوزن في هذه الجمل الهادئة أو القوية، وقد نوهت لكم أن الوزن هو الأصل المشترك في الموسيقى والشعر، وأكرر لكم أن كل الشرق وزن، ولا حاجة بنا لأن نشط كثيرًا يا آنساتي فإن عندكن فكرة ضئيلة من «الجازبند» وهي من اختراع الزنوج، والتي ترقصن على نغماتها هذه «الهامبولا» التي تسمى هنا «فوكس ثروت» و«شمي» وغيرها، وأظنكم لا تشكون قط في أنكم مهما حاولتم ومهما تلقيتم من دروس الدنيا فإنكم لا تستطيعون أن تقلدوا ولو عن بعد الرشاقة الوحشية في أنواع هذا الرقص الإفريقي.

إن الشرقيين لا يعدون خطواتهم ولكنكم تعدونها أيها السادة الراقصون والراقصات، ومهما حاولتم فإنكم لا تصلون أن تكونوا زنوجًا (ضحك عام).

ولنعد إلى العرب فنقول: إن الوزن عندهم من الضروريات كالتنفس، والمرأة التي تندب ولدها تبكيه بأوزان وأنغام كما حققته في رحلي وأسفاري.

وأظن أنه قد سبق لي أن حدثتكم في نفس هذا المكان عن البدوية التي صادفتها في طريق قفر في «خروميري» ولم تدرِ أني أنظر إليها وهي مارة، وكانت تتقدم في رياح الخريف بين أوراق الخريف المتناثرة وعصاها بيدها، وهي تقطع ألحان الشكوى التي كانت تبتكرها وهي سائرة يخنقها البكاء والتنهدات، وحينما استعلمت عنها قيل لي: إنها تقطع وحدها أوزان الآلام؛ لأنها شاهدت المحضر الإفرنجي وهو يبيع أمتعتها الحقيرة.

وقد رأيت في مصر نساء مسلمات مستخدمات في محلات إفرنجية يسرن في الطريق حاملات آلات خياطة؛ ليمشين بين قطارات الترام والسيارات والسابلة من الإفرنج، ولا ينقلن قدمًا أمام الأخرى دون أن يغنين لحنًا يساعدهن على نفض كسلهن الطبيعي.

وقد تحققت عندما كنت بالأقصر اضطرار المصريين إلى إسناد أعمالهم إلى الأغاني المقطعة، إذ رأيت رجالًا وغلمانًا يرفعون الأحجار عن هياكل أسلافهم ولا يجودون بأي مجهود إلا إذا أسندوه إلى لحن يغنونه جميعًا.

وقد فاجأت في مقبرة إسلامية بالصعيد جمعًا محتشدًا من العمال المسافرين إلى السودان ينشدون ويرقصون بنظام كالرقص الروسي ليتشجعوا على ملاقاة النفي البعيد.

وكان يتشجع مثل هؤلاء العمال الموكلين بوضع قضبان الترام في القاهرة، إذ كانوا يرفعون معاولهم مع بعضهم ويتركونها تهوي مع بعضها إلى الأرض لتضرب نقرة واحدة تسير مع وزن اللحن المنشود من الجميع، وليس المسلمون وحدهم هم الذين يعملون هذه الأعمال، وقد شاهدت منظرًا مماثلًا بمقبرة المسيحين في الإسكندرية في عيد الأموات.

رأيت سيدة مصرية عجوزًا مرتدية ملابس تماثل أزياء عجائزنا من قماش أسود دقيق من نوع «الكابوت»، وكانت تتعهد نباتات زُرعت حول قبر ابنتها، ولما نظمت المكان نشرت مظلتها؛ لأن شمس مصر قوية حتى في شهر نوفمبر، ثم جلست بجانب القبر وأخذت تنتحب وتعوي كذئبة تبكي ابنتها بوزن موسيقي أوحاه إليها إلهامها.

ويوجد بمصر خلاف هذه المظاهرات الشخصية حفلة دينية تسمى الذكر، وهو يتم بأنواع الاجتماعات تشريفًا للموتى أو الأولياء أو لتمجيد الله، وهو يختلف على حسب الطرق، ويتكون من ترتيل يزداد شيئًا فشيئًا إلى أن يبلغ الصراخ، ويرقصون سويًّا في بعض الأحيان، والذكر يكون مزعجًا حينما تشتد وتعلو أصوات الذاكرين.

وأظنكم سمعتم أخبار «العيسويين» (نسبة إلى محمد بن عيسى وهو مرابط مراكشي أسس هذه الطريقة بمكناس، وقد مضى عليه ثلاثة قرون وانتشرت طريقته في جميع بلاد الغرب)، وهم يدعون أن الأفاعي والسلاح والمسامير والزجاج لا تؤثر في أجسامهم، وهم يماثلون المشعوذين المصريين المعروفين بالرفاعية في أفريقية الشمالية الذين يسمرون المسامير في خدودهم وقت بحرانهم، ويقلعون أعينهم من محاجرهم ويطرحونها أرضًا حتى يُسمع صوت وقعها، وفي الصباح لا يُرى أي أثر من ذلك في وجوههم، وقد شاهدت ما يماثل ذلك في الغرابة بمصر بلد الاعتدال الباسم.

ولقد حضرت الستة عشر يومًا بأجمعها التي يقام فيها مولد النبي بسراي السيد توفيق البكري نقيب الأشراف، وشاهدت المرتلين الرافضين والذاكرين في ضوء المشاعل تخفق فوق رءوسهم أعلام موشاة بأبدع الألوان.

وأذكر خاصة حزب الزنوج ذي الجلابيب والعمم الزرقاء الفيروزية يذكرون ويرقصون وهم مصطفون حتى يهيجوا وتعلو أصواتهم لحد الجنون المزبد، وكان هناك حزب آخر من الشبان المصريين الشاحبي اللون يرمون بأنفسهم في النار على صوت الدفوف ويأكلون القبس، ثم يتمرغون على الصعيد بحالة صرع فيحنو عليهم رفاقهم ويواسونهم بأقوال حكيمة، وبعد قليل يأتي دور الآخرين من اشتداد قرع الدفوف ويرتمون مثلهم في النار، ثم يصرعون ويتخبطون على الأرض ورؤالتهم تسيل من أفواههم وهم حمر العيون.

وقد تبعت العجم في عيدهم المسمى عاشوراء، وقد مر موكبهم في طرق القاهرة ليلًا وهم لابسون أثوابًا بيضاء ووراءهم سيدات يبكين، وكان وزنهم الوحشي مسندًا إلى ضربات السيوف ذات الحدين في رءوسهم، وكل منشد منهم يضرب نفسه ليظهر الوحدة الموسيقية.

وكانت أصوات هذه الجموع تولول صائحة حسين! … علي! … ولكل اسم من هذين الاسمين المقدسين تقطع السيوف في جماجمهم الدامية.

وقد تمكنت بفضل زوجي الذي يملك المفتاح الذهبي للأسرار الشرقية أن أتسلل وراء هؤلاء المتعصبين وأتبعهم إلى مسجدهم الصغير الذي يتممون فيه حفلتهم، والذي لم تطأه قط أقدام الإفرنج.

اصطف هؤلاء المنشدون الجرحى حول شيخهم، وهو مرتدٍ طيلسانًا أبيض فضفاضًا شعره مسترسل على كتفيه برأس يشبه رأس المسيح، أسمر الوجه، تدور عيناه في أم رأسه وهو يرتل لهم بصوت جهوري، وليسند إلى كل جملة كان أتباعه ذوو الرءوس الدامية عارين إلى أوساطهم وبأيديهم سلاسل يضربون بها ظهورهم، متبعين في ضرباتهم الوزن الموسيقي.

ولقد دفعنا تطلعنا إلى زيارة بعض هؤلاء المتعصبين المرعبين؛ فذهبنا إليهم في الغد إلى سوق العجم «خان الخليل» فوجدتهم من صغار التجار الذين يبيعون نعال المنازل والبضائع الحقيرة، وهم جالسون بكل لطف في حوانيتهم يعرضون سلعهم بصوت هادئ.

فسألناهم عما فعلوا أمس، فكشفوا رءوسهم المغطاة بقلانس (استراخان) وأرونا جراحهم المكمدة بتفل القهوة، وقالوا لنا وهم يأسفون: ستزول هذه الأثار غدًا، ولم يبقَ عندهم شيء من المس الشيطاني الذي أصابهم أمس، وغاية الأمر أنهم يعرفون أنهم يصابون في كل عام في نفس هذا التاريخ بتلك النوبة التي تملكهم دون أن يستطيعوا الفرار منها.

النوبة العصبية هي الكلمة الملائمة، وكل شيء في الشرق نوبة عصبية صاعقة لا يمكن التنبؤ بما سيحصل قبلها ولا كشف أسرار ما سيقع بعدها.

وكل ما سردناه في الحقيقة هو من تأثير الوزن (تصفيق).

ولا أريد أن أتوغل في الجنون الديني الذي حدثتكم عنه، بل أكتفي بسرد الحادثة الآتية التي شاهدتها في تونس وهي غريبة في نوعها:

كانت طفلة زنجية تسمى «زهرة» لم تبلغ بعد السادسة وقد ذاع صيتها في حيها لمهارتها في رقص البطن، فقلت لمن حولها من شبان العرب: ادعوها للرقص، فلم تقبل الرجاء، وطفقت تقضم في قطعة من الخبز محشوة بالحلوى الطحينية وتتفرس فيَّ بعين بيضاء ملئت خبثًا، ولن أنسى شكلها وهي مرتدية سروالها الضيق الطويل و«الفوطة» المخططة التي اتزرت بها ورأسها المربوط بمنديلها المفوف.

رجوا منها أن ترقص فعاندت، فقعد الجميع القرفصاء وضربوا بدرائرة حولها وجعلوا ينقرون دفوفهم ويغنون لها. سجنت زهرة وسط الحلقة فبكت من الغيظ وأخذت ترقص رغمًا عنها وبدون إرادة منها، كانت تقضم الخبز من الحرد وترويها بدمعها، وطفق روقاها الصغيران يتموجان من تأثير الموسيقى.

وما تلك بحالة خاصة فإننا إذا ولجنا الدائرة الصوفية المحضة «للمولوية» فإنني أقص عليكم بأنني رأيت الشيخ «صلاح الدين دده» يرقص ويدور؛ لأنه سمع أحد الجالسين معه في بهو إسلامي يعزف على «الفيولونسيل».

وقد قال هؤلاء الدراويش: «كل من لا يرقص فهو مجرد من الروح.» ولهم الحق فإن رقصهم الذي يشبه دوران الكواكب لهو أكمل مظهر للنشوة الدينية التي تليق مشاهدتها، والموسيقى التي تحمسهم مركبة من نايات وطبول صغيرة وعيدان، ويُخيل إلى سامعها أنها آتية من وراء البحار.

وإن أردنا أن نتكلم على الموسيقى الحقيقية فأحدثكم عن المغنين والمغنيات و«تختهم» الذي يشمل الناي والطار والدربكة والعود والكمنجة والقانون.

وسأجرب أن أقفكم على فكرة ضئيلة من الأوزان النائمة في هذا الجلد المشدود «للطار» وقد أحضرت واحدًا لهذا السبب، وستطلعون على السلم الموسيقى الحقيقي لهذه الآلة، وهذه التي تشاهدونها جلبتها من دمشق (ثم أنشأت مدام ماردروس تنقر أوزانًا مختلفة شائقة على الطار فصفق لها الحاضرون تصفيقًا شديدًا).

ولقد حدثتكم كثيرًا عن الست وسيلة (وهي العوادة الشهيرة التي كانت عند المرحومة الأميرة نازلي فاضل، ثم انتقلت بعد وفاتها إلى سراي المرحوم السلطان حسين كامل)، والست بمبه (هي بمبه كشر العالمة الشهيرة)، وهما المفضلتان في مقاصير الخدور الكبيرة بالقاهرة وتونس، وإني أقص عليكم الأهواء الغريبة للمغنيين العرب:

إن الشيخ يوسف — الذي توفي الآن ومن تعرفت به بمصر — رُجي منه مرة أن يغني في احتفال عند كبير من الأمراء، وإن كلمة رجاء منه لمخففة؛ لأنه نقد مقدمًا أجره الذي يقدر بآلاف من الفرنكات، وفي أعظم وقت الاحتفال اختفى الشيخ يوسف، فأخذوا يبحثون عنه، فعلموا أنه قد غادر القصر وكان له عدة بيوت، فأرسلوا إليه من يبحثون عنه فلم يعثروا عليه، ومضى وقت طويل والأمير ومدعووه ينتظرون، وانتهت الليلة باكتشافه في إحدى الطرق الصغيرة في مصر القديمة يسير وحده بغير قصد في ضوء القمر، فأجاب الرسول بأنه لا يستطيع العودة إلى القصر؛ لأنه لا ميل له الليلة للغناء ولا للموسيقى، فخضعوا لرغبته، وإن كبار المغنين في بلادنا لا يجرءون أن يعملوا مثله.

وفي حفلة زفاف ابن أحد التجار — وكانت الحفلة في الطريق كما جرت العادة في القاهرة — رأيت عبد الحي المغني الآخر الشهير وقد أخذ مبلغًا ضخمًا، وكان تحت قدميه ثلاثمائة مستمع تقريبًا ينتظرونه من ساعات، وكان جالسًا على مقعد عالٍ وبيده عود وقد وقع نحو عشرين مرة فاتحة موسيقية ثم وضعه بجانبه ولم يغنِ كلمة واحدة، ولم أرَ في حياتي مثل هذه الألاعيب المماثلة لسنور يعذب فأرة قبل افتراسها (ضحك).

ومن أغرب الأمور التي نفاجأ بها أن في البلاد العربية كل الناس بدون استثناء مفتونون بالموسيقى، وهي عند العرب قوة قاهرة، ويمكن سوقهم إلى الحرب المقدسة بعود ورق وصوت جميل، وإني أريد أن أقص عليكم المشاهدة الآتية:

توجد بمصر شركة من السوريين المسيحيين تمثل بالعربية وبأزياء إفرنجية روايات أوروبية أمام جمهور عربي صميم، وبعض هذه الروايات من مؤلفات «شكسبير»، ولقد حضرت منها تمثيل «روميو وجولييت»، وكانت الطرابيش والعمم تشغل المقاعد كلها والألواج، ولا تظنوا أن هذا الجمهور من المسلمين كانوا ينظرون إلى المسرح، بل كانوا يدخنون ويشربون والجميع ناظر إلى السقف أو إلى أرجلهم، أو ينظرون وراءهم بأعين كبيرة وهم يفكرون في أمور أخرى.

وفي وقت من الأوقات أراد الراهب أن يغمد خنجر «روميو» في قرابه؛ لأنه كان يريد أن ينتحر، فوقع من يده الخنجر فرفعه الراهب، فوقع ثانية فرفعه روميو.

وقد حاول الاثنان أن يغمداه في قرابه فلم يستطيعا، وبعد عشر دقائق خرجت بغتة من وراء المسرح عجوز لا شأن لها في الرواية، وطفقت تعالج الخنجر بصبر ولسانها مُتدلٍ حتى وُفِّقت أخيرًا ووضعته في مِنطقة «روميو»، ثم خرجت بكل سكون كما دخلت، وعادوا إلى التمثيل بعدما قطع، فأغرقت في القهقهة وحدي دون أن يشاركني أحد من هذه الجموع.

وعندما جاء منظر القبر انطلق الضحك من الجميع ليحيوا أنين «جولييت». وفي مواقف الحب كان المثل السوري يستبدل شِعر «شكسبير» الوجداني بالغناء العربي وقد هاج الجمهور من التحمس والفرح، إذ عرفوا منها روح جنسهم فوجدوا أنفسهم سعداء (نريد الحب العذري عند العرب).

كل شرقي يحب الموسيقى حتى خيلهم، وقد شاهدت في «خرومري» برذونًا بلغ من الكبر عتيًّا يجر عربة وهو كئيب كأنه محتضر، وكان في زمن فتوته من خيول البرجاس المشهورة، وبمجرد ما يسمع أحدًا يصفر له لحنًا يرقص طربًا.

كل شيء في الشرق موسيقي من نداء الباعة إلى أذان الصلاة، يُسمع المؤذن من أعلى منارته خمس مرات كل يوم فينطلق غناؤه بدلًا من نواقيسنا، وسأجتهد أن أسمعكم غناء المؤذن (ثم أخذت مدام ماردروس تغني غناء المؤذن فاحتد التصفيق وعلا الصياح: أعيدي أعيدي).

أراكم تستغربون هذا مع أن غناءنا نشأ من الغناء العربي السوري، وها كم الكلمات الأولى من القرآن كما يرتلونها هناك، وأظنكم تلاحظون فيها نغمة صلواتنا الكاثوليكية (ثم طفقت تغني: بسم الله الرحمن الرحيم).

إننا في الوقت الحاضر لا نكتفي بأن نفكر في أن غناء أسلافنا أتى من الشرق البعيد، إن موسيقانا العصرية بدافع التأثر الذي حصل «لكلود دوبوسي» قد سارت إلى آسيا لتبحث عن نغمات جديدة.

ولقد قال لي «دوبوسي» بأنه فضلًا عن التأثير المباشر الذي نفحته به الروس أبناء المغول، فإنه وجد في الموسيقى التي كانت ترقص عليها الفتيات الجاويات في معرض ١٨٨٩ كنزًا مدهشًا من النفحات الجديدة.

(٣-١) كلمتنا على المحاضرة

تنحصر محاضرة الكاتبة في التهكم اللاذع على أهل مصر والشرق وبعض افتراءات سندحضها بالدليل القاطع والتشنيع باللغة العربية وأنها لغة غنائية، وفي تصوير بعض البدع المرذولة المتفشية بين بعض العوام وسلوك مغنينا.

عيَّرت الأمة المصرية جمعاء بعادات شاذة لا تتعدى فئة صغيرة من الطبقات السفلى والغوغاء السوقة، وضلَّ طرفها عن المدنية المصرية وأخلاق المصريين وكرمهم وتسامحهم ونهضتهم الأدبية والسياسية التي أسمعت الخافقَيْن ودوَّت بين المشرقين.

أمَّت هذه الكاتبة ديارنا منذ ٢٢ سنة تقريبًا ومن خجلها لم تذكر في أي موضع من محاضراتها تاريخ رحلتها؛ لأنه من المضحكات أن يُحدِّث المحاضر عن قوم شاهدهم قبل ٢٢ سنة، ولقد دققت البحث عن هذا التاريخ حتى عثرت عليه من عدة مصادر، ومما يؤيد ذلك أن السيد توفيق البكري الذي شاهدت عنده مولد النبي مضى عليه نحو ٢٠ سنة وهو مريض ومقيم في الشام.

تعرفت بكثير من الأمراء والأعيان مثل ساكنة الجنان الأميرة نازلي فاضل والسيد توفيق البكري وكثير غيرهما، فأكرموا وفادتها فلم تنظر عند هذه الطبقة الراقية حسنة واحدة أو مثالًا للنهضة والرقي.

وأول ما رمتنا به أننا قوم كسالى، وهذا وهم أو افتراء؛ لأن الكسلان لا يستطيع أن يعيش أو يكسب قوته، ولا ننكر أن عندنا بعض شواذ كباقي الأمم، وإن نظرنا إلى الطبقة السفلى عندنا والعمال رأيناهم متقنين لصناعاتهم من نجارة وحدادة ونقش وحياكة وغيرها، وقد استعانت فرنسا نفسها بآلاف من عمالنا وأعجبت بمهارتهم، وغالب العمال في بحبوحة من العيش يلبسون الجلاليب الحرير والمعاطف والأحذية والطرابيش الجميلة، وكثير منهم يعرف مبادئ القراءة والكتابة، وبعضهم من الذين يشتغلون مع رئيس أجنبي يتكلمون بلغة رئيسهم بعد سنة واحدة.

قضت الكاتبة ردحًا من الزمن بين تونس والجزائر ومراكش، وتعودت لهجة المغاربة الذين يُسَكِّنون كل حَرْف ويحذفون كل متحرك؛ فظهر لها أن المصريين في لهجتهم يطيلون مد المتحركات حتى أصبح كلامهم غناء.

ثم انتقلت إلى اللغة دون أن تدري منها شيئًا أو تطالع ما كتبه المستشرقون عنها من غالب الإفرنج وأولهم الفرنسيون مثل: «رينان وسيلفستر دوساسي وهويار» وغيرهم من الإعجاب بالعربية وفصاحتها وبلاغتها، ولا شك أنها لم تدرِ من ذلك شيئًا حتى قالت: إنها تقليد للإبل والخيل والشاء والكلاب والأسود. وهذا الكلام أشبه ببحران محموم أو خلط مصروع، ومن الغريب أنها قالت: إن الصاد والضاد موجودتان في ثغاء النعاج، والحال أن الطفل عندنا حينما يبلغ الثالثة يقلد أصوات الحيوانات ويقول: «ماء» حاكيًا صوت الشاة، وليس في هذا الصوت صاد ولا ضاد، فالكاتبة إذن أقل من الطفل فهمًا.

وقالت: إن القاف المزعجة التي تشبه سعال الخيل لا يتأتى للحلق الإفرنجي أن ينطق بها، وهذا افتراء أيضًا؛ لأن مالطة التي هي جزيرة إفرنجية يتكلم أهلها بقاف أضخم من قافنا، وعندهم العين والحاء والخاء التي قالت عن أولاها أنها مأخوذة من هدير البعير، وعن الأخيرتين أنهما من تنخم السباع الهائجة في الصحراء، والخاء أيضًا موجودة في اللغات الألمانية والنمسوية والإسبانية.

بنت الكاتبة على توهمها أن المصريين يطيلون من المتحركات أنهم يتكلمون بالغناء، وأن كلامهم موزون ملحن، وعلى هذا الوهم أنشأت محاضرتها واستنتجت أن جميع الشرق وزن، وأن هذا الوزن يضطرهم كالقضاء المحتوم إلى اقتراف أعمال التوحش من أكل النار والزجاج والوقوف على اللهيب عند المصريين، وضرب الجباه بالسيوف والظهور بالسلاسل عند العجم.

رأت خادمة أو فقيرة تحمل على رأسها آلة خياطة لتصلحها أو توصلها إلى منزلها فتوهمت أنها مستخدمة ككثير من أمثالها في المحلات الإفرنجية، وموكلة بتوزيع هذه الآلات، وهذا لا وجود له عندنا بالمرة.

وقالت: إنها رأت في مقبرة المسيحيين بالإسكندرية عجوزًا مصرية في زي العجائز في بلادها وبرأسها قبعة من نوع «الكابوت» وهذا وهم فاسد؛ لأنه لا توجد بمصر مسيحيات مصريات غير الأقباط، وهن لا يلبسن القبعات ويستثنى عندهن التلميذات، فلا بد أن تكون هذه السيدة سورية مسيحية، ومن آداب الكاتبة أنها شبهت هذه السيدة التي تبكي ابنتها بالذئاب العاوية.

ثم انتقلت إلى الذكر وقالت عنه إنه مزعج، وفي الحقيقة إنه يزعجنا أكثر منها، وما هو إلا بدعة دينية لا تتعدى الرعاع والبسطاء من القرويين، وإن الدين ليبرأ من هذه العادات الممقوتة التي ابتدعها هؤلاء الرعاع.

أما الشعوذة التي يعملونها في الذكر فما هي إلا أعمال سيماوية ويازرجية يتعلمها بعضهم عن بعض ليراءوا بها، ويظهروا بمظهر التقوى والكرامات؛ فتقبل أيديهم، وتنهال عليهم من أمثالهم صنوف البر والخير، ويعدونهم من الأولياء أصحاب الكرامات.

كما أن حفلة عاشوراء بدعة من عوام العجم، وقد حققت ذلك الكاتبة حينما زارتهم في صباح الحفلة بخان الخليلي فوجدتهم من فقراء التجار الذين يتجرون بالسلع الحقيرة.

ثم قالت الكاتبة: «النوبة العصبية هي الكلمة الملائمة، وكل شيء في الشرق نوبة عصبية صاعقة لا يمكن التنبؤ بما سيحصل قبلها ولا كشف أسرار ما سيقع بعدها.» فلو كان عند الكاتبة شيء من التفكير والتروي وصدق الحكم لما حكمت على جميع الشرقيين بهذا الحكم القاسي المضحك، وهل تؤخذ أمم عديدة بجريرة شاذة يقترفها بعض السفلة؟!

ثم سردت لنا نادرة للشيخ يوسف المنيلاوي تماثل نوادر عبد الحي، مع أننا لم نسمع في حياتنا أنه أخلف وعده واستخف بالجموع التي تنتظره.

ومن تعصبها الجسيم الملموس حادثة المسرح الذي شاهدت فيه تمثيل روميو وجولييت وقالت: إنه لشركة سورية مسيحية، وإن الذي كان يغني وله الدور المهم سوري مسيحي، وإن اثنين من الممثلين قطعا التمثيل نحو عشر دقائق ليحاولا أن يغمدا الخنجر فلم يفلحا، ثم خرجت عجوز من المسرح وبعد اللَّتَيَّا والتي وقفت لإغماده، وإن كل المشاهدين كانوا ينظرون إلى السقف أو إلى أرجلهم أو وراءهم بأعين كبيرة لأغراض أخرى، وإن الحاضرين كانوا يحيون أنين «جولييت» بالضحك؛ كل هذا الهراء ملفق؛ لأن هذه الرواية كانت تُمثَّل قديمًا عند الشيخ سلامة حجازي ثم انتقلت بعد موته إلى مسرح عكاشة.

ومعروف أن الشيخ سلامة ترك شركة إسكندر فرح وإخوته من ثلاثين سنة تقريبًا؛ أي قبل مجيء الكاتبة إلى مصر بثمان سنوات، وفي عهد زيارتها لمصر كان الشيخ سلامة وحده صاحب المسرح، فأين إذن هذه الشركة السورية المسيحية الموهومة والممثل السوري الأول؟ وهل يعقل الصبيان أن كل هذه الجموع لم يوجد فيها فرد ينظر إلى المسرح، فلم إذن جشموا أنفسهم السهر والانتقال من أنحاء القاهرة وضواحيها البعيدة وأنفقوا ثمن التذاكر وأجر الانتقال؟

ولنفرض جدلًا أن في هذا الافتراء أثر من الحقيقة يصدق على بعض أفراد يعدون على أصابع اليد، فهل هذا خير أم ما يقترفه الباريسيون في أكبر التياترات، والذي وصفه «فكتور مارجيريت» في رواية «المتفتية la Garconne» أو «الغلامية» إن أردت مما أخجل أن أذكره للقراء.

نسائل أنفسنا: ما الذي استفاده هذا الجمع المحتشد من هذه المحاضرة السخيفة؟ وما الذي استفادته الكاتبة من هذه السياحات والرحل في بلاد الشرق؟ وهل أنفقت الآن الدنانير لتشتري بها بعض الفكاهات، وتنظر إلى عادات العامة من السوقة لتسجل عليهم بعض نكات تضحك منها من يستمعونها؟ إنها إذن لصفقة خاسرة.

