الروايات التمثيلية

(١) برليوز «رواية تمثيلية جديدة ذات أربعة فصول وتسعة عشر منظرًا للكاتب الشهير شارل ميريه»

مُثِّلت لأول مرة بمسرح بورت سان مرتان في ٢٢ يناير سنة ١٩٢٧.

بزغ «الرومانتيسم» في أفق فرنسا في أوائل القرن التاسع عشر على يد ثلاثة من كبار الزعماء، فتملك فكتور هوجو دولة الشعر، وهكتور برليوز دولة الموسيقى، وأوجين دولاكروا دولة التصوير، وقد جعل التاريخ برليوز مساويًا تقريبًا لفكتور هوجو في الشهرة، وما زال ليومنا هذا صاحب التاج والصولجان للموسيقى الفرنسية، ولقد عبر عنه بعض النقاد بأنه «الرومانتيسم» المجسم، وصوَّره آخر بأنه «روسو» المستيئس الذي يقوده إلهام عنيف صوب المدركات الموسيقية، وكان عنده الخيال أقوى من روح النقد، وحماسة الخيال الشعري أجود من السيادة الفنية.

ترى في برليوز أن الفن والرجل ليسا إلا وحدة لا تتجزأ، لا تختلف ولا تتنافر، إذ كانت حياته النفسية في اشتعال وتوهج وخياله معذبًا وحساسيته مرهفة، وكانت له مزية خاصة، إذ يشعر ويتألم في الموسيقى، له ذوق يميل دائمًا للعظمة، وفؤاد عميق قلق مضطرب يعرف منتهى الحنان وأقصى الشقاء، ولقد ذاقت نفسه الأمرين بصبر جميل وشمم عظيم.

ومن مميزات برليوز أنه أنشأ فن توزيع الموسيقى على الآلات ونظم له قواعد وأصولًا، وقد وضع فيه كتابًا عظيمًا سماه: «كتاب الفن العصري لتوزيع الموسيقى على الآلات».

وقد ذاعت شهرة برليوز في النقد وكان من أقدر كتاب عصره، وما فتئت مؤلفاته في النقد والتحليل تشهد له بالفضل الخالد، وكان يحرر في عدة جرائد منها: «جازيت موزيكال» و«جورنال دي ديبا» وغيرهما، وكان ظريف الأسلوب خفيف الروح، وتقع مؤلفاته في عشرة مجلدات تقريبًا منها رسائله ومذكراته و«خلال الغناء» و«الموسيقى والموسيقيون» و«ليالي الأوركستر» و«سخفاء الموسيقى» وغيرها.

كان لبرليوز كثير من الأصدقاء وأغلبهم من نوابغ عصره، مثل: فكتورهوجو، والكونت ألفريد دوفيني، وليزت، وشوبان، وباجانيني، وإيميل، وأنتوني ديشان، ولوجوفيه، وبريزو، وأوجين سو وغيرهم، وكان له أعداء يمقتونه مثل: كيروبيني، وكان مديرًا لكونسرفاتوار باريس، وكان يتصنع له صداقة ملؤها اللؤم والخسة، وفيتيس الذي كان وقتئذ مدرسًا بالكونسرفاتوار ثم عيِّن في سنة ١٨٣٢ مديرًا للكونسرفاتوار ببروكسيل ورئيسًا لكنيسة ملك بلجيكا لم يكن أقل عداء له من كيروبيني.

لا ينكر أحد أن فتيس كان عالمًا نِحْريرًا في الموسيقى، ولكنه لم يفلح في التلحين رغمًا من كثرة مؤلفاته من أوبيرات وقطع متنوعة، وقد قُضي على جميع مؤلفاته في وقتها، ولو أن هذا الرجل كان بلجيكيًّا لكنه تلقى دروسه الموسيقية في كونسرفاتوار باريس وحاول أن ينال جائزة روما الأولى فلم يفلح، إذ دخل في المسابقة سنة ١٨٠٦ فأخذ الجائزة الثانية من الدرجة الثانية، وفي سنة ١٩٠٧ أعاد الكرة فلم يفلح أيضًا وأخذ نفس الجائزة؛ أي الثانية من الدرجة الثانية.

أما برليوز فإنه أخذ سنة ١٨٢٨ الجائزة الثانية من الدرجة الأولى، ولكنه دخل في مسابقة سنة ١٨٣٠ فنال جائزة روما الأولى التي تُعطي الحق لحاملها في أخذ مرتب مدى أربعة أعوام، كما أنه يُعطى مصاريف السفر إلى روما ذهابًا وإيابًا، أكل الحسد صدر فيتيس، إذ رأى برليوز سائرًا في سبيل الرقي والشهرة بخطوات واسعات، فأخذ يحمل عليه حملات عنيفة ملؤها الحقد والجبن حتى إنه انتقد السانفوني «فانتاستيك» في جريدة الطان بعنوان يدل على سخافته وهو: «ليس برليوز بموسيقي».

ولكن هذا الهراء قُوبل بالسخرية من أغلب القراء بعدما سحرتهم القطعة بنغماتها الشجية وتعبيرها البليغ.

ومن المدهش أنه حضر الحفلة الأولى التي وقعت فيها السانفوني فافتتن وطفق يصفق بكل قوته حتى أنساه الشجو حسدًا وضغنًا طالما نهشاه في فؤاده.

والذي يثبت لنا ذلك خطاب برليوز لوالده، وقد أرسله إليه في ٦ ديسمبر سنة ١٨٣٠؛ أي في اليوم التالي للحفلة التي وقعت فيها السانفوني، إذ قال في عرض خطابه:

إن بيكسيس وسبونتيني ومييربير وفيتيس كانوا يصفقون بكل عنف كالهائجين، وصاح سبونتيني عندما سمع «الذهاب إلى العذاب» وهي من ضمن السانفوني المذكورة: «لا يستطيع أن يعمل أحد مثل هذه القطعة إلا إذا كان في منتهى القدرة، فإن هذا شيء خارق للعادة.» ثم عانقني بيكسيس بعد الانتهاء هو وخمسون غيره، ولقد أكرهني ليزت الشهير على تناول الغداء معه ولم يترك تعبيرًا للثناء والإطراء إلا غمرني به.

نذكر على سبيل التفكهة حكمًا من أحكام فيتيس يدل على منتهى السخافة والغباوة، إذ قال في كتابه «تراجم الموسيقيين» عن جان سباستيان باخ إنه أعظم الموسيقيين الألمان على الإطلاق، ثم قال في موضع آخر حينما تكلم عن مميزاته: «له أرموني جريئة لكنها ليست دائمًا صحيحة.» فكيف به يرفعه إلى أعلى عليين ثم يخفضه إلى أسفل سافلين، وكيف يكون أعظم موسيقيي الألمان ويلحن في الأرموني!

الحديث ذو شجون ولو استرسلنا في سخافات فيتيس لخرجنا عن الموضوع، ولكن سكوتنا أمام هذه المسألة الدقيقة يترك القارئ في شيء من الشك والريب، فإتمامًا للفائدة نقول كلمة مختصرة تصور لنا حقيقة باخ وتحلل لنا نفسيته.

مضى على باخ أكثر من قرنين تطورت فيهما الموسيقى والأذواق والنقد، فبذلك تغيرت أكثر الأحكام القديمة وظهر خطؤها جليًّا.

لا يختلف اثنان في أن باخ يعد أعظم علماء الموسيقى في ألمانيا بل في جميع أقطار العالم، وكان في عصره يقدرون الموسيقيين بدرجة تعمقهم في العلم وأصوله وقواعده، ولكن أصبحت هذه المزية لا قيمة لها الآن في عصرنا الحاضر.

يتطلب عصرنا الحاضر أن يكون الموسيقي شاعرًا مبدعًا بمعنى الكلمة، يعبر عن عواطفه ومشاعره بأصوات، ويصف ويصور ما حوله من جمال الطبيعة تصويرًا صادقًا، ويكفيه من القواعد ما يعصمه من الخطأ في التلحين.

عاش باخ طول حياته موظفًا عند بعض أمراء الألمان، وكان همه أن يكون قدوة حسنة للموظفين، وأن يحافظ على وظيفته بالمواظبة وإرضاء رؤسائه، وكان يلحن قطعًا من موسيقى الغرف أو القطع الدينية، ولم تحدثه نفسه أن يكتب شيئًا للجمهور أو يسافر وينتقل كغيره من الموسيقيين لتسعده الأسفار بشيء من النفحات الشعرية، ولم يتجشم حتى الذهاب إلى غابات ألمانيا البديعة القريبة منه ليرى فيها آيات الجمال من أشجار باسقة وخمائل ملتفة وطيور مغردة وأيائل راتعة.

لم يحب قط طول حياته ولم ينكب بفادحة، وكان ضخمًا قوي البنية رزق عشرين ولدًا وبنتًا؛ منهم عشرة من زوجه الأولى وعشرة من الثانية، ولم يعرف شيئًا من الآلام ومتاعب النفس ولم يعضه الفقر بنابه، ينام ملء جفنيه على جنب واحد، وقد أجمع الثقات من النقاد العصريين على أن باخ لم يكن مفكرًا في موسيقاه قبل كل شيء كمن خلف من بعده من كبار الموسيقيين مثل: بيتهوفن وفاجنر وبرليوز، لم يعبر في موسيقاه عن مسراته وهمومه وآلامه في حياته الخاصة، ولذلك كان الرجل لا يمتاز عن غيره إذا أخرجنا منه الفن حتى شبهه أحد النقاد الظرفاء بكاهن القرية.

لنرجع إلى شاتنا كما يقول الفرنسيون، ونعود إلى برليوز ونذكر شيئًا من مؤلفاته وعدتها ٢٨ «أوبوس» مؤلف من فاتحات وسانفوني وقطع دينية وأناشيد وأوبيرات وغيرها، ونكتفي بذكر صفوة مؤلفاته الخالدة مثل: «روميو وجولييت» وهي سانفوني دراماتيك كبيرة وبها «كور» و«سولو» للغناء و«برولوج» بشكل «كور»، وقد أثنى عليها «فاجنر» ثناءً عظيمًا وانتقد منها بعض مواضع، قال: إنها ليست في مستوى القطعة، وقال عنها كاميل سان صانس الشهير: «إنها أرقى ما كتبه برليوز، ولم يترك تعبيرًا في الإطراء إلا ذكره.»

وهي في الحقيقة معجزة فنية تلتهب بالعواطف والنفحات الشعرية وأبلغ التعبيرات الصادقة الصادرة من أعماق النفس، وهذه الموهبة لم يبلغ أعظم شأو فيها غير بيتهوفن وبرليوز، وإن فاجنر نفسه لم يلحق غبار برليوز من هذه الوجهة، ولا ننكر أن فاجنر صاحب مذهب عظيم، وأنه رقى بالتمثيل الغنائي ونهض بفن الأوركستراسيون، وعمل انقلابًا عظيمًا في الموسيقى.

كلنا نعرف باجاتيني وهو عطارد الكمنجة وملحن قدير لم يأتِ قبله ولا بعده من استطاع تقليده، ومن قال عنه ليزت: «من المستحيل أن يخلف باجاتيني أحد، إذ كل من حاول ذلك، ولو أوتي جميع الوسائل المؤهلة فإنه يفتضح أمره ويظهر بمظهر المقلد الكاذب.» وكان باجاتيني هذا حاضر في إحدى حفلات برليوز الموسيقية وبعد الانتهاء ركع أمام برليوز وقال له: «إنك أعظم من بيتهوفن.» ثم أهداه بمبلغ ٢٥٠٠٠ فرنك.

«وطفولة المسيح» وهي من أعظم مؤلفاته الدينية، «وخلود فوست في العذاب» وقد مُثِّلت كثيرًا بالأوبرا المصرية، و«أهل طروادة»، ولم تمثل بمصر مع أنها من المعجزات، و«السانفوني فانتاستيك» وهي من أروع ما أخرجته الموسيقى الفرنسية، وهو الذي هذب نشيد المرسلييز والنشيد المجري ووضع لهما الأوركستراسيون الحاضر.

وقد عُيِّن مديرًا لمكتبة الكونسرفاتوار، وانتخب عضوًا في المجمع العلمي الموسيقي، ومنح وسام اللجيون دونور من درجة أوفيسيه، ونال عدة أوسمة من الممالك الكبيرة، وكان ميلاده في سنة ١٨٠٣ ووفاته سنة ١٨٦٩، ولنكتفِ بهذه الكلمة والرواية فيها الكفاية لتاريخ حياة برليوز.

(١-١) الرواية

لا مراء في أن شارل ميريه مؤلف «اللهب» و«الدوار» و«الأميرجان» و«الإغواء» و«سرير العرس» يعد من أقدر كُتَّاب المسارح الفرنسيين، وهو يعرف جيدًا كيف تركب الرواية التمثيلية، ويعرف كيف ينفذ إلى قلوب الجمهور ويهيمن عليهم، وقد وهب نفحات نادرة في فن المسرح ومناظره اللائقة به.