لقد كانت هذه المحاضرة البذيئة كمبرد سطا على شهرة هذه الكاتبة المموهة بالعسجد الخلاب، فقضى على هذه القشرة وأظهر للعقلاء ما اختبأ تحتها من حديد أسود، وهذا شأن المرأة في العالم لا تنبغ في شيء، وإن حصلت على بعض شيء من الفضل بالممارسة وطول المزاولة، فلا يزال عقلها ضيقًا لا يتعدى الدائرة التي اشتغلت بها.

ولو كان عندها شيء من الكياسة وحسن التفكير لشغلتها عيوب أمتها عن عيوب غيرها من الأمم، وإن هذا الشرق الذي تُعيِّره بالكسل والنوبة العصبية والوحشية وغيرها لأرقى أخلاقًا وأشرف عواطف، كما أنه يبرأ من المدنية الأوروبية المزيفة!

هل جهلت أن أمتها فاقت في الشهوات والملذات الحيوانية والتفنن في الموبقات عهد الرومان؟ أما قرأت ما كتبه «إيميل زولا» و«بربو» و«فكتور مارجريت» والدكتور «بلز» في المجلد الثالث من كتاب المعالجة الطبيعية صحيفة ٧٥٢ مما تقشعر له أبدان الشياطين؟

أتناست أن لغتنا العامية التي حكمت عليها حكمين متناقضين في وقت واحد من أنها وحشية وموسيقية أرق وأفصح من لغات أمتها العامية مثل: «الشارابيا» و«الجاسكون» و«البروفنسال» وغيرها، مما لو قورنت برطانة زنوج أفريقيا وحمر أمريكا لفضلنا هذه الأخيرة وعددناها أرقى وألطف منها؟ أتجاهلت أهل بريطانيا الفرنسية المتاخمة لبلدها «هونفلور» وما هم عليه من الخرافات والسذاجة التي لم تفارقهم إلى الآن ولا تتفق مع القرن العشرين؟

أضحكت الكاتبة علينا سامعيها بنكاتها السمجة التي لفقتها، ولكني سأضحك القراء بحادثة حقيقية حصلت بباريس تدلنا على ما بها من الآلاف المؤلفة من السخفاء والأغبياء، وذلك بين طبقات الفنيين أنفسهم، وهي من الحوادث التي سجلت عليهم العار والخزي.

نشرت مجلة «الألوستراسيون» الفرنسية في سنة ١٩١٠ مقالة ضافية بقلم الكاتب الكبير «هنري لافدان» أحد أعضاء المجمع العلمي، وصف فيها معرض الصور الذي أقامه المصورون «الأحرار» فقال:

شاهدت فيه ثمانين ألف قيأة لا صورة، وحاولت أن أفهم منها شيئًا فما استطعت، شاهدتها من الجهة اليمنى واليسرى فلم أفقه لها معنى، فسولت لي نفسي أن أشاهدها من بين ساقي لأرى الصور معكوسة، وبهذه الطريقة فهمت بعضًا من معانيها التافهة.

حرَّض هذا القول بعضًا من محرري مجلة «فانتازيو» الباريسية فتفننوا في إلقاء درس زاجر فاضح لهؤلاء المغرورين.

رأى أحد هؤلاء المحررين جحشًا لصاحب فندق حقير يحب السكر، فاذا أكله حرك ذيله طربًا وفرحًا، فاستصحب هو ورفاقه محضرًا من محكمة «السين» وذهبوا إلى الفندق ومعهم لوحة من نسيج التصوير وأصباغ وريشة كبيرة وطلبوا من المحضر أن يدون بمحضره ما سيعاينه، ثم علقوا اللوحة البيضاء في الحائط على ارتفاع يماثل قامة جحشنا، وربطوا الريشة بذيله وكلفوا أحدهم بغمسها في الأصباغ كلما جفت، ثم أنشأ الآخر يلقم الجحش قطع السكر، وطفق ذلك المصور الماهر ينقش صورته بذيله، وكلما أتم قطعة من اللوحة حركوها فصور بحرًا خضمًا تغرب فيه الشمس، وكتبوا عنوان الصورة «اضطجعت الشمس على الأدرياتيك» وبقيت إمضاء المصور فاختاروا لها مرادفها الأدبي «اليبورون» فقسموه شطرين، وقدموا الشطر الأخير فصار «بورونالي» ثم أرسلوا الصورة إلى المعرض، وقالوا للقائمين بأمره: إنها لأحد الأحرار، فأعجبوا بها أيما إعجاب، ووضعوها في أرفع مكان بصدر المعرض.

وبعد يومين من عرض الصورة فاجأتهم مجلة «الألوستراسيون» بمقالة شرحت فيها كيفية تصوير هذه الصورة، وشفعتها بصورتين فوتوغرافيتين؛ إحداهما لمصورنا الفني حينما كان مشتغلًا بتصويرها، وأخرى لمحضر المعاينة الرسمي حتى لا يخالج القارئ شك في حقيقتها؛ فكان هذا الدرس داعية لإقفال معرضهم وهربهم من الخزي والعار.

(٤) رقص الأموات

عنوان لكتاب ظهر حديثًا في عالم الأدب نمقته باللغة الفرنسية يراعة الكاتبة الفاضلة إنشراح هانم شوقي، ولقد ابتهجت أفئدتنا أن رأينا كاتبة ثالثة تحسن الإنشاء الفرنسي، فأصبحت تفتخر بها البلاد هي والسيدتان حرم محمد عارف باشا وأحمد خلوصي بك.

وقبل أن نخوض في تحليل هذا الكتاب يحسن بنا أن نسرد كلمة عن منشأ رقص الأموات.

ابتدأت الفكرة الخرافية لرقص الأموات في القرن الرابع عشر، وانتشرت في جميع بلاد أوروبا تقريبًا، إذ يعتقدون أن جميع الأموات ملك وصعلوك وشيخ وطفل وكاعب وحيزبون يشتركون في رقص يرأسه الموت وبيده كنارة «كمنجة» من هيكل عظمي وقوسها قطعة من العظام، ومغزاه أن القضاء يحتم الفناء على جميع الأحياء.

وتوجد أعظم الصور التي تمثل رقص الأموات بمدينة «بال» وهي من رسم «هولبن»، ومن الصور المشهورة أيضًا صورة «سان ماكلو».

وقد نظم كثير من الشعراء عدة قصائد لرقص الأموات، ووضع له مشاهير الموسيقيين ألحانًا عديدة أحسنها الذي ألفه «كاميل سان صانس» الموسيقي الفرنسي الذائع الصيت، ولحن به قصيدة الشاعر الفرنسي «هنري كازاليس»، وإني أترجم منها فقرة توضح لنا فكرة رقص الأموات:

زيجه زيجه زيج، الموت يرقص ضاربًا بعقبه رمسًا، يوقع المنون على كنارته في منتصف الليل لحن رقص، زيجه زيجه زاج، تزمجر ريح الشتاء والليل معتم والزيزفون يئن، وقد انتشرت خلال الظلام الهياكل العظمية البيضاء، تعدو وتقفز تحت أكفانها الكبيرة، زيجه زيجه زيج، كل مضطرب هائج، إذ تسمع طقطقة عظام الراقصين، ولكن انفضَّ الراقصون على حين غفلة وركنوا إلى الفرار، يدفع بعضهم بعضًا حينما سمعوا صياح الديك.

يتركب كتاب رقص الأموات من مقدمة وخمسة أقسام ونتيجة؛ فالأول لقدماء المصريين، والثاني لليونان، والثالث للرومان، والرابع للعرب، والخامس للمعاصرين والحديثين.

نرى أن مقدمة الكتاب لا يمكننا أن نعتبرها مقدمة بمعنى الكلمة؛ لأنها لا تبلغ صحيفة واحدة قالت فيها:

ليت شعري إلى أين تقودنا المدنية الحديثة؟

هذا هو الغرض من ذلك الكتاب الأدبي والذي وضحناه في القسم الخامس حيث تحتد فيه المناقشات بين خيالات المعاصرين والحديثين للوصول إلى المطلب الأسمى للإنسانية، وأنها تأمل أن هذا الكتاب الوحيد في بابه الشامل لصفحات من الفلسفة والتاريخ يصادف قبولًا حسنًا لدى الجمهور، وأنها تلتمس المعذرة لطائفة من أفكارها الشخصية.

بيَّنت لنا الكاتبة الفاضلة أن كتابها أدبي فلسفي تاريخي، ولكننا نعترف للكتاب بقيمته الأدبية الثمينة، وننكر عليه الفلسفة والتاريخ.

تنم سطور الكتاب على أدب وافر، وبيان ساحر، وعواطف متأججة وخيالات راقية، وشعور شريف حي يئن ويرثي لآلام ترزح تحتها الإنسانية، وسهام طائشة تخرج من كنانة القضاء فتصيب الكرام وتنبو عن اللئام.

إن ذاك الإنشاء ليس إلا شعرًا منثورًا من الشعر الوجداني الذي يمثل فيه الشاعر شعوره وعواطفه، وهو من نوع القريض «رومانتيك» ومصداقًا لقولنا نترجم للقراء جزءًا من نتيجة الكتاب:
أيها النيل المحبوب! يا من هو سميري في آلامي، وسلواني في وحدتي، إنني أجد صدى روحي حينما أنصت إلى صوتك، تنفحني أحيانًا نغمات لججك الشجية بالسعادة والأمل، ويخيل إليَّ وقت اضطراب أمواجك الهائجة المزبدة وتكسرها على الشواطئ أنها تبكي ماضيًا لن يعود إلى الأبد، أو أنها تحتج على مظالم الناس واستبدادهم.
ليت شعري! أتنسب هذه المظالم إلى الإنسان أم إلى الحروب؟
إلى أي حظ تقودنا؟ ترى تلك الأيام حدادًا دائمًا؟
أو أنك لتنتقم من هذه الأعوام القاسية تريد أن نحقق صورته التي تموج في فكرنا؟

إذا نظرنا إلى شكل الكتاب وموضوعه وجدناه مجردًا من الصبغة التاريخية؛ لأنه عبارة عن سرد جمل صغيرة من معلومات تاريخية عامة حوت الغث والثمين والأوهام.

نرى المؤلفة تبكي على البرامكة وتستهجن عمل الرشيد، ولو أنعمت النظر في تاريخهم ودرسته درسًا دقيقًا لعكست فكرتها، ولقد فاتها أن يحيى بن خالد البرمكي وولديه جعفرًا والفضل كانت بأيديهم جميع سلطة الخلافة وصيروا البلاد الإسلامية أشبه بمستعمرة فارسية، واستولى البرامكة على جميع وظائف الخلافة الكبيرة وتملكوا أغلب أراضيها وضياعها وقصورها، وامتصوا كنوز البلاد، ولو طال لهم الوقت بضع سنين لاغتصبوا الملك من الدولة العباسية، كانوا يغدقون جزيل العطاء على الشعراء ليخفوا أعمالهم الشيطانية ويترنموا بمديحهم ذرًّا للرماد في عيون السذج.

نجدها تمجد معاوية ولو عرفت حقيقته لصبت عليه أسوأ اللعنات، غرتها فتوحاته وما درت أنه ما فتحها إلا جشعًا وحرصًا على الملذات والشهوات وحبًّا في الملك، كان واليًا بسيطًا فاختلس الملك من الإمام علي وهو أقرب الناس إلى رسول الله وأعظم المسلمين علمًا ودينًا وورعًا وزهدًا، اتهمه بأنه قتل سيدنا عثمان بن عفان، وأشعل نار الفتنة، وخرج يحارب جيوش الإمام علي وطفق المسلمون يتقاتلون ومات منهم الألوف، وكان معاوية يتنعم في القصور الشامخة ويأكل الأطعمة الفاخرة ويلبس الديباج الموشى، والإمام علي يلبس المسوح البالية ويأكل خبز الشعير من غير إدام.

ولقد صادفت أغلاطًا عديدة في الأسماء العربية مثل: المعاوية، والجفر، والمهاوندي، وأمية بن أبي الصلت بفتح الهمزة وكسر الميم، وأَسحاق بفتح الهمزة، والبرمكي بفتح الراء، ومالك بن أنس بضم الهمزة وسكون النون، والموطاي بدلًا من الموطأ وهو كتاب الإمام مالك، وابن بحذف الهمزة وكسر الباء كما يلفظها المغاربة، وغير ذلك.

وإذا بحثنا في الكتاب من الوجهة الفلسفية كما تدعي الكاتبة وجدناه عاطلًا عنها مطلقًا؛ لأن سرد أعمال العظماء من الرجال على لسان الموتى لا يعد من الفلسفة.

ترى أن النتيجة التي ترجمنا للقراء نصفها لا ترتبط بالكتاب ولا يُستنتج منها شيء يدل على مرمى الكتاب، بل هي في حد نفسها قطعة شعرية بديعة منثورة، وكذلك اسم رقص الأموات لا ينطبق على الكتاب، ويُستنتج مما سردناه أن الكتاب أدبي محض، سلس العبارة، مكتوب بذوق سليم يشهد ببراعة الكاتبة، وللكاتبة عدة مؤلفات غيره لم تطبع وهي: أولًا: روح الإنسان هي مقدار من كهرباء ومغناطيس الطبيعة المكتشفة. ثانيًا: وحدة الدين واللغة والمنشأ. ثالثًا: تولد المركبات من الاختلاط أو النمو التدريجي للطبيعة. رابعًا: مدة وجود روح الإنسان، أو تأثير استدعاء الأرواح والتنويم المغناطيسي.

(٥) كيف ننهض بالبيان؟

قرأت منذ أيام بجريدة السياسة الغراء ما دار من المناقشات حول «أسلوب في العتب» و«الجمال والحب»، ومقارنة الأستاذ الفاضل الدكتور طه حسين بين الرسالتين، وما سرده من طلي التحليل وصريح الحكم دون محاباة وخدمة للأدب، وقد ختم الموضوع بنداء للكُتَّاب لإبداء آرائهم في علاج ما انتاب أساليبنا الإنشائية من الأدواء، فلبيت نداءه مبديًا رأيي الضعيف فلربما صادف قليلًا من الفائدة المنشودة.

يحسن بنا قبل وصف الدواء أن نشرح الداء ونستعرض بعضًا من أنواع الكتابة الممقوتة في وقتنا الحاضر، وهي تشمل نوعين: أحدهما للجامدين المحافظين على القديم، والثاني للحديثين المحمومين.

دار الفلك آلافًا من دوراته وتغير وجه الأرض وما تقله من كائنات ومعالم وآثار سائرة كل يوم في سبيل الاستحالة والتجدد والارتقاء إلا الجامدون لم يتزعزعوا عن عقيدتهم.

درس هؤلاء على أساتذة من شاكلتهم؛ فسمموا عقولهم بحب القديم، وقتلوا خيالهم وعواطفهم، وأرشدوهم إلى الكتب القديمة التي تماثل مشاربهم، فأغرقوا لهم في مدحها، وصحبوهم إلى مجالس الجامدين من أمثالهم فاتخذوهم أصدقاء، وظلوا يأتمرون ليل نهار إلى عبادة القديم والاستهزاء بكل حديث، وسرى هذا الداء في دمهم فلا سبيل إلى شفائهم وانتشالهم من الضلال.

نلاحظ في الجامدين أنهم إذا أرادوا أن يكتبوا شيئًا استملوا محفوظاتهم من الرسائل والمقامات والأشعار السخيفة التي حفظوها عن ظهر قلب، أو قلدوها بتغيير طفيف دون أن يعرفوا لهم خيالًا يناجونه، أو وجدانًا ينصتون إليه.

ومن هؤلاء فئة حفظوا كثيرًا من السجعات الموسيقية التركيب الخالية من المعنى والمبنى، مثل: «نسيم الصبا»، و«لوعة الشاكي ودمعة الباكي» وما شاكلهما، فيرتبونها بشيء من الحذق، وهؤلاء لا يخدعون إلا السذج من الجامدين، وما فتئوا معروفين بجمودهم عند الأفاضل من الكُتَّاب.

أما الفريق الثاني وهم الحديثون المحمومون فكثير منهم يرصون الجملة فوق الجملة وكل منها في سطر على نمط الشعر، وهي على انفرادها أو في مجموعها كأنها بحران مصروع أو هذيان محموم.

ابتدأ ظهور هذا النوع منذ بضع سنين في مجلة السفور، ثم انتشرت جراثيمه وانتقلت إلى بعض المجلات الأخرى انتشار الطاعون، ويا ليته اقتصر على الصحافة بل طُبعت منه كتب وأُهدي إليَّ اثنان منها على كره.

ومن هذا الهذيان نوع آخر لا يتعدى الحب والألم والفراق والروض والندى والشفق يتخلله شيء من المداعبة الباردة والفكاهات السمجة، وإن فتشت فيه لم تجد جملتين مرتبطتين بعضهما ببعض، أو معنى مسلسلًا، أو خيالًا مفهومًا.

تلك أمثلة عرفنا بها أدواء بياننا القتالة، ولا أرى سبيلًا لاستئصال شأفتها إلا إذا راعينا الأمور الآتية:

إتقان اللغة العربية وإحراز جميع ما يحتاجه الكاتب من الألفاظ التي تفي في التعبير عن كل معنى يريده، مع تجنب المتنافر منها ونبذ المبتذل المتداول عند العامة؛ بشرط معرفة مدلول كل لفظ بالضبط والفروق بين المترادفات، وبذلك تضع كل كلمة في الموضع اللائق بها.

وإني أرى رأي الدكتور طه حسين في التوسط بين القديم والحديث حتى تحيا لغتنا، وبذلك نلم بطرفيها ولا نبتعد عن أحدهما، ويسهل علينا فهم أسرارهما.

والاعتناء بصوغ التراكيب صوغًا عربيًّا متينًا، وخير الأساليب القرآن والحديث والشعر في الجاهلية وصدر الإسلام.

ومراعاة الدقة في الموضوع فلا يكون الكلام إلا بمقدار؛ لأن الثرثرة واللغط والحشو الذي لا معنى له، كل ذلك من الأمور التي تهوش على القارئ وتبعده عن فهم الموضوع، وتكون كضباب كثيف أمام النواظر يحول بينها وبين حقيقة المرئيات.

وتجنب المحسنات البديعة؛ إذ هي تزويق للألفاظ، وتشويه للمعاني، وتقيد للفكر والخيال.

والابتعاد عن السجع إلا ما جاء عفوًا دون تكلف في بعض الأحيان، ومراعاة انسجام الجمل ووزنها الموسيقي ليلذ وقعها للآذان.

وإن أحرز الكاتب جميع ما سردناه ولم يُوهب ذوقًا سليمًا وحسًّا مرهفًا وعقلًا كيسًا يراقب شعوره ويراجعه ويرشده إلى السداد والصدق؛ لا يوفق إلى إجادة البيان.

والذوق الوهبي وحده لا يبلغ أوج الرفعة إلا إذا ضُمَّ إليه الذوق الكسبي، وهذا الأخير يُكتسب بإحراز نصيب يفي بالحاجة من كل علم، وكذلك فهم أسرار الفنون الجميلة من كثرة الاطلاع على منشآتها، وقراءة ما كتب فيها من التحاليل والنقد، ولا ننسى أن علم النفس هو من ألزم العلوم للكاتب.

إن طيف الشعر ينفر من الجلبة والجماعات والهموم والتعب وانحراف الصحة وامتلاء البطن، فإن أردت مناجاته فلتكن في البكور قبل استيقاظ من حولك وأنت منتعش ناسٍ كل شيء من أعمالك، ولتتفرغ عن كل حائل يحول بينك وبين نفسك، وعندها امتشق يراعك وتجرد من محفوظاتك ومعلوماتك واستملِ خيالك وناجِ وجدانك، ودوِّن ما يوحيانه إليك دون أن تفكر في إتقان إنشائك حتى تنتهي من موضوعك، ثم راجع ما كتبته لتنقح كلمة أو تقدِّم أو تؤخِّر غيرها، وتيقَّن أن ما أوحي إليك في المرة الأولى خير مما تتكلفه في الثانية.

ومن أهم أركان الإنشاء دقة الملاحظة والاستنتاج، وبهما يصل الكاتب إلى إتقان الوصف وتصوير الأشياء للقارئ تصويرًا يقربها من ذهنه كأنه يراها رأي العين، كما أنه يتوصل بهما وبمعلوماته البسيكولوجية إلى فهم طباع الإنسان وأخلاقه وذوقه ومعلوماته بملاحظة أي شيء من آثاره ككتابته وتصويره ونحته ومقتنياته وأحاديثه ومعاملاته.

ويجب على الكاتب أن يرتب الفكرة ويوضح المغزى الذي يرمي إليه، وأن يكون الموضوع متماسك الأطراف، متصل الفكرة، يسود الانسجام على جميع أجزائه.

هذا ما عنَّ لي من الملاحظات، وحبذا لو عالج الكُتَّاب هذه الأدواء وحاربوا تلك البدع السخيفة حتى ترتقي عندنا ملكة البيان ونُحيي لغتنا ونُرجع إليها مجدها القديم.

(٦) بين القديم والحديث «جواب على استفتاء الكاتب الكبير الأستاذ عبد العزيز البشري»

مضى ردح من الزمن لم نتمتع فيه بمطالعة درر أستاذنا الأعظم الذي كان ينشرها في السياسة الأسبوعية بعنوان «في المرآة»، ولقد نغصني ما قرأته من شكواه من مرض انتابه، وإني أدعو الله أن يمتعه بالصحة والعافية واطمئنان البال والرفاهية؛ ليزيد في إنتاجه ويستمر في السلسلة الظريفة الرشيقة التي طالما شَنَّفت أسماعنا ورنحت أعطافنا من الإعجاب والطرب؛ لدعابتها اللذيذة وفكاهاتها الممتعة، ورشاقة أسلوبها الموسيقي الساحر.

تساءل الأستاذ في مقاله الذي نشره في ملحق السياسة الأخير عن ماهية القديم والحديث ومميزاتهما وفوارقهما، ولا أشك في أن ذلك من تجاهل العارف، وتحريض ظاهر لمعركة قلمية يثيرها الكتاب ثم يبسم لهم الأستاذ من بعيد بسمة حافلة بمختلف المعاني.

ولربما انعكست الآية واستفز الأستاذ رد لم يَرُق له، واحتدم الجدال فكتب بدل الرد ردودًا، فهي إذن مباركة من الوجهتين ومفيدة في الفرضين.

ليت شعري! هل أنا أول من دفعه لجاجه واستحثه تطلعه حتى استهدف لنكتة لاذعة أو لتهكم قارس؟ وقد يكون الدافع لي استدراج الأستاذ إلى الخروج إلى الميدان بعد عزلته الطويلة وحرماننا من شيق درره وظريف عباراته ورشيق إشاراته.

ولا يخفى على سيدي العزيز أن الحديث الشائع في الشرق كله مستمد من الأدب الغربي الحديث، ولكنَّ هناك فريقًا أساء استعماله لضعفه في العربية وركاكة تعبيره وسوء تراكيبه، وإنتاج هؤلاء هجين أقرب في الشكل والهيئة إلى الأسلوب الإفرنجي.

وأما الفريق الآخر ذو القدم الراسخة في العربية والذوق السليم فإنه استعان بطرق التفكير الحديث فقط، ولكنه ما فتئ محافظًا على أسلوبه العربي المتين الصميم، فترى تعبيره حديثًا في التفكير قديمًا في الصوغ ومتانة التراكيب، وإني لا أغلو إن قلت: إن الدكتور هيكل بك هو حامل لواء الإنشاء الحديث في القطر المصري؛ بل في جميع الأقطار الناطقة بالضاد.

بقي علينا أن نقول كلمة في طريقة التفكير في الأدب الحديث وقانون الكتابة الذي يجب أن تُراعى حرمته بكل دقة حتى لا يشط الإنسان ويخرج من منطقته أو يُغيِّر طابعه الذي وسم به.

يجب على الكاتب قبل كل شيء أن يعلم أن الإنشاء لا بد أن يكون في الوقت نفسه واصفًا معبرًا؛ بمعنى أنه يكون دقيق الوصف صادقه ومعبرًا عن جميع أنواع الشعور التي يظهر أثرها في نفس الكاتب حينما يطرق موضوعه، كما يصور المصور الماهر صورة جميلة لشخص دقيقة الشبه صادقة الملامح تقرأ على محياها جميع العواطف التي كانت بادية عليه وقت التصوير.

ويلزم الكاتب مراعاة الحقيقة والابتعاد عن الغلو، وأن يكون دقيق الملاحظة ليتمكن من إصدار حكم صادق، ويجب عليه أن لا يعرقله في إنشائه تقيده بتنميق لفظ أو افتتانه بشيء من المحسنات البديعية السخيفة أو السجع المرذول واستملاء الذاكرة لتقليد شيء من محفوظاته التافهة.

وهذه القوانين التي سردناها يراعيها الموسيقيون والمصورون والمَثَّالون؛ لأنهم كلهم فنانون ويسعون لغاية واحدة ولو اختلفت طرق التعبير عند كل منهم، فذاك يعبر بنثره وقريضه، والآخر يعبر بريشته وأصباغه، وغيره بنغمه وألحانه، والمثَّال بأزميله ومطرقته.

نرى بيتهوفن عطارد الموسيقى يدوس على بعض القواعد إن كانت في طريقه حجر عثرة أو نبا ذوقه عنها، فهو يستمر في تعبيره القوي ووصفه الشائق دون أن يتقيد بتنميق سخيف؛ فلذلك نرى موسيقاه تصل إلى الأفئدة قبل غيرها وتذكي ما خمد من عواطفها الهاجعة.

ونشاهد في تصوير رمبران نفس هذه المحاسن؛ لأننا حينما نلقي نظرة على صورة «درس التشريح» مثلًا نرى أستاذ التشريح وأمامه ميِّت شق ذراعه ثم ابتدأ يحاضر الأطباء ويشرح لهم دقائق العلم، فكأنك تسمع نبرات صوته وترى إشارته والكل مرتسم على وجهه الإصغاء التام، وهذه الصورة من أفخم الصور الناطقة.

أما القديم فلا يراعي شيئًا مما سردناه، بل يستعين بالذاكرة فيستعرض ما قاله الكُتَّاب في الموضوع، وينتخب منه شيئًا يُحوِّره بعض التحوير، ثم يزوقه بشيء من المحسنات البديعية الممقوتة أو يقفيه بسجعات مرذولة، ونراه يغلو في تشبيهه غلوًّا سخيفًا، ويقول: إنه علا السماك، وإن لمس الحرير يدمي بنان محبوبه، وخطرات النسيم تجرح خديه، أو يدخل في قافية الهندسة، ويقول: هب أنك مركز الدائرة أو ضلع المثلث، ثم ينتقل من هاته القافية إلى غيرها من قوافي العلوم والفنون كما ينتقل الحاج سيد قشطة من قافية الترامواي إلى قافية الوابور، وزعيم القديم معروف وأخلاقه معروفة ومسجلة في بطون الصحف فلذلك لا أذكر اسمه، ومن نوادره الغريبة أنه كتب إليَّ فيما مضى خطابًا كله بذاءة وسوء أدب بإمضاء يوسف قندلفت طالب بالمدارس الثانوية.

هذا رأيي القاصر، وعسى أن يتفضل الأستاذ ويكون قد خرج من صمته الطويل، وأن يمنَّ عليه الله بالعافية ليمتعنا بلآلئه الفريدة وأسلوبه الموسيقي الفتان.

(٦-١) رد الأستاذ البشري

اطلع الأستاذ الشيخ عبد العزيز البشري على هذا المقال فبعث إلى الأستاذ حجاج بالرد الآتي:

حلمية الزيتون في ٢٢ نوفمبر سنة ١٩٣٣
سيدي الأستاذ الأديب العظيم

أحمد الله تعالى إليك، ولقد وفد عليَّ كتابك الكريم، وأنا في بعض الصحوة من الحمى التي تغشاني من بضعة أيام، فاهتبلت هذه الفرصة وتلوت مقالك تلاوة إمعان وجد فكر، ووالذي بيده نفسي، ما عدوت في هذا الباب ما في نفسي، وإن كنت أنت أنور بيانًا، وأدق في الفروق تعبيرًا، فنحن إذن يا سيدي متفقان حق الاتفاق، ولعل سيدي يذكر أنني قلت في ملحق السياسة ما معناه: «إن الأدب الذي لا يترجم عن البيئة التي يخرج فيها ليس أدبًا، وإن الأديب الذي لا يؤدي ما يختلج في نفسه هو وما يتنزى عن عواطفه هو ليس أديبًا.»

بقي أن ألقي على سيدي الأستاذ هذا السؤال: هل بقي في مصر ممن يقدر الناس لهم في الأدب قدرًا من يفكر ويصور على ذلك الأسلوب الذي عابه الأستاذ وهجنه بحق؟

أبقي من مشيخة أهل الأدب من لا ينظر إلى الحياة إلا بعيني بدوي، ومن لا يفكر إلا برأس أموي، ومن يعمى عن كل ما يحيط به من أسباب الحياة؟

هل بقي في مصر من تزدهيه طائفة من الجمل وشتى الأسجاع فيجعل كل همه في تلفيقها من هنا وهناك ويستكرهها كلها في سلك واحد وتخرج موضوعًا والسلام؟ لا أظن يا سيدي، فإن وجد فرد أو أفراد فهم على شرف الفناء.

وإني يا سيدي أشكرك أجل الشكر على ما نحلتنيه من فضل لا أعرفه لشخصي، وأسامحك على ما قدرت فيَّ من إيجاع وإقذاع، والسلام عليك ورحمة الله.

المخلص
عبد العزيز البشري

(٧) تطور الأدب العربي وموضعه في مصر اليوم «ملاحظات وآراء»

لقد شاقني المقال القيم الذي ألقاه صديقنا وأستاذنا الكبير الشيخ عبد العزيز البشري على زملائه حضرات أعضاء «نادي القلم المصري»، ولقد سرد لنا في لمحته تطور الأدب في مصر في مختلف العصور، ووصف سيره وخطاه، وكيف تدرج إلى الرقي، ولا يسعنا إلى أن أسدي إليه آيات الشكر والثناء على اهتمامه بالأدب وما يبذله من العناية في تشخيص أدوائه ووصف العلاج الناجع لشفائه، غير أنني لاحظت عليه بعض أحكام قاسية ينقضها في نفس المقال، وإني أذكر تلك المواضع بنصها لنشرك القراء معنا في الرأي:

أدركت مصر في عصر إسماعيل حظًّا محمودًا من الحضارة؛ فشاعت فيها العلوم، واستوثق الاتصال بينها وبين بلاد الغرب التي كثر روادها من المصريين، وانحدر العديد الأكبر من الغربيين إلى هذه البلاد سياحًا ومتوطنين، كما نزحت إليها طائفة من أعيان الأدباء والكُتَّاب السوريين.

لهذا وبذلك جعلت الثقافة العامة تتلون بلون جديد، وجعلت الأقلام تستشرف بقدر إلى أسباب الحضارة الحديثة، ولا يفوتكم أن المطالب العسكرية في ذلك الحين لم تصبح مما يستغرق هم القائم، بل لقد انبسط منه فضل كثير للآداب والفنون، وكان أول ما انبعث في هذين البابين الصحافة الشعبية والتمثيل.

اعترف أستاذنا في هذه الجملة اعترافًا صريحًا لا يخالجه أدنى شك بأن الفضل في نهضة الأدب راجع إلى اختلاط المصريين بالغربيين والاستنارة بحضارتهم وآدابهم وفنونهم وعلومهم، فما باله في موضع آخر لا يعترف لشعراء الغرب بفضل، وأخذ يقدح فيما عُرِّب من الأدب الغربي بلا استثناء، إذ قال: «وقام بإزاء هؤلاء جماعة من شبابنا قد استهلكهم الأدب الغربي، فلا يرون أدبًا إلا ما قاله شكسبير وبيرون وأضرابهما، وأدوا إلينا طريفًا من هذا النظم في لغة ليس منها عربي إلا مفردات الألفاظ، ألفاظ يكاد المرء يشهد ما بينها وبين ما قسرت عليه من المعاني من التصافع بالأيدي والتراكل بالأرجل، ولولا ما يرتبطها من مثل قيد الحديد لطار كل منها إلى عشه؛ فخرج لنا من ألوان التعبير ما لا يؤاتي الذوق الشرقي ولا يستريح إليه الطبع العربي، وجعل كذلك جماعة ممن تعلموا في بلاد الغرب يعالجون في العربية إصابة المعاني الظريفة التي لامسها حسهم وهدتهم إليها أسباب تفكيرهم فعجزت اللغة، أو على الصحيح عجز علمهم باللغة عن حق أدائها؛ فخرج لهم الكلام إما غامضًا مبهمًا وإما عاميًّا أو ما يدنو إلى العامي.» هل فاتك يا أستاذي العزيز أنك قد خانتك الذاكرة وكتبت مطلع مقالك على النمط الفرنسي، إذ قلت:

وأخيرًا فهذا نادي القلم.

أنسيت أن مقالاتك الشائقة «في المرآة» ليست إلا نوعًا من الأدب الأوروبي المسمى Humoristique، وهو نوع من الإنشاء الفكاهي الكاريكاتوري الذي يفيض بالتهكم الظريف والسخرية اللطيفة، ألا يتملك شعورك وينسيك آلامك الدكتور هيكل بك حينما تقرأ تعريبه «للبوذية» للكاتب والفيلسوف الفرنسي إيبوليت تين؟ ألا تتهلل بنشوة الإعجاب وتنتقل إلى عالم الخيال والأحلام حينما تقرأ القضاء والقدر وروايات شكسبير لشاعر القطرين خليل بك مطران أو البؤساء لحافظ بك إبراهيم؟

وأظنك لا تجهل أن المرحوم شوقي بك درس الآداب الفرنسية في باريس ولولاها لم يُتوج في دولة القريض، ألا تهتز طربًا واستحسانًا حينما تقرأ مذكرات مسافر للأستاذ الجليل الشيخ مصطفى عبد الرازق؟ وهو الرقة المجسمة ومثال الرشاقة والظرف، وهو مدين بمواهبه هذه إلى اللغة الفرنسية والأعوام التي قضاها بين أبنائها ورحله العديدة بعد أوبته.

إنني أشد منك تعصبًا للعرب والعربية ولكنني لا أجرؤ أن أقول: إن الأدب العربي يفوق الأوروبي، وإن في شعراء العرب من يفضل على جوت وشلروهين ولا مارتين وهوجو ودوفني وشكسبير وملتون ولييوباردي وتاسو وغيرهم.

لا أنكر أن شعرنا العربي يفوق شكلًا ووزنًا الأوروبي ببحوره الموسيقية الوزن وقافيته المتحدة في القصيدة من أولها لآخرها، أما الأوروبي فلا يقيد بوزن موسيقي بل بعدد المقاطع واتحاد القافية في كل شطرين.

لقد لمَّح سيدي الفاضل بأن النهضة الأدبية ابتدأت في عصر خديو مصر إسماعيل باشا، ولكنها في الحقيقة ابتدأت قبله بزمن بعيد في عصر المماليك لظهور السيد إسماعيل الخشاب والشيخ حسن العطار، وكان أولهما لا يقل عن شعراء الطبقة الأولى من عصرنا، وقد ظهر في عهد محمد علي باشا الشيخ شهاب الشاعر الموسيقي صاحب السفينة وله ديوان كبير، والسيد علي أفندي الدرويش، وظهر في عهد الخديو سعيد باشا الشاعر العبقري محمود أفندي صفوت الساعاتي، وكل من ذكرناهم يُعدون طلائع النهضة الأدبية في مصر، ويحق لهم كل فخار وكل مجد لكونهم وُجدوا في زمان مظلم حالك ساد فيه الجهل وسوء الخلق.

ولقد وجَّه أستاذنا الكبير نداء إلى الأمة لتستخلص لها أدبًا خاصًّا عليه طابعه المصري، أو توجد له أسلوبًا يميزه عن غيره من آداب الأمم الناطقة بالضاد، ولكنني أرى صعابًا جمة تعترض أمانيه.

إن الحضارة الأوروبية قد اكتسح تيارها العالم حتى انضوى تحت لوائها طائعًا مختارًا حينما تذوق مناهل علومها وآدابها وفنونها وصناعاتها، وتحقق أنه في حاجة ماسة إليها وعليها قوام حياته الراقية، درس كثير من شبابنا في إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وأمريكا، وتشبع كل فريق بآداب اللغة التي درسها، وأصبح تفكيره وليد تربيته فلا يستطيع أن يحيد عما نشأ عليه، فإن أهمل لغته العربية ولم يحرز منها نصيبًا وافرًا كان أجنبي التفكير أجنبي الأسلوب، وهناك الطامة الكبرى.

إن طريقة تعليم اللغة العربية في مدارسنا غير مجدية وينقصها أشياء كثيرة، ولو أجاد الطالب دراسة لغته لما تورط في الأسلوب الإفرنجي ولما عرَّب الآداب الأوروبية كلمة كلمة حتى يشوهها بتراكيب غثة ركيكة، ولو صرف الطلبة قليلًا من أوقات فراغهم في مطالعة كتب الأدب القيمة وتفهم ما يستعصي عليهم فهمه بدلًا من مطالعة الروايات السخيفة الركيكة والمجلات التجارية المنحطة لما تدهور مستوى ثقافتهم اللغوية إلى هذا الدرك المخجل.

وعسى أن يحقق الله آمال أستاذنا في الأدب المصري حتى يرقى ويطوف بالبلاد الأجنبية بعد ترجمته كما ترجم شعر تاجور إلى أغلب اللغات الأجنبية وطبع نحو العشرين، وكان له المحل الأرفع في كل مجتمع ونادٍ، وكما سبقه إلى ذلك شعراء الفرس مثل: حافظ والفردوسي وابن الخيام.

(٧-١) رد الأستاذ البشري

تعقبني صديقي الأستاذ الجليل القدير محمد كامل حجاج في الخطاب الذي ألقيته في أول اجتماع «لنادي القلم»، فأخذني أولًا بالتناقض بين قولي في بعض هذا الخطاب:

أدركت مصر في عهد إسماعيل حظًّا محمودًا من الحضارة فشاعت فيها العلوم، واستوثق الاتصال بينها وبين بلاد الغرب التي كثر روادها من المصريين، وانحدر العديد الأكبر من الغربيين إلى هذه البلاد سياحًا ومستوطنين، كما نزحت إليها طائفة من أعيان الأدباء والكتاب السوريين.

«بهذا وبهذا وبذلك جعلت الثقافة العامة تتلون بلون جديد، وجعلت الأقلام تستشرف بقدر إلى أسباب الحضارة الحديثة، ولا يفوتكم أن المطالب العسكرية في ذلك الحين لم تصبح مما يستغرق هم القائل، بل لقد انبسط منه فضل كبير للآداب والفنون، وكان أول ما انبعث في هذين البابين الصحافة الشعبية والتمثيل.»

ثم قولي في مقام آخر من الخطاب:

وقام بإزاء هؤلاء جماعة من شبابنا قد استهلكهم الأدب الغربي، فلا يرون أدبًا إلا ما قال شكسبير وبيرون وأضرابهما، وأدوا إلينا طريفًا من هذا النظم في لغة ليس منها عربي إلا مفردات الألفاظ، ألفاظ يكاد المرء يشهد ما بينها وبين ما قسرت عليه من المعاني من التصافع بالأيدي والتراكل بالأرجل، ولولا ما يرتبطها من مثل قيد الحديد لطار كل منها إلى عشه، فخرج لنا من ألوان التعابير ما لا يؤاتي الذوق الشرقي، ولا يستريح إليه الطبع الغربي.

ووجه التناقض بين هذين الكلامين عند صديقي الأستاذ حجاج أنني اعترفت في الأول اعترافًا صريحًا لا يخالطه شك بأن الفضل في نهضة الأدب — في العصر الحديث طبعًا — راجع إلى اختلاط المصريين بالغربيين والاستنارة بحضارتهم وأدبهم وفنونهم وعلومهم، بينا أنا في الكلام الآخر لا أعترف لشعراء الغرب بفضل واحد … إلخ.

وبعد فما بي إلا أن أرجو صديقي الأستاذ حجاجًا أن يعيد النظر ويثبت التفكير في كلامي ليخرج له — إن شاء الله — متسقًا متواردًا لا أثر فيه لتناقض ولا لتهافت ولا لاختلاف، ذلك بأنني لم أعرض البتة لشعر الغرب ولا لشعرائه حتى أشيد بذكرهم أو أنتقص أقدارهم، غير أنني زعمت أن دخول الحضارة الحديثة وشيوع أسبابها في عصر إسماعيل، كان لذلك أثره في تهذيب الأقلام والالتفات إلى المعاني الحديثة التي تلابس حاجات العصر … إلخ.

أما أن يفهم صديقي الأستاذ أنني أغض من شعراء الغرب، وأنتقص من قدر شعرائه لمجرد عرضي لطور من الأطوار التي جاز بها تاريخ الأدب في العصر الحديث، فذلك من التعسف الذي لا أرتضيه لمن كان له مثل فضل الأستاذ حجاج، وكان له في الأدب خطره.

يا لله! ما ذنب شعراء الغرب إذا تهالك على أشعارهم في فترة من الزمن فأدوا إلينا من معانيهم في صور لا ترضي الذوق الغربي ولا يستريح إليها الطبع الشرقي؟

وإنني أؤكد لك يا سيدي، وأنت سيد العارفين، أن ابن المقفع لو كان ترجم حقيقة كليلة ودمنة عن إحدى اللغات الهندية ثم ترجمها على هذا النحو الذي هتفت به في خطابي؛ أي إنه ترجم لفظًا بلفظ، وفسر عصي المعاني الهندية على عصي الألفاظ العربية لما أدرك شأو هذا الكتاب في سخفه وإسفافه كتاب آخر!

وأخيرًا، فلقد أحسن إليَّ الأستاذ حجاج، إذ هيأ لي الفرصة لأقرر أنه كان من النواظير الأوائل الذين جلوا على أبناء العربية صدرًا جليلًا من بلاغات الغرب في يسر وفي إحسان.

بقي أن صديقي الأستاذ حجاج يخالفني في أن نهضة الأدب في العصر الحديث إنما ابتدأت من أواسط عصر إسماعيل، ويحاجني بأسماء شعراء وكُتَّاب نجبوا من عهد الحملة الفرنسية إلى عصر إسماعيل، وإني ما برحت مصرًّا على رأيي من أن مَن ذُكر وغيرهم إنما كانوا خاتمة للعصر التركي لا طلائع للعصر الجديد.

وما كنت بهذا لأغمطهم فضلًا ولا لأَتِرهم حقًّا، فحسبهم أنهم أدوا رسالة الأدب وأحسنوا بقدر ما يتهيأ الإحسان لمن عاش في عصرهم، وليس يُطلب منهم أكثر من ذلك، ومن العسف الشديد أن نقارنهم بأمثال صبري وشوقي وحافظ والمطران وغيرهم ممن أدركوا هذه الحضارة الواسعة التي ألهمتهم ما كتمته عمن تقدمهم من الغابرين.

أسأل الله تعالى أن يلهمنا الصواب ويهدينا جميعًا سواء السبيل.

عبد العزيز البشري

(٨) رواية عائدة

السبب في وضعها، واضع الملخص ومنشئ الموضوع وناظمه بالإيطالية وملحنها، أول مسرح مُثِّلت فيه، موضوع الرواية، موسيقاها، احتفاء إيطاليا وفرنسا وغيرهما بملحنها، إساءة مريت باشا إلى مصر وتحقيره المصريين أمام ملوك أوروبا.

شاع خطأ بين الناس أنه لما أتم خديو مصر إسماعيل باشا حفر قناة السويس دعا ملوك أوروبا وملكاتها وأمراءها لحضور الاحتفال الفخم بافتتاح القناة، وأراد إتمامًا لمظاهر الإجلال وأسباب السرور أن يفتح الأوبرا الخديوية التي كانت وقتئذ تامة البناء والأثاث والمعدات ليزيد مدعويه سرورًا وإعجابًا، وكان ذلك في ١٧ نوفمبر سنة ١٨٦٩.

والحقيقة الخالصة أن الأوبيرا التي مُثِّلت في حفلات افتتاح القناة هي ريجوليتو، وأما عائدة فقد مُثِّلت بعد هذا الاحتفال؛ أي في ٢٤ ديسمبر سنة ١٨٧١.

فأشار على مريت باشا مدير الآثار المصرية بإنشاء موضوع مصري فأنشأ له موضوعًا خياليًّا ملخصًا، وأرسله إلى «فيردي» الموسيقي الإيطالي الشهير، فطلب من الخديو مائة ألف فرنك فنُقدها.

وكان بالمصادفة المسيو «كاميل دولوكل» مدير مسرح الأوبرا كوميك سابقًا في مدينة «بوسينو» التي كان فيها وقتئذ «فيردي»، فكلفه هذا الموسيقي الشهير بأن يكتب له الموضوع طبقًا لملخص مريت باشا فكتبه نثرًا، ثم عهد بترجمته ونظمه إلى الإيطالية إلى المسيو «جيسلانسوني» ثم لحنها فيردي، وقد ترجمت إلى الفرنسية حينما مُثِّلت بباريس.

مُثِّلت هذه الرواية لأول مرة بمسرح الأوبرا الخديوية في ٢٤ ديسمبر سنة ١٨٧١، ويعد النقاد هذه الأوبيرا هي وريجوليتو وفلستاف أعظم ما كتبه المؤلف، وقد حازت هذه الرواية ليلتئذ إعجابًا عظيمًا وحماسة شديدة، وأجاد تمثيلها وغناءها نخبة من الممثلين مثل: ستيلير وكرستا وميديني ومونجيني وشهيرات الممثلات مثل: بوتسوني أناستازي وجروسي.

وحينما ابتُدئ بتمثيلها في ميلانو بإيطاليا بمسرح «لاسكالا» في ٧ فبراير سنة ١٨٧٢ صادفت نجاحًا عظيمًا وإقبالًا باهرًا، واستدعى الحضور فيردي على المسرح اثنين وثلاثين مرة، وقدمت الأسر الميلانية هدية شائقة لفيردي وهي صولجان من العاج ووسام على شكل نجمي من الماس وبوسطه اسم عائدة بالياقوت وفيردي بالأحجار الكريمة.

وقد ابتُدئ بتمثيلها بباريس في المسرح الإيطالي باللغة الإيطالية في ٢٢ أبريل سنة ١٧٧٦، وأول تمثيل لها باللغة الفرنسية كان في هذا المسرح في أول أغسطس سنة ١٨٧٨، وابتدءوا بتمثيلها في أوبرا باريس في ٢٢ مارس سنة ١٨٨٠، وقد دُعي «فيردي» ليقود بنفسه الموسيقى فلبى الدعوة بارتياح، ولم ينقطع تمثيل هذه الرواية من أوبرا باريس لغاية يومنا هذا.

نذكر كلمة موجزة عن الموضوع ليكون القارئ على بينة مما سنورده من الأبحاث.

كانت الحرب قائمة بين فرعون مصر وأمونصرو ملك الحبشة، وقد وقعت ابنته عائدة في أسر المصريين وألحقت بحاشية «أمنيريس» ابنة الملك، وكانت الفتاتان تحترقان بشعلة حب واحدة وتهيمان براداميس رئيس الحرس، وفي ذات يوم جاء رمفيس رئيس الكهنة وأنبأ الملك بتقدم الأحباش، فعيَّن الملك راداميس قائدًا للجيوش المسافرة لرد الأعداء وهو لا يدري أنه سيحارب والد عائدة التي شغفته حبًّا.

ثم تقام الصلاة بمعبد فتاح وتنشد فيه الراهبات الأناشيد الدينية ويرقصون الرقص المقدس لينصرهم ربهم في هذه الحرب.

احتالت يومًا «أمنيريس» على عائدة حتى عرفت سرها، وتحققت أنها تحب راداميس حبًّا جمًّا، أبغضتها ابنة الملك حينما برح الخفاء وعلمت أنها تزاحمها في حب راداميس، ولم تستطع تلك الأميرة أن تنزع البغض من فؤاد أميرتها.

رجع راداميس ظافرًا منصورًا واحتُفل بمقدمه احتفال فخم شائق، وقد أحضر معه ضمن الأسرى أمونصرو أبا عائدة، فسمح الملك لراداميس بزواج ابنته جزاء لأعماله المجيدة وما أحرزه من النصر العظيم.

عرض أمونصرو على ابنته أن تسأل راداميس عن أسرار التجهيزات الحربية والمعدات التي يعدونها ليقضوا بها القضاء الأخير على الأحباش، فأبت الفتاة فنهرها وثار عليها ودفعها دفعة طرحتها أرضًا وقال لها: إني أتبرأ منك ولست ابنتي، فرأت أن لا مناص لها من الرضوخ لإرادته، وكانت أماني أبيها حائمة حول استرجاع بلاده وتخليص ابنته من هذا الأسر الممقوت وتزويجها لراداميس.

أقبل بعد هنيهة راداميس وأخذ يسامر حبيبته بين خمائل أشجار الحديقة وهو مفتون بحديثها الحلو، ثم سألته عن أسرار الحملة التي يعدونها لمواصلة الحرب ووسائل الهجوم وغيرها فأبى، فألحت عليه فباح لها بكل شيء، وكان أمونصرو كامنًا وراء الأشجار على مقربة منهم وسمع الحديث كلمة كلمة، ثم ظهر أمام راداميس بهيئة الظافر الشامت فدهش وقال: ما أصابني؛ أجنون أم ذهول؟ أنت على مسمع مني يا أمونصرو؟ ماذا دهاني؟

وكانت أمنيريس ساهرة في هذه الساعة المتأخرة فباغتت راداميس وسمعت ما فاه به، فقبض عليه الكهنة واقتفى الحرس آثار عائدة وأبيها حتى لحق بهما، زُجَّ الجميع في غياهب السجن ريثما يحاكمون.

دخلت ابنة الملك السجن على راداميس وعرضت عليه النجاة إن أحبها وقبل أن يقترن بها فأبى، فخرجت يائسة خائبة الرجاء، وقد أظلمت الدنيا وضاقت في وجهها.

قُضي على المجرمين بدفنهم أحياء، فتسربت عائدة وذهبت إلى سجن حبيبها ولبثت معه حتى وافاهما الأجل المحتوم.

اتبع «فيردي» في تلحين موسيقى عائدة النسق الحديث الراقي، وكتبها مترجمًا عما نفحه به خياله وشعوره دون أن يقلد أحدًا، وهي من أعظم ما كُتب في الموسيقى الحديثة الجدية، وتُعد هي وريجوليتو (الملك يلهو) صفوة مؤلفات فيردي، وقد جمعت بين فخم الحماسة ورقيق العواطف وشائق الوصف وظريف الرقص وغريبه، ومطرب الأناشيد وساحر الغرام وشجي الألحان ومذيب القلوب من الشكوى، وإني أكتفى بهذه الكلمة القصيرة في وصف موسيقاها؛ تجنبًا لتفصيل يستلزم سرد اصطلاحات كثيرة فنية لا يعرفها إلا المشتغلون بالموسيقى الإفرنجية، أو المواظبون على سماعها وفهم أنواعها.

ليت شعري ما الذي حدا مريت باشا أن يسند إلى قواد الجيوش المصرية مثل هذه الفضائح، ويصور المصري أمام ملوك أوروبا على أشنع صورة، إذ جعله مثالًا لضعف الإرادة وخور العزيمة والخيانة ببيع وطنه لأجل حب أسيرة حبشية، ويرفض لأجلها زواج ابنة الملك، ثم أبى بعد إجرامه وسجنه أن يجيب طلبها حينما وافته في السجن ووعدته بالخلاص إن قبل زواجها، فأصر على عناده إلى أن مات في رمسه الذي أُعد له تحت أطباق الثرى؟

إذا التمسنا له عذرًا لجهله اللغة الهيروغليفية واستعانته بالمسيو «ماسبيرو» وكان وقتئذ مدرسًا في كلية فرنسا بباريس في ترجمة ما كان يصادفه من الأساطير البربائية والهيروغليفية المنقوشة على الآثار، فلا يعدم أن يتخيل خيالًا شريفًا أو يستعين بالملخصات التي وضعها بعض المؤرخين في ذاك الوقت، مثل شامبوليون فيجاك وأخيه شامبوليون الصغير، وهو أول من فك رموز اللغة الهيروغليفية.

إن فكَّرنا في عمله هذا عزوناه إلى أحد أمرين؛ إما سوء القصد، وإما الغفلة المتناهية وغلظة الذوق، وكلاهما لا يغتفران لرجل مثل هذا أسندت إليه وظيفة فخمة فنية ومنح أسمى الألقاب والمرتبات.

ولا ينسى المصريون بل العالم المتمدين أجمع هذه النقطة السوداء التي شابت تاريخ هذا الرجل بل سودته؛ لأن شهرة موسيقى الرواية تضمن لها البقاء أبد الآباد، ولا يزال هذا التذكار الممقوت خالدًا خلال الدهور يمثل المصري القديم أقبح تمثيل ظلمًا وعدوانًا، وهو مثال الشرف والشمم ومكارم الأخلاق، وأول من تمدين على ظهر الأرض، ومن استنار بنور عرفانه المشرقان، وهذه آثاره باقية ناطقة بجليل أعماله ومجيد فعاله.

تلك آثارنا تدل علينا
فانظروا بعدنا إلى الآثار

(٩) كيف نكتب؟

نهضت أمتنا نهضة تُحمد عليها في اللغة، وابتدأت شبيبتنا أن تأنس في دراستها لذة وإعجابًا وسبيلًا حسنة للمفاخرة بلغة كانت سببًا في مجد أسلافهم وعلو شأنهم وبُعد صيتهم، وتبارى من شبابنا مئات في النثر والنظم والتأليف والترجمة.

ولكننا لو بحثنا في هذا الجم الغفير عن المجيدين منهم لم نجد إلا عددًا قليلًا في كل فن من الفنون السالفة، ولو قارنا بينهم وبين أواسط الأمم الراقية لرجحت كفة الآخرين.