ابتدأ روايته في عام ١٨٢٧، وكان برليوز في ذاك الوقت طالبًا في الكونسرفاتوار وعمره أربع وعشرون سنة، واختتمها في سنة ١٨٦٩ بموت برليوز، فتكون المدة التي تدور فيها الرواية اثنين وأربعين سنة، وإنها لقدرة نادرة أن يسرد لك في بضع ساعات حياة نصف قرن تقريبًا تشعبت فيه الحوادث وتطورت فيه الأحوال وتغير فيه الزمان، وأظهر لك كل طور في جوه الطبيعي دون أن تشعر بتفكك في أجزاء الرواية أو تناقض تشمئز منه، ولقد وضح لنا حياة برليوز وكفاحه مع البؤس ونضاله مع معاصريه الذين ما فتئوا يتحدونه في كل فرصة حسدًا وبغيًا، وهرولته الدائمة حول خيال الحب، ومن المناظر التي تلفت النظر وتستهوي النفوس؛ منظر القصر الملكي «اللوفر» سنة ١٨٣٠، والكونسرفاتوار سنة ١٨٣٥، وقهوة كاردينال، وقد أظهرت تلك المناظر نوابغ الكتاب والروائيين والموسيقيين مثل: بلزاك، وإسكندر دوماس، وتييوفيل جوتييه، وألفونس كار، وجانان، وفاجنر، وليزت، وأدولف أدان.

ومن ظرفه وسلامة ذوقه أن ربط العصر الماضي بالحاضر، إذ نشاهد برليوز وهو على سرير الموت محاطًا بسان صانس وربير، وقد مات الأول منذ بضع سنين والثاني سنة ١٩٠٩ وكان عضوًا في المجمع العلمي الموسيقي مع سان صانس.

ومما زاد في طلاوة الرواية أن أوركستر بادولو الشهير وقع بين فصول الرواية نخبة عظيمة من مؤلفات برليوز حتى تحمس الجمهور من السرور والإعجاب، وكانت الحفلة غاية في البهجة والرواء.

الفصل الأول

نشاهد حينما يُرفع الستار في الفصل الأول غرفة برليوز سنة ١٨٢٧ بالمنزل رقم ٩٦ بشارع ريشليو، وكانت حقيرة بها بعض أثاث قديم وسرير وبيانو ومائدة مكدسة بأوراق الموسيقى وبجانبها مصباح، وفي ركن آخر «كومود» وعليه قيثارة، ويشاهد أمام المدفأ كانون وبعض آنية للطبخ، وكل ما في الغرفة غير مرتب ولا منظم كعادة أغلب الطلاب، وكان الوقت بعد الظهيرة، وقبل فتح الستار تعزف الموسيقى جزءًا من القطعة الكنائسية المسماة «سان روك».

وكان يقطن مع برليوز في غرفة ثانية في نفس المسكن الطالب شاربونيل وكان يدرس الصيدلة، وهو صديق برليوز ومن البلد التي وُلِد فيها، وقد حضر دورتيج المحرر في جريدة «لاكوتيديين» وصديق برليوز لزيارته فلم يجده فانتظر قليلًا، فحضر شاربونيل قبل برليوز وجلس يحادث ضيف صديقه وأخبره في سياق الحديث أن الدكتور برليوز أراد أن يكون ابنه طبيبًا، وأرسله إلى مدرسة الطب ولكنه لم يستطع أن يستمر في مادة لا يميل إليها، وعكف على دراسة الموسيقى، ودخل الكونسرفاتوار، ولما تقدم لجائزة روما لأول مرة رفضت اللجنة أن تمنحها له؛ لأنهم كانوا يعبدون القديم ويكرهون كل حديث، فلذلك حرمه أبوه من المرتب الذي كان يعيش به، فاضطر أن يعطي دروسًا موسيقية بفرنك واحد للدرس ليستطيع أن يعيش، وما كان هذا البؤس ليثني عزيمته أو يفل من شجاعته فاستمر بصبره المعهود ونضاله حتى تغلب على جميع الصعاب، فقال له دورتيج:

إنني أريد أن أكتب عنه مقالة في «الكوتيديين» وقد أخبرني رفيقه في الكونسرفاتوار المسيو مونفور بأنه يكتب أوبيرا اسمها «القضاة الأحرار»، فدهش من قوله وقال له: إن برليوز قد اعتراه في هذه الأيام قلق واضطراب كبر كان يريد أن ينفجر، وقد حصل له هذا الانقلاب ليلة أن شاهد الممثلة الأرلندية التي تمثل مع الجوق الإنكليزي بمسرح الأودييون.

دورتيج : هي هاريت سمتسون ويقال: إنها خليلته.
شاربونيل : خليلته؟ … إنها لا تعرفه ولم تخاطبه قط، وغاية الأمر أنه رآها ومن تلك اللحظة وهو في شيء من الذهول والارتباك، وطفق يجوب المدينة كالمجنون ثم سكن هذه الدار؛ لأنها مواجهة للمنزل الذي تسكنه هذه الممثلة ونافذته مطلة على نافذتها، وقد تمر عليه ساعات وهو مترقب في النافذة ويرسل إليها رسائل خالية من المعنى، وإني أخشى أن يصيبه مس.
دورتيج : أواه!
شاربونيل : إنه لا يشتغل أبدًا! … وقد تحدثت عن القضاة الأحرار؟ … وا أسفاه! … أتعرف كيف يقضي وقته في غيبتي؟ … إنه يقطع وقته في الغناء، وقد سمعته عدة مرات قبل الدخول إلى الغرفة يغني قطعًا من أغاني الفودفيل السخيفة! فجاء برليوز المعجب بجلوك وفيبر! ثم فتش في أوراقه وأخرج منها عدة قطع أراها لدورتيج.
دورتيج : ولكنها قطع من الأناشيد «كور».
شاربونيل : صه فقد أقبل.

(دخل برليوز وجلس على كرسي مسندًا رأسه إلى يده دون أن يشاهد شاربونيل ودورتيج، ثم لمح أمامه موسيقى القطع السابقة وطفق يغني ويعمل إشارات التمثيل، ثم اكفهر وجهه وقال: إن هذا سيجعلك غبيًّا سخيفًا! … وفي هذا الوقت كان شاربونيل ودورتيج صامتين منصتين لغنائه وإشاراته، ولما انتهى أقبلا على أطراف أصابع أرجلهما وقدم دورتيج قائلًا: إنه محرر في «الكوتديين» فصافحه برليوز.)

برليوز : هل سمعت غنائي؟ أمَا قلت في نفسك إنه معتوه؟

(ثم وقف برليوز على كرسي وأطل من النافذة ليرى الطريق … وفي هذه الأثناء قال):

شاربونيل : منذ ما شاهد هملت أصبح …
برليوز (وهو على الكرسي) : أتحسبني أيها الفتى مجنونًا؟ مَنْ هو المجنون؟ هو رجل تختلف طريقة نظره وإحساسه عن سائر الناس، (ثم نزل عن الكرسي وأمسك بيدي دورتيج قائلًا): لست مجنونًا وإنما أنا أتعس بائس! فتأثر دورتيج ثم قال: حاشا يا مسيو برليوز.
برليوز : لقد نسي شاربونيل أن يقدمني إليك ولكنه يجهل ذلك، إنني هكتور برليوز منشد «كوريست» في مسرح النوفوتيه (فدهش الرجلان عند سماعه)، ولكن ما العمل ويلزمني أن أعيش وقد عملت مسابقة في النوفوتيه لكوريست وكان يزاحمني نساج وحداد، وكان المسرح محتاجًا لمنشد له صوت «باس» وصوتي باريتون، ولكني فزت عليهما ولي خمسون فرنكًا في الشهر، (ثم أخذ يقهقه وغنى قطعة من الفودفيل، وكان شاربونيل ودورتيج يبتسمان في أول الأمر ثم أغرقا في الضحك، فلما رآهما برليوز على تلك الحال كف فجأة عن الغناء ثم قال): هل رأيتما هارييت سمتسون في هملت؟ هل رأيتماها وفي «أوفيلي»؟ لقد صعقني شكسبير حينما سقط علي فجأة هو وهارييت! وفي ذاك المساء عرفت العظمة الحقيقية والجمال الحق والحقيقة الروائية، وفي نفس هذا المساء عرفت الحب! إنها لم ترني ولم أخاطبها ولكني أحبها! اذكر هذا يا مسيو دورتيج وانشره وقل إنها ستكون لي زوجًا!
شاربونيل : أنت أحمق.
برليوز : ستكون عقيلتي وأنا موقن بذلك وأشعر به!

(ثم دخل عليهم مونفور وحيَّا دورتيج ثم دار الحديث بينهم على غرام برليوز، وبعد لحظة غنى برليوز وهو بجانب النافذة قطعته المسماة «مرثية» واصطحبه على البيانو مونفور ثم سكت فجأة، إذ لمح من النافذة هارييت سمتسون.)

برليوز : هي هي! … وهذه العربة التي وقفت لأجلها (ثم هرول إلى عباءته ولبسها وبحث عن قبعته فلم يجدها).
شاربونيل : هل نويت الخروج؟
برليوز : نعم.
شاربونيل : والغداء؟
برليوز : لا أشعر بجوع.
مونفور وشاربونيل : هكتور!

(وأرادا أن يسدا الطريق أمامه.)

برليوز (وقد كاد يطرحهما أرضًا) : مكانكما!
دورتيج : يا مسيو برليوز! …
برليوز : معذرة … إنني … هي …
أستودعكما الله (ثم خرج حاسر الرأس كالمعتوه، ووقف الرجال الثلاثة هنيهة يشيعونه بنظرهم وهم باهتون).
شاربونيل لدورتيج : وهذا كما ترى! …

(تقابل في يوم آخر دورتيج وبرليوز ومونفور في قهوة كاردينال ودار بينهما الحديث.)

مونفور : روسيني.
برليوز (وقد قاطعه) : فيجاروبوني! … أحبته! … يتهكم على أوبيرا حلاق إشبيلية.
مونفور : يزعم روسيني أن موسيقى فيبر تحدث له مغصًا.
برليوز (يضرب المائدة بقبضة يده) : آه! إني أريد أن أقعده على خازوق من حديد مصهور! إن الروسينيين لبغضهم لجلوك وسبونتيني قد تمادوا في طغيانهم حتى قالوا: إن الموسيقى لا قصد منها غير تشنيف الآذان وهي عاجزة عن التعبير عن العواطف والآلام! … (فظهرت على مونفور ودورتيج بوادر الغيظ والاشمئزاز) يا لهم من مجرمين، (يتكلم بصوت خافت بلهجة الآمر) يجب أن ينسف المسرح الإيطالي بمن فيه من الروسينيين في إحدى ليالي التمثيل!
مونفور لدورتيج : وماذا حصل للمقالة التي تريد نشرها في «الكوتيديين»؟
دورتيج : إن ميشو يخشى عاقبة نشرها.
مونفور لبرليوز : إن هذه المقالة تصيرهم لك أعداء.
برليوز : ليس لي إلا أعداء! … وجميع أعضاء المجمع العلمي الموسيقي مثل: كيروييني وباير وبوالديو وكاتل أغبياء، إذ علنوا أن «الكانتات» التي كتبتها أخيرًا لا يمكن توقيعها، وقد قال لي يومًا بروتون: يا صديقي لا يوجد شيء جديد في الموسيقى.
مونفور : إنه مصاب بالنقرس.
دزرتيج : ومن عُبَّاد الأوهام العتيقة.
برليوز : أتعرف ماذا أجاب كروتزر حينما أوصاه على لوسويور: «ليس عندنا وقت لفحص التلحين الجديد! وماذا يصير مآلنا إذا ساعدنا هؤلاء الشبان؟!»
(ثم قام برليوز قائلًا): كم الساعة؟
دورتيج : الساعة الثانية.
برليوز : سأذهب إلى مسرح الأوبيرا كوميك لآمرن الموسيقيين على تحضير فاتحتي الموسيقية «فافرلي»، وستكون الحفلة في اليوم الخامس من ديسمبر لمساعدة هوييه وستشترك في هذه الحفلة هارييت سمتسون وتمثل فصلين من روميو وجولييت لآخر مرة بباريس.
دورتيج : هلا نلت منها موعدًا أو استقبلتك؟
برليوز : كلا! إني أكتب إليها دون أن ترد عليَّ، وقد حظرت على خادمها أن تستلم شيئًا من خطاباتي، وعلى كل حال سأراها في الحفلة، ثم انصرف الجميع ووعد دورتيج أن يحضر الحفلة.