ضلت ناشئتنا في ديجور الجهل باللغة، وظلت تنشد نورًا ينتشلها من تيهها فلم تجد غير نور ضئيل يحمله أستاذ المدرسة، فانبعثت في قلوبهم روح الأمل، ولكن خاب ظنهم إذ رأوا أن هذا النبراس الضعيف لا يكشف أمامهم الظلام، ولا يهديهم محجة الصواب. إن أستاذهم نفسه لفي حاجة إلى مرشد، وإنا نلتمس لتلاميذه العذر ما داموا تحت سيطرته، ولكنا نطالبهم بعد إتمام دراستهم أن يتفرغوا للغة بنظام وترتيب مفيد؛ حتى يحرزوا قسطًا وافرًا منها يرفع قدرهم وتعود آثاره على بلادهم بالفائدة الجزيلة. إن الأمم لا تحيا إلا بلغتها، والتاريخ أعظم شاهد؛ فقد تشتتت أمم عديدة فرطت في لغتها وفقدت شخصيتها وتفرقت كلمتها، ثم تمزقت كل ممزق واحتست كئوس الذل والهوان.

إننا لا نكاد نجد في شعرائنا وكتابنا من بلغ الإجادة وخلا من العيوب وداء حب الشهرة الكاذبة. استفحل هذا الداء بالأخص في الأدعياء والمتوسطين في العلم، وأصبح الفرد منهم يقرأ فاضح نقده ويعلم أنه مضغة في الأفواه وأضحوكة في كل نادٍ ومثال للسخرية في كل مجلس ولا يقلع عن غيه أو يحمر وجهه خجلًا. يطبع البعض منهم كل بضعة شهور كتابًا وينفق عليه بسخاء، حتى أصبح بعد للبعض عشرات من المؤلفات، وضايقوا أرباب المكاتب؛ إذ لم يتركوا فيها فراغًا لجليل الكتب، ولم ينتفع منها مؤلفوها ولا بائعوها، ولله در المؤلف؛ فإنه لم يشعر بسأم الكتب، ولم يحزن على ماله الضائع، ولم يشعر بما سببه له مؤلَّفه من السخرية والذم، وبلغ من الأدعياء والمخادعين أن يطبع أحدهم ألفًا من كتابه، ويعمل لكل مائة نسخة غلافًا، فيكتب على المائة الأولى الطبعة الأولى وهكذا إلى المائة العاشرة، فيكتب عليها الطبعة العاشرة ليغرر بصغار التلاميذ الذين هم تحت هيمنته ومن اشتروا كتابه خشية غضبه، ولقد تمثل بسخافته أحد الأدباء في مقالة «خداع العناوين»، وإني أسرد للقراء نادرة حقيقية لذاك العلامة مؤلف هذا الكتاب تنعشهم وتذهب ما يصيبهم من الملل من قراءة هذا الموضوع الطويل. كتب هذا النابغة تقريظًا لنفسه، وجعله بشكل خطاب مرسل إليه، ولم يدع معنى في المديح ولا لفظًا للتقريظ حتى أودعه فيه، وكال لنفسه من ضخم الألقاب ما سولت له به نفسه، ثم أمضى الرسالة باسم مستعار، وهرول إلى إحدى الجرائد التي احتجبت لتنشر له هذا التقريظ، فتقاسم الموظف المنوط بالإعلانات عاملان: شرف الضمير، والخوف من إفلات أجر عظيم، وصمم نابغتنا على نشر تقريظه بشكله دون أقل تغيير، فأقسم له حتى اطمأن فؤاده، ونقده الأجر. وبر مأمور الجريدة بقسمه، وأراح ضميره من التبكيت والوخز، ونشر الرسالة حرفًا حرفًا، ووضع لها عنوانًا شائقًا بليغًا لا يزيد على كلمتين أظهرتا خباياها وهما: «إعلان مأجور».

إن أنعمنا النظر في قريض شعرائنا وجدنا فيه عيوبًا كثيرة، ولم نرَ غير أبيات قليلة في القصيدة تُعد من الشعر الجيد. نرى التكلف والصناعة ظاهرين مجسمين، والصوغ ضعيفًا والتركيب غير متين، يكاد شعرهم يكون خلوًّا من جليل الابتكار، يسطون على المعاني القديمة من أطرافها، أو يجعلون عاليها سافلها، لا يستملون خيالهم وشعورهم ولا يعرفون أن يصوروا ما يقع تحت أعينهم تصويرًا متقنًا، فإن عبروا عن معنى لا يحتاج إلى أكثر من شطر نظموه في بيتين أو أكثر، ولو وفقوا لكتابته في أقل من بيت أضافوا جملة لإتمام البيت والقافية بمثابة لفظ لا معنى له. نرى القصيدة مفككة السياق غير مرتبة المعاني، كأنها ثوب خلق مرقع بمختلف الألوان، وإن بحثنا عن سبب وقوعهم في هذا العيب الشائن وجدناه راجعًا إلى كونهم ينظمون القصيدة دون ترتيب كحاطب ليل، ويضعون أمامهم قصيدة قديمة من البحر والقافية التي يريدونهما، وكلما نظموا بيتًا وفقوا له قافية من قوافي هاته القصيدة، وبعد إتمام العدد المرغوب يرتبون القصيدة، ويا لها من قصيدة كالحلقة المفرغة لا يُدرى أين طرفاها، وكيف ينتظرون من قريض مثل هذا أن يكون فيه خيال وشعور وفكرة مفصلة مرتبة وصوغ متين؟

نرى الشباب منا حينما يميل إلى الشعر ويبتدئ في معالجته يقرأ دواوين البهاء زهير وابن معتوق والخفاجي والشبراوي وابن الفارض وأمثالهم، وهم أبعد عن الشعر بعد الأرض عن السماء، ليسوا إلا وزانين. يتركون الشعر الجاهلي وفيه آيات البلاغة البينات الساحرات، وعنوان الفصاحة، ونموذج القريض، والتراكيب العربية الصحيحة، ولا تشوبه كلفة، ولا تظهر عليه صناعة، ومثال لجوامع الكلم كان حروفه من نار وكلماته من سحر تستفز الهمم الخامدة، وتحمس القلوب الجامدة، وترقق الأكباد الغليظة، وقد مُني نثرنا العصري بأدواء تفوق أدواء الشعر، وأصبح الكاتب يحشو الصحيفة تلو الصحيفة بلغط باطل مزوق بسجعات باردة سخيفة، ويحليه بسجوف من المحسنات البديعية تواري عُجَرَه وبُجَرَه في أعين السذج، يُضيِّع الكاتب من هؤلاء وقته الثمين ويقطع متواصل فكره في البحث والتنقيب عن سجعات تافهة يغل نفسه بقيودها ويسد بها المسالك أمام نفحات خياله، يطارد السجع في بلدنا هذا الإنسان من المهد إلى اللحد، فكانت مرضعه تنومه وتداعبه بالسجعات قائلة له: «يا بت ياللي فوق السطوح قولي لي أجي ولا أروح، ياللي ما راح باسوس وبو الغيط يا حلاوه على السقيط.» يسمع الراقي يسجع ولا سجع الكهان قائلًا: «يا ملح يا مليح، يا جوهر يا فصيح، بخور الفراخ يمنع الدواخ، وبخور الجاموس يمنع الكابوس.» يسمع الأطفال أقرانه مغنين في رمضان بمختلف الأغاني المسجعة كقولهم: «احدفوا العاده لبه وقلاده … إلخ.» فلا ينقطع عن أذنيه رنين السجعات أنى سار، ويجد في نفسه منذ صغره ميلًا شديدًا إلى التسجيع يشب معه ويسري في دمه وعروقه.

إن ألقينا نظرة في إنشاء أعظم كُتَّابنا وجدنا أنه لا يستطيع تجنب اللغط والثرثرة، ويرتب فكرته ويتخيل الخيال الفخم الراقي، ويصوغ القول صوغًا عربيًّا بليغًا، ويراعي انسجام الجمل ووزنها، ويحسن اختيار الألفاظ ويترك السجع إلا ما جاء عفوًا، ويستملي شعوره وخياله، ويعوِّد نفسه دقة الملاحظة، إذ عليها المعول في تصوير الأشياء تصويرًا دقيقًا، وبها يكون الاستدلال والحكم صادقَيْن، وأن يضرب في اللغة العربية بسهم وافر ملمًّا بطرف صغير من كل علم، مطلعًا على نظم العرب ونثرهم.

ينقصنا معشر المصريين الذوق السليم وهو ملاك الإنشاء وروح البيان، ولا يتأتى نيله إلا بالتهذيب الصحيح وترقية الفكر بالعلوم الفلسفية، كما أن للفنون الجميلة نصيبًا وافرًا في تقويم الأذواق، فإن هذبت الموسيقى أسماعنا عرفنا الشعر المكسور دون أن نعلم شيئًا من العروض، وميزنا رنة القافية وانتقينا أجمل الأبحر وزنًا، وإن أحرزنا قسطًا وافرًا من التصوير فهمنا معنى الجمال في كل شيء، ولم يخطئ تصويرنا الفكري، وقويت فينا الملاحظة الدقيقة، وصدق استدلالنا وحكمنا.

إننا نسأم من قراءة الأبحاث العقلية والفلسفية، ولا نود أن نجهد فكرنا أقل إجهاد، وبينا نرى الكتب الفلسفية في كساد نرى الروايات العديمة الفائدة في رواج، ولا تتعدى مطالعتنا الكتب الأدبية السهلة. سرحت ناظري يَمْنة ويَسْرة عَلِّي أجد ثانيًا لذاك الأستاذ النابغة الذي تفتخر به البلاد في الكتابة فلم أعثر على أحد يماثله في فخامة الموضوع، وحسن الصوغ، وجمال التصوير، وشدة التأثير، وغزارة المعاني مع قلة الألفاظ، يكتب جملة قصيرة ويضمنها من الاجتماعيات أحسنها، ومن الحكم أفخمها، ومن العواطف أشرفها، ومن الخيال رائعه، ومن الشعر المنثور بدائعه، يكتب والصدق رائده، والإخلاص مذهبه، والتواضع والنفور من حيث الشهرة دينه، ولولا وثوقي من ذلك لنشرت اسمه.

إنني أحب الصراحة وأقول الحق ولو كان مرًّا عند من تكتنفه العزة أو الشهرة الكاذبة، وأنصح لأكبر كاتب أن ينحو نحوه ويتوخى أسلوبه الذي جمع كل المحاسن التي سردناها، وكان لا يزال يمضي بحرف واحد «م» لشدة تواضعه.

إن القارئ ليسلم معي بأنه لا يوجد في الدنيا من هو أضعف عقلًا من عجوز شمطاء منفردة في بادية قفراء، فكيف يظن الفرد أنه أَكْتَبُ قومه إذا كان دون هذه العجوز مقدرة في التعبير؟!

مر النبي هو وأصحابه بالبادية فأصابهم الظمأ، فلم يجدوا غير بيت حقير من الشعر به عجوز تسمى أُمَّ مَعْبَدٍ، فاستقوها فلم يجدوا عندها ماء، وطلبوا أن تسمح لهم بحلب عنزها، فقالت: دونكم العنز فاحلبوها إن كان بها لبن، وقد جف لبنها من الكبر، فمسح النبي ضرعها بيده فدرَّ لبنها وشرب هو وأصحابه، فتفرست فيه العجوز ووصفته وصفًا دقيقًا بليغًا، إذ قالت: رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه تجلة،١ ولم تزرِ به صقلة،٢ وسيمًا قسيمًا في عينيه دَعَج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل،٣ وفي عنقه سطع، وفي لحيته كَثَاثَة، أحور أكحل أزَجَّ٤ أفرن، إن ضحك فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، فهو أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق فصل لا نَزْر ولا هَذْر، كأن منطقه خُريزات نظم يتحدرن، ورَبْعة لا تشنَؤُه من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قَدًّا، له رفقاء يحفون به إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود٥ محشود٦ لا عابس ولا مُفنَّد.٧ ولو تمعنا في هذه الجملة لوجدناها آية في البلاغة وحسن الصوغ وجزالة المعاني ورقة الوصف وقد جمعت ثماني وثلاثين صفة؛ منها خمس وعشرون لوجهه وقامته والباقي لشمائله.

وأختم قولي بإبداء شعوري وإعجابي نحو فئة عظيمة من إخواننا الأقباط تتبارى في المنظوم والمنثور يزيد عددهم يومًا فيومًا، وإني أشكر لسعادة الأستاذ وهبي بك الذي بث فيهم الروح وأحسن تهذيبهم، وعرَّفهم بأن لغتهم هي التي يتخاطبون بها، فتنافسوا في تحصيلها تنافسًا يُغبطون عليه ويعود عليهم بالثناء الجميل.

(١٠) تصوير العواطف والوجدان

ما فتئ كثير من الكُتَّاب والشعراء يُعنون بالأسلوب واختيار الألفاظ وسرد المترادفات دون أن يهتموا بالتعبير عما يجول في نفوسهم، فتراهم لا يستطيعون أن يصوروا حالاتهم النفسية تصويرًا صادقًا يُجسِّم لك ما تضطرب به عواطفهم، ويجيش في نفوسهم من عنيف العواطف التي تتملك شعور القارئ وتهز أعصابه حتى لا يحس بما حوله.

مثل الإنشاء الوجداني كمثل غانية فتانة كفاها جمالها مؤنة الحلي والحلل والتزويق، وإن أعوزته متانة الأسلوب وحسن اختيار الألفاظ فهو بحالته هذه أفضل من غيره المنمق الأجوف.

ولقد حداني إلى الخوض في هذا الموضوع قطعتان تعدان بحق باكورة المثل العليا وبشائر النهضة المباركة والقدوة الحسنة التي يُسترشد بها للوصول إلى الكمال؛ أولاهما: «بيت الإبرة» للأستاذ الجليل والكاتب الوجداني القدير الدكتور عبد الوهاب عزام، والثانية: «قصة في رسالة» للكاتبة الفاضلة «فتاة الفرات».

أخذ كاتبنا المفضال مجلسه في مكتبه في إحدى الليالي المباركة، وقد أسدل الليل سكونه وحلق طيف الشعر في غرفته وتجلت له البصيرة؛ فهبت نفسه ثائرة تملي عليه ما خط في أعماق فؤاده بلسان فصيح فتن به طيفه المحلق فوق رأسه، ثم زاغ بصره فيما حوله علَّه يجد موضوعًا يطرز عليه تلك النفحات النادرة فوقع على بيت الإبرة، فأعجب بإخلاصه وشدة أمانته للشمال رغم توالي القرون والدهور لا يحيد عنه ولا يتزعزع، ولو وجهته بعنف وجهة أخرى، وما فتئت تلك الإبرة المباركة مرشدة للإنسان في البر والبحر والهواء، ثم عطف على إبرة مماثلة بين جوانح الإنسان ترشده إذا ضل، وتهديه إذا غوى، اللهم إذا استثنينا من في قلوبهم مرض وعلى أبصارهم غشاوة، فقد حاولت أن تهديهم فما وجدت لهم إلى الهدى سبيلًا.

ولا تأخذنكم العزة أو تعروكم غضاضة أن تأخذوا أدبكم من فتاة، فإن كاتب هذه السطور الضعيف يعترف أول الناس بأنه لا يستطيع أن يدرك شَأْوها في هذا المضمار، ولو أسعدتني يومًا تلك النفحات لما استطعت أن أَكْبَح جِماح الزهو والخيلاء.

ولقد خالجني الشك بعد قراءة هذه الرسالة في الإمضاء، فإن عبارتها تنم عن لهجة فتاة النيل لا فتاة الفرات، ويظهر أنها أمضت هذه الإمضاء تغاليًا في الاختفاء وتضليلًا للقارئ، قصت علينا الكاتبة حادثتها بأسلوب فني لا يجاريها فيها مجارٍ، وصوَّرت حالاتها النفسية وعواطف جارها الملتهبة تصويرًا دقيقًا صادقًا، والفضل في ذلك لجرأتها البريئة وصراحتها الساذجة، فأخذت ترخي لنفسها العِنان وتستسلم لأهوائها فتتبع خطواتها الضمير الحي، وأخذ يناضل مع هذه النزعات الثائرة حتى تغلب عليها وانتصر سلطان العقل الراجح والضمير الحي على الأمَّارة بالسوء، ثم هدت جارها إلى الصراط السوي وردته إلى عشه حيث تنتظره السعادة، وشفت فؤاده من مرض النفور من أولاده وعدم الاهتمام بزوجه الوديعة الصابرة، وانتهت القصة بدرس قيم في الأخلاق سادت فيه الفضيلة على الرذيلة.

(١١) ألف ليلة وليلة «بحث تاريخي ونقد وتحليل»

لا جدال في أن هذا الكتاب يُعد أول وأعظم سفر حوى القصص والحكايات الفنية في الشرق والغرب، ولقد عُني به الغربيون وترجموه إلى أغلب لغاتهم، وما فتئوا يعتبرونه كنزًا عظيمًا يستنبطون منه روايات قصصية وتمثيلية وغنائية وسينماتوغرافية.

لم يظهر لغاية عصرنا هذا مؤلِّف هذا الكتاب ولا تاريخ وضعه بالضبط، ولم يحاول العلماء المستشرقون البحث عن منشئه إلا في القرن التاسع عشر، وأول من طرق هذا البحث المستشرق الفرنسي الشهير «سلفستر دوساسي» في «مجال العلماء» سنة ١٨١٧، ثم أعقبه ببحث آخر سنة ١٨٢٩، ثم ثالث سنة ١٨٣٣.

ولم يكتفِ بإنكار العناصر الهندية والفارسية فيه، بل تغالى في غلوائه حتى عد خبر ألف ليلة الوارد في مروج الذهب للمسعودي من الأخبار المشكوك فيها.

قال المسعودي في صفحة ٩٠ جزء رابع طبعة المطبعة الأميرية بباريس:

مثل كتاب: هزار افسانه، وتفسير ذلك من الفارسية إلى العربية: ألف خرافة، والخرافة بالفارسية يقال لها: افسانه، والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة وليلة، وهو خبر الملك والوزير وابنته وجاريتها وهما شهرزادر ودينارزاد، ومثل كتاب فرزه وسيماس وما فيه من أخبار ملوك الهند والوزراء، ومثل كتاب السندباد، وغيرها.

وقد خالف المسيو هامر بورجستال المسيو سلفستر دوساسي وأكد صحة قول المسعودي ونشر بحثًا مستفيضًا في «المجلة الآسيوية» سنة ١٩١٨.

ولقد ظن المستر «ويليام لين» الذي ترجم قسمًا من ألف ليلة أن الكتاب كله تأليف شخص واحد، ومنشؤه في المدة الواقعة بين سنة ١٤٧٥ وسنة ١٥٢٥، وذكر هذه الفكرة في المقدمة التي وضعها لترجمته سنة ١٨٣٩–١٨٤٧.

وفي سنة ١٨٨٦ عاد المستشرق الألماني «جوبي» إلى هذا البحث مستشهدًا بما جاء في كتاب فهرست ابن النديم الذي فصَّل الخبر تفصيلًا لا يجعل للشك مجالًا.

قال محمد بن إسحاق: «أول من صنف الخرافات وجعل لها كتبًا وأودعها الخزائن، وجعل بعض ذلك على ألسنة الحيوان؛ الفرس الأُوَل، ثم أغرق في ذلك ملوك الأشفانية وهم الطبقة الثالثة من ملوك الفرس، ثم زاد ذلك واتسع في أيام ملوك الساسانية ونقلته العرب إلى اللغة العربية، وتناوله الفصحاء والبلغاء فهذَّبوه ونمَّقوه وصنعوا في معناه ما يشبهه، فأول كتاب عُمل في هذا المعنى كتاب هزار افسانه ومعناه ألف خرافة، وكان السبب في ذلك أن ملكًا من ملوكهم كان إذا تزوج امرأة وبات معها ليلة قتلها من الغد، فتزوج بجارية من أولاد الملوك ممن لها عقل ودراية يقال لها: شهرزاد، فلما حصلت معه ابتدأت تخرفه وتصل الحديث عند انقضاء الليل مما يحمل الملك على استبقائها ويسألها في الليلة الثانية من تمام الحديث إلى أن أتى عليها ألف ليلة وهو مع ذلك يطؤها إلى أن رزقت منه ولدًا أظهرته وأوقفته على حيلتها عليه، فاستعقلها ومال إليها واستبقاها، وكان للملك قهرمانة يقال لها: دينارزاد فكانت موافقة لها على ذلك، وقد قيل: إن هذا الكتاب ألِّف لجماني ابنة بهمن وجاءوا فيه بخبر غير هذا.»

قال محمد بن إسحاق: «والصحيح — إن شاء الله — أن أول من سمر باليل الإسكندر، وكان له قوم يضحكونه ويخرفونه، لا يريد بذلك اللذة وإنما كان يريد الحفظ والحرس، واستعمل لذلك بعده الملوك كتاب هزار فسانه ويحتوي على ألف ليلة وعلى دون المائتي سمر؛ لأن السمر ربما حدَّث به عدة ليالٍ، وقد رأيته بتمامه دفعات، وهو في الحقيقة كتاب غث بارد الحديث.»

قال محمد بن إسحاق: «ابتدأ عبد الله محمد بن عيسى الجهشياري صاحب كتاب الوزراء بتأليف كتاب اختار فيه ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم وغيرهم، وكل جزء قائم بذاته لا يعلق بغيره، وأحضر المسامرين فأخذ عنهم أحسن ما يعرفون ويحسنون، واختار من الكتب المصنفة في الأسمار والخرافات ما يحلو بنفسه وكان فاضلًا، فاجتمع له أربعمائة ليلة وثمانون ليلة، كل ليلة سمر تام يحتوي على خمسين ورقة وأقل وأكثر، ثم عاجلته المنية قبل استيفاء ما في نفسه من تنميقه ألف سمر، ورأيت من ذلك عدة أجزاء بخط أبي الطيب أخي الشافعي، وكان قبل ذلك ممن يعمل الأسمار والخرافات على ألسنة الناس والطير والبهائم، جماعة منهم عبد الله بن المقفع، وسهل بن هارون، وعلي بن داود كاتب زبيدة وغيرهم.»

وقد قرأت في آخر كتاب ابن النديم أنه فرغ من كتابته في شعبان سنة ٣٧٧، وهذا مما يدلنا على أن ألف ليلة كان معروفًا قبل ألف سنة، ولو كان المسيو سلفستر دوساسي ممن يقدرون قيمة الكتب لما فاته الاطلاع على هذا الكتاب الجليل، ولما تورط في هذا الشك المخجل.

ثم جارى «مولر» المسيو «جوبي» في هذه الفكرة، وكتب بدوره بحثًا طليًّا عن ألف ليلة.

مخطوطات ألف ليلة الموجودة الآن، كما حققها الأستاذ «بروكلمان» ثلاثة أنواع؛ أحدها آسيوي وهو أقدمها وناقص، ويشمل الجزء الأول من المجموعة، والاثنان الآخران مصريان تامان، ولكن تاريخهما أحدث من الأول، والبون شاسع بين الآسيوية والمصريتين.

ومصر، لسوء حظها، مجردة من مخطوطات ألف ليلة، ولا يوجد شيء منها في دار الكتب، ومن أغرب الغرائب أن النسخة المخطوطة التي طبعت منها الطبعة الأولى بالمطبعة الأميرية سنة ١٢٥٠ لا يوجد لها أثر.

طُبع ألف ليلة عدة طبعات في مصر وأوروبا والهند، وأهم الطبعات المصرية الطبعة الأولى الأميرية سنة ١٢٥٠ هجرية في عهد الخديو محمد علي باشا في مجلدين من القطع الكبير، ثم أعيد طبعه في نفس المطبعة في أربعة مجلدات، والطبعتان متفقتان بالحرف الواحد، وقد طبع طبعة أزهرية بالمطبعة العثمانية عدة طبعات وكلها منقولة عن الطبعة الأميرية ومطابقة لها.

والطبعة الهندية مطبوعة سنة ١٨٣٩ وتولى طبعها وتصحيحها المستر «وليم مكناتن» سكرتير إنجلترا في الهند، وهي منقولة من نسخة مخطوطة كتبت بمصر أحضرها الميجر «تورنر مكان» وهو الذي طبع الشاهنامة للشاعر الفارسي الشهير الفردوسي، وهذه النسخة مطابقة تقريبًا للطبعات المصرية ولا تختلف إلا في بعض نقط في الإنشاء، وهي في أربعة مجلدات.

والطبعة الألمانية مضى عليها أكثر من قرن، إذ طبعت في سنة ١٨٢٥ ببرسلاو، وتولى طبعها وتصحيحها «مكسيميليان هابخت» مدرس اللغة العربية بالمدرسة الملكية ببرسلاو، وهي في اثني عشر جزءًا ومغايرة للطبعات المصرية والهندية، وفيها نحو الثلث من قصص ألف ليلة، والثلثان الباقيان قصص غريبة لا توجد في الطبعات الأخرى.

وهذه الطبعة منقولة عن نسخة مخطوطة في عشرة أجزاء مؤرخة سنة ١٧٣١، وأحضرها للطابع أحد أهالي تونس المسمى م نجار، وقد سبق أن تقابلا في باريس فأوصاه على نسخة من مخطوطات ألف ليلة فعثر على تلك النسخة حين عودته إلى تونس.

ومن النسخ المغايرة النسخة التي ترجم عنها إلى الفرنسية «جلان» وهي تخالف الجميع ولا سيما الجزء الثالث وهو الأخير به قصص غريبة لا وجود لها في الطبعات الأخرى، نذكر منها علاء الدين والمصباح المسحور، وقصة علي بابا والأربعين لصًّا، وقد رآهما أغلب القراء في السينماتوغراف.

ولقد أجمع أغلب المستشرقين على أن طبعة بولاق هي أصح وأدق من كل ما سردناه.

وأشهر التراجم ثلاث: ترجمة «جلان» سنة ١٧١٥، وقد مضى عليها أكثر من قرنين، وهي رشيقة الإنشاء ولكنها لم يراعِ فيها المترجم الدقة والأمانة وتصرَّف فيها بكل حرية.

وقد افتتح المسيو «سلفستر دوساسي» هذه الترجمة بمقدمة عن ألف ليلة ومنشئه، ولكنه لم يخبرنا هو ولا المترجم عن منشأ المخطوط الذي ترجم عنه.

وترجمة «الكابتن بورتون» الإنجليزية وهي مثال للدقة والتحقيق، ولجهلي اللغة الإنجليزية لم أكلف نفسي البحث عن نسخة منها لأقارن بينها وبين النسخ الأخرى، ولا أدري إن كان أصلها مماثلًا للأصل الذي ترجم منه «جلان» أم لا؟

ولقد ترجم الدكتور ماردروس المصري مولدًا ونشأة والمستوطن بباريس كتاب ألف ليلة ترجمة جمعت بين دفتيها الدقة والبلاغة سنة ١٩٠٠، وهي تقع في ستة عشر مجلدًا، ثم طبعت طبعة ثانية في ثمانية مجلدات كبيرة مجلدة تجليدًا فنيًّا ومحلاة بصور ملونة تمثل الصور المزدان بها بعض المخطوطات الهندية والفارسية الشهيرة، وقد اشترك في هاتين الطبعتين مكتبتا «لوفاسور» و«فاسكيل» بباريس.