ننتقل بالقارئ إلى مسرح الأوبرا كوميك لنشاهد تحضير الحفلة التي سبق الكلام عليها فنرى الممثلين الإنكليز مع هارييت سمتسون يتمرنون على تحضير الحفلة، ونرى برليوز مع مونفور ودورتيج على مقربة منهم، وعندما تموت جولييت ويرفعها روميو بين ذراعيه يصيح برليوز: ماتت! هل هي التي ماتت! وكان يريد أن يرتمي عليها فمنعه مونفور ودورتيج، ثم حصل هرج بين الممثلين وأومأ «أبوت» الذي كان يمثل دور روميو إلى برليوز وقال: إنه مجنون … ثم قال مونفور لبرليوز: ماذا دهاك؟ قال له دورتيج: ألم تشهد تمثيل روميو وجولييت؟ فأجابه برليوز: حينما رأيتها بثيابها العادية ظننت أنه أُغمي عليها وماتت.

وبعد لحظة ذهب نحو هارييت وقال لها: مدموازيل هارييت سمتسون! إنني … فتقهقرت مذعورة وقالت له: هل توجه إليَّ الخطاب من هذا الشاب؟

برليوز : أنا هكتور برليوز! وقد كتبت إليك مرارًا! وإنك تعرفينني.
هارييت (وهي متقهقرة) : لا لا! إنني لا أريد أن أعرفك ودعني بسلام!
برليوز : أنبئيني أين تقابلينني وتسمعين حديثي.
هارييت : كلا كلا! اغرب أيها القبيح!
برليوز : حذار أيتها الآنسة.
هارييت : أغيثوني! أغيثوني!

ثم أقبل منظم المسرح وأبوت الممثل وأبعدا برليوز بعنف، وقال الأخير مشيرًا إلى برليوز: اطردوه.

ثم أخذ يتهكم منه صاحباه بعد هذا الخذلان، وبعد قليل اتجه صوب الموسيقيين وابتدءوا يوقعون فاتحته «فافرلي»، فأبدى لهم بعض ملاحظات.

ثم أقبل إليه المستر ترفر وقال له: إنني متعهد تمثيل مس هارييت سمتسون، وهي تقول: إنها ستسافر مع والدتها إلى أمستردام، وترجو منك أن تتركها بسلام إذا كنت حقيقة تحبها، فاضطرب من هذا الخبر وشحب لونه؛ فأقبل إليه صاحباه وقال له مونفور: لست في حالتك العادية، ويجب عليك بعد انتهاء مسابقة المجمع العلمي أن تسافر وتذهب إلى بلدك لتغيير الهواء والاستراحة.

ملاحظة: لقد صور الكاتب المقابلة الأولى لبرليوز بهذا الشكل السمج المرذول حتى جعله أضحوكة بين الجميع، مع أن الحقيقة التاريخية تخالف ذلك، ولو كان المؤلف قرأ رسائل برليوز لعثر على خطاب يصور لنا المقابلة الأولى بكل احتشام وأدب وظرف، وكان موقفهما مما يضرب به الأمثال في التأثير والعطف، وهذه الرسالة كانت موجهة إلى المسيو ا. دوبو في ٥ يناير سنة ١٨٣٣، قال في عرض خطابه:

حضرت هارييت سمتسون إلى حفلتي جاهلة أنني سأقود الموسيقى، وقد سمعت الفاتحة التي هي موضوعها وسببها الأصلي فبكت، وقد شاهدت بعينيها نجاحي الباهر، ونفذ هذا إلى فؤادها مباشرة ودلتني على ذلك حماستها بعد الحفلة، وقد قدموني إليها فأصغت إليَّ ودمعها ينحدر من مآقيها، وقد سردت عليها مثل عطيل جميع التقلبات التي انتابتني من يوم ما شغفت، فسألتني الصفح عنها لما سببته لي من آلام ومتاعب كانت تجهلها حق الجهل، وأخيرًا في ١٨ ديسمبر سنة ١٨٣٠ في حضرة أختها سمعت منها هاته الكلمات: «إنني أحبك يا برليوز.»

ومن هذا الوقت انحصرت جهودي في إطفاء بركان رأسي؛ لأني خيل إليَّ أني فقدت صوابي، إنها تحبني ولها قلب كقلب جولييت أو هي أوفيلي، وإذ لم أستطع مشاهدتها كنت أكتب لها كل يوم ثلاث رسائل، وكانت تكتب إليَّ بالإنجليزية وأرد عليها بالفرنسية، وهذا ما يدل على وجود العدل في السماء مع أني كنت لا أعتقد بوجوده، وإني مدين في ذلك لفني وفكري، وأما سانفونيتي العزيزة فإني أريد أن أضعها فوق مذبح ثم أحرق لها العطور.

وهذه السانفوني هي «حوادث حياة فني» وهي تشمل «الفانتاستيك» وملحقها «العودة إلى الحياة» مع تنقيح وإضافات من «كور» و«سولي»؛ أي أناشيد وقطع يغنيها فرد أو يوقعها فرد على آلة واحدة.

بعد أن تمت المسابقة الأولى وأخذ الجائزة الثانية من الدرجة الأولى ذهب إلى ميلان «فرنسا» في سبتمبر سنة ١٨٢٨ وهي بلد عائلته، وقد قابل هناك أخته ومدموازيل إيستيل صديقة طفولته، وقد أخبرته أخته «نانسي» أن أباه سر جدًّا حينما انتشر خبر نيله الجائزة الثانية، وقد عزم على الاستمرار على إعطائه مرتبه، ثم أقبلت إيستيل وجلست هنيهة مع برليوز وصارا يتجاذبان ذكريات الطفولة الحلوة وأخبرته في آخر الأمر أنها خُطبت منذ عامين، فكان لهذا الخبر وقع أليم في نفسه.

ننتقل بالقارئ إلى قصر اللوفر في سنة ١٨٣٠ والتاسع والعشرين من يوليه وكانت الساعة الخامسة بعد الظهر في إبَّان الثورة، إذ هجم الثوار على قصر اللوفر بعدما أصلوه نارًا حامية، وكانت باريس تموج بالجموع المحتشدة من فلاحين وجنود وعمال وطلبة والجميع ينشدون الأناشيد الحماسية والثورية، وقد اصطدم وقت الزحام بالمصادفة دورتيج مع برليوز فسأله عما فعل في المسابقة لجائزة روما، فقال له: لقد نجحت وأتممت «الكانتات» «حريق سردينال»، وحينما كنت في المجمع العالي أثناء المسابقة رأيت الحرب منتشبة في اللوفر، وقد نجوت بنفسي بأعجوبة، فهناه دورتيج وأخبره بأن اللوفر قد وقع في أيدي الثوار.

وبينما هما سائران إذ سمع برليوز جمعًا يغني نشيد «مور» من تأليف برليوز، فأسكت المنشدين وقال لهم: ليست السرعة بهذا الشكل، فسكتوا ونظر رئيس المحتشدين إلى برليوز شزرًا وقال له: وماذا يعنيك؟

برليوز : إنني أقول إن هذه السرعة ليست بسرعة القطعة.
الرئيس : هل أنت موسيقي؟
دورتيج (وهو يضحك) : من؟ هو؟ إنه … فأسكته برليوز.
الحرس الوطني (موجهًا خطابه إلى المنشدين ومشيرًا إلى برليوز) : اتبعوا ما يقوله لكم هذا الشاب.
برليوز (يغني أولًا القطعة ثم يضرب الوزن) : أنشدوا معي أيها الرفاق!

ثم قال أحد الجنود وهو يحمل العلم الفرنسي: أنشدوا المرسييز.

الجميع : هيا أنشدوا المرسييز.
الجندي (مشيرًا إلى برليوز) : هيا أيها الصغير واصعد على الكرسي واضرب الوزن.
برليوز (يصعد على الكرسي) : المرسييز، (ثم يقول لدورتيج) سترى التهذيب الذي سأدخله على المرسييز (ثم قال للجمهور) أنشدوا معي أيها الوطنيون، ولينشد كل من له صوت وقلب ودم يجري في شرايينه (ثم يغني).
هلموا أبناء الوطن!

الفصل الثاني

ننتقل إلى نزل «كونجريه» حيث تقيم هارييت في غرفة مؤثثة بأثاث ليس بالفاخر في أغسطس سنة ١٨٣٣، وكانت مستلقاة على كرسي طويل «شيزلونج» وقد أُصيبت رجلها بكسر، وكانت معها أمها وأختها تتمشيان في الغرفة وتتحادثان معها بلهجة الآمر الحانق وتتوعدان برليوز لو حضر إليها، فكانت الأم تقول: إنها ما دامت على قيد الحياة فلا يستطيع برليوز أن يضع قدميه في غرفتهن، وقالت الأخت: لو كنت مفتولة الذراعين لقذفت به من النافذة، فأجابتهما: إن منعتماه يأتي ولا يهاب شيئًا، فلما احتدم الجدال دار الحوار بينهما.

والدتها : هل تحبينه؟
هارييت : إنكما تضايقاني أكثر منه!
والدتها : هل سبك أحد طول حياتك؟
أختها : ولقد اتهمك في هذه السانفوني الممقوتة في الحفلة التي شاهدتيها وكنت وقتئذ مضغة في الأفواه ووصفك بهذه الأوصاف … أوفيلي، البنت الخليعة! … المرأة الساقطة! … وكانت الجموع يرمقونك بأنظارهم وهم ضاحكون! حتى كدت تختنقين من الخجل في ذاك اليوم.
أمها : وبعد الحفلة بثمانية أيام تريدين مقابلته وأنت أنت التي كنت تحتقرينه منذ ست سنين، وقُصارى القول: ماذا يريد منك؟
هارييت : يريد أن يتزوج مني.
أمها : ولكني أرفض زواجه.
أختها : وكذلك أهله يرفضون!
أمها : إنه فقير ولا يملك غير مائتي فرنك في الشهر وهي مرتبه عن جائزة روما.
هارييت : وإني مدينة بأربعة عشر ألف فرنك!
أختها : أتعرفين مع كم من النساء لعب نفس هذا الدور؟
هارييت : هذا لا يهمني.
وبينما هنَّ في جدالهن العنيف، إذ حملت إليهن الخادم رسالة، وقبل أن تقعد هارييت أخذت أمها الخطاب وقالت: هذا خطه، وفتحته فقالت لها هارييت: إنني أمنعك عن الاطلاع عليه، فلم تلتفت إليها وطفقت تقرأ هذه السطور:

إذا كنت لا تريدين موتي ولو بدافع الرحمة؛ لأني لا أستطيع أن أقول بدافع الحب … أنبئيني متى أراكِ، إنني أسألك الصفح وأنا راكع باكٍ، وإني أنتظر جوابك كما أنتظر الحكم من القاضي.

فضحكت أمها بتهكم وقالت للخادم: مَنْ أحضر هذا الخطاب؟ فقالت: شاب أشقر، فقالت أختها: هو هو! ثم قالت الأم للخادم: قولي له: إن مس سمتسون لا تستطيع أن تقابلك، فاحتجت هارييت على والدتها وصرفت أمها الخادم بإشارة، ثم سمع صوت برليوز صائحًا هائجًا: «هل هي هنا؟ سأراها، اذهبي إلى الشيطان!» ثم فتح الباب ودخل برليوز وهو هائج، وقال لأمها وأختها: «إنكما لا تستطيعان أن تمنعاني من مشاهدتها، اغربا من أمامي وإلا أقتلكما.» وهجم عليهما ففرتا مذعورتين ودخل على هارييت وارتمى على قدميها.