ولقد ترجم المسيو ماردروس أغلب سور القرآن ترجمة سحبت ذيل النسيان على جميع التراجم القديمة، وطبعتها مكتبة «فاسكيل» السالفة.

ولقد نقل المسيو ماردروس ترجمته عن طبعة بولاق وقال بدوره: إنها أضبط ما وجد من نسخ ألف ليلة.

نريد أن ننتقل بالقارئ إلى نظرة نحلل فيها ألف ليلة علَّنا نستنبط من بين سطوره شيئًا يفيدنا في هذا البحث العويص، وسيكون مدار تحليلنا الموضوع من الوجهة الفنية والإنشاء ونفسية الكاتب وجنسيته، وهل هو فرد أو أفراد، والعصر الذي وضعت فيه الترجمة التي بين أيدينا اليوم.

لا مراء في أن الكاتب كان خصب الخيال غزير المادة، ولقد أجاد في وضع الأساس على شكل فني ظريف وهو خبر شهرزاد مع شهريار وتفننها في سرد لذيذ القصص والحكايات، ووقوفها كل ليلة عند نقطة من الحديث هامة حتى استبقاها الملك، وقد سبق ذكر ذلك في موضعه.

فالمجموع عظيم ولكن التفاصيل فيها عيوب جمة؛ منها الإسراف والمغالاة في المبالغة كقوله: إن الرخ يحجب الشمس حينما يطير وبيضته أعظم من القبة، وقوله عن أغلب أبناء الملوك: فما أتمَّ حوله الخامس عشر حتى صار فارسًا صنديدًا لا يلبث أمامه الفرسان الأشداء، وكوصفه لقصور الجن بأنها من الذهب والفضة والياقوت والزمرد، وكزواج أشخاصه ببنات الجن وظهورهن بين الناس، وكقوله: إن سيف الملوك لما سافر أخذ معه أربعين مركبًا وعشرين ألف مملوك، إذ لا يعقل أن أربعين مركبًا في العصور القديمة تكفي لحمل الأمتعة والمئونة وعشرين ألف مملوك، ولا يعقل وجود جيش جرار من المماليك في أي بلاط! وسرد هذا الخبر في حد نفسه لا يبهر القارئ ولا يدهشه بل يضحكه سخرية.

ويلاحظ القارئ أن طريقته في سرد الحوادث مفككة الأوصال لا يربطها ترتيب في الزمان ولا في المكان، فتراه في قصة الملك شهرمان وولده قمر الزمان وحفيديه الأسعد والأمجد، أن هذين الغلامين لما أمر والدهما وزيره بقتلهما عقب اتهام والدة كل منهما لابن ضرتها بأنه راودها، ورفض الوزير قتلهما وتركهما ليهربا، وسفرهما من بلد لآخر دون أن يعلم أبوهما وجدهما من أمرهما شيئًا.

ولما أراد أن يختم هذه القصة الطويلة حضر قمر الزمان وعسكره، وبعد لحظة حضرت الملكة مرجانة وجيشها، وبعد آونة حضر الملك الغيور صهره وجنوده ثم تلاه الملك شهرمان وعساكره.

حضر الجميع في وقت واحد من أقطار مختلفة متنائية عن بعضها ومن غير سابقة علم بهذا المكان.

ومن الحوادث المنكرة التي لا يقبلها العقل هيام حياة النفوس وبدور بابني زوجهما، ولو اقتصر على واحدة لقلنا: شذوذ محتمل الوقوع، وهذا مما يدل على تجرده من كل ذوق سليم.

ومما ينتقد عليه تشابه بعض القصص ببعضها وتكرار الحوادث فيها مثل: قصص حسن البصري وسيف الملوك وحاسب كريم الدين، إذ نرى في كل منها أن بطل القصة لم يسمع النصح وفتح باب القصر الذي حُذِّر من فتحه، ثم رأى البستان الجميل وبركة الماء والطيور التي حطت في البستان وخلعت ريشها، وظهرت منه فتيات فاتنات وهيام كل بطل بأجمل الفتيات، وهن من بنات ملوك الجن ومواطنهن وراء جبال قاف، ومجازفة المحبين باقتحام الأهوال والسير بين طوائف الجن المختلفة، وخبر اليهودي الذي كان يضع الحسن البصري وسيف الملوك في جلد بغل ويخيط عليه، ثم يأتي الرخ فيحمله ويضعه في قمة جبل الماس، ثم يشق الجلد بسكين ويخرج منه ويقذف الماس لليهودي، وغير ذلك مما هو مكرر بنصه في القصص الثلاث.

ومن هناته ومستهجناته وصفه دخول أبطال قصصه بزوجاتهم بشكل فاحش مخجل كهراء الحشاشين في أقذر المواخير.

ومن أقبح وأبرد حكاياته اثنتان بجانب بعضهما؛ إحداهما امرأة وَلِعَت بقرد والثانية أحبت دبًّا، وهما من الخيال السمج الوقح، ولولا ضيق المقام لأتينا بشيء كثير من هذه الملاحظات التي لا تخفى على كل من له شيء من الذوق في الفن القصصي.

إنشاء ألف ليلة غث حقير، وفيه جانب عظيم من التعبيرات والألفاظ العامية والسجعات الباردة التي يرصها رصًّا في كل موضع بالحرف الواحد، وهي تكاد تماثل سجعات «صندوق الدنيا»، وكذلك شعره فإن أغلبه من الشعر الموزون الخلي من المعنى والجمال، وسنعود إليه حينما نصور نفسية الكاتب وشخصيته.

إن ألف ليلة أصله فارسي، وكان صغير الحجم لا يشمل غير القسم الفارسي والهندي والصيني؛ لأن الأقسام الأخرى العربية والمصرية وغيرها أصيفت متأخرة، وهذا رأي كثير من المستشرقين ويثبته تاريخ الحوادث.

ولقد ورد في القسم المصري ذكر الفرمان السلطاني وأبي طبق والجامكية ومصر القديمة وبولاق وباب الشعرية وباب الخرق — الذي أبدل الآن بالخلق — وباب الفتوح، وهذا مما يدل على أن القسم المصري حديث لا يتعدى زمن المماليك.

سلمنا بأن واضع هذا الكتاب أفراد، وأن القسم الأول وُضع قبل ألف سنة بكثير؛ لأن ابن النديم حينما تكلم عنه منذ ألف سنة لم يقف على اسم واضعه ولا على التاريخ الذي كُتب فيه، وهذا مما يدل أيضًا على أنه كُتب قبل زمن ابن النديم بزمن بعيد، فالقارئ يدهش حينما يرى أن الكتاب من دفته إلى دفته مكتوب بقلم واحد وأسلوب واحد، وأن القسم القديم نفسه محشو بشعر سخيف حديث العهد.

ولكنني أرجح أن الترجمة وضعت في زمن المماليك، واشترك فيها اثنان: تركي يجيد الفارسية وضعيف في العربية وكانت مهمته الترجمة، والثاني مصري فقيه ومهمته التنميق والتزويق بتلك السجعات السخيفة والأشعار المرذولة وتصنيف القسم العربي الشامل لأخبار الرشيد وغيره والقسم المصري.

وغير خافٍ أن عصر المماليك كانت تتخبط فيه مصر في دياجير الجهل والانحطاط وفساد الأخلاق، وربما كان إنشاء ألف ليلة يُعد في زمانه من رائع بيان العصر، ولا يبعد أيضًا أن واضعه كان يعتبره قومه من الذين يُشار إليهم بالبنان في ميدان النظيم والنثير.

ويظهر أن هذا الفقيه درس في الأزهر بضع سنين ثم انقطع للأدب وتفرغ للكتابة والشعر، وقرأ بعض الكتب الغثة المسجعة والدواوين السخيفة كالبهاء زهير والوأواء الدمشقي وابن سهل ومن شاكلهم، وحفظ العروض لتعليم الوزن، وقرأ جانبًا من الكتب الخرافية المرذولة مثل خريدة العجائب وبدائع الزهور، وعددًا من كتب المواعظ والحكم الدينية السخيفة التي يبرأ منها الدين والتي يحفظها الشباحون والطفيليون ليتشدقوا بها في مجالس العامة.

وقد استدللت على أنه فقيه بل من فقهاء المقابر من محاوراته العلمية في قصة تودد الجارية وهي من أرذل ما سمع.

سألها العلماء: ما ربك؟ وما نبيك؟ وما إمامك؟ وما قبلتك؟ فأجابت: الله ربي، ومحمد نبيي، والقرآن إمامي، والكعبة قبلتي … إلخ، ولا يخفى على القارئ أن هذا القول يلقنه فقهاء المقابر للأموات وقت دفنهم، وفي قصص أخرى يقول: صلى ركعتي الاستخارة، وفي قصة علاء الدين أبي الشامات يقول: إنهم اتخذوه مستحلًّا لبنت أحد الأغنياء.

ومن بروده وسماجته سؤال العلماء لتودد الجارية وهم في حضرة الرشيد أسئلة تماثل ما جاء في رجوع الشيخ إلى صباه!

وتلك الكلمة فيها الكفاية للاطلاع على مبلغ معلومات منمق ألف ليلة، وقد بقي علينا أن نأتي بصورة تمثل نفسيته:

هذا الرجل على شاكلة «تارتوف» أو الشيخ متلوف على رأي عثمان بك جلال، شيخ معربد فاجر مستهتر، مجرد من الذوق والأدب ومكارم الأخلاق، وهو من الفئة الذين يهرولون وراء فتوى كاذبة لرجل طلق امرأته ستين مرة، أو عقد زواج جديد مع وجود المرأة على ذمة الزوج الأول، والذين يتطفلون في المآتم والأفراح فيكون واعظًا إن كان المجلس يبحث في الوعظ، وشاعرًا في الأفراح يرص القصيدة ويخطب الخطبة لتهنئة العروسين، وتارة في مواخير الحشيش، وطورًا في الحانات ينادم ويضحك الشبان المعربدين الوارثين، وترى جيوبه محشوة بأحقاق العنبر والمنزول يبيعها للمعربدين بعدما يسهب في منافعها وخواصها.

كل هذه الصفات تقرأها طي ألف ليلة، حتى نسخ المنزول تراها في الصحيفة الأولى من قصة علاء الدين أبى الشامات، وقبل تركيبها ببضعة سطور تجد حوارًا بين والد علاء الدين وزوجه من أقبح ما سُمع، وفيه من أخبار النساء والولدان ما يدل دلالة صريحة على أن هذا الرجل كان حشاشًا كبيرًا.

ولولا الإطالة لسردت شيئًا كثيرًا من المواقف التي تصور هذا الكاتب، وما على المستزيد إلا أن يُطالع الكتاب كله ليرى فيه أضعاف أضعاف ما ذكرناه، وأظن أن النسخ الآسيوية القديمة ليست بهذه القحة ولا هذا البرود وتلك السماجة.

هذا ما وصل إليه جهد استطاعتي، وعسى أن لا يضن الأستاذان الكبيران صاحبا السعادة أحمد زكي باشا وأحمد تيمور باشا بموافاة القراء بمعلوماتهما عن هذا الكتاب توصلًا للحقيقة وخدمة للعلم.

(١٢) رابند رافات تاجور

حاولت أن أجد بين الأحياء صورة تماثل هذا الفيلسوف العظيم والشاعر العبقري فلم أوفق، فشحذت الذاكرة وأرهفت اليراع واستنجدت بطيف الشعر، فهمس بعد قليل في أذني: عبثًا تؤمل أن تظفر بأمنيتك بين الأحياء ودونك صورة صادقة خلدها الفن؛ وهي تمثال موسى عليه السلام من صنع المثَّال العظيم ميكيل أنج.

إن كانت عندك أيها القارئ هذه الصورة في دائرة معارف أو كتاب في الفن، فافتح كتابك وتأمل معي فيها وانظر إلى الهيبة والعظمة اللتين يملكان عليك مشاعرك، والعين البراقة والنظرة الحادة المهيبة التي تملي عليك إرادتها دون أن تمتعض أو تستنكف أو يأخذك الزهو والكبرياء، وشعره المتدلي على أكتافه ولحيته البيضاء المسترسلة إلى صدره كلبد الضياغم.

شاهدته حينما زار مصر بالمصادفة في الطريق وهو راكب عربة، وقد وقع نظره عليَّ دون قصد، فراعتني تلك الطلعة المهيبة والجلال النادر وتلك النظرات الحادة، وقد خُيل إليَّ أنها اخترمت أحشائي ووصلت إلى سُويداء قلبي، فقرأت ما خطَّ فيه من سر مكنون، وقد تضاءلت أمامي وقتئذ جميع الشخصيات البارزة، وأيقنت بعدما قرأت نحو خمسة عشر مجلدًا من مؤلفاته التي ترجمت إلى الفرنسية أنه عطارد الشعر الذي لا يدرك له غبار، ولا يجاريه فيه مجارٍ.

ومن مزاياه النادرة التي لم يبلغ شَأْوها غيره من الشعراء الأقدمين والمعاصرين: الرقة الفتانة، والرشاقة النادرة الساحرة، وسلامة الذوق المتناهية، والعواطف المتأججة، والمعاني العظيمة العميقة التي جمعت بين الشعر والفلسفة فزادت قوة على قوة، وقريضه الخالي من التكلف والذي لا يُشاهد فيه أثر للصناعة والإجهاد.

وحينما تُرجم ديوانه «بستاني الحب» إلى الفرنسية وظهر في عالم المطبوعات أخذت منه نسخة ولم أتمكن من قراءتها في أول يوم، وفي الغد انتابني مغص الكُليتين واشتد عليَّ حتى جعلني أئن وأتلوى كالطير المذبوح، ولما سكنت قليلًا شدة الألم أخذت هذا الديوان وأنا راقد، ولم آتِ على آخر القصيدة الثانية حتى انتقلت إلى عالم آخر ونسيت الألم وتفتحت عيناي واشتدت عضلات جفوني بعد ارتخائها، وتنبهت أعصابي بعد خمودها، ولهوت عن كل شيء، ولم أقطع هذه اللذة النادرة التي سكنت آلامي بشيء آخر من طعام أو شراب أو دواء، وما غربت الشمس حتى أتممت قراءة ما بين دفتي الديوان وأنا مدثر في فراشي.

إذا أمعنا النظر في شعر كبير وهو أحد زعماء الصوفية في الهند في القرن الخامس عشر وجدنا بينه وبين شعر تاجور شبهًا كبيرًا؛ إذ كلاهما يبحث عن الخالق ويتغزل فيه، وهذا ما يدلنا على تأثر تاجور من كبير، ولكن الفرق بينهما أن تاجور أرقى بكثير من كبير، وقصائده أطول، ومعانيه أعمق وأفخم، وإتمامًا للفائدة نسرد كلمة عن كبير وبعض مقطوعات من نظمه لنقارن بينها وبين شعر تاجور.

وقد نقل تاجور شعر كبير من البنغالية إلى الإنجليزية بنفسه، وهذا مما يدل على ولعه بقريض هذا الشاعر وإعجابه به.

ولد كبير من أبوين مسلمين بمدينة بيناريس حوالي سنة ١٤٤٠، وانضم منذ صغره إلى تلاميذ الناسك الهندوكي الشهير رامانندا، وكان هذا الأخير متبحرًا في العلوم الدينية وعاش في عصر تأثر فيه الشعر الوجداني والفلسفة العميقة بكبار الصوفية من الفرس تأثرًا عظيمًا في الفكرة الدينية بالهند، وقد أمل أن يوفق بين التصوف الإسلامي والبرهمي المتواتر.

ويُعد كبير من عظماء المصلحين الدينيين، وله حزب باقٍ إلى الآن يبلغ المليون، وفضلًا عن ذلك فقد بلغ في القريض مكانة لم يسبقه إليها غيره من أسلافه، وشعره حافل بجميع أنواع العواطف من أدقها إلى أشدها، وتُعد معانيه من السهل الممتنع الخالي من التعقيد والتكلف.

نراه في نظمه لم يفرق بين العقائد البرهمية والدين الإسلامي، بل كان قريضه يتناول الاثنين، وكان فضلًا عن تصوفه وشهرته في القريض موسيقيًّا ماهرًا.

لم ينقطع للتنسك وإماتة الجسم والعزلة والتأملات؛ بل كان حائكًا يعيش من صناعته، والغريب أن جميع الأساطير أجمعت على أنه كان أميًّا رغمًا مما بلغه من أعلى شَأْو في القريض، وكان متزوجًا ورُزق بأولاد، وكان يحتقر التنسك والعزلة والزهد والتقشف وتجنب الحب والابتعاد عن السرور والجمال المنتشر في العالم من الوحدة اللانهائية.

أما من جهة العقيدة فلا نستطيع أن نعتبره مسلمًا ولا هندوكيًّا؛ لأنه كان ملحدًا، وكان يمقت العقائد الدينية، وجميع الأوساط الدينية كانت تعده رجلًا خطيرًا، والإله الذي كان يبحث عنه لم يكن في الهياكل ولا في المساجد، وكان يعتقد أنه موجود بجانب كل من ينشده.

كان نفوذ الكهان والبراهمة عظيمًا في بيناريس فاضطهدوا كبيرًا، وقيل إنهم أرادوا إغواءه فأرسلوا إليه بغيًّا حسناء فلم تنَل منه نيلًا، بل هداها حتى تابت وأصبحت طاهرة صالحة.

أتى عليه عام ١٥١٨ وهو هرم سقيم ضعيف الذراعين، فتُوفي في هذا التاريخ بمدينة مجهر على مقربة من جور أكنور.

ومن الأساطير اللذيذة التي قيلت عن وفاته أنه لما مات تخاصم تلاميذه المسلمون والهندوكيون على جثته، فأراد الأولون أن يدفنوه، وأراد الآخرون أن يحرقوه، فظهر لهم كبير وقال: «انزعوا الأكفان وانظروا إلى ما تحتها.» فأطاعوا ووجدوا تحتها باقة من الأزهار النضرة، فاقتسموها بينهم، ودفن المسلمون نصيبهم في مجهر، وأخذ الهندوكيون نصيبهم وأحرقوه في بيناريس.

وهاكم خمس مقطوعات من شعر كبير:

١

أين تبحث عني يا خادمي؟ انظر ترَني على كَثَبٍ منك! لست في الهيكل ولا في المسجد ولا في محراب الحرم المكي ولا في مقام آلهة الهند، ما أنا في المذاهب ولا في الحفلات الدينية ولا في التنسك وتقشفه وزهده.
إن كنت تبحث عني حقًّا فستراني قريبًا، وستأتي الساعة التي تحظى فيها بمقابلتي.
ويقول كبير: «أيها الولي، إن الله هو نفس كل من يتنفس من الأحياء.»

١١

كنت فيما مضى ألعب مع رفاقي ليل نهار ولكن الخوف يساورني الآن.
قصر سيدي شاهق يناطح السحاب وقلبي يخفق من الهلع، إن حاولت الصعود إليه بيد أنه لا ينبغي لي أن أكون هيابًا، إن أردت التمتع بحبه يجب أن يرتبط قلبي بأعز حبيب، وأن أزيح نقابي وأجمع بين كياني وذاته، وستكون عيناي مقرًّا لمصابيح الحب.
ويقول كبير: «سماع أيتها الحبيبة، إنه يفهم من يحبه، فإن لم يُضْنِك حب المحبوب فلا فائدة من تزيين جسمك وتجميل أجفانك بالكحل.»

١٢

خبريني أيتها البجعة عن تاريخك القديم، ومن أي البلاد أتيت؟ لأي شاطئ تطيرين؟ أين تستريحين أيتها البجعة وعمَّ تبحثين؟ استيقظي أيتها البجعة في هذا الصباح وانهضي لتتبعيني، إنها لبلاد لا يدخلها الشك ولا الحزن والكآبة، ولا يتسرب إليها الخوف من المنون، هناك ترى الغاب، وقد جلله الربيع بأزهاره، ويقول عرفه الشذي: «أنا هو.» وتحمله ريح الصبا.
وهناك تغوص نحلة القلب في قاع الزهرة ولا تريد غير هذه المسرة.

٢٧

إن رحمة سيدي الحق هي التي علمتني ما خفي، ولقد تعلمت منه أن أسير بغير قدمين، وأن أنظر بلا عينين، وأن أسمع من غير أذنين، وأن أشرب بدون شفتين، وأن أطير بغير جناحين.
وفي البلاد التي لا تنعم بشمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار، قد أحببت وتأملت، لقد تذوقت حلاوة الرحيق دون أكل، وقد ارتويت بغير ماء.
إن السرور المتقاسم لهو أعظم المسرات.
أمام من نستطيع أن نعبر عنه؟
ويقول كبير: «سيدي أعظم من العوالم، وما أعظم ثروة تلميذه.»

٣٠

في هذه الشجرة طير يرقص في فرح الحياة، ولا يستطيع أحد أن يعرف مقره أو يعيد مرد أغنيته.
هل رأيت موضع الظل الكثيف الذي يسقط من فروع الشجر المتكاثفة، فهناك عشه، إذ يجيء في المساء ويطير في الصباح، وإني لا أعرف له كنهًا، ولا يتيسر لأحد أن ينبئني عن هذا الطائر الذي يغرد في نفسي، وما ريشه بملون ولا غير ملون، وليس له شكل ولا حد، وهو يستقر في ظلال الحب.
إنه ينام في باطن من لا يدركه العقل الدائم الذي لا نهاية له، ولا يعلم أحد متى يطير ولا متى يعود، ويقول كبير: «أيها الأخ الصالح الورع! إن هذا السر عميق فدع الحكماء يبحثون عن مقر هذا الطائر.»

لنعد بالقراء إلى تاجور والحديث ذو شجون، ولد المترجم في عام ١٨٦٠ بكلكتا، وقد منحه مجمع ستوكهلم العلمي جائزة «نوبل» في الآداب في ١٣ نوفمبر سنة ١٩١٣، وقال: إن شعره يشمل جميع مطامح النفس، وهو عريق في النسب من أسرة بنغالية تضم كثيرًا من عظماء الرجال، وقد نال جده الأمير «دوراكانات تاجور» شرف المثول أمام الملكة فكتوريا، واشتهر والده المهرشي — أي الحكيم — دبندارانات تاجور بأنه مفكر ديني.

والمترجم نفسه معروف بتأملاته وتصوفه؛ إذ يُشاهد كل يوم غارقًا مدة ساعتين في بحار عميقة من التأملات، وهذا لا يمنعه من تكريس نشاط منتظم لتهذيب كثير من النفوس، إذ أسس بمدينة بوليبور بجوار كلكتا مدرسة يديرها في الهواء الطلق يعد فيها أكثر من مائتي طالب، وهو وطني عظيم، درس المدنية الإنكليزية وآدابها ومشهور في إنكلترا أكثر منه في فرنسا، وقد حضر مؤتمر الأديان بباريس سنة ١٩١٣.

عرف الناس هذا الشاعر منذ ربيعه الثامن عشر، إذ أخرج لهم رواية تمثيلية موسيقية ثم أعقبها برواية قصصية، وقد ذاع شعره في جميع أقطار الهند حتى أصبح بعد زعيم شعراء الهند قاطبة، وأصبحوا يؤرخون به عصرًا جديدًا في الآداب الهندية يسمونه «الرابندراناتي».

وقد برع في الموسيقى كما برع في الشعر، وألف ألحانًا يدل شكل نغماتها على تعبيرات عالية، ولحَّن قصائد تلحينًا يدل على غزارة المادة ودقة الشكل، وترجم بنفسه ديوانه المسمى «القربان الشعري» من البنغالية إلى الإنجليزية، وكتب له الشاعر الأرلندي «يتس» مقدمة قال فيها:

إن بيتًا مع قريض رابندرانات لينسي آلام الدنيا.

يعد المترجم من الشعراء المتصوفين ذوي النظم الجلي المعبر عن عنيف العواطف والآلام، وما فتئ يتطلب تجلي الخالق ويشعر بوجوده في جميع العالم، ولو أنه هندوكي صميم لكنه لا يغفل وهو ثمل بنشوة التأملات والخيالات عن الاتصال بالناس وشغفه بالطبيعة.

إنه يتهلل لجمال الطبيعة وقد جللها النور وكستها أزهار الربيع بشائق حللها، ويشجيه تغريد الطير فوق الدوح والخمائل، ويبسم لقوس قزح، ويفتنه جمال الزهر ويثمله أرجه العبق، ويصغي بفرح إلى خرير الأمواج ومداعبتها للسفن الماخرة، وقد عبر عن هذا الشغف في كثير من المواقف؛ كقوله في عرض قريضه: «قد دعيت إلى عيد الدنيا وبورك لي في حياتي.» وهذا ما يدل على أنه بعيد عن التشاؤم العظيم الذي اتصف به المفكرون من الهندوكيين.

إنه لا يخشى الموت ويرغب في الخلود الذي يجمعه مع الله، ولكنه يحب الحياة وجمال الدنيا.

نرى شاعرنا يتهلل فرحًا أمام منظر الحياة العامة، ولكنه يرى الحياة في العمل والإجهاد، ويرى في الموت الدعة والسكون، فهو يطمح إلى النعيم المقيم ليتفانى في التقرب من الله، إذ يقول:

«لقد تمكنت من الوصول إلى ضفاف الأبدية التي لا يخفى فيها شيء. أغمس حياتي المجوفة في هذا القاموس، أغمرها وسط هذا التمام حتى أشعر في ذاك العالم الكامل بتلك الملاطفة التي فقدتها في الحياة الدنيا.»

وهذا التمام والكمال بابه الموت الذي لا يخشاه تاجور، إذ يعتبر أن في المنون تمام الحياة والمسلك الموصل للقاء ربه، وأن الموت والحياة هما وجها الدنيا، فإن أحب أحدهما فلِمَ لا يحب الآخر. ومن أبلغ ابتكاراته الشائقة السهلة قوله: «يئن الطفل حينما تنزع أمه ثديها الأيمن من فمه مع أنها لا تلبث أن تناوله الأيسر الذي يجد فيه عزاءه وسلوانه.»

طرق تاجور أغلب نواحي الأدب من فلسفة وشعر وروايات قصصية وتمثيلية وأقاصيص وحكايات وقطع فكاهية وغيرها، ولقد أجاد كل الإجادة في كل هذه الأنواع.

إن أمعنا النظر في روايات تاجور الأولى التي ظهرت من سنة ١٨٧٧ إلى سنة ١٨٩٠ وجدنا فيها تأثرًا ظاهرًا من الكاتب البنغالي الكبير «بنكيم شندراشاترجي» الذي نُشرت كتبه سنة ١٨٦٤.

ولكنه تحرر من هذا التأثير في سلسلة الحكايات التي نشرها من سنة ١٨٩٠ إلى سنة ١٩٠٠، وكان يصور فيها حياة الريفيين والأسر المتوسطة البنغالية.

ثم ظهرت بعد ذلك رواياته الاجتماعية العظيمة:

حزن العيون سنة ١٩٠٤-١٩٠٥.

جورا سنة ١٩٠٨–١٩١٠.

البيت والعالم سنة ١٩١٣-١٩١٤.

الأربعة الأصوات سنة ١٩١٤-١٩١٥.

وأما كتابته الفكاهية فلم تُترجم لغاية الآن من البنغالية، ويُعد تاجور أعظم كاتب فكاهي في الهند.

وأعظم رواياته وأكبرها «جورا» وهي صورة غنية وجريئة أغضبت كثيرًا من الأحزاب لتهكمه الشيطاني اللطيف الذي يشوق القارئ لاكتشاف بطل الرواية وزعيم الوطنيين وهو من دم أرلندي وقد التقطته أسرة من الهندوكيين الطيبين.

وتلي هذه الرواية في الشهرة رواية البيت والعالم، وهي من حيث البلاغة والعواطف والرقة والرشاقة تقرب من الشعر كثيرًا.

وقد قال عنه «رومان رولان» في عرض كلامه: لقد تفرد مؤلف «البجعة» باختلاج الطبيعة العنيفة الذي يغمر به حديثه فيسمع تحت كلام المحدث الرقيق غناء الروح بدون كلام، وهو يختلج تحت الحجاب وما هو إلا موسيقى السكون.

ولنكتفِ بهذه الكلمة لنعرض للقراء نماذج من ديوانه «القربان الشعري» و«بستاني الحب» وهما أشهر دواوينه.

(١٢-١) القربان الشعري

٥

أسالك أن تمنَّ عليَّ أن أستريح بجانبك لحظة أتم فيها ما شرعت فيه من الأعمال، حرمت من رؤية وجهك الكريم فأصبح فؤادي لا يعرف للراحة معنى ولا أمدًا، وظل اجتهادي عناء دائمًا في مفازة النصب المترامية الأطراف، أقبل الصيف اليوم إلى كوتي هو وأنينه، وهرول النحل إلى الرياض المزهرة ليرتشف ثغور نوارها.
أقبلت ساعة الدعة الهنيئة لأنشد معك وجهًا لوجه ولا نذر، وأكرس لك حياتي في صمت هذا الفراغ العظيم.

٦

اقطف هذه الزهرة الضئيلة وعجِّل بأخذها لئلا تذبل وتتناثر فوق التراب.
وإن لم يكن لها محل في باقتك فشرفها بلمس يدك واجنها، فإني أخشى أن لا يتم اليوم قبل أن يخالجني الشك ويفوتني وقت الإهداء.
خذ هذه الزهرة لنفسك وإن تكن كامدة اللون حيية العرف، اقتطفها فقد آن الوقت.

١٢

إن الزمن الذي يتطلبه رحيلي لطويل والطريق بعيدة، لقد خرجت راكبًا عجلة أشعة النور الأولى، وقطعت رحلتي خلال وحدة الدنيا تاركًا أثري فوق نجوم عدة، إن أبعد ظعن هو الذي يقربني إليك، وإن ترجيع الصوت وتنويعه لهو يوصل إلى انسجام الأصوات التام.
ويلزم الراحل أن يطرق جميع الأبواب قبل أن يصل إلى بابك، كما ينبغي له أن يضل خلال جميع العوالم الظاهرة ليصل في النهاية إلى تابوت العهد.
لقد تركت عيني تضلان في بعيد الفجاج قبل أن أقفلهما وأقول: ها أنت هنا، وهذا السؤال وذاك الانتظار يذوبان في عبرات ألف من الأنهار، ويغمران الدنيا تحت لجج هذه الحقيقة أنا.

٢١

أما حان الوقت لأطلق عنان سفينتي؟ تنهار الساعات الدنفة فوق العراء، فوا أسفاه!
جاء الربيع بأزهاره ونواره ثم ولى تاركًا أزهارًا حقيرة ذابلة بينا أنا منتظر مستبطئ.
هاجت الأمواج بعيدًا عن الضفاف وتساقطت الأوراق المصفرة في الدرب الظليل.
ليت شعري! ما الذي غاب عنك وتفكر فيه؟ أما شعرت باختلاج يتخلل الهواء مع اللحن القصي الذي يصعد ثم يهرب وراء الشاطئ الآخر؟

٢٧

أيها النور! أين ذاك النور؟ نعشت وأسعدت بنار الرغبة المتوهجة.
ها هو المصباح ولكنه لا يختلج كالشعلة، أهناك مصيرك يا قلبي؟ وإن المنون لخير لك.
إن البؤس يطرق بابك ومهمته أن سيدك يقظ، وضرب لك موعدًا للحب خلال جنح الظلام.
السماء متلبدة بالغمام وما فتئ المطر منهملًا، ولكني لا أدري ماذا يجيش في نفسي ولا أدرك له معنى.
إن لمعان البرق الفجائي جلب إلى عيني ظلامًا حالكًا، وإن فؤادي ليبحث وسط هذه الحنادس عن السبيل الموصلة إلى الألحان التي تدعوني.
أيها النور! أين ذاك النور؟ نعشت وأسعدت بنار الرغبة المتوهجة.
يقصف الرعد وتهب الريح مزمجرة خلال الفضاء والليل معتم «كالاردواز» فلا تترك الساعات تمر في الظلام، وأنعش مصباح الحب بحياتك.

٥٧

أيها النور! أي ضوئي الذي يملأ الدنيا، يا من هو لثمة العيون وهناءة القلوب.
يرقص النور وسط حياتي! أيها المحبوب العزيز! إن هواي يرن من وقع ضربة النور، تنفتح السموات، وتهب الرياح، وجاب ضحك الأرض.
حلق الفراش فوق خضم النور الذي أحبه، وفجر الضوء من رءوس اللحج زنبقًا وياسمينًا.
أيها النور العزيز! انقش السحب بأصباغك العسجدية لتنتثر منها الجواهر الشائقة، انتشر الفرح من ورقة لأخرى يا هواي، وسادت الهناءة العميمة.
طغى نهر السماء فغمر ضفافه، وظلت أمواج الفرح خارجه.

٨٢

إلهي! لا نهاية للزمن الذي بين يديك، ولا أحد هناك ليعد دقائقك، تكر الأيام والليالي، وتتفتح الأعمار ثم تذبل كالأزهار، وتعرف أنت كيف تنتظر.
تتعاقب قرونك لتتم زهرة ضئيلة من أزهار الحقول، لا زمن لنا نضيعه، إذ ينقصنا الوقت كما أنه يلزمنا أن نتحمل المشاق في سبيل حظوظنا. إننا مساكين ولا يتسنى لنا أن نتأخر.
وهكذا يمر الزمن بينا أهجره لجميع الشاكين الذين يريدون أن يستردوه، وحينئذ يبقى محرابك خاليًا من القرابين عاطلًا.
وعند انتهاء النهار تساورني العجلة خشية أن لا تكون الأبواب موصدة، وفضلًا عن هذا أرى أن الوقت لم يفتني بعد.

(١٢-٢) منتخبات من البستاني

١
الخادم : أيتها المليكة رحمة بخادمك.
الملكة : لقد انفضَّ الاجتماع وانصرف أتباعي، ولِمَ أتيت في هذه الساعة المتأخرة؟
الخادم : تحين ساعتي حينما تمر ساعات الآخرين، خبريني أي عمل بقي لآخر خدمك؟
الملكة : ماذا تُؤَمِّل بعد فوات الأوان؟
الخادم : اجعليني بستانيًّا لحديقة أزهارك.
الملكة : ما هذا الجنون؟
الخادم : إنني أرفض أي عمل آخر، وسأطرح رماحي وسيوفي في التراب، لا ترسليني إلى أي بلاط ملكي بعيد، ولا تكلفيني بفتوحات جديدة، بل اجعليني بستانيًّا لحديقة أزهارك.
الملكة : وماذا يكون عملك؟
الخادم : سيكون عملي قاصرًا على أوقات فراغك وسأرعى الكلأ بعنايتي حتى تستمر نضرته في الدرب الذي تسيرين فيه في الصباح، حيث تتمنى الأزهار الموت وتتعطش لأن تموت تحت قدميك مباركة القدم التي سحقتها.
وسأؤرجحك بين أغصان «السبتبرنا» بينما يطلع القمر مبكرًا في السماء محاولًا أن يقبل طيلسانك من خلال أوراق الأشجار.

وسأملأ السراج الذي يشتعل بجانب سريرك بالزيت العطر، وسأزين كرسيك بالصندل والزعفران.
الملكة : أي جزاء تبتغي؟
الخادم : أن تسمحي لي أن أمسك بين يدي بيديك الغَضَّتين المماثلتين لأزرار النيلوفر، وأن أطوي حول ذراعيك عقود الأزهار، وسأخضب قدميك بعصارة أزهار «الأشوكا» الحمراء، وسأقتطف بقبلة ما علق عليهما من الغبار.
الملكة : قد قبلت توسلاتك يا خادمي وستكون بستاني حديقة أزهاري.

٢

أيها الشاعر! اقترب المساء، واشتعل رأسك شيبًا.
أتسمع وأنت غارق في تأملات عزلتك رسالة ما وراء الوجود؟
قال الشاعر: ها هو المساء، إنني مصغٍ: فلربما نادى أحد من القرية رغمًا من هذه الساعة المتأخرة.
إنني ساهر، وعاشقان يبحث أحدهما عن الآخر، فهلا يقودهما قلباهما؟ وهلا يتقابل قلبان ضالان لعاشقين في شرخ الشباب؟ وإن عيونهم البراقة لتنشد وهي متسولة حبًّا منسجمًا يقطع السكوت ويتكلم بدلًا عنهما.
من ينسج لُحْمة غنائهما المؤثر الشجي، إذا داومت الجلوس على شاطئ الحياة أشاهد الموت وما وراء الوجود؟
لقد اختفى نجم المساء الأول، وطفقت نار أتون الأموات تخبو ببطء بعد سعيرها المتوهج على مقربة من الغدير الصامت، وكان يسمع من فناء المنزل المقفر في ضوء القمر الكامد عواء أبناء آوى، وإذا مر ظاعن، وقد ضل عن مأواه ضلالًا بعيدًا ثم أقبل ليشاهد الليل وينصت وهو منكس الرأس إلى نشيد الظلمات، فمن يكون هنا ليسر إليه أسرار الحياة إذا أنا أقفلت بابي وأخليت نفسي من كل قيد يربط البشر بعضهم ببعض؟
لا يهمني إن اشتعل الرأس شيبًا، فإني ما زلت فتيًّا مثل أصغر أهل القرية، وهرمًا مثل أكبر رجل فيها.
البعض لهم بسمات بسيطة لطيفة، والآخرون تلمع أعينهم من المكر والخبث.
وهؤلاء لهم عبرات تنفجر في ضوء النهار، والآخرون لهم دموع تختفي في الظلمات، جميعهم محتاجون إليَّ وليس عندي من الوقت ما يسمح لي بالتأمل في الحياة القادمة.
إنني في كل سن فلا يهمني أن يشتعل الرأس شيبًا.

٧

أماه، سيمر الأمير الشاب ببابنا، فكيف أستطيع العمل في هذا الصباح؟
لِمَ تنظرين إليَّ نظرة الدهش يا أماه؟
إنني متيقنة أنه لا يلتفت إلى كوتي، وأعلم أنه سيختفي عن الأنظار بعد لمحة عين وستقبل زفرات نايه القصي وحدها لتموت في أذني.
سيمر الأمير الشاب أمام بابنا وأريد أن ألبس أفخر ما عندي لهذه اللحظة أماه، لقد مر الأمير الشاب أمام بابنا وكانت أشعة الشمس تتلألأ فوق مركبته، لقد سفرت ونزعت من جيدي عقد الياقوت ورميته تحت قدميه.
لِمَ تنظرين إليَّ يا أماه نظرة الاستغراب؟
إنني أعلم أنه لم يلتقط عقدي وأعرف أنه قد سُحق تحت عجلات مركبته بعدما ترك بقعة حمراء فوق التراب، ولم يفكر أحد أنه كان هديتي ولا لمن أُهدي، ولكن الأمير الشاب قد مر أمام بابنا وقد نثرت في طريقه جواهر قلبي.

١٥

أعدو كظبي المسك وقد ثمل شذى عطره فظل يجري في ظلام الغاب، وكانت ليلة من ليالي أيار وقد هب النسيم من الجنوب، ضللت الطريق وتهت وظللت أبحث عما لا أستطيع أن أجده وأعثر على ما لا أبحث عنه.
وصعدت من قلبي صورة رغائبي فرأيتها ترقص أمام عيني.
لقد طار الجمال المتوهج وسولت لي نفسي أن أمسك به ففر وضللت الطريق، إنني أبحث عما لا أستطيع أن أجده وأعثر على ما لا أبحث عنه.

٢٨

إن نظرك لحائر حزين يحاول أن يقف على ما يدور بخَلَدي.
إن القمر يريد أيضًا أن يخترق اليم.
إنك تعلمين أسرار حياتي ولم أخفِ عنك شيئًا، فلِمَ تجهلين كل شيء؟
لو كانت حياتي حجرًا ثمينًا لسحقته مائة قطعة وعملت من هذه القطع عقدًا أقلد به جِيدك.
ولو لم تكن حياتي إلا زهرة صغيرة فإنني أقتطفها من ساقها لأزين بها شعرك، ولكنها أيتها الحبيبة قلب وأين يوجد أطرافه؟ إنك تجهلين حدود هذه المملكة بَيْدَ أنك ملكتها.
ولو لم يكن قلبي إلا لذة لرأيته يزهر ابتسامًا سعيدًا ولاخترقته في لحظة.
ولو لم يكن إلا ألمًا لذاب وتحول إلى عبرات رائقة ينعكس فيها بصمت أسراره، ولكنه هيام يا حبيبتي العزيزة، ملذاته وأتعابه لا تُحد، وفقره وغناه دائمان.
إنه لأقرب إليك من حياتك ولكن هيهات أن تعرفيه حق المعرفة.

٢٩

تكلمي أيتها الحبيبة! أعيدي إليَّ الكلمات التي تترنمين بها.
الليل مظلم وقد غابت النجوم في السحب، والريح تتنهد خلال الأوراق.
سأحل شعري وستغمرني عباءتي الزرقاء بليلها، وسأضم رأسك إلى صدري، وهناك في هذه العزلة اللطيفة أناجي فؤادك، وسأغمض عيني وأنا مصغٍ دون أن أنظر إلى وجهك.
وحينما ينتهي كلامك نبقى سكوتًا في اطمئنان ودَعَة، والأشجار وحدها تهمس بنجواها في حنادس الظلمات.
سيكمد لون الليل وسيولد النهار ونحن ننظر في عيني بعضنا البعض وسنتم طريقَيْنا المختلفين.
تكلمي أيتها الحبيبة وأعيدي لي الكلمات التي تترنمين بها.

٣٦

تمتم قائلًا: ارفعي ناظريك يا حبيبتي.
فزجرته مجيبة: اذهب لشأنك! ولكنه لم يبرح مكانه.
جلس أمامي وأخذ يدي بين يديه، فقلت له: دعني وشأني! ولكنه لم يذهب، قرَّب وجهه من وجهي، فنظرت إليه قائلًا: وا خجلاه! ولكنه لم يبدِ أية حركة.
مسَّت شفتاه خدي فارتعدت وقلت: لقد غلوت في جرأتك! ولكنه لم يخجل.
وضع زهرة في شعري، فقلت له: هيهات هيهات لما تبغي! ولكنه لم يغضب.
أخذ عقد الزهر من عنقي ثم ذهب، بكيت وسألت قلبي: هلا يعود؟!

٦٣

هل أنت مضطر لمواصلة سفرك الآن أيها السائح؟
الليل ساكن وقد أرخى الظلام سدوله على الغاب.
تتلألأ المصابيح فوق شرفتنا والأزهار نضرة ولم تكد تستيقظ عيون الشباب، هل أزف وقت رحيلك؟ هل أنت مضطر لمواصلة سفرك الآن أيها السائح؟
لم نحط قدميك بأذرعنا متوسلين والأبواب مفتوحة، وجوادك مسرج ينتظرك بجانب السياج.
لم تُسَوِّل لنا النفس أن نحجزك إلا بأغانينا، وقد حاولت أنظارنا وحدها أن تؤخر سفرك.
أيها الراحل، إننا عاجزون عن أن نبقيك بجانبنا، إذ ليس لنا غير عبراتنا.
أية نار مقدسة تلمع في عينيك؟ وأية حمى اضطراب تجري في دمك؟ وأي نداء من الظلمات يحرضك؟
ما الذي قرأته في صفحة نجوم السماء من عزائم السحر الهائلة حتى يتسرب الليل خفية إلى فؤادك وهو الرسول الصامت الغريب؟
وإن كنت تحتقر الاجتماعات المتهللة، وترغب أن تخلد إلى الدَّعة والسكون أيها القلب المتعب، فإننا نطفئ مصابيحنا ونسكت كناراتنا.
وسنجلس هادئين ساكتين في الليل تحت حفيف أوراق الأشجار، وسيرمي القمر أشعته الضئيلة على كُوَّتك.
أيها السائح، أي شيطان من شياطين الأرق سلطه عليك قلب الليل حتى مسك؟

(١٢-٣) أقاصيص تاجور

نبغ تاجور في الأقاصيص حتى أصبح يضارع أكبر الكُتَّاب في هذا النوع مثل: «دوديه وجي دو موباسان» إن لم يَفُقهما، ولقد جمع في كتاباته بين رشيق الأسلوب وظريف النكات والفكاهات وبلاغة التعبير وسمو الأفكار وفخامة المغزى الاجتماعي والأدبي.

إنه يهتم كل الاهتمام بما أوتي من بلاغة وشعر وفلسفة بالمرأة الهندية ولا سيما الأيامى؛ إذ هنَّ أتعس وأشقى نساء العالم؛ لأنه لا يجوز لهن أن يتزوجن ثانية، وليس لهن بيت ولا ملك.

وقد خصص إحدى رواياته المسماة «الأصدقاء» للمرأة، إذ عليها يدور محور الرواية، وسيرى القراء في إحدى الأقصوصتين اللتين اخترناهما وعنوانها «جارتي الجميلة» كيف صور الأرملة وكيف رفعها إلى أعلى ذروة، وأسبغ عليها من آيات الجمال والرشاقة بأسلوب ساحر وقدرة نادرة.

جارتي الجميلة

إن الشعور الذي نفحتني به الأرملة الفتية التي كانت متوطنة بجواري ما كان إلا شعور إجلال واحترام، وهذا ما كنت أؤكده لأصحابي وأعيده لهم، حتى إن صديقي الحميم «نابان» كان يجهل حقيقة حالتي النفسية.

كنت أشعر بشيء من الكبرياء؛ لأنني استطعت أن أحفظ أهوائي نقية طاهرة بأن دفنتها في سويداء قلبي.

كانت جارتي أشبه بزهرة «السفالي» بللها قطر الندى ثم سقطت قبل الأوان، كانت متناهية في الطهر والنقاء وضاءة الجمال؛ فلذلك ما كانت تليق للزواج بل كانت حرية بأن تكرس للقاء الخالق.

عاودني هواي العنيف كسيلٍ جارف دوى من شاهق بدلًا من أن يستكن ويخمد، وطفق يبحث له عن مخرج يشقه.

فلذلك بذلت الجهد في التعبير عن تأثري وعواطفي بالقريض، ولكن خانني القلم ورفض أن يدنس حبي.

شاءت المصادفات في الوقت نفسه أن مُنِي صديقي «نابان» بهوس القريض، إذ فاجأه بعنف كزلزال الأرض.

ولما كانت هذه هي النوبة الأولى التي أصابت هذا الشاب المسكين لم يجد عنده استعدادًا لمعالجة النظم والقوافي، ولم يستطع أن يثبت أمام هذه الصدمة، وخضع لهذا السحر خضوع الأرمل لزوجه الثانية، وفكر نابان في الاستعانة بي لإغاثته، وعالج الموضوع القديم الأبدي الذي يظن دائمًا جديدًا وهو إهداء قصائده لحبيبته، فسألته بعدما صفعته بلطف على كتفه: «من تكون إذن أيها البطل؟»

فأجابني مبتسمًا: «إنني لا أعرفها.»

وقد وجب عليَّ أن أعترف بأنني وجدت سلوانًا عظيمًا لمجيئي لعون صديقي، وكنت أشبه بدجاجة أفرخت بيضة بطة، واستنفدتُ كل هواي المتأجج خدمة لنزعات «نابان» الشعرية، ونقحت نظمه الرث وأشعلت معانيه حتى أصبح أغلب كل قصيدة من قصائده من عملي الخاص.

فصاح «نابان» وقد تملكه الدهش: هذا بالضبط ما كنت أريده وما لا أستطيع أن أعبر عنه، وكيف توصلت أيها الشيطان للتعبير عن جميع هذه العواطف اللطيفة؟ فأجبته إجابة شاعر: «يكفي لذلك خيالي، وإنك لا تجهل أن الحقيقة صامتة، وأن الخيال وحده يفجر الفصاحة، والحقيقة هي الصخرة التي تقف سيل العواطف، ولكن الخيال يعرف كيف يشق له في هذه الصفاة دربًا يمر منه.»

تلعثم نابان المسكين من الحيرة وأجاب: «نعم نعم، لقد فهمت»، ثم تمتم بعد أن فكر لحظة: «نعم نعم، لقد صدق ظنك.»

وقد بينت فيما سردته أن حبي كان به عاطفة إجلال واحترام تمنعني عن التعبير عنه بألفاظ، ولما أصبح نابان بمثابة ستر لي لم أجد عائقًا أمامي لنزعات قلمي، وتأجج لهيب صادق من هذه القصائد التي نظمت بتفويض من صديقي.

قال «نابان» في آونة كان فيها مطمئن البال مُرْهَفَ الذهن: «إن هذا القريض مما جادت به قريحتك، فدعني أنشره باسمك.»

– يا للحماقة! إنه يخصك يا صديقي العزيز ولم يتجاوز عملي غير التنقيح.

وبهذه الوسيلة أعتقد شيئًا فشيئًا حتى صدق ما قلته، ولا أنكر أن شعوري كان أقرب إلى شعور الفلكي الذي يقلب طرفيه في السماء، إذ طفقت أوجه ناظري مثله صوب كُوَّة بيت جارتي، ولقد وافقت نظرتي المختلسة جزاءها اللطيف من مشاهدة من كانت تتطلع إليها، وكان أقل شعاع يصدر من هذا الضوء النقي يُهدِّئ ويطهر في لحظة ما كان يكنه تأثري مما يعكر أو يشين.

وفي ذات يوم تملكني الدهش، فهل أستطيع أن أصدق عيني؟ إذ هاجت بعد ظهر يوم حار من أيام الصيف ريح الشمال الغربية وهي عنيفة لا نظام لها وظهرت مهددة، تبعتها سحب مكفهرة تكاثفت في الأفق، فنهضت جارتي الجميلة تحدق في هذا الجو المضيء الغريب المزعج، وتقلب ناظريها في هذا الفضاء المقفر.

وفي هذا التعبير البعيد المنبعث من عينيها اللامعتين السوداوين فقد استنطبت عالمًا عظيمًا من الانتظار اليائس! فيا لبركان ثائر تحت سكون الأشعة المتلألئة من هذا الكوكب! وا أسفاه إن هذا النظر المشبع بأماني غير محدودة، ومن يخيل أنه يحاول أن يطير خلال السحب بعنفوان الطير وخفته، وما كان في الحقيقة ليبحث عن السماء، بل كأنه يبحث له عن ملجأ لبعض القلوب الإنسانية.

ولما قرأت الأهواء المبهمة المتصاعدة من هذه النظرات كظمت عواطفي بكل جهد، وأصبحت لا يقنعني أن أصحح رديء القريض، وطمحت نفسي إلى الظهور بأعمال عظيمة جلية، وصممت في النهاية أن أكرس نفسي لتشجيع الزواج الثاني للأرامل، ولا أكتفي بنشر أفكاري هذه بالكلام والقلم، بل بنفوذ المال أيضًا، وقد ناقشني نابان في هذه الفكرة قائلًا:

«إن العزوبة الدائمة تشمل في نفسها فكرة طهر وسلام لا حد لهما، ورواء ودعة تماثل الأماكن الصامتة التي ينيرها بأشعته المحتضرة ضوء القمر الضئيل في ليلته الحادية عشرة، وهلا يكفي الزواج الثاني لتدمير هذا الجمال الرباني؟ ويجب أن أعترف بأن هذا الشكل من سرعة التأثر كثيرًا ما ضايقني، وفي أيام القحط كان رجل سمين ضخم يتمشدق بمسائل الغذاء بلهجة احتقار وازدراء ناصحًا من يموت جوعًا بأن يتغذى بأريج الزهر وغناء الطير، فماذا تقول في رجل مثل هذا؟» فسبقته بالجواب بعنف: «اصغِ لي يا نابان، فقد تكون البيوت المتهدمة للفنان شيئًا يثير إعجابه، ولكن المنازل لم تشيَّد لأسباب الجمال، ويجب أن تستمر عامرة بأهلها وتدوم فيها يد الإصلاح والعناية دون اهتمام بسرعة تأثر الفنانين.»

ومنذ هنيهة كنت تحبذ الترمل وتجعله شيئًا خياليًّا ومثلًا أعلى، ولكن يلزمك أن تفهم أن تحت هذا الترمل يختبئ إحساس القلب الإنساني الذي يئن ويصعد الزفرات من الألم والرغبة.

كنت واثقًا بأني سأقنع نابان بصعوبة، فأفعمت مناقشتي بالأهواء والعواطف، ثم دهشت حينما لمحت نابان وهو يزفر زفرة ذاهل في أمانيه، وانتهى الأمر به بأن وافقني على آرائي بعد حديثي القصير، ورأيت أن أستغني عن النتيجة المفحمة التي كنت أريد أن ألقيها عليه!

مضى على حوارنا أسبوع، فأقبل نابان ليراني وينبئني بأنني إذا شددت أزره يكون في طليعة الحركة بأن يبني على أرملة.

طرت فرحًا وعانقت نابان بحنو عنيف ووعدته بأن أمده بما يلزمه من النقود الكافية لمشروعه ثم سرد لي وقائعه.

ولقد علمت أن المرأة التي أحبها نابان لم تكن شيئًا خياليًّا، وأنه فُتن أيضًا من زمن بأرملة دون أن يفضي بسره لأي إنسان.

ولقد وقعت المجلات التي نشرت قصائد نابان — وبالأصح قصائدي — في يد الحسناء، ولم يكن الشعر عديم الجدوى.

وقد وضَّح لي نابان خبره بالتفصيل، وقال لي: إنه سوَّلت له نفسه لأبعد شَأْو حتى إنه لم يبحث عما إذا كانت الأرملة تجيد القراءة، وأرسل المجلات لأخي الحبيبة وأخفى اسم المرسل، وكان ذلك منه استرسالًا لأهوائه دون أمل.