برليوز : هارييت، يا من هي هواي وآلامي في الحياة.
هارييت : إن أهواءك لتقودك كالمجنون.
برليوز : نعم جننت من الفرح! اقرئي رسالة أبي فإنه وافق على زواجنا يا هارييت، يا عقيلتي (وحينما جلس احتكَّ برجل هارييت دون قصد).
هارييت : آه يا هكتور، قد آلمت رجلي.
برليوز : ماذا؟! أما طرتِ فرحًا من هذا النبأ؟
هارييت : إنك ترعبني مثل المرة الأولى التي رأيتك فيها في حفلة مساعدة هوييه من ست سنين.
برليوز : أرعبك؟ إذا استطعت أن تفهمي درجة حبي لارتميت بين ذراعي.
هارييت : ولكن لِمَ تصيح وتعلن ذلك في كل مكان؟ ولقد أصبحنا أضحوكة الشارع، وأصبحنا مضغة الأفواه، إذ لا يتحدث الناس في جرائدهم ومقاهيهم ومسارحهم إلا بحبك الجهنمي!
برليوز : بل هو المجد!
هارييت : إنك تقسم أنك ستموت وقد آثرت بذلك سخرية أصدقائك، وقد شاهدت أوجين سو ولوجوفيه وجول جانان يضحكون منك، فسكِّن ما بك وفكر قليلًا.
برليوز : فيم أفكر؟
هارييت : في حالتي السيئة! إنني مثقلة الديون ومريضة.
برليوز : إن هجرتك السماء والأرض فإني سأستمر على حبي وأكون خاضعًا للهوى مثل روميو أمام جولييت.
هارييت (تمد إليه يدها وهي متأثرة) : هكتور!
برليوز : متى نتزوج؟
هارييت : أمهلني حتى أفكر.
برليوز : خبريني عن الميعاد (ثم قعد ثانية فلمس رجلها).
هارييت : آه! رجلي!
برليوز (ينهض غاضبًا) : وأنا فؤادي يؤلمني، وإن هذا الألم العنيف لم ينهش فؤاد أحد بهذه الدرجة، وأنت التي لا تحبينني.
هارييت : لا يا هكتور ولكنني مترددة.
برليوز (وهو هائج) : إنك مترددة، ولكني لا أتردد، لقد انتهى الألم، وانتهت الحياة (ثم أخرج من جيبه زجاجة وشرب ما فيها فانقضت عليه هارييت وانتزعتها من يده).
هارييت (وقد كادت تجن) : ماذا فعلت؟ أي هكتور! (ثم نظرت إلى الورقة الملصقة بالزجاجة) أفيون! آه يا رباه! إنك تريد الانتحار! هكتور (ثم وقع على الأرض مغشيًّا عليه) أفق! إنني أحبك، يا لك من مجنون إنني أحبك! يجب أن تعيش لمؤلفاتك الخالدة ومجدك العظيم.
برليوز (يحرك رأسه) : بل لأجلك يا هارييت.
هارييت : وا أسفاه! إنك تشتريني بثمن غالٍ، وآلام قاسية، لقد فاتني الوقت، وإني متعبة جدًّا.
برليوز : هارييت.
هارييت : سأعمل كل ما تريده.
برليوز (يعانقها) : أنتِ لي وحدي.

•••

ننتقل بالقارئ إلى ضاحية مونمارتر في سبتمبر سنة ١٨٣٤ وهناك نرى بيت برليوز الصغير وبه حديقة جميلة، ونشاهد برليوز مع زوجته هارييت يتنعمان بالحب ويتناجيان في أسرار هواهما، وقد رُزقا غلامًا اسمه لويس، وقد لبى ليزت ودورتيج دعوة الغداء وأخذوا يتسامرون وقت الطعام بأطيب السمر، ولما شاهد صديقاه اشتغال باله بطفله في كل آونة، قال ليزت لدورتيج سرًّا: أصبح النسر أسيرًا في حظيرة الدجاج.

•••

وفي ٢٤ نوفمبر سنة ١٨٣٩ أقام برليوز حفلة كبيرة في الكونسرفاتوار لتوقيع سانفوني «روميو وجولييت» وقد غص البهو بالأمراء وعظماء الرجال.

دورتيج : هذا نصر مبين! فقد حضر الأمير دومال والأمير مونبانسييه (وكان يتكلم بصوت منخفض فأقبل ألفونس كار وهو محاط بجمع من الناس).
ألفونس كار : أتريدون معرفة رأيي في موسيقى برليوز؟ إن موسيقى برليوز الخالية من الأغاني ليست بالموسيقى التي أحبها، وموسيقاه هي نتيجة تقدير غير صحيح، فإنه يريد أن يصور بالموسيقى كما يصور الكلام! وليس في ذلك نجاح، إنما هو تأخر وتقهقر أحد الموسيقيين، إن الفضل في شهرة برليوز راجع للأصدقاء، وكما أن برليوز ملحن ونقاد فلذلك نرى جميع أصدقائه من الصحفيين يتملقون إليه.
أدولف آدم : شهرة مبنية على ادعاء وقح ولا ترتكز على عمل مستحسن.
دورتيج : أدولف آدم مؤلف أوبيرا «البيت السويسري».
بلزاك : إن هذا لمن أعجب العجب! إنني أبحث عن برليوز، ها هو!

(ثم يظهر برليوز على اليمين وأصدقاؤه ملتفون حوله ويسمع التصفيق الحاد والصياح «مرحى مرحى» ثم يعانق بلزاك برليوز.)

إسكندر دوماس الكبير : لقد أحرزت مجدًا كبيرًا!
برليوز : أهلًا بعزيزي دوماس.
دوماس : ما أرق وأعظم ما سمعناه! إنك لعظيم مثل شكسبير!
تييوفيل جوتييه : أعانقك يا برليوز.
برليوز : أهلًا بعزيزي تييو!
تييوفيل جوتييه (متجهًا نحو جول جانان) : عم صباحًا يا جانان، هل أنت مبتهج مسرور؟
جول جانان : إن رأيي لم يتغير قط في برليوز، إنني أحبه وأعجب به أيما إعجاب!
لوجوفيه (موجهًا القول لبرليوز) : إنني أنا وجميع أصدقائك متهللون بعد هذا الفوز العظيم! ولقد عبرت لزوجك اللطيفة عن شعوري العميق نحوك.
برليوز : إنك صديق مخلص، هل رأيت زوجي؟
لوجوفيه : رأيتها هي وطفلها ذا الشعر العسجدي المماثل لشعر أبيه … كم يبلغ من العمر؟
برليوز : خمس سنين.
ماري ريتشو (وهي فتاة جميلة إسبانية وقد اقتربت من برليوز ووجهت القول لدورتيج) : قدمني من فضلك إلى المسيو برليوز.
دورتيج : أقدم لك مدموازيل ماري ريتشو المغنية الشهيرة.
ماري ريتشو : آه أيها الأستاذ الكبير … لقد هجت قلوبنا وأثرت في رءوسنا، وإن مؤلفك هذا لمتأجج متوهج مؤثر عظيم (ثم أخذت يده وقبلتها)، إنني أقبل هذه اليد التي سطرت هذه الموسيقى الخالدة.
برليوز (فينحني شاكرًا) : هل تغنين يا مدموازيل؟
ماري ريتشو : إنني أتلقى الغناء على المسيو بنديرالي (ثم تقدم والدتها)، أقدم لك مدام سوتيرا دوفيلاس والدتي.
مدام سوتيرا : لقد فتنتنا أيها الأستاذ …
ماري ريتشو : إن والدتي إسبانية ولكن أبي كان فرنسيًّا وضابطًا في الجيش، آه! لو تفضلت أيها الأستاذ بمقابلتي واستماعي … إني أكون سعيدة إذا كنت بجانبك … (ثم هاجته بنظراتها).
برليوز (وهو مضطرب) : بكل ارتياح أيتها الآنسة … تفضلي بمقابلتي في جريدة الديبا أو في مكتبة الكونسرفاتوار.
ماري وأمها : شكرًا لك أيها الأستاذ العظيم!
ماري ريتشو : إنني مسرورة جدًّا … إني أقبلك! (ثم قبَّلته وخرجت مسرعة مع والدتها).
برليوز (مخاطبًا دورتيج) : إنها جميلة وفتانة!

(وقد دخلت هارييت هي وابنها منذ هنيهة من الجهة اليسرى وكانت ممسكة بيد ابنها.)

دورتيج (يلمحها فينبه برليوز بصوت خافت) : زوجك!
هارييت (وقد شحب لونها واكفر وجهها) : مَنْ هذه الفتاة؟
برليوز : مَنْ؟
هارييت : التي قبَّلتك.
برليوز : لا أعرف … وهل هذا كل ما عندك لتفاتحيني به بعد هذا اليوم العظيم المشهور؟
هارييت : إن المعجبات بك قد عبرن لك عن كل ما يخالج قلوبهن.
برليوز (بصوت تعلوه الشفقة) : هارييت! …
هارييت : أواه! إنني أختنق من الخجل، لقد حضرت كتائب خليلاتك! حتى هذه الفتاة التي اجترأت على تقبيلها أمامي! …
برليوز : لقد شردت عن الموضوع.
هارييت : لقد تحرشت بي بعينيها وهي ضاحكة!
برليوز (وقد خاف أن يسمعها أحد) : أرجو منك أن تكفي.
هارييت (وقد سحبت ولدها وهي هائجة) : هيا يا لويس فإننا نضايق أباك! (ثم خرجت مع ابنها).
دورتيج (وقد لمح الماريشال دولوبو ووراءه ضابطان ياوران) : المريشال دولوبو (ثم حصلت حركة كبيرة في المجموع وطفقوا يتهامسون) «الماريشال الماريشال».
الماريشال (مادًّا يده لبرليوز) : آه يا مسيو برليوز إنني أهنئك!
برليوز (وهو منحنٍ تعظيمًا) : أشكر لك يا جناب الماريشال!
الماريشال (بحماسة) : عظيم جدًّا … إن ما أحبه على الأخص في مؤلفك هي … (ثم يفكر هنيهة) هي الطبول (ثم يصافح برليوز ويخرج).
دورتيج (وهو باسم) : هذا فخم.
برليوز (وهو يهز رأسه) : وا أسفاه! (وفي هذه الأثناء يدخل ملاحظ الحفلات ويعطي لبرليوز ورقة فيشكر له وينظر فيها) هل رأيت يا دورتيج، هذا نجاح باهر عظيم.
أتعرف ما الذي أكسبه من دخل روميو وجولييت إذا أقمت ثلاث حفلات غير هذه؟ ألف ومائة فرنك.
دورتيج (وقد رفع ذراعيه) : اكتب إذن شيئًا من الفن الجدي.
برليوز : إن الفنيين لا يحق لهم أن يعيشوا.

الفصل الثالث

كانت هارييت بعد زواجها تساورها الغيرة على زوجها وتظن به الظنون؛ فكان ذلك مدعاة لاستمرار المشاحنة بينهما وسوء الظن به، وطفقت تدمن في الخمور حتى ساءت صحتها وتجهم وجهها وفقدت جمالها بعد ثمانية أعوام من زواجها فأصبحت معاشرتها لا تطاق، واضطر برليوز أن يخادن ماري ريتشو خفية ويصطحبها في أسفاره، وبلغ من شراسة هارييت أنها كانت تذهب إلى زوجها في مكتبة الكونسرفاتوار وتضايقه بمشاحنتها الصارخة.

وفي ذات يوم ذهبت إليه ماري ريتشو وكانت بالمصادفة هارييت وابنها هناك، فاضطرم الشجار بينهما بشكل مريع.

ومن كثرة إدمان هارييت على الخمر أصابها شلل واحتقان في الدماغ فكانت تتكلم بصعوبة، ثم عانت المرض والآلام أعوامًا طوالًا إلى أن ماتت في ٣ مارس سنة ١٨٥٤.

وفي شهر يونيه سنة ١٨٥٥ دعا المسيو سانتون العازف على الكمنجة الفرنسي الشهير وكان مقيمًا بلندرة برليوز وفاجنر، فلبيا دعوته، وكان بجانب سانتون صحفي يكتب مذكرات أثناء حديثه.

سانتون : إنه لمن العجب العجاب أن أكون بلندرة وأنا من تولوز، وأن يكون على مائدتي أكبر موسيقيي فرنسا برليوز وأكبر موسيقيي ألمانيا فاجنر.
الصحفي : الاثنان المتنافسان.
سانتون : وسيقود كل منهما أوركسترا، ويا لوقع هذا الخبر إذا نشر في التيمس!
الصحفي : هل يعرف بعضهما بعضًا؟
سانتون : تمام المعرفة.
الصحفي : وهل هما عدوان متباغضان؟
سانتون : ولكنهما يخفيان في قرارة نفسهما إعجاب كل منهما بالآخر! وسأفاجئهما ببعضهما.
الصحفي : وكيف ذلك؟
سانتون : بكل سهولة، ولكن ما العمل مع مدام برليوز؟
الصحفي : هارييت سمتسون؟
سانتون : كلا، فقد ماتت منذ سنة ونصف، ولكن برليوز تزوج ثانية من مغنية شهيرة تدعى ماري ريتشو، وهذه هي زوجه الجديدة، إنها كالصل تمقت فاجنر وتبغض كل ما يصدر من غير برليوز، ولم أدعُها ولكنها دعت نفسها.
الخادم (يدخل ويعلن) : المسيو برليوز وزوجه.
سانتون : هي! لقد أفسدت حيلتنا! (ثم يوجه كلامه للخادم) إذا حضر المسيو فاجنر فأدخله في البهو الصغير، (ثم يقول للصحفي) هل تتفضل يا عزيزي بانتظاره هناك وتسليته قليلًا؟ (فيذهب الصحفي) شكرًا لك (ثم يشير إلى الخادم ليدخلهما).
برليوز : عم صباحًا سانتون (ثم يوجه خطابه لزوجه) هل تعرفين المسيو سانتون عازف الكمنجة الشهير؟ (ثم يخاطب سانتون) أقدم لك مدام برليوز.
سانتون (ينحني احترامًا) : مدام … (ثم يجلس برليوز) هل أنت تعب يا أستاذ؟
برليوز : نعم … ومريض أنا وزوجي، إنني أشكو من أعصاب أمعائي وهي من نوبات القلب …
سانتون : لقد حضرت لك عشاء تولوزيًّا.
ماري ريتشو (وهي قائمة) : حذار يا هكتور من الإفراط في أكله!
سانتون : أتعلمان أنني التزمت أن أدعو أيضًا فاجنر؟
ماري ريتشو (وقد نهضت هائجة) : فاجنر فاجنر! إننا نبارح البيت.
برليوز (بلهجة المتجاهل) : ولِمَ؟
ماري ريتشو : هذا الخبيث الذي يسخر منك في كتابه الأخير وينكرك …
برليوز : إنها لرصاصات صغيرة وقد صوبت منها كثيرًا إلى سيقان الغير لئلا أجد غرابة فيها حينما تصوب إليَّ بدوري …
ماري ريتشو : نبئنا برأيك في فاجنر، تكلم بصوت جمهوري وعبر عن فكرك.
برليوز : إن فاجنر فيه شيء جذاب.
ماري ريتشو : وهل هذا كل شيء.
برليوز : كلانا عندنا شيء من الخشونة، ومن الممكن أن تزول وتعتدل أخلاقنا.