وحينما يضع العابد عقود الزهر فوق أقدام ربة فليس من شأنه أن يعرف أنها كانت تعلم أو تجهل قربانه، أو كانت تقبله أو ترفضه.

وقد أفهمني نابان أنه ما كان يتتبع شيئًا محدودًا، وبحث عن أخي الأرملة وتوصل لأن يتعرف به، وكل ذي صلة بالمحبوبة يملك نفعًا خاصًّا للعاشق.

ثم أعقب ذلك خبر مرض الأخ الذي طال وانتهى بالزيارة الأولى، وحينما حضر صاحبنا تناولت المناقشة بالطبع قصائده، ولم ينتج من ذلك اقتصار الجدل على الموضوع الذي خرج منه.

وفي اليوم الجديد الذي اقتنع فيه نابان ببراهيني استجمع كل قواه لخطبة الأرملة، ولقد رفضت في أول الأمر، ولما استعان ببلاغتي وأسعدتها دمعتان من عينيه سلمت الحسناء دون قيد ولا شرط، ولم ينقص الآن إلا مبلغ من المال يستعين به ولي أمرها لقضاء ما يلزم.

فقلت لنابان: «إن ثروتي رهن إشارتك.»

فأجاب نابان: «ولكني مضطر لأن أعترف إليك بأنه ستمر بضعة شهور قبل أن أتوصل لتهدئة أبي والحصول منه على نفقة، وطالما كان أمر النفقة معلقًا فماذا نعمل لنعيش؟»

فحررت له حوالة بما يلزمه من المال، وقلت له: خبرني الآن عن اسمها ولا تعتبرني مزاحمًا، وإني أقسم لك أنني لا أنظم شيئًا عنها، ولو فرضنا وكتبتُ شيئًا من الشعر فتيقن أنني لا أرسله لأخيها بل أوجهه إليك وحدك.

فأجاب نابان: لا تكن غبيًّا، فإني ما أخفيت عنك اسمها خشية من مزاحمتك، والحقيقة أن فكرة الركون إلى طرق غير مألوفة أثارت اضطرابها، والآن وقد تم كل شيء كما تشتهي وتتمنى فقد برح الخفاء، وما هي إلا جارتك المتوطنة في المنزل رقم ١٩.

فثار قلبي كمِرْجَل من نُحاس يوشك أن ينفجر، واكتفيت بأن قلت له: «ألم تبدِ اعتراضًا على زوج ثانٍ؟»

فقال نابان مبتسمًا: ليس هذا وقته الآن.

– إذن فالفضل في هذا الانقلاب الغريب راجع إلى القصائد وحدها.

فأجاب نابان: «هلا كانت قصائدي رديئة لهذا الحد؟»

فأقسمت له كذبًا.

ولكن على من تقع تَبِعة هذا الحنث؟ عليه أم على نفسي أم على الحكمة الإلهية؟ وهذا لا يهمني فقد حلفت رغمًا من هذه الاعتبارات.

على ضفاف الكنج

إن كنت تحب العصور السالفة فاجلس بنا فوق درجة سلم الشاطئ هذه وأعر أذنيك لتلاطم اللجج.

إننا نقترب من شهر أيلول وقد بلغ النهر غاية فيضانه، ولم يبقَ من درجات سلم الشاطئ غير أربع تظهر من سطح الماء.

بلغ البساط السائل حافة الشواطئ في المواضع المنخفضة، وقد نمت هناك خمائل «الكاشو» المتكاثفة محتمية بظلال المنجة، وقد كون التيار العنيف في هذا المكان زاوية وكشف عن ثلاثة أكوام من آجُرٍّ طال عليه العهد في أماكنه، وقد رست سفن الصيد ورُبطت في جذوع «البابلاس»، وطفقت تؤرجحها الأمواج وقت الصباح، وكانت المقصبة التي كست الكثيب تجتذب أشعة الشمس حتى أزهرت قبل أن تدرك.

وكانت السفن تمخَر عُباب النهر المشمس وهي منتفخة القلوع، والكاهن البرهمي يحمل آنيته المقدسة ويتهيأ للاستحمام، وقد أقبلت النساء مثنى وثلاث يطلبن الماء، واعتادت «كزم» أن تظهر في هذه الساعة على درجات السلم لتستحم، ولكني لم أرَها في الصباح، وقد أقبلت «بوبان وسوارنو» تتساءلان عن صديقتهما قائلين: «يظهر أنها أُخذت إلى دار زوجها في موطن يبعد عن هذا النهر ويمتاز بغرابة سكانه وتفاوت منازله واختلاف طرقه.» ثم عفت رسوم كزم من ذاكرتي، مر العام والنساء اللاتي يأتين للاستحمام لا يذكرنها إلا قليلًا، وفي مساء يوم انتفضت من التأثر، إذ عرفت قدمين طالما شاهدتهما، ولكن وا أسفاه قد أصبحتا عاطلتين من الخلخال وفقدتا رنتهما الموسيقية.

ترملت الفتاة، وقيل: إن زوجها دُعي إلى بلد بعيد وإنها لم ترَه إلا مرة أو اثنتين، ثم حمل البريد نعيه ففقدته وهي في ربيعها الثامن عشر، وامَّحت من جبينها علامة الزواج الحمراء، وتجردت ذراعاها من أساورهما ثم ذهبت إلى بيت أهلها على ضفة الكنج، ولم تجد غير قليل من صويحباتها القديمات، وقد تزوجت «نوبان وسوارنو وامالا» ثم سافرت ولم تبقَ غير «سرات» التي تثبت أنها ستتزوج للمرة الثانية في شهر ديسمبر.

وفي وقت هطول الأمطار وازدياد مياه الكنج كان جمال «كزم» يزدهي يومًا فيومًا حتى أشرق، ولكن ثيابها السوداء ووجهها الكئيب وحالتها الهادئة قد ضربت بحجاب على نضرة شبابها وأخفته كما يحجب الضباب نظر الناس.

وقد مر على هذا العهد عشر سنين دون أن يلحظ أحد نمو «كزم»، وفي صبيحة يوم بعد هذه الأعوام الطويلة، وفي نفس هذا المناخ من أواخر شهر أيلول حضر كاهن فتي عظيم رائق اللون من جهة لا تعلم ليلنجي لمعبد «سيفا» أمام داري، وانتشر خبره بسرعة في نفس القرية، فتركت النساء جرارهن وذهبن ليحيين القديس، ازدادت الجماعات يومًا عن يوم، وذاعت شهرة الكاهن بسرعة بين النساء.

وكان الكاهن يقرأ تارة «الهاجبات»، وطورًا يشرح كتاب «جيتا»، أو يعظ في المعبد مستقيًا مواعظه من الكتب المقدسة، وكان البعض يستمد نصائحه والآخر سحره أو طبه.

مرت الشهور وأقبل نيسان وجاء أوان كسوف الشمس، وكثر المستحمون في الكنج، وأُنشئت سوق تحت خمائل «البابلاس»، وشُوهد بين الحجاج القادمين لتحية الكاهن سرب من نساء القرية التي تزوجت فيها «كزم».

كان الكاهن في صباح يوم جالسًا على إحدى درجات سلم الشاطئ وهو يدير سبحته في يده، وكان ضمن الحجاج امرأة تشير إلى صاحباتها قائلة: «إن هذا الكاهن لهو زوج صاحبتنا كزم.» ثم أزاحت التي بجانبها قناعها قليلًا قائلة: «إنه هو بذاته وهو أصغر أولاد أسرة «شياترجو» التي تقطن قريتنا.» وقالت ثالثة وهي تنظم قناعها: «إن جبينه كجبينه، وأنفه كأنفه، وعينيه كعينيه.» وقالت أخرى دون أن تلقي نظرة على الكاهن وقد حركت جرتها في الماء وهي تتنهد: «وا أسفاه! إن هذا الفتى لن يعود أبدًا، ووا حسرتاه على كزم!»

ولاحظت أخرى قائلة: «إنه لم يكن طويل اللحية مثله.» وقالت غيرها: «لم يكن هزيلًا مثله.» وقالت أخرى: «يظهر أنه كان أصغر سنًّا.» واستمرت المناقشة بهذا الشكل ثم انقطعت.

وفي ليلة تم البدر أقبلت «كزم» وجلست على مقربة من الماء فوق الدرجة العليا من سلم الشاطئ، فوقع ظلها عليَّ وكنا وحدنا على حافة موضع الاستحمام، وقد صدح حولنا الجندب وسكتت نواقيس المعبد وخفتت أصوات الأمواج عن ذي قبل مُتهيِّئة للاختفاء في الخمائل التي لا يحققها النظر من الضفة المقابلة كذكرى الصوت، ولمعت أشعة القمر فوق مياه الكنج السوداء، ومالت في اتجاه منبع النهر ظلال خيالية هائلة على السياج والخمائل، كما مالت على باب المعبد وحوض الماء والنخيل، وكانت الخفافيش تتأرجح فوق أغصان «الشتيم» بينا ينتشر على مقربة من المنازل عواء أبناء آوى، ثم لا يلبث أن يستحوذ عليه السكون.

خرج الكاهن من المعبد بخطوات متثاقلة، ونزل بعض درجات من مكان الاستحمام، فلحظ امرأة وحدها وتهيأ للابتعاد حينما رفعت كزم رأسها وأدارته فتزحزح قناعها وأضاء القمر وجهها.

حلقت بومة فوق رأسها ثم صاحت فاقشعرت، ولما اطمأن بالها نظمت قناعها ثم وقفت وقفة احترام وخشوع أمام الكاهن، فبارك عليها، ثم قال لها: مَنْ أنت؟ فأجابته: إن اسمي كزم، وفي هذه الليلة لم يتبادلا كلامًا غير هذا، ثم سارت ببطء إلى منزلها وكان على مقربة من هذا المكان، ولكن الكاهن لبث مكانه فوق السلم دون حراك ساعات طوالًا، وفي النهاية حينما غرب القمر وسقط ظل الكاهن أمامه هب ودخل المعبد.

ومن هذه الآونة رأيت كزم آتية كل يوم وماثلة بين يديه بإجلال وخضوع، وكانت تجلس في ركن لتستمع منه شرح الكتب المقدسة، وكان يدعوها إليه بعد الانتهاء من صلاة الصباح ويحادثها في مسائل الدين، ولكنها ما كانت تستطيع أن تفهم كل ما يقوله، بل كانت تصغي إليه بكل دقة، وكانت تساعد في خدمة المعبد وتسارع في العبادة، وتقتطف الأزهار لتزين بها «بوجا» وتحمل الماء من الكنج لغسل أرض المعبد.

أصبح الشتاء على وشك الرحيل واستمر الهواء باردًا، وفي بعض الأحيان قبيل المساء يهب نسيم الربيع الحار فجأة من الجنوب، وتفارق السماء شكلها الشتوي، وكان يُسمع من جديد صوت المزامير والموسيقى من القرية بعد السكوت الطويل، وسرح الملاحون سفنهم ماخرة الماء، وكانوا يقفون التجديف لينشدوا أغاني «كريشنا»، وقُصارى القول: كان كل شيء يبشر بمظاهر الربيع وإقباله.

وفي هذه الأثناء لم أشاهد «كزم» وقد اختفت من أيام ولم تظهر في المعبد، ولا في مكان الاستحمام، ولا أمام الكاهن.

ولقد جهلت ما مر وقتئذ، وبعد قليل التقى الاثنان فوق سلم الشاطئ.

سألته «كزم» وقد نكست رأسها غاضة طرفها: هل دعوتني يا سيدي؟

– نعم، لِمَ انقطعتِ ولأي سبب أهملت منذ أيام خدمة أربابك؟ فالتزمت الصمت.

خبريني عن فكرتكِ دون أن تكتمي شيئًا. ثم أدارت وجهها قليلًا وأجابت: «إنني خاطئة يا سيدي، وقد أهملت واجب العبادة.» فأجابها الكاهن: «إنني أعلم يا «كزم» أن نفسك فريسة الاضطراب والحيرة.» فأخذتها هزة خفيفة ثم كشفت وجهها وجلست تحت قدمي الكاهن وانهمرت عَبَراتها كالوابل، فتقهقر الكاهن قليلًا ثم قال لها: «أنبئيني عما يجول في فؤادك أرشدك سبيل السلام.» فأجابت بلهجة ذات عقيدة ثابتة وكلمات منقطعة: «إن سمحت تكلمت، ولكني أخشى ألا أجيد التعبير بوضوح، وإنك بلا ريب يا سيدي قد حزرت كل شيء. إنني أحببت إنسانًا حبًّا يقرب من العبادة، وكنت أجله وأحترمه، ولقد فاض قلبي بالسعادة والهناءة حينما انقطعت لإتمام هذه الشعائر.

ولقد رأيت في منامي معبود نفسي جالسًا في بستان قابضًا بشدة بيسراه على يمناي متمتمًا لي في أذني بكلمات ملؤها الحب، ولم أجد غرابة في هذا المنظر، زال الحلم واستمر تأثيره، وفي الغد حينما وقعت عيناي عليه ظهر لي بحالة غير التي كنت أعهدها فيه، واستمرت صورة الرؤيا في مطاردتي واستحوذ عليَّ الرعب، وسَوَّلت لي نفسي الهرب إلى مكان قصي، ولكن الصورة ما فتئت مرتسمة في ذهني، ومن هذا الوقت لم تعرف نفسي السلام، وأصبح كل شيء من نفسي غامضًا مبهمًا.»

وبينما هي تمسح الدموع من عينيها شاهدت الكاهن يدق حجر السلم برجله اليمنى بعنف، وحينما انتهت من حديثها سألها: حدثيني عمن رأيته في حلمك، فأجابت إجابة توسل ويداها مضمومتان: «لا أستطيع.»

فألح عليها قائلًا: «يجب عليك أن تعترفي لي بكل شيء.» ثم لوت يديها وقالت له: «أتريد ذلك؟» فأجاب: «هذا واجب عليك.» فصاحت قائلة: «ما كان إلا أنت سيدي.» وهوت على الحجر تصعد الزفرات، ولما عادت إلى وعيها واستطاعت الجلوس أجابها الكاهن برفق وصوت عذب: «سأبارح هذه المواطن الليلة ولن ترَيْني عَوْضَ، واعلمي أنني كاهن ولا أخص هذا العالم ويجب عليك أنْ تنسيني.» فأجابت بصوت خافت: «سيتم ما تريد يا سيدي.» ثم قال لها الكاهن: «أستودعك الله.» ثم انحنت كزم دون أن تنبِس ببنت شفة، ونفضت غبار قدميه ومسحت به رأسها، ثم غادر القرية هذا الرجل الصالح.

طلع القمر وأعتم الليل فسمعت ارتطام الأمواج، وهاجت الرياح العنيفة في الظلمات كأنها تريد أن تطرد الكواكب من سمائها.

(١٣) الخشاب الشاعر

هذا النابغة الذي سأحدثك عنه كان ثاني النيِّرَيْنِ وأحد الفَرْقَدَيْنِ في عصره، إذ لم يكن لهما ثالث يجاريهما في حلبة القريض، أو يدانيهما في مضمار الأدب، ولقد خان الحظ شاعرنا في عصرنا هذا حتى أصبح نَسْيًا منسيًّا لدى الجمهور، ولو أنه معروف بين الخاصة من الطبقة الراقية في الأدب، ولقد جنت عليه المطابع المصرية؛ إذ لم تنشر ديوانه، وطبعته مطبعة الجوائب بالآستانة مع مجموعة كبيرة أصبحت نادرة جدًّا.

خدم الحظ البهاء زهير فطُبع ديوانه في أوروبا ومصر عدة طبعات، بيع بعضها بقرشين حتى انتشر وحَفظ منه الفقهاء والمنشدون والمغنون كثيرًا، وغنوه في الحفلات حتى شاع وملأ الأصقاع مع أنه لا يُذكر بجانب شاعرنا المترجم به.

وكان ثاني النيرين العالم العلامة والشاعر المجيد الذي ضرب بسهم في مختلف العلوم والفنون الشيخ حسن العطار شيخ الجامع الأزهر، وقد ارتحل عن مصر وقت هجوم الفرنسيين عليها وتجول بين ربوع الشام وأشقودره، ولما آب من رحلته مازج المترجم به وخالطه، ورافقه ووافقه، فكانا كثيرًا ما يبيتان معًا ويقطعان الليل بأحاديث أرق من نسيم السحر، وكثيرًا ما كانا يتنادمان في دار صديقهما الحميم الوفي الشيخ الجبرتي، ويطرحان التكلف ثم يتجاذبان أطراف الكلام فيجولان في كل فن جولة، وكانت تجري بينهما منادمات أرق من زهر الرياض، وأفتك بالعقول من الحَدَق المراض، وهما حينئذ فريدا عصرهما، ووحيدا مصرهما، لم يعززا بثالث في ذلك الوقت.

كان والد المترجم به نجارًا، ولما راجت صناعته فتح مخزنًا لبيع الأخشاب بجانب تكية الكلشني بالقرب من باب زويلة، وأرسل ابنه إلى الكُتَّاب فحفظ القرآن، ثم طمحت نفسه إلى طلب العلم فذهب إلى الأزهر، ولازم حضور السيد علي المقدسي وغيره من أفاضل الوقت، فأنجب في فقه الشافعية والمعقول بقدر الحاجة، وشغف بمطالعة الأدب والتاريخ والتصوف حتى أصبح نادرة عصره في المحاضرات والمحاورات واستحضار المناسبات.

ولدماثة أخلاقه، ولطف سجاياه، وكرم شمائله، وخفة روحه، صحبه كثير من أرباب المظاهر والرؤساء والكُتَّاب والأمراء وكبار التجار.

يقول لنا الجبرتي: إن شاعرنا السيد الشريف أبا الحسن إسماعيل بن سعد بن إسماعيل الوهبي الحسيني الشافعي كانت له قوة استحضار في إبداء المناسبات حسبما تقتضيه حال المجلس، فكان يجانس ويشاكل كل جليس بما يدخل عليه السرور، ويأسر لبه بلطف سمره ومنادمته الجذابة الخلابة.

ولما دخل الفرنسيون مصر عُيِّن المترجم به محررًا لتاريخ حوادث الديوان، وقرر له الجنرال جاك منو في كل شهر سبعة آلاف نصف فضة.

علق المترجم به شابًّا من رؤساء كتاب الفرنسيين وكان جميل الصورة لطيف الطبع عالمًا ببعض العلوم العربية ويحفظ كثيرًا من الشعر، فلتلك المجانسة في الميول مال كل منهما إلى الآخر حتى كان لا يقدر أحدهما على مفارقة صاحبه، فكان المترجم به تارة يذهب إلى داره وطورًا يزوره هو، ويقع بينهما من لطيف المحاورة ما يُتعجب منه، وهو الذي نفح الشاعر بهذه النفحات العظيمة والغزل الفائق.

ولم يزل المترجم به على حالته ورقته ولطافته، مع ما كان عليه من كرم النفس والعفة والنزاهة والولع بمعالي الأمور والتكسب وكثرة الإنفاق، وسكنى الدور الواسعة، وكان له صديق يسمى أحمد العطار بباب الفتوح تُوفي فتزوج شاعرنا امرأته وهي نصف، وأقام معها نحو ثلاثين سنة ولها ولد صغير من زوجها المتوفى، فتبناه ورباه ورفهه بالملابس وأشفق عليه إشفاق والد بولده، ولما ترعرع زوَّجه وأقام له مهرجانًا فخمًا، وبعد سنة من زواجه مرض أشهرًا أنفق فيها كثيرًا من المال عليه، ثم قضى الغلام نَحْبَهُ فجزع عليه جزعًا شديدًا وأقام له مأتمًا عظيمًا، واختارت أمه دفنه بجامع الكردي بالحسينية ورتبت له رواتب وقراء، واتخذت مسكنًا ملاصقًا لقبره أقامت به نحو الثلاثين سنة، وهي مداومة على عمل الشريك والكعك بالعجمية والسكر وطبخ الأطعمة للمقرئين والزائرين كل جمعة على الدوام، وشاعرنا طوع أمرها في كل ما طلبته، وكان كل ما وصل إليه من مال أو كسب ينفقه عليها وعلى أقاربها وخدمها لا لذة له في ذلك حسية ولا معنوية؛ لأنها في ذاتها عجوز شوهاء وهو نحيف ضعيف الحركة جدًّا، ومرض بحصر البول مع الحرقة والتألم وطال عليه حتى لزم الفراش أيامًا، ثم تُوفي في يوم السبت ثاني الحجة سنة ١٢٣٠ بمنزله الذي استأجره بدرب قرمز، وصُلِّي عليه في الأزهر في مشهد حافل، ودُفن عند ابنه المذكور بجامع الكردي.

وقد اهتم الشيخ حسن العطار بجمع ديوان الخشاب في حياته سنة ١٢٢٧ لإعجابه الشديد برقته وبلاغته وسمو خياله؛ أي قبل موته بثلاث سنين، ويؤيد ذلك التاريخ الذي وضعه ناسخ الديوان محمد صالح الفضالي الواقعي المصري، إذ انتهى من نسخه في يوم الأحد ١١ شوال سنة ١٢٢٧، وقد عاش المترجم بعد جمع ديوانه ثلاث سنين، ولا يبعد أنه نظم فيها شيئًا ليس بالقليل، ولأنه لم يترك عقبًا امتدت يد الشتات إلى نظمه الأخير.

لا نعرف بالضبط التاريخ الذي بدأ فيه بمعالجة القريض، وأقدم تاريخ في ديوانه سنة ١٢٠١ يؤرخ به ميلاد ابن أبي الأنوار السادات، ومن ذلك يُعلم أنه مكث يقرض الشعر أكثر من ثلاثين سنة.

طرق الشاعر عدة أنواع من الشعر وهي: الغزل، والخمريات، والمدح، والرثاء، والتهاني، والوصف، والموشحات، والأدوار، وإن ألقينا نظرة عامة في شعره وجدناه صادق الوصف، منسجم السياق، رشيق الأسلوب، يحسن اختيار الألفاظ وموسيقى الأوزان، خفيف الروح فخم التراكيب، مسلسل المعاني متصلها، ولم نرَ في جميع ديوانه شيئًا من الهجو، وهذا مما يدل على سمو أخلاقه.

ولغزله المكانة الأولى ولا سيما ما قاله في صديقه الفرنسي الذي سبق الكلام عنه، فإنه يتأجج بعنيف العواطف والصراحة في القول ورقة التعبير ورشاقة الوصف، ومن أرق قوله فيه:

أَدِرها على زُهر الكواكب والزَّهر
وإشراق ضوء البدر في صفحة النهر
وهاتِ على نغم المثاني فعاطني
على خدك المحمر حمراء كالجمر
وموِّه لُجَيْنَ الكأس من ذهب الطلا
وخضب بناني من سنا الراح بالتِّبْر
وهاك عقودًا من لآلي حبابها
فم الكأس عنها قد تبسم بالبشر

إلى أن قال في آخر القصيدة:

وفوق سنا ذاك الجبين غياهب
من الشعر تبدو دونها طلعة البدر
ولما وقفنا للوداع عشية
وأمسى بروحي حين جد السرى يسري
تباكى لتوديعي فأبدى شقائقًا
مكللة من لؤلؤ الطل بالقطر

وقال فيه أيضًا:

علقته لؤلئِي الثغر باسمه
فيه خلعت عذاري بل حلا نسكي
ملكته الروح طوعًا ثم قلت له
متى ازديارك لي أفديك من ملك
فقال لي وحميا الراح قد عقلت
لسانه وهو يثني الجيد من ضحك
إذا غزا الفجر جيش الليل وانهزمت
منه عساكر ذاك الأسود الحلك
فجاءني وجبين الصبح مشرقة
عليه من شغف آثار معترك
في حلة من أديم الليل رصعها
بمثل أنجمه في قبة الفلك
فخلت بدرًا به حفت نجوم دجى
في حِنْدِسٍ من ظلام الليل محتبك
وافى وولى بعقل غير مختبل
من الشراب وستر غير منهتك

ومن أروع ما قال فيه موشحه الذي عارض فيه موشح الشيخ حسن العطار الذي مطلعه:

أما فؤادي فعنك ما انتقلا
فلم تخيرت في الهوى بدلًا «فاعجب»

وهذا الموشح الذي يسيل رقة ورشاقة مخمس ومرفل، قال رحمه الله:

يهتز كالغصن ماس معتدلا
أطلع بدرًا عليه قد سدلا «غيهب»
ريم يصيد الأُسود بالدَّعَج
يسطو بسيف اللِّحاظ في المُهَج
يزهو لعيني بمظهر بهج
فكيف أبغي بحبه بدلا
وليس لي عنه جَارَ أو عَدَلا «مهرب»
وضاح نور الجبين أبلجه
وردي خد زها توهجه
إليه شوقي يزيد لاعجه
فلست أصغي لعاذل عذلا
وعنه والله لا أتوب ولا «أرغب»
ألمى شهي الرضاب واللمس
يزري غصون الرياض بالميس
يختطف اللب خطف مختلس
نويحل الخصر ينثني أسلا
من رام يومًا إليه أن يصلا «يحجب»
قطع قلبي بحبه إِرْبا
وصد عني فلم أنَل أربا
أواه أواه منه وا حربا!
أصلى فؤادي بخده وقلا
وذبت وجدًا به ولي قتلا «فاعجب»
مجوهر الثغر يلفظ الدررا
يدمي فؤادي وخده نظرا
علم عيني البكاء والسهرا
فأنهل دمعي كالوبل وانهملا
بالدم خدي عندما هطلا «خضب»
مولاي رفقًا بصبك الدنف
قد كدت أقضي عليك من أسف
تلاف روحي فقد دنا تلفي
من ريقك العذب أروني نهلا
وهات كأسي وطف بها ثملا «واشرب»
راحًا سناها يضيء كاللهب
تبسم عن رطب لؤلؤ الحبب
عطر مازح ثغرك الشنب
بين رياض ومسمع غزلا
على المثاني إذا شدا رملا «أطرب»
والورق من حسن صوتها الغرد
تميل قضب الرياض بالميد
وتوج الدوح لؤلؤ البرد
تاجًا من الدر نظمه كملا
فكن من اللهو سالكًا سبلا «وادأب»

ومن درر نظمه خمريته:

أَدِر السُّلاف على صدى الألحان
ودع العذول بجهله يلحاني
واستجلِ بِكْر الراح في ظل الرُّبى
بين الرياض تزف والعيدان
شمس لها من فوق خد مديرها
شفق الصباح إذا بدا الفجران
نور ولكن من سنا لألائها
في الخد نار فؤادها الولهان
نار لها في وجنتيه وكفه
لهب به أعشو إلى النيران
من كف معتدل القوام كأنه
قمر يلوح على غصين البان
نشوان من سكر الشباب يهزه
من خمر فيه وراحه سكران
ومهفهف ماء الحياء بوجهه
يزري بهي شقائق النعمان

إلى أن قال:

ليث العرين له تلفت جُؤْذُر
يفتر عن دُرٍّ على مَرْجَان
متلألئ تحت الشعور جبينه
كحُسامه في غَيْهَب الميدان
عربي لفظ أعجمي المنتمى
هندي لحظ صائل بيمان
غصب النجوم فصاغهن أسنة
وبفيه نظمها عقود جُمان

والقصيدة طويلة والجزء الغزلي فيها يرجع إلى صديقه الفرنسي، ومن ألطف قوله قصيدته التي يمدح بها السادات:

وصلتك واضحة الجبين المسفر
من بعد طول تَمَنُّع وتستُّر
قامت فخالست ازديارك قومها
وتربصت سحرًا هجوع السُّمَّر
وأتت ترنح كالغُصَين أماله
نفس الصَّبَا وتجر فضل المئزر
هيفاء يُخجِل لَحْظُها وقوامها
بيضَ الصفاح وكل لَدْن أسمر
ما أنسَ لا أنسى ليالي وصلها
بين الرياض وحسن نغم المزهر

إلى أن قال:

من سادة ورثوا النبي وجاهدوا
في دينه حق الجهاد الأكبر
من خير بيت من ذؤابة هاشم
من معشر أكرم به من معشر

والقصيدة طويلة.