(وبعد قليل استأذنت مدام برليوز وانصرفت إلى الفندق الذي نزلت فيه هي وزوجها، ورجت من زوجها أن لا يأكل من الأطعمة التولوزية لئلا تتعبه، فلا يستطيع أن يقود الأوركستر في المساء.)

سانتون : إن الخوف يخالج صدري يا أستاذي العزيز! … قد حضر فاجنر.
برليوز : أصحيح ما تقول؟
سانتون : أتريد أن تراه؟
برليوز (وقد قطب حاجبيه) : هل أُنْبِئَ بحضوري؟
سانتون (وهو يبتسم ابتسام المكر) : نعم عنده علم.
برليوز : لا شيء يمنعني من مقابلته (فخرج سانتون من الجهة اليمني ونهض برليوز وتقدم بضع خطوات، ثم وقف وفكر قليلًا ثم نادى فاجنر، فدخل فاجنر من الجهة اليمنى فصافحه برليوز).
فاجنر : أهلًا وسهلًا بالمسيو برليوز.
برليوز : عم صباحًا يا فاجنر، أما تراني قد شخت؟ إننا لم نتقابل منذ اثنتي عشرة سنة؛ أي حينما كنت في درسد.
فاجنر : منذ درسد! إنني لسعيد ومتأثر!
برليوز : إنك أصغر مني سنًّا بعشر سنين، وهذه المدة الأخيرة من عمري كأنها مضاعفة (ثم جلس وهو متعب).
فاجنر (وقد جلس أمامه) : إنني أعلم بأن ليزت قال لي بأنه هو الذي حرض على هذه المحادثة، معذرة؛ فإني لا أتكلم جيدًا بالفرنسية، وإني أحبك حبًّا جمًّا يا مسيو برليوز رغمًا عن سوء الظن الذي يقصيك عني.
برليوز (يشير إشارة غامضة للاحتجاج) : عجبًا! …
فاجنر : إنك لا تعرفني ولكنني أعرفك جيدًا.
برليوز : لقد سمعت ثلاث فصول من رينزي وخيال السفينة.
فاجنر (باحتقار) : عجبًا! هذا بعيد! نعم إنك لا تحب موسيقاي.
برليوز : ولكني معجب بقوتك وإرادتك.
فاجنر : وإني معجب بقطعتك السانفوني فونيبر، وإنها لعظيمة من أول نوتة لآخر نوتة.
برليوز (وقد ابتسم) : ولكنك قلت إن موسيقى فوست حقيرة (ثم ضحك).
فاجنر (يضحك بدوره) : وأنت قلت إن إنشائي الحر يجعلك ترقص فوق الحبل المرخي.

(ثم ضحك الاثنان.)

برليوز (ثم وقف فجأة وجعل يتفرس فيه) : ومع ذلك، فستكون أستاذ المسارح بعد خمسين سنة.
فاجنر (وقد نهض واحمر وجهه من الزهو والسرور من هذا الإطراء) : عجبًا! وأنا إذا كنت بيتهوفن لقلت: «لو لم أكن بيتهوفن ولو كنت فرنسيًّا لأردت أن أكون برليوز»؛ لأنك يا مسيو برليوز الموسيقي الوحيد في فرنسا الذي لم يقبل أن يحقر فنه ليكسب المال.
برليوز (يمد إليه يده) : وأنت أيضًا.
فاجنر (يجلس ثانية) : يا مسيو برليوز إن أصدقاءك في ألمانيا وليزت وأنا وغيري تنتظر منك مؤلفًا كبيرًا، درام.
برليوز : هل تشتغل بتلحين شيء؟
فاجنر : نعم بحلقة نيبيلونجين … ألا تعرف تانهوزر ولوهنجرين، سأرسل إليك موسيقاهما، وماذا تعمل أنت الآن؟
برليوز : إنني أفكر في تلحين قصيدة كبيرة موسيقية وهي أهل طروادة، ليت شعري هل أعيش طويلًا حتى أتمها؟ وهل تعلم أية مهنة أزاولها لأعيش؟ (ثم نهض قائمًا) منذ ثلاث سنين سمعت في أحلامي نغمات سنفوني، كنت أحلم أني أكتبها، وفي الصباح استيقظت وتذكرت الجزء الأول، وأردت أن أشرع في كتابتها ثم قلت في نفسي: لو كتبت هذا الجزء لاضطررت أن أكتب الباقي ويستمر العمل مدى ثلاثة أو أربعة شهور … وأضطر لترك تحرير القسم الموسيقي في الجرائد؛ فيقل دخلي، وحينما تنتهي السنفوني أطبعها بألف أو ألف ومائتي فرنك ثم أقيم حفلة لتوقيعها، فيغطي الإيراد نصف المصاريف فأقصر في عمل الواجب نحو زوجتي المريضة ودفع مصاريف مدرسة ولدي، فرميت القلم قائلًا: «سأنسى غدًا السانفوني.» وفي الليلة التالية عادت تطن في دماغي، فاستيقظت وكانت تأملات أمس تعاودني ثم نمت ثانية، ولما استيقظت في الصباح اختفت من مخيلتي كل ذكرى إلى الأبد!
فاجنر : وا أسفاه! إن هذا شيء مؤلم كالانتحار أو الموت (فسالت الدموع من مآقي فاجنر وطفق يجفف نظارته المبللة بالعبرات).
برليوز : نعم، نعم، هذه بلادة مني ورخاوة، ولكن حينما تكون عندي زوج لا هي حية فترجى ولا هي ميتة فتنعى ويلزمها ثلاث نساء لخدمتها ويعودها الطبيب كل يوم وينقد أجره، وإذا كنت واثقًا تمام الثقة بأني لا أجد بباريس بعد انتهاء أي مشروع موسيقي إلا نتيجة مشئومة فإنني لست الآن بليدًا رخوًا حينما تركت التلحين، بل كان عملي هذا إنسانية ومروءة.
فاجنر (باحترام) : لقد تكشفت لي يا مسيو برليوز في ضوء يختلف عن الضوء الذي رأيتك فيه فيما سلف، وما زلت أشاهدك مشرقًا كأبطال الملاحم على رأس الأجواق الموسيقية التي تقودها في الحفلات كقيصر الأساطير!
برليوز : برليوز الأساطير! وهناك الآخر فاجنر رجل فقير، وإن التحيز والخصومة اللذين صادفاك قد اصطدمت في جدارهما بدون جدوى منذ ثلاثين سنة حتى تهشمت يداي وأصابعي، ولنعيش ويعجب بنا الجمهور ونكون محبوبين يلزمنا أنا وأنت أن نكتب في الموسيقى مثل ما كتب مييربير وهاليفي اللذان شوَّها الموسيقى.
فاجنر : إنني أفضل أن أكون المسيو برليوز.
برليوز : إنك أسعد مني حظًّا.
فاجنر : إنني في بلادي كمن هدر دمه …
برليوز : توجد مواطن للنفي أقسى من غيرها.
برليوز : لقد هرولت طول حياتي مثل هملت وراء طيف الحب، وحينما تصورت أني ملكته وضممته إلى صدري أفلت مني واختفى … والخراب والموت، وآلام الوحدة؟
فاجنر : ولذلك أردت أن نتفاهم وحدنا، وعلى كل حال توجد بين بعض الناس الذين لم يفهمهم الجمهور والذين تساووا في الضراء قرابة متينة (فنهض برليوز وجعل يتفرس في فاجنر بأثر)، وهذه السلسلة الخفية التي تربط أحدنا بالآخر في أخوة المحن والألم.
برليوز (يفتح ذراعيه) : فاجنر!

(ثم يتعانق الاثنان.)

الفصل الرابع

(ماتت ماري ريتشو زوجه الثانية في ١٣ يونيه سنة ١٨٦٢، وعاش برليوز وحده مع والدتها مدام سوتيرا دوفيلاس، وكان يفد إليه ابنه لويس وقت إجازته، وفي شهر يوليه من هذه السنة كان ابنه يتحادث معه ويسأله عما حل بالأوبيرا المشهورة «أهل طروادة»، فقال له: إنها تئن في محافظ الأوبيرا ولا أعلم متى يحضرونها، وبينما هما يتحادثان إذ دخلت عليهما الخادم وأعلنت قدوم فتاة، فسأل عن اسمها، فقالت: إنها رفضت أن تعلنه.)

برليوز : لقد عرفتها (ثم ينهض لويس) سنتعشى سويًّا هذا المساء يا لويس (فقبل) في الساعة السابعة! لقد أعطيت ميعادًا لهذه الفتاة، وهي تريد أن تغني في المسرح ولكن ليس لها صوت، أتعرف كيف تعرفت بها؟ في ذات يوم كنت بمقبرة مونمارتز وهذه رياضتي المحبوبة، وكنت جالسًا على مقعد هناك وبكيت فاقتربت هذه الفتاة مني وظنتني متألمًا، فتأبطت ذراعي لأخرج من المقبرة، وهي من عمرك ولها ست وعشرون سنة، ثم صافحه ابنه وخرج، ثم أشار على الخادم بإدخال الفتاة، فدخلت وهي مرتدية ثياب الحداد وكانت عسجدية الشعر جميلة رشيقة القامة والهندام.
برليوز : ادخلي بنيتي.
إميلي : أستاذي العزيز …
برليوز : لا يليق بي هذا التعبير فقد شخت!
إميلي : كلا بلا!
برليوز : إنك ظريفة (ثم أشار إلى ابنه وهو خارج)، إنه ولدي، تفضلي بالجلوس.
إميلي : شكرًا لك أيها الأستاذ.
برليوز : خبريني أولًا ماذا كنت تعلمين يوم الجمعة في المقبرة، وإنها ليست نزهة شائقة لفتاة من سنك؟
إميلي : لقد فقدت والدي منذ عام وأصبحت يتيمة أعيش مع عمتي.
برليوز : إن هذا لمن الغرابة بمكان! إنني أتفرس فيك؛ لأنك تشبهين تمام الشبه فتاة كانت قرينة صباي، وكنت أحبها وكانت تماثلك في القامة والوجه والعينين، ولا تختلف عنك إلا في لون الشعر، إذ كان شعرها أسود وشعرك ذهبي، وكانت تسمى إيستيل وأنت إميلي! آه! لو كنت تعرفين كيف يوقظ ويهيج حضورك عندي تلك الذكريات اللطيفة والتأثر الشديد.
إميلي : وأنا قد عرفتك مباشرة.
برليوز : هل تعرفينني؟
إميلي : لقد شاهدت صورتك مرارًا ولذلك قد عرفتك وقلت في نفسي: «إنه هو، هو، وإن الفنيين الذين أحبهم وأعجب بهم لهم أصدقائي، وهذا ما جرأني على الاقتراب منك فخاطبتك، كنت تبكي! وقد اضطربت لمشاهدة عبراتك السائلة، وما كنت أتصور أن رجلًا مثلك يتأتى له أن يكون سيئ الحظ! وأنت مسيو برليوز العظيم بنبوغه وقلبه، أنت الذي تلتهب موسيقاك كالشعلة والضوء المشرق، كنت هناك وحيدًا على المقعد متألمًا حزينًا!
برليوز : لقد استحوذت عليك الشفقة لأجلي.
إميلي : ليست الشفقة هي الكلمة التي تؤدي المعنى، ولست أستطيع التعبير لقد أردت سلوًا لتخفيف ما بك، فقل لي يا مسيو برليوز إنك اليوم أحسن حالًا من ذي قبل.
برليوز (وهو باسم) : نعم لوجودك، (ثم أمسك بيديها) أيها الشباب! أيها الشباب المحبوب، يا سحر الربيع! إيستيل، إميلي، أيها السراب الذي يحييني ولكن سأموت.
إميلي : ماذا تقول؟
برليوز (يهز رأسه) : لقد بلغت الستين (ثم ينهض ويمشي في الغرفة بضع خطوات فتتبعه).
إميلي : ليس هذا صحيحًا، فإن موسيقاك فتية كما أن قلبك فتي.
برليوز : إنك لتتأثرين وتتألمين إن قرأت يومًا في الجرائد: «موت هكتور برليوز»؟
إميلي (تتألم) : أواه!
برليوز (يجذبها إليه وهو متأثر) : بنيتي! ثم يقبلها في جبينها فتستسلم، فهلا يُقبِّلها في فمها؟ ثم ينهض بغتة كمن عاد إليه شبابه، ثم طفق يمشي في البهو بخطوات نشطة ثم فرك شعره وتكلم بلهجة حادة سارة: يا لله! وا خسارتاه؛ لأني لم أعرفك إلا بعد فوات الوقت! ولو جئت في الوقت المناسب لصيرتك فتية عظيمة، هل تريدين أن تغني في المسرح؟ يلزم لذلك صحة من حديد، ويظهر لي أنك رقيقة يا إميلي، وفضلًا عن ذلك فإن صوتك رخيم، ولو عرفتك من سنة واحدة لعلمتك غناء دور بياتريس لتغنيه بمدينة باد.

•••

في شهر أكتوبر سنة ١٨٦٢ كان برليوز جالسًا على مقعد في منتزه مونسو فمر عليه لوجوفيه الكاتب الشهير، فجلس بجانبه يتجاذبان أطراف الحديث، ثم أخرج برليوز خطابًا من جيبه ناوله للوجوفيه.

برليوز : اقرأ (يقرأ السطر الأول ثم يقف).
لوجوفيه : إنه خطاب غرام؟ مرسل إليَّ …؟
برليوز : لا تضحك، إنه مرسل إليَّ.
لوجوفيه : إنني لا أضحك (ثم قرأ الإمضاء) إميلي.
برليوز : إميلي، إنه حب أتاني دون أن أبحث عنه وقد قاومته، ثم استسلمت له، ثم اشتد معي.
لوجوفيه : هل هي فتية؟
برليوز : إنها فتاة في مقتبل العمر.
لوجوفيه : هل هي جميلة؟ (فأشار برليوز برأسه نعم) وهل هي تحبك؟ فمِمَّ تشكو وماذا جرى لك؟
برليوز : جرى لي أنني بلغت الستين.
لوجوفيه : وإذا كانت لا ترى فيك إلا شابًّا في عقده الثالث.
برليوز : ألم ترَ خديَّ الغائرَيْن وشعري الأبيض وجبيني المجعد، وهذه الفكرة المشئومة ما لبثت تساورني، وكانت تأخذ رأسي بين يديها، وكنت أشعر بدمعها المنحدر على عنقي.
لوجوفيه (يرد إليه الرسالة) : هذه الرسالة صادرة من فتاة عظيمة ذات قلب مفعم بالحنان والحب.
برليوز : لقد وصلتني هذه الرسالة منذ ثلاثة أسابيع ثم انقطعت أخبارها، ولقد كتبت لها أخيرًا أنني أنتظرها في هذه الحديقة هذا الصباح … ليت شعري هل تقبل؟ جس قلبي.
لوجوفيه : إنك ابن عشرين كما قلت لك وسأتركك أيها العاشق العزيز (ثم يصافحه ويخرج فتأتي إميلي وهي شاحبة اللون نحيفة).
برليوز : هل أنت بنفسك؟
إميلي : صديقي العظيم (ثم أجلسها بجانبه على المقعد).
برليوز (يقبل يديها) : بنيتي العزيزة، لقد رأيتك بعدما نفذ مني الصبر وكنت متألمًا تعسًا، لِمَ لَمْ تأتي يوم الإثنين والجمعة؟ وقد انتظرتك طويلًا، وما أشد عذابي ولم يأتني منك خبر ولا رسالة.
إميلي : لقد فكرت فيك، معذرة فإنني لم أستطع المجيء ولا الكتابة (ثم أطرقت رأسها).
برليوز (ينظر إليها وقد دهش من شحوبها) : انظري إليَّ ما أشد شحوبك! هل كنت مريضة؟
إميلي (وما فتئت مطرقة الرأس) : كلا.
برليوز : يداك الصغيرتان حارتان (ثم تسعل)، هل أنت محمومة؟
إميلي : كلا، ولا أشعر بشيء.
برليوز : إميلي (فبكت) لِمَ تبكين، أخبريني ماذا دهاك؟
إميلي : سأترك باريس مدة طويلة وربما على الدوام.
برليوز (وقد صعقه الخبر) : أواه!
إميلي : يجب أن أتبع عمتي إلى الجنوب.
برليوز : وماذا العمل؟
إميلي : لن نتمكن من المقابلة (ثم هزت رأسها) لا، وهذا أفضل شيء …
برليوز (وهو متألم كاسف البال) : إني بلغت الستين؟
إميلي : كلا! فإن السبب لا يرجع إليك بل يرجع إليَّ وحدي، والآن تستطيع أن تنساني؛ لأن الفراق بعد فوات الوقت مؤلم قاسٍ.
برليوز : إنك تتكلمين بالمعميات والألغاز، ولا أفهم لك قولًا.
إميلي : لا ينبغي أن تحاول الفهم، يجب علينا أن نفترق الآن بدون توانٍ (ثم تسعل أيضًا)، ومن الحكمة أن نفترق بإرادتنا.
برليوز : وبدون تعويض كالموت؟
إميلي (بشدة) : نعم كالموت (ثم نهضت ولبث برليوز جالسًا كالمصعوق).
إميلي (بتألم) : وأنا الذي أحببتك، وما زلت أحبك، وأقسم أنني لن أحب أحدًا مثلك، فهل تصدقني وتثق بي؟
برليوز (يقبل يديها) : بنيتي؟
إميلي (تخلص يديها منه) : واعلم أنني حينما أودعك فإنما أودع كل شيء.
برليوز (وهو قائم) : إميلي.
إميلي : الوداع (ثم هربت مهرولة).

ننتقل بالقارئ إلى مقبرة مونمارلتر في صيف سنة ١٨٦٤ وقد كسا الربيع المقبرة بحلله القشيبة السندسية المزهرة حتى أصبحت كالحديقة الغناء، وكان الحارس واللحاد يتحادثان، وفي هذه الآونة أقبل برليوز وهو مرتدٍ ثيابًا سوداء يمشي بخطوات ثقيلة كأنه طيف خيال، فحياه الرجلان بإجلال فرد عليهما التحية، ثم ذهب إلى قبر ووقف أمامه.

الحارس (يخاطب اللحاد) : أتعلم من هذا؟
اللحاد : كلا.
الحارس : المسيو برليوز.
اللحاد : ومن هو؟ هل هو من أمراء البحار؟
الحارس : لا بل هو (يبحث في ذاكرته) يلحن أوبيرات وهو يأتي كل يوم شتاء وصيفًا ويقطن قريبًا من هنا في شارع كاليه، وفي أوقات المطر التي لا تخرج فيها الكلاب من المنازل تراه يجول في المقبرة وحده.
اللحاد : وما يفعل؟
الحارس : إن سيره لا يتغير، وتراه يقف أمام القبر هناك وقد دفنت فيه زوجه الثانية منذ عامين، وكان متزوجًا قبلها من ممثلة ماتت منذ عشر سنين، وقد دفنت في أول الأمر في مقبرة سان فانسان ثم نقلت رفاتها في فبراير الماضي إلى هذا الرَّمْس، وهما الآن يغنيان مع بعضهما مع أنهما كانتا عدوتين لدودتين.

(سار برليوز في طريق آخر فلمح مقعدًا فجلس فوقع نظره على رمس جديد، فسأل الحارس: لمن هذا الرمس الذي لم أره قبل اليوم؛ لأني أمرُّ نادرًا في هذا الممر؟)

الحارس : هذا لحد فتاة ماتت بالسل منذ ستة شهور.
برليوز : كم لها من العمر؟
الحارس (وقد قرأ التاريخ فوق القبر) : ولدت في مايو سنة ١٨٢٧ (ثم حسب) سبع وعشرون سنة.
برليوز (وهو يهز رأسه) : سبع وعشرون سنة! (ثم نهض واقترب من القبر وقرأ ما كتب عليه فصاح) أواه! إميلي! إنها هي. (وكاد يقع لولا أنه استند إلى شجرة) إميلي!
الحارس : هل تعرفها؟
برليوز : إنني أعرفها (ثم وقع قاعدًا على المقعد وأخذ يحدث نفسه) قد ماتت منذ ستة شهور ولم ترضَ تخبرني بأنها في انتظار الموت العاجل، وكان لها من العمر ست وعشرون سنة، جميلة رقيقة تكتب كأنها ملك السماء، واتفقنا على الفراق وقطع المكاتبة، وقد رأيتها من بعيد في المسرح فأشارت برأسها، وكانت تعالج الموت، ولم أعلم حقيقتها ثم ماتت بعد ستة أسابيع ولم أدرِ بموتها أواه! رحمة وحنانًا وكفاني اللهم عذابًا وألمًا.

ننتقل إلى منزل برليوز في ٨ مارس سنة ١٨٦٩ وكانت مدام سوتيرا دوفيلاس حماة برليوز تهيئ مخدات على كرسي (فوتيل)، فأدخلت الخادم المسيو ريير الملحن الشهير.

مدام دوفيلاس : أهلًا بعزيزي المسيو ريير.
ريير (وكان في الخامسة والأربعين من عمره) : عمي مساء سيدتي، كيف قضى ليلته؟
دوفيلاس : على أسوأ حال، وقد أيقظني في الساعة الثانية صباحًا ليسألني إن كان وصل خطاب من لويس، وفي بعض الأحيان ينسى أن ابنه فارق الوجود.
ريير : يحسن أن يترك جاهلًا موت ابنه.
دوفيلاس : وماذا العمل؟ وقد خانني الدمع وانقطعت رسائله … وفي ذات يوم كنت أتحدث بصوت خافت مع الخادمة في غرفة مجاورة لغرفته، فاقترب منا هكتور وسمع كلمة «الحمى الصفراء» ثم خرج فقابل في الطريق أحد أصدقاء ابنه فقدم له واجب العزاء، فرجع إلى البيت وصار يتمرغ في أرض الغرفة ويصيح: «كان الموت أولى لي.»
ريير : هل هو نائم؟ هل يمكنني مشاهدته؟
دوفيلاس : سيستيقظ، ولقد حاول البارحة أن يذهب إلى المجمع العلمي.
ريير : نعم ليعطي صوته لشار بلان؛ لأن برليوز مخلص ووفي لأصدقائه.
دوفيلاس : إنه يحبك يا مسيو ريير كولده، ومنذ وفاة المسيو دورتيج أصبحت أنت والمسيو سان صانس أعز أصدقائه (ثم تسمع حركة)، انتظر فإني أظن أنه استيقظ (ثم أقبل برليوز مستندًا إلى خادمه، ثم تقدمت إليه دوفيلاس وأجلسته على الكرسي (الفوتيل) وأسندت ظهره إلى وسادة فعانقه ريير).
برليوز (وكان كالأموات خافت الصوت) : أشكرك يا ريير.
ريير : لقد لاحظت أنك لم تكتب الإهداء على نسختي بينفينوتر، وإني أكون مسرورًا إن وقعته.
برليوز : نعم يا صديقي العزيز (ثم ناولته دوفيلاس القلم فكتب) إلى صديقي العزيز … (ثم وقف وتفرس في ريير) آه لقد نسيت اسمك.
ريير : ريير. (برليوز كتب أرنست ريير، ثم دخلت الخادم وأعلنت حضور المسيو كاميل سان صانس).
سان صانس (وكان في الثالثة والثلاثين) : كيف نمت يا أستاذي العزيز؟
برليوز : لم أنَمْ (ثم أشار إلى سان صانس) إنه موسيقي عظيم يعرف جلوك كما أعرفه (ثم يميل إلى الوراء) لقد أقبلوا … ولكنني سأذهب (يتألم ويشكو) آه.
سان صانس : هل أنت متألم؟
برليوز : نعم.
ريير (مخاطبًا دوفيلاس بصوت خافت) : ألم يكتب له الطبيب دواء مسكنًا؟
دوفيلاس : لقد كتب ولكنه لا يريد أن يشربه.
سان صانس : ماذا نعمل يا إلهي لنخفف آلامه؟
برليوز (وقد فتح عينيه حينما سمع القول) : هذا عندي على حد سواء (ثم سكت) إنني أريد أن أموت في الشمس وأمام البحر.
سان صانس : إن شهر مارس لفظيع مرعب! وستمطر ثلجًا، انظر كيف أظلم الجو.
برليوز : لا تتحادثوا وإن استمررتم فإنني أحب أن لا أموت (عم سكوت وأغمض برليوز).
سان صانس (بعد لحظة) : هل نام؟
دوفيلاس : لقد نام.
سان صانس : فلنتركه ليستريح.
ريير (مخاطبًا سان صانس) : لقد عانقته البارحة! أتعلم ماذا قال لي؟ آه! كلمة مؤلمة عظيمة! «وقُصَارى القول: هل سيوقعون موسيقاي؟»
(ثم خرجوا على أطراف أصابعهم وأقبل الليل وقد رمى ضوء الموقد شعاعًا على وجه برليوز، وكان يظهر عليه أنه نائم، وكأن نداء أتاه من العلا في الليل البهيم ثم يسمع توقيع دعاء الأموات من وراء الستار موقعًا على الأرض، ويغنيه المنشدون وتمتلئ الغرفة بأشباح الموتى، وتظهر إيستيل وإميلي وهارييت سمتسون ونانسي وآديل وماري ريتشو ولويس برليوز فيفتح برليوز عينيه.)
برليوز: دعاء الأموات، هل حضر الجميع لسماع دعائي للأموات؛ هارييت، نانسي، أديك، ماري، إميكس، لويس الصغير؟

(ثم اعتدل على كرسيه ورفع ذراعه، وطفق يضرب الوزن، فاقتربت منه الأموات وأحاطوا به ثم مالت ذراع برليوز وفارق الوجود.)