ومن أروع شعره قصيدة فقد مسودتها وراجعه فيها الشيخ حسن العطار، فذكر له منها أحد عشر بيتًا من وسطها ونسي الشاعر مطلعها وآخرها:

ولَرُبَّ ليل قد أبيت بجنحه
أطوي هضاب فدافد ووهاد
بأغر أجرد ضامر لكنه
جلد العزائم عند كل جلاد
مُتَعَوِّدٌ وَطْءَ الأَسِنة في الوَغَى
متجشمًا في الروع هول طراد
ظن السيوف جداولًا وعوامل
المران أغصان النَّقا المَيَّاد

إلى أن قال:

متقلدًا عوض السيوف عزائمي
متسربلًا بدل الدروع فؤادي
حتى بلغت أخا السماحة والندى
وابن السراة السادة الأجواد

لقد فات الجبرتي أن يخبرنا عن ارتباط شاعرنا بعصر المماليك قبل دخول الفرنسيين، وفترة الأربع السنين التي تولى الحكم فيها ولاة الأتراك، والعصر الذي عاشه في عهد ساكن الجنان محمد علي باشا.

للمترجم به من النثر بعض مراسلات وتقاريظ مسجعة كعادة أهل عصره، رحمه الله رحمة واسعة، وألهم المصريين تخليد ذكره وإعلاء شأنه.

(١٤) الأميرة نازلي فاضل

أصبحت أيها القصر الشامخ قاعًا صفصفًا وقد خيمت عليك الوحشة والكآبة، وكتمت أنفاس نسيم صباك بعدما كان مروحًا فوقك يعبث بأفنان أيك احتضنك وأظلك.

أكمد الحزن عنادل كانت تصدح متهللة فوق الأغصان لا تفارقها؛ إذ كانت تجد أمامها أقواتها في كُوى القصر فتطعم منها وهي آمنة مطمئنة، وربة القصر تنظر إليها وهي مفترة الثغر مستبشرة تماثل الزهرة في جمالها ورشاقتها.

ما أقسى فؤادك أيها المنون! وما أغلظ كبدك! أما راعتك هذه المحاسن الفتانة والمواهب النادرة والذكاء الغريب؟ ألم تأخذك الشفقة والرحمة على مئات من بائسات وأيتام لم يكن لهم عائل غيرها؟

لم يرَ الشرق سيدة تضارعها جمالًا وكمالًا وأنفة وذكاء ورقة وكرمًا، وعلمًا بأحوال الممالك وسياستها وعاداتها، تحسن أغلب اللغات الإفرنجية.

ابنة ذاك الأمير الجليل مصطفى باشا فاضل، وهو أول من سعى وراء الدستور قبل مدحت باشا بعدة سنين، وكان من وزراء السلطان عبد المجيد، وقد نُفي في باريس بسبب بحثه وراء الحرية، وقد أنبتها نباتًا حسنًا، وكلَّف المعلمين الأكْفَاء بتربيتها وتهذيبها منذ صغرها، فدرست العربية والتركية والفارسية والفرنسية والإنجليزية والطليانية والألمانية والبيانو والأشغال اليدوية.

figure
الأميرة نازلي فاضل.

تزوجت من صغرها من خليل باشا شريف أخي علي باشا شريف، وقد خدم زوجها الدولة العلية فكان وزيرًا للنافعة وسفيرًا لها في لندرة وفينا وباريس وبرلين، وكانت تعيش معه في هذه العواصم، وهي موضع الإعجاب والإجلال عند الغربيين لجمالها وتربيتها وآدابها السامية وفصاحة لسانها.

ولقد دهش البرنس بسمارك من مواهبها النادرة، ومما يُؤثَر عن المركيز سالسبوري أنه حينما أرسل إلى الآستانة السير دروموند ولف أوصاه بأن لا يعمل شيئًا بخصوص مصر قبل استشارة الأميرة نازلي فاضل.

كان السلطان عبد الحميد يجلها ويحترمها ويعطيها من الحرية في القول والحكم أمامه في محادثته ما لو نطق به أعظم عظيم لكان جزاؤه النفي.

وكان يمنحها كل شهر مائة وخمسين جنيهًا لما لها من المكانة عنده، ولسابق خدمات أبيها وزوجها للدولة العلية.

كانت تميل كل الميل إلى محاثة كبار العقول وعظماء الأمة ومنافستهم في الأحوال الاجتماعية والسياسية، كما أنه ما من كاتب من كبار كُتَّاب الغربيين والسياسيين ومشاهيرهم وأمرائهم يعرج على مصر إلا ويقابلها ويستمد رأيها.

يرى الداخل في بهوها الذي رتب على أجمل شكل وأحسن نسق أن جدرانه تكاد تستره صور عظماء الدولة ومشاهير الرجال وكثير من الأسرة الخديوية، وشائق الصور الزيتية اليدوية والأثاث الثمين، وقد وُضع على أجمل ذوق، والنباتات الجميلة وقد زادته بهاء ورونقًا، وكان لها غرام عظيم بالأزهار، وكانت مدام إيجيرت ترسل لها كل يوم جميل الأزهار وأندرها فترتبه في الآنية البديعة الصنع، حتى بلغ من فرط شغفها بها أنها حينما تستيقظ في الصباح تهرول إليها وتغير ماء آنيتها، وترمي ما ذبل من الأزهار، ولا تدع واحدة من أتباعها تمد يدها إليها، وكانت تحب الموسيقى وتُعد من أمهر الموقعات على البيانو.

زارها المسيو دوجير فيل الكاتب الشهير في أوائل سنة ١٩٠٥ ليستمد بسديد آرائها، ويستطلع فكرها لتكون نموذجًا في كتابه عن المرأة المصرية، وكان في حضرتها المرحوم الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، وابن أخيها الأمير حيدر باشا فاضل وهو أعظم شاعر في اللغة الفرنسية بمصر، وقد نشر كثيرًا من شعره في «الجورنال دوكير» وألقى بعضًا من قصائده في نادي المدارس العليا.

بُهِتَ الكاتب حينما رأى هذا النظام البديع وتلك الصور والأثاث الفاخر والذوق السليم الذي نسقها، والأَرِيج المنعش الذي يَتَضَوَّعُ من الأزهار المبثوثة فوق المناضد والكُوَى، زاد دهشه حينما سمع منها قولًا فصيحًا وإلقاء يسحر السامع وذكاء متناهيًا وآدابًا سامية.

دار بينهما الحديث على كثير من الأمور وعظماء الرجال والتربية والأحوال الحاضرة، وجاء في الحديث ذكر اليابان فتكلمت عنها الأميرة وأسهبت في وصفها ورجالها حتى قال عنها الكاتب الشهير: إنها تعرفها أحسن مني. وقد قالت في عرض كلامها: لو كان عندنا رجل مثل أوياما الذي أجله كل الإجلال لما وصلنا إلى هذا الحد. وانتقل الحديث إلى الموسيقى وغيرها والتعليم، فقالت الأميرة: كل الناس من كبير وحقير يتهافت على التعليم، ولو أصبح الكل ذوي ألقاب وشهادات فأين يجد الناس لهم خدمًا وأتباعًا، فخير للفتى أن يتبع صناعة أبيه ويرثها منه، ولولا ضيق المكان لسردنا المحادثة بنصها وفصها.

تُوفي زوجها من أعوام طوال وعاشت بعده أكثر من عشرين سنة دون أن تتزوج، ثم ساقتها المقادير إلى الاقتران بالسيد خليل بوحاجب من موظفي الحكومة التونسية، وابن الشيخ سالم بوحاجب مفتي ديارها وشيخ جامع الزيتونة وهو مدرسة إسلامية.

لم تُرزق بعقب لا من زوجها الأول ولا الثاني إلى أن تُوفيت وهي في العقد السادس، ولم تقهر السنون لها جمالًا، وقد كانت مثالًا للبر ومواساة البائسين، وكانت تنفق كل شهر مائتي جنيه لنحو مائة أسرة أخنى عليها الدهر، والبعض منهم كان ينتمي لأبيها أو والدتها، وقُصارى القول أنها كانت فخر نساء الشرق وموضع إعجاب الغرب.

اللهم ارحم أم المحسنين وأسكنها أرفع مكان من فراديس الجنان مع المتقين الأبرار والصالحين الأخيار.

(١٥) إنشراح هانم شوقي

لم تكد تَرْقَأ عَبَراتنا وتسكن زفراتنا على باحثة البادية حتى داهمنا مصاب أليم بموت كاتبة من فُضْلَيات المفكرات اللاتي كرسن حياتهن لترقية عالمنا النسائي، والأخذ بناصر أمهات رَزَحْنَ طويلًا تحت كَلْكَل الجهل، وتخبطن في غياهب الخزعبلات والتُّرَّهات؛ فقضين بالتعس والشقاء على أنفسهن وأولادهن وبعولتهن.

اختطفت المنية يوم الإثنين ٢٨ أكتوبر سنة ١٩١٨ السيدة إِنشراح هانم شوقي وهي في رَيْعان شبابها، إذ لم تتجاوز السابعة والعشرين بعدما عانت آلام المرض شهورًا طوالًا، وقاست نكد الزمان وعناده أعوامًا.

أنبتها والدها المرحوم مصطفى بك شوقي — وكان مستشارًا في محكمة الاستئناف — نباتًا حسنًا، وهذَّب نفسها تهذيبًا راقيًا، فأتمت دراستها في مدرسة «الراعي الصالح» الفرنسية.

تُوفي والدها وهي صغيرة، ولما بلغت العشرين زوَّجها إخوتها رجلًا جاهلًا غير كُفُؤ لها، فلم تُطِق أن تعاشره أكثر من بضعة شهور، رزقت منه في أثنائها غلامًا يبلغ الآن السادسة، تلوح عليه مخائل ذكاء أمه.

فاجأتها المنية ولم تنَل من دهرها أملًا من آمالها التي كانت تجيش في نفسها الكبيرة.

انقطعت للعلم بعد التخلص من بعلها، فكانت تقضي نصف النهار في دار الكتب السلطانية، والنصف الآخر في بيتها للكتابة والتأليف.

لم تكن كأَتْرابها من الكاتبات مقتصرة على البحث السطحي في النسائيات، بل كانت ملمة بجانب عظيم من الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والتاريخ والتاريخ الطبيعي والآداب الغربية، وكانت كاتبة قديرة مجيدة في اللغة الفرنسية، وقد صنفت خمسة مؤلفات باللغة الفرنسية وهي: (١) رقص الأموات — مطبوع. (٢) روح الإنسان هو مقدار من كهرباء ومغناطيس الطبيعة المكتشفة. (٣) وحدة الدين واللغة والمنشأ. (٤) تولد المركبات من الاختلاط أو النمو التدريجي للطبيعة. (٥) مدة وجود روح الإنسان وتأثير استدعاء الأرواح والتنويم المغناطيسي.

ومن محاسن الفقيدة أنها لم تُرَ في حياتها متبرجة أو متعطرة أو لابسة زيًّا يخالف الآداب، بل كانت كالزاهدة، وكانت تقول لمن يعترض عليها من صديقاتها ما معناه:

أحمل رأسًا قد سئمت حمله
وقد مللت دهنه وغسله
ألا فتى يحمل عني ثقله

حاولت المبكية أن تنشئ مجلة تنشر فيها مبادئها وأفكارها، ولم تترك وسيلة حتى عملتها ولكن لم يُسمح لها.

إن من يلقي نظرة على كتابها رقص الأموات يراه منطويًا على أدب جم وعواطف من نار وخيالات سامية وشعور نبيل يئن ويشفق لآلام الإنسانية.

وإنا نسرد للقراء جزءًا من نتيجة الكتاب ليكونوا على بينة مما وضحناه:

أيها النيل المحبوب! يا من هو سميري في آلامي وسلواني في وحدتي، إنني أجد صدى روحي حينما أنصت إلى صوتك، تنفحني أحيانًا نغمات لَجَجِكَ الشجية بالسعادة والأمل، ويُخيل إليَّ وقت اضطراب أمواجك الهائجة المزبدة وتَكَسُّرها على الشواطئ أنها تبكي ماضيًا لن يعود إلى الأبد، أو أنها تحتج على مظالم الناس واستبدادهم.

ليت شعري! أتنسب هذه المظالم إلى الإنسان أم إلى الحروب؟

أيها المستقبل الغامض الذي لا يُسْبَرُ له غَوْرٌ!

إلى أي حظ تقودنا؟ ترى تلك أيام حداد دائم، أو إنك لتنتقم من هذه الأعوام القاسية تريد أن تحقق صورته التي تموج في فكرنا؟

نستودعك ربًّا عادلًا يجزي همتك بالرحمة والرضوان، وينيلك أضعاف ما أملت في الدنيا من فسيح الجنان، وإن أمتك لن تنسى شبابًا ذهب ضحية الإخلاص، ولم يُكافأ في دنياه بلحظة من الهناءة تنسيه آلامه أو تنيله بعض آماله.

(١٦) نابغة شرقي مجهول

زرت ذات ليلة صديقًا من الزملاء فتبادلنا الحديث ثم تنقلنا في السمر، فقال لي في عرض حديثه: إنك لسعيد الحظ بهذه الزيارة؛ إذ سيفد علينا بعد قليل أستاذي في البيانو وهو نابغة شرقي مجهول، ثابر على العمل بما أوتيه من حول وطول دون أن يطنطن أو يعلن عن نفسه بأساليب حب الشهرة الكاذبة المعروفة، وستبتهج حينما تنجلي لك حقيقته، ويُشنف سمعك بآيات سحره ونفحات خياله الفتانة.

وبعد قليل طرق الباب فهرع رب البيت لملاقاة الطارق، فوقفت وعنقي مشرئب نحو الباب، فشاهدت رجلًا طويل القامة نحيلًا أسمر اللون قد وَخَطَهُ الشيب يتوقد الفن من عينيه، وديع هادئ متواضع، لا تمر الأنانية على لسانه.

أكبرت الرجل وأفعم فؤادي هيبة ووقارًا، وطفقت أتفرس فيه لأقرأ ما ارتسم على وجهه من مخائل النَّجَابة ودلائل النبوغ، وتهلل قلبي فرحًا وابتهاجًا؛ إذ تحققت بعض أماني وعثرت على حين غفلة على شيء مما كنت أنشده فلا أجده.

وبعد التعارف وتبادل التحيات تجاذبنا أطراف الحديث، ثم تفضل علينا ووقع لنا بعض قطع من تأليفه مثل: النشيد الوطني العثماني، وسنفصل للقراء خبره عند موضعه، وقطعة أخرى اسمها «خمسة عشر تنويعًا على لحن مصري»، وهذه القطعة عبارة عن المذهب في أغنية «حَوِّد من هنا تعال عندنا» وقد نسج عليه خمسة عشر تنويعًا مع ما يستدعيه من الحليات «والأرموني» بشكل فني تعجب به الأذنان الشرقية والغربية، وذوق سليم ورشاقة ساحرة، فغرقت في هذه الآونة في لُجَّة من الملذات غمرت نفسي وجثماني وجعلتني كالذاهل من عجائب حلم من الأحلام اللذيذة التي لم تتحقق.

ثم رجونا منه أن يتكرم بتوقيع شيء من الموسيقى الغربية فوقع «الفالز كروماتيك» لجو دار الموسيقي الفرنسي، وهو من القطع السريعة العويصة، وأعقبه «بسونات» البدر ليلة تمه لبيتهوفن، فأطربنا وأشجانا بفنه ورشاقة توقيعه.

شاب صفائي وبشري شيء من الكدر والخجل من نفسي، إذ صدر بحثي «الموسيقى الشرقية ماضيها وحاضرها ونموها في المستقبل» والذي طبعته جماعة أصدقاء الموسيقى بالإسكندرية خلوًا من هذا النابغة، فقلت لنفسي: لقد علمتَ شيئًا وغابت عنك أشياء، وماذا يقول القراء الذين يعرفون هذا النابغة، ولي بعض العذر إذا جهلته؛ لأن قومنا لم يرغبوا أن يقدروه حق قدره ويساعدوه على إتمام مشروعاته النافعة، وينتفعوا بعلمه ويستعينوا به على ترقية موسيقانا الشرقية.

طمحت نفسي لصداقة هذا النابغة فدعوته لتشريفي بمنزلي حتى أجرؤ على زيارته وأطمع في استماع مؤلفاته ومشاهدة اختراعاته التي سمعت عنها أخيرًا، ثم ضرب لي موعدًا لزيارته بمنزله، وفي هذه الأثناء زفت إلينا الجرائد خبر إنعام الحكومة الفرنسية على نابغتنا هذا بوسام التعليم العام من درجة «أوفسييه» اعترافًا بفضله في الموسيقى، وقد سبق أن أنعمت عليه من بضع سنين بوسام الأكاديمية الفرنسية من درجة أوفسييه.

تهللت لهذا النبأ وعظم الرجل في عيني، وطفقت أعد الموعد بالساعات لأتملى بمشاهدته واستماع شائق مؤلفاته وبدائع نفحاته، وأبتهج بالإصغاء لتاريخ حياته الفنية.

ذهبت مع صديقي في الليلة التي حددها لنا فقابلنا بالبِشر والإيناس، وبعد تبادل التحية وتناول الشاي رجوت منه أن يُشَنِّفَ أسماعنا بشيء من مؤلفاته، فذهب إلى غرفة مجاورة ثم أقبل يحمل كراسات ضخمة هاجت تطلعي فحملقت إليها حينما وضعها بين يدي، وتفرست في عنوانها فإذا هي «كنعان جوبانلري» أي رعاة كنعان، ثم قرأت تحت العنوان أوبه ره — أوج برده؛ أي أوبرا ذات ثلاثة فصول، فزاد دهشي وابتهاجي وإجلالي لذاته، وتصورت أنني في حضرة فاجنر أو بيتهوفن، ثم تشجعت والتمست منه أن يسمعنا فاتحتها الموسيقية وقطعة من موسيقاها السانفونية وأخرى من أغانيها وأناشيدها ورقصها، فوقعها وكلنا آذان صاغية، فما أُحَيلى ما سمعناه! وما أحسن ما حوت من بدائع الفن ورشاقة الأسلوب ورقيق العواطف وحماسي الأناشيد.

ولقد أثار في نفسي أماني أخرى وهي أن أرى هذه الأوبرا تمثل أمامي وأسمع ألحانها من أوركستر كبير تام.

ثم قدَّم لي نسخة من متن الأوبرا، فإذا به مما جادت به قريحة الكاتبة التركية العظيمة «خالدة أديب» وزيرة المعارف التركية السابقة، فغبطته على عطف وحفاوة كاتبة الشرق الكبرى ومؤلفة «قميص من نار»، والموضوع يشمل قصة سيدنا يوسف عليه السلام مع إخوته وعزيز مصر وامرأته.

رجوت من نابغتنا أن يحدثني عن تاريخ حياته الفنية وتأليفه ومشروعاته، فقام وأحضر لي عدة شهادات من جميع أساتذة الكونسرفاتوار، وفي طليعتهم المسيو لافنياك مدير الكونسرفاتوار بباريس، وكان من أعظم المعجبين به، وقد أهداه صورته الفوتوغرافية ثم انبرى يحدثنا عما طلبناه.

ولد في عام ١٨٧٦ وسافر إلى باريس لأول مرة في سنة ١٨٩٢، ثم انتظم في سلك طلبة الكونسرفاتوار سنة ١٨٩٣ فتلقى علم الأرموني على المسيو لافنياك كبير أساتذة الكونسرفاتوار، وفن الأركستر على المسيو فيدال، وفن التأليف والتلحين على المسيو لوتوفو، والغناء على المسيو جيروديه والمسيو أوجيز، والبيانو على المسيو رونان، وتاريخ الموسيقى على المسيو بورجوا دوكودريه، والأرغن على المسيو جيمار.

ولقد مكث في المعهد الموسيقي لغاية سنة ١٩٠٢ حتى انتخبته كنيسة سانت إيسبري موقعًا للأرغن، واستمر في هذه الوظيفة حتى عام ١٩١٠، إذ قدَّم استقالته وسافر إلى الآستانة ليقدم نشيده الوطني العثماني إلى مجلس المبعوثان، فصادق عليه بأغلبية الأصوات، وأعطوا له صورة من محضر الجلسة بتوقيع الأعضاء، وأرسل إليه جلالة السلطان محمد رشاد خطاب تهنئة، واستدعاه رئيس مجلس المبعوثان أحمد رضا بك وهنأه باسم جميع أعضاء المجلس، وفي هذه السنة نفسها أقامت البحرية التركية احتفالًا فخمًا لمساعدة الأسطول العثماني حضره أكثر من ستة آلاف من طلبة المدارس والقوى البرية والبحرية في الآستانة، فأنشدت كل هذه الجموع النشيد الوطني الذي لحنه نابغتنا، وكانت أصواتهم المصحوبة بالموسيقات البرية والبحرية تشق الجو كالرعد القاصف، وقد قُدِّر المشاهدون بنحو ثلاثين ألفًا، ونُشر هذا النشيد في سنة ١٩١٠ بملحق الأنسيكلوبيدي لاروس الشهري عند الكلام على كلمة «تركيا».

ذهب الأستاذ إلى سوريا سنة ١٩١١ وأسس بها دار الموسيقى، وقد خصص لها محل «بلييل» الشهير بباريس جائزة سنوية؛ وهي بيانو من صنعه تمنح إلى أنجب التلاميذ الذي يحرز قَصَبَ السَّبْق في مضمار الامتحان.

وفي عام ١٩١٧ طلبت أستاذنا حكومة الآستانة لإنشاء مدرسة موسيقية في وزارة البحرية.

وفي سنة ١٩١٩ ذهب الأستاذ إلى باريس ليبحث مع مدير مصنع «بلييل» في مسألة تركيب السلم الموسيقي وإنشاء آلة للأصوات الشرقية، وكان من رأي المسيو جوستاف لييون مدير المصنع أن تربط ثلاثة بيانات بمعزف (توش) واحد بواسطة الأسلاك الكهربائية لدرس الأصوات الزائدة.

وفي عام ١٩٢٠ رجع إلى سوريا وطفق يفكر في اختراع آلة تعطي الأصوات الشرقية حتى أوجدها، وجعل يدخل فيها من التحسينات كل ما يخطر بباله.

وفي سنة ١٩٢٢ ذهب إلى باريس وأخذ معه هذه الآلة، فعمل مثلها آلة أخرى تُدار بالكهرباء بواسطة أنابيب هوائية ومنافيخ من الكاوتشوك، ولكن أصواتها لم تحرز من النقاء والضبط ما أحرزته الآلة التي صنعها في سوريا.

ثم أنشأ يفكر في صنع بيانو مناسب للأصوات الشرقية يشمل المقامات الكاملة والأنصاف والأرباع، فتوصل باجتهاده إلى تنفيذ فكرته بشكل أفضل من الأنواع التي ظهرت أخيرًا بمصر؛ إذ جعل فوق التوش السوداء توشًا جوزي اللون بارزًا قليلًا عن الأسود للأرباع مطارقها الوترية موضوعة في صف واحد فوق المطارق المعتادة بمسافة، ولكن ظهرت عقبة صغيرة وهي ضبط الأصوات، وستذلل قريبًا؛ لأن العمال الإفرنج لم تتعود آذانهم بعد على الأصوات الشرقية وأرباعها.

في نفس هذا العام أرسل له الجنرال جورو خطاب تهنئة لإيجاد البيانو الشرقي، وبعث إليه المجلس النيابي خطابًا مماثلًا.

طرق نابغتنا عدة أنواع من التآليف الموسيقية ونجح فيها وبهر، وأهم مؤلفاته الآتية: النشيد الوطني العثماني، ٣٠ لحنًا وتنويعًا شرقيًّا، ١٢ ترتيلًا دينيًّا من الصولو طبعت بباريس، نشيد موسى، ترتيل، فالزللكونسير، جافوت من مقام الري مينور، رعاة كنعان أوبيرا تركية ذات ثلاثة فصول كتبت موضوعها الكاتبة التركية الكبيرة خالدة أديب هانم.

لنعد إلى وصف الآلة التي اخترعها أستاذنا، وهي عبارة عن صندوق بشكل المكتب الأمريكاني بجانبها الأيمن محرك يدار بالرجل فيدير عجلة بها سير يدير ترسًا صغيرًا من الخشب له مضارب متحركة بشكل أبي رياح، وهذه المضارب مغطاة باللبد، وعلى سطح الآلة وتر من السلك واحد، وبجانبي الوتر أكتافان من التوش مثل البيانو، وحينما يوقع عليها تعفق الوتر بمقصات من الحديد وتخرج أصواتًا نقية مضبوطة، والأرباع لها توش ثالث فوق السود وناتئة عنها، ولقد أنفق الأستاذ أكثر من خمسة آلاف من الجنيهات على هذه الآلة وأختها والأخرى التي تدور بالكهرباء.

ليس نابغتنا من الأغنياء، ولكن شغفه بالفن وتفانيه في خدمة الموسيقى الشرقية جعلاه يضحي كل ما أوتي من مال ونشب دون تردد.

ولا شك في أن القارئ فرغ منه الصبر وزاد به الشوق لمعرفة اسم هذا النابغة، ولكني أردت أن أستدرج بعض القراء الذين لا يقرءُون إلا العناوين أو بضعة سطور من رأس الموضوع، ولا يقدرون الأبحاث قدرها، فليفخر الشرق بنابغته الأستاذ وديع صبرا، وليوله الزعامة من النهوض بموسيقاه، ولتُطأطأ له الرءوس إجلالًا، وليقل القراء معي للمتشدقين والجامدين المحافظين على القديم: أَطْرِقْ كَرَى إن النعامة في القُرَى.

١  تجلة: ضخم البطن.
٢  صقلة: دقة ونحول.
٣  صحل: حدة الصوت مع بحح.
٤  أزج: دقيق أطراف الحاجبين.
٥  محفود: الذي يخدمه أصحابه ويعظمونه ويسرعون في طاعته.
٦  محشود: أي إن أصحابه يخدمونه ويجتمعون إليه.
٧  مفند: لا فائدة من كلامه لكبر أصابه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