(٢) عنترة «مأساة شعرية في خمسة فصول لفخر الشرق المرحوم شكري غانم»

ينتمي هذ الشاعر العبقري إلى أسرة عظيمة لبنانية، وقد نبغ في الشعر الفرنسي، وله ديوان فرنسي ظهر حوالي سنة ١٩٠٠، وروايتان مُثِّلتا بالأودييون سنة ١٩٠٥ في فصل واحد وهما «وردة» أو «زهرة الحب» و«ربع ساعة من ألف ليلة وليلة»، ورواية قصصية كبيرة تسمى «دعد»، وأهم رواياته التمثيلية عنترة، وقد أبت عليه قوميته إلا أن يبتدئ بتمثيلها على مسرح شرقي فاختار الأوبرا الملكية المصرية، ولحسن حظه كانت فرقة الكوميدي الفرنسية في ذلك الوقت مؤلفة من أعظم الممثلين الذين يسود على مجموعهم الانسجام والتوافق وفي مقدمتهم الممثلة القديرة مرجريت مورينو، وقد تقدمت بها السن إلى أن أصبحت تمثل دور العجائز، وقد قامت بدور عبلة، وداراجون وقد توفي بالأنفلوينزا منذ بضع سنين وقد قام بدور عنترة، ومونتو وقد مثل دور وزر المعروف بالأسد الرهيص.

ومن الغريب المدهش أنهم حفظوا الرواية وأخرجوها وأعدوا مناظرها في خمسة عشر يومًا، وقد سحروا الجمهور بإبداعهم النادر، وكانت الرواية موفقة من جميع الوجوه.

اشتهر مورينو بحسن إلقائها ونبرات صوتها الموسيقي، وكانت تلقي الشعر بسهولة وهي تقلد سارة برنار وتضيف إلى ذلك قدرًا كبيرًا من شخصيتها الخاصة وعواطفها المتأججة وحركاتها الخالية من كل تكلف، ورشاقتها النادرة وظرفها في الحديث، وقد مثلت دور ابن نابليون في النسر الصغير وروكسان في سيرانو دوبرجيراك، وقد فتنت النظارة في هذه الروايات الثلاث ولم يستطع أحد من الأجواق أن يحرز هذا النجاح من سنة ١٩٠٩ إلى الآن.

مثِّلت رواية عنترة للمرة الأولى بمسرح الأوبرا الملكية، ثم مثلها مسرح الأودييون بباريس في ١٢ فبراير سنة ١٩١٠، فلاقت إعجابًا شديدًا ونجاحًا باهرًا، وقرظتها أغلب الجرائد الفرنسية الشهيرة مثل الفيجارو والجولوا والأكلير والدييا والطان والليبرتيه ومجلة التياتر المصورة والأوبنيون، كما قرظتها وذكرت ملخصها دائرة معارف لاروس في ملحقها الشهري سنة ١٩١٠، وهي تستحق أكثر من هذا لبلاغتها النادرة، وتفكيرها العميق، وتحليلها الأخلاقي، ومناقشتها الطلية، وعواطفها المشتعلة، ورقتها ومواقفها الفنية الرائعة.

ومن سمو أخلاق شاعرنا النابغة ونبل عواطفه أنه أنبأ في القطعة التي أوردناها عن اقتراب ظهور النبي وما سيكون له من شأن خطير، كما نوَّه بإعجابه الشديد ببلاغة القرآن بعبارة تستعصي بلاغتها على أي شاعر مع أنه مسيحي، فجزاه الله خيرًا ورحمه رحمة واسعة.

المنظر الثالث «من الفصل الرابع»

(عنترة، ثم شيبوب ووزر بن جابر الملقب بالأسد الرهيص يدخل عنترة في الحال.)

عنترة : هل هو عربي؟ لا … كان الخائن مختبئًا في الظلام وراء هذه الصفاة كالذئب، ولا بد أن يكون أجنبيًّا.

(يسمع صوت شيبوب من بعيد.)

ها هو ذا شيبوب، هل يقوده؛ لأني أرى شبحين
شيبوب (يتكلم بصوت مرتفع) : تقدم.

(ثم ينظر شيبوب وهو يجر وزرًا من يده.)

لقد قطع الخوف ساقيك! وعز عليك البقاء فودع إذن الحياة.

(مخاطبًا عنترة الذي يقترب منهم.)

لا جدال ولا ريب! فإنه يستر وجهه! وعيناه لا تخترقان حجب الظلام إلا لرمي السهام، وسيطفئ الموت شعلتيهما بعد قليل.

(يجره بجانب عنترة وهو جالس على صخرة، وكان شيبوب يتكلم وهو سائر حتى يصل إلى عنترة.)

لا تبصران الصخور ولا الخمائل ولا الجحور حتى إنني كدت أن أحمله.
عنترة : لكنه يحسن الهرب!
شيبوب : لا، إنه لم يهرب وكان جالسًا على مقربة من صفاة، وقد طعن نفسه بسهم عندما اقتربت منه، وترى هنا قليلًا من الوضوح فانظر.

(ثم يزيح شيبوب اللثام عن وجهه ويحدق فيه.)

آه! وزر!
عنترة : وزر؟ أتحلم؟ كلا!
شيبوب : هو بعينه.
عنترة : الفارس المختال الذي عرفته من قبل؟ (ثم يحدق به هنيهة) نعم نعم، كيف تكون خائنًا؟ أقبلت في الليل الدامس لتقترف إثمًا ملؤه النذالة والصغار، ولم يُرَ مثله في البلاد العربية! هل بلغت بك السفالة أن تفعل فعلتك هذه؟ ماذا عملت بقناتك وحسامك؟ لقد أحسنت بستر وجه دُمغ بميسم النذالة والجبن، ما أبشع هذا الوجه الدميم، أتنهض وترفع عينين باردتين ملؤهما الخجل والخزي؟ أم يتلهفان لاقتراب جرم آخر؟ تكلم.
وزر : عيناي فارغتان وقد استعضت عنهما بقلب مُلِئَ حقدًا!
عنترة : ولم؟ وعلى من تحقد؟
وزر : لا تتجاهل وما هو إلا عليك.
شيبوب : ماذا تقول؟
عنترة : دعه! ويلزم أن يوضح هذا الرجل، أجب.
وزر : انظر إذن، ها هو جوابي، هاتان العينان الخامدتان المفقوءتان كأنهما جحران أسودان كئيبان، آه! إنك تسميني النذل يا عنترة وما النذل إلا أنت.
شيبوب : قد بلغ السَّيْلُ الزُّبَى.
عنترة (وهو يزيح شيبوب عن وزر) : إنني أجهل أمرك، ولقد أسرتك من قبل وأنا راعٍ صغير الشأن وأنت فارس مدجج بسلاحك، ثم سافرت في مساء ذلك اليوم وسلمتك إلى غيري ولا أعلم ما فعلوا بك في غيبتي وأنت أسير.
وزر : ألم تَكُ أنت الذي أمرت أن يفقئوا عيني؟
عنترة (وقد غير لهجته شيئًا فشيئًا) : كلا، فإني لا أعرف أن أسيء إلى ضعيف، أما كنت أستغرب ما حصل لك منذ هنيهة؟ وكيف لي وأنا الذي ما زلت أحارب ورائدي الشرف ومبدئي النبل أن تعزو إلي هذا الجرم الفظيع دون عذر أو مبرر، أو يتهمني به عدو مقهور موتور نهش صدره الحسد؟ إنني فُتنت بالحروب وهي صناعة كثير من الملوك ذوي الحَوْل والطَّوْل وغيرهم من السادة الأمجاد الذين لا يستطيعون أن يشقوا لهم طريقًا إلى الأفئدة ويعتقدون أنهم بالغوها بظبا البيض الصفاح، وهذا خطأ ظاهر وما فتئ الإنسان عرضة للخطأ.
أيترك الإنسان حنقه ليبطش بالمقهورين ويخفي أرواحهم من أعماق جفونهم ويسلبهم حقهم في هذا النور حتى يجعلهم أمواتًا وهم أحياء؟ كلا، ثم كلا، وأقسم بهذا الهلال الصدفي الذي بزغ في السماء، إنني لا أستطيع أن أقترف مثل هذا الإثم، إنهم يريدون أن يلوثوا اسمي بمثل هذه الريبة ويجردوني من الخير الوحيد الذي يقود إلى المجد والفخار وهو الطيبة … فهل تثق بي إذن؟
وزر : أثق؟ نعم، أود أن لا أثق، إنني أبحث في قلبي وأفتش في ذاكرتي؛ لأن عندي أسبابًا أخرى أهم وأقوى تبرر بغضك، مهلًا (يناجي وزر نفسه على مسمع من عنترة) إن كان ترك لك عينيك ولم يكن لك جلادًا فهل كف أن يكون خائنًا لكل عربي يحب حريته واستقلاله، إنه يريد أن يبيع ويسلم بلاده إلى الفرس.
(ثم يوجه الكلام إلى عنترة) وهذا ما أعرفه منذ أكثر من عامين، لقد كبر وعظم جرمك حتى برر كل اعتداء واغتيال وسحب ذيل النسيان على الجريمة التي كنت ضحيتها، والعربي لا يحفل بفقد عينيه وموته في سبيل إنقاذ بلاد العرب.
عنترة : هل نصبت نفسك حكمًا؟
وزر (وقد اطمأن شيئًا فشيئًا) : لقد حكمت نفسي بكل الوسائل من سلاح وقول وكل ما يصلح للقتل والانتقام، أما تراني إذن جريئًا سفاحًا؟
عنترة : عجبًا لك! كيف يعرفون أن يشوهوا الحقيقة الحسناء! يخفون صورة الجمال تحت كثيف البراقع والأصباغ كالعجائز ينقشن وجوههن بالوشم ويتكحلن ويصبغن خدودهن بالحمرة، يرون أن يزيدوا الجمال حسنًا فيشوهونه، يجب أن تغمره الشمس وهو في صحة عريه فيتركونه في بساطته ووداعته ويزيلون هذه الصبغة الدميمة التي تحجبه.
اصغِ لي يا وزر: فإني سأجعل جمال الحقيقة ولونها الوضاح يخترقان جسمك إلى أن يبلغا نفسك السوداء، وسوف أقتل فيك الريب والشك بكلمة: أما كنت فيما مضى صديقًا للملك المنذر؟
وزر : أنا؟
عنترة : نعم أنت! وتعلم جيدًا مقاصد هذا الملك.
وزر (بلهجة مرة) : بلى، وهي وحدة العرب في يد ملك فرد، وهذا صحيح، ولكن ذلك لم يكن إلا حلمًا لذيذًا.
عنترة : ما هو الآن بحلم.
وزر : وكيف؟
عنترة : لقد تخلص وتحرر من نِير الفرس وسأنضم إليه الآن …
وزر : تنضم إليه؟
عنترة : وستظهر حكمة فرد آخر كطلوع الفجر ويؤيده الله بقوته فينشر قوله الأبدي، ألا تشعر بالأرض وهي تميد قبل انتشار هذا القول الذي سيميله على الناس رب قوي عظيم، لقد زُلزلت الأرض زلزالها، واهتز النخل في الصحراء من عبث رياح السماء اللواقح، وأصبحت آمال الإنسان تتتابع مسوقة بنسيم الصَّبا كأسراب هائلة من بنات الهديل تنشد أيْكًا تحط عليه لتريح أجنحتها المتعبة فلا تعثر عليه، تسير تلك الأسراب حيارى مترددة لا رائد لها إلا المصادفات، ولكن المغرب سيتوهج شفقة بزخرفه وقد اقترب الزمن الذي ستتصل فيه الأرض بالسماء حتى يسمع أهل الدنيا كلام الله الكريم، كلامًا ذهبيًّا في إطار الألفاظ اللُّجَيْنية، وستهب قبائل العرب من كل فج عميق من فيافيهم المترامية الأطراف وقت طلوع هلالهم الفضي المتألق.

(ينوه في هذه الفقرة عن اقتراب ظهور النبي ونزول القرآن.)

وزر : أواه! إنني لأشعر باستنارة أمارتي بالسوء باحمرار الفجر وضوء اللهب، صبت عليكم اللعنات يا من خدعتموني! لقد قطع سهمي خيط حياته الذي تتعلق به آمال أسلافنا، وهذا الخيط الذي انتظمت فيه حبات المستقبل! يا لكم من خونة مجرمين! وإن قبره ستدفن فيه بلادي، عفوًا وغفرانًا!
عنترة : لقد عفوت عنك وسامحتك ولكن هذا الجرم سيقع على من حللوه، وإن إثمك قد خط فوق الرمال وسرعان ما تمحوه الرياح، ولكن المجرم المحرض سيلاقي جزاءه في القريب العاجل إن امتد الأجل، وإني أحمد الله وأمجده وآمل أن يكون الجرح خفيفًا.
وزر (بلهجة قوية وأنفاس مضطربة) : ماذا تقول! هل أصابت طعنتي؟
عنترة : لقد أصابت ذراعي وليس لها أقل تأثير.
وزر (وهو هائج) : إنها لعظيمة خطيرة! فاسحقني بحجر من هذه الأحجار كما تسحق العقارب والأفاعي، ادفعني بقدمك بكل ازدراء واحتقار فإنني لا أستحق أية رحمة ولا شفقة، إنني لتعس شقي، وإن جرمي لعظيم لم يُخط فوق الرمال، لقد نُقش نقشًا عميقًا فوق جسمك الكبير الذي يماثل النحاس بصلابته بآلة الحقد والحفيظة، فاسحقني سحقًا.
عنترة : ولِمَ هذا اليأس؟
شيبوب : إنني خائف!
وزر : هل اسودَّ الجرح؟
شيبوب (وهو يزيح الثوب عن الجرح) : نعم قد اسودَّ.
وزر (وقد كشف عن صدره لشيبوب) : انظر هل اسودَّ جرحي مثله؟
شيبوب : لا يفترق عنه.
وزر (وهو خائر القوى) : هذا هو المنتظر، ولا يغني حذر من قدر، أي عنترة، قد اشتريت جرمي بحياتي، وإني أريد نجاتك ولا أستطيعها؛ لأن سهمي يحمل السم الزعاف بين أسنانه.
شيبوب : ويل لك من شقي! ألا تجد له دواء؟
وزر : هيهات هيهات.
شيبوب : ولو يقف سير السم.
وزر : لا ينجع فيه دواء.
شيبوب : ولكن الأدوية كثيرة جدًّا.
وزر : كلا، إن سمي لا دواء له وهو يندفع كالسيل، وهو هو الذي يقتلني، إنني أعالج سكرات الموت يا عنترة فاصفح عني وسامحني.
عنترة : مت بسلام واطمئنان.
وزر : ما العمل الآن؟ ويل لي من شقي! لقد نسيت، أسرع عنترة وفوت مالك وزوجك ورجالك من هذا المضيق، فإن عمارة الوغد الذي قادني إلى هذه المكان يتربص لقتلك، ومعه مائتان، وسيمرون من هنا.
عنترة : إنني ما زلت قويًّا قائمًا على رجلي، فقل لي أين هم؟
وزر : كلا، فلات ساعة لحاق يا عنترة والأفضل الهرب.
عنترة : الهرب.
وزر : ليس لك، فلا فائدة لك منه تُرتجى، ولكن الآخرين فهربهم وإن ساعدك لكفيل بتهريب زوجك وعشيرتك؛ فعجل دون أن تنتظر أن يكفر موتي عن حياتي.
شيبوب : أواه! إنك لن تموت.
عنترة : لم يرد الموت أن يدركني في الحروب.
شيبوب (مهددًا جثة وزر) : ويل لك أيها الخائن!
عنترة (يمنعه) : ولِمَ هذه الإساءة للموتى؟ فلينَمْ بِدَعَةٍ وسلام، وإن موتي لن يختلف عنه في الأجل والشكل، وسيموت كلب ضال وهو في عنفوان قوته دون أن يثب الوثبة الهائلة ليصل إلى الماء وينهل الحياة، ولما شحب لونه وأسلم روحه الصغير ومن يعلم لأي جلاد؟ مات من غلته أمام خرير الماء، كلا فإني سأثب هذه الوثبة مهما حل وحصل، وسأحيا، وسأحيا، إذ لا بد أن أحيا، أوقد النار يا شيبوب واصهر حد السيف أو الرمح، فإن السهم مهما بلغ أمره فلا يقوى على الحرق إذا ما تعدى الجرح، وإن مت فسأموت مختالًا فخورًا، ويخيل إليَّ وقتئذ أنني قُتلت بالحديد.

(وقد أسرع شيبوب في إيقاد النار بقطع من الخشب ثم وقعت عيناه على جثة وزر.)

ولكن الآخر مات بنفس الجرح وقد سرى السم في جسمه وأصبحت جثة بمثابة نذير، إلهي إنما أنا عبدك وخادمك، إنني أسعى وأعمل لك فلا تمتني هذ الميتة بل على الأقل في الموضع الذي ينتظرني فيه الحصاد، يا لهذه الجثة! إنني وَجِل، وعيناي تطرفان أمام الموت كما تطرف أجفان المولود الجديد من الضوء، ما انتابني قط الخوف فكيف حلَّ بي الآن، وإذا كان الإنسان في الحروب مِقدامًا جريئًا فهل يكونه دائمًا في كل المواقف؟
(ثم يسوق الكلام إلى شيبوب) هل تمكنت من مشاهدة عبلة وتطمينها؟
شيبوب : إنها نائمة وتنتظرك وهي واهية القوى من وعثاء الرحيل والتأثر، والفضل لسلمى في تهدئتها.
عنترة : ما أعزك عليَّ يا عبلة!
شيبوب : لقد احمرَّ النصل.
عنترة : يجب أن تضع النصل المصهور في الجرح دون اضطراب وارتعاش فإن حياتي معلقة به.
شيبوب : وا أسفاه! ستتألم كثيرًا.
عنترة : كلا، احرق، احرق فإني لا أحب أن أموت (ثم يعري عنترة كتفه فيكوي شيبوب الجرح).
(ثم ينزل الستار.)

الفصل الخامس

(عنترة – شيبوب)

(يأتيان من المعسكر والوهن بادٍ على عنترة وهو متوكئ على كتف شيبوب.)

شيبوب : نعم، لقد بدد صوتك الشك عندهم، والباقون سيستعدون لموالاة سيرهم.
عنترة : ولكن هذا يوم الراحة الذي وعدوا به.
شيبوب : لم أقل عنه شيئًا البارحة، وقد أرجأت البت فيه إلى هذا الصباح.
عنترة : ألا يدهش أحد من هذا السفر السريع؟
شيبوب : كلا، وفضلًا عن هذا فلا يعلم القريبون منا ولا البعيدون بمصابك، هل تشعر بتحسن؟
عنترة : إن نسيم الصباح يطفئ قليلًا الحمى، والكي وحده الذي يؤلمني، هل دُفن ميت البارحة؟
شيبوب : أجل، هناك بجانب تلك الخميلة.
عنترة : إن الموتى مهما بلغ أمرهم لهم الحق في الراحة، ولننتخب الآن المكان الملائم لمشروعي، هناك، لا، بل بجانب تلك الهاوية فإنها مكان مكشوف قليلًا، ويجب أن يتمكن العدو حينما يصل من رؤية عنترة حيًّا أو ميتًا، والآن أيها الرفيق والأخ يجب أن نفترق في هذا المكان ولنرجع من هذا الطريق الذي كان بالأمس طريق الأمل، أما أنا فسأتمم حياتي وواجبي.
شيبوب : ألا تريد إذن أن أنوب عنك؟
عنترة : ولِمَ يا شيبوب يُحدث موتي ارتباكًا في سير الأمور؟ وتصبح عبلة وسط هذا الاضطراب دون أنت تتمكن من الوصول إلى الملك؟ لا، بل يجب أن ينفع حتفي رجالي وعشيرتي ومجدي ويترك نقطًا من الإبريز الوهاج في صفحات تاريخي.
شيبوب : ولكنني سمعت أن لدى المنذر كثير من علماء الطب فتعال، تعال، ومن يدري؟
عنترة : لقد فات الوقت، إذ بيننا وبين المنذر ثلاثة أيام، ولقد مات وزر بسرعة ولا مرد للقضاء.
شيبوب : نستطيع أن نؤخره بجهد عظيم!
عنترة : لا يمكن تأخير ساعة الموت، ولِمَ هذا الجشع الذي ينقص الكرامة ويسقط الاعتبار؟ وصباح حافل بالحوادث خير من يوم عظيم خالٍ …
أتبكي؟ ومتى كانوا يبكون فارسًا سقط عن جواده في ميدان المجد والفخار؟
شيبوب : إنني أبكي قومنا جميعًا، أبكي بلادك وأمتك وكل ما سيموت بموتك، عفوك اللهم وغفرانك!
عنترة : إن مستقبل الأمة والبلاد لا يتوقف على فرد ولو كان فارس الزمان، أو كان ملكًا دانت له الدنيا من أقصاها إلى أقصاها، ولا شيء يوقف تقدم أمة، إنني أراها ترقى وتتقدم من المشرق إلى المغرب في ازدهاء كسف الكوكب الذهبي في فلكه، ولا يهم النسور المختالة حتى الخطاطيف ريشة تزيد أو تنقص من أجنحتها القوية!
شيبوب : كلا يا عنترة! فإن هذه الفكرة لا تنطبق على ذويك.
عنترة : حتى ذوي، إذ سيكون ألمهم شديدًا ينفذ إلى سويداء قلوبهم، وكل شيء في الدنيا يتألم حينما يُولد أو يخلق حتى الحبة تتعفن قليلًا قبل أن تنبت، وما الحياة إلا ثمرة شجرة الموت، اذهب وارحل فلربما رأيتني في يوم قريب، وسأظهر لك مرة ثانية في الخيط الأسود الذي يخطه موتي في الموضع الذي مر فيه الزارع، وستنبت تحت قدميه الحبة التي بذرها، سافر واسهر عليها واحرسها أيها الصديق والحارس الأمين، ومن يدري ماذا سيكون شأن المولود الذي ستلده.
شيبوب (وهو ناظر إلى جهة المعسكر) : اذهب وكن على رأس الجند ومر من المضيق.
عبلة (آتية من المعسكر وهي تعدو وشيبوب وراءها) : أواه عنترتي، لقد فهمت كل شيء وحدثني به قلبي، لا تمكر عليَّ فإن قلبي لقلب بطلة، ولو أنه تألم كثيرًا ولكنه يستطيع أن يستمر في ألمه (ثم تقع على قدميه) إنني لا أتألم إذا شاطرتك حظك، أمَا أنا ظل ارتبط بظلك؟
عنترة (وقد غالب آلامه) : هذه زهرتي المسكينة قد أضجعها إعصار وهي مثقلة بماء السماء، انهضي فإن الشمس ستشرب وهي منحنية عليك عبرات حبك، لقد بدد الحديد المصهور كل خوف، وإني لأشعر بخفة وطأة الموت وأكاد أفلت من مخالبه، وإنك تستطيعين يا عبلة أن تذهبي وأنت مطمئنة مرتاحة البال، (ثم يقول بلهجة حنان وتأثر) هذا واجب عليك، وإن لك غرضًا يجب أن يكون نُصْبَ عينيك، ستبتهج له نفسك وهو أمل عظيم يتوج المرأة ويولد الغد من أسراره الخفية، وحبذا لو نضجت ثمرة حبنا يا عبلة، وإن مت وجب عليك أن تضاعفي حبك لهذا المخلوق الصغير (ثم يبتسم)، ولكن ما العمل؟ وكأني أحزنك وأقطب جبينك وأسعد عبراتك، ولكن كل شاعر حزين الفؤاد ولو من غير ما داعٍ ولا سبب.
عبلة (تنهض وهي منهوكة القوى مصعدة الزفرات) : سأرحل ولكنك لا تخدعني، وأعلم أن كل لحظة أو خطوة تبعدني إلى الأبد عن وجهك ونظرك المملوء بالعطف والحنان، ولا تقِل عنك شجاعتي وسأذهب طائعة، وأتمنى أن ألد ولدًا يثأر وينتقم لأبيه، وإني أحب الحياة لأجلكما، وهل يساعدني الحظ على نيل هذه الأمنية؟
عنترة! إنني كالسكرى من هذه الضحية وذلك الألم، فالوداع الوداع! وآمل أن لا تلين عَبَراتي من قناتك، ثم يتعانقان.
عنترة : الوداع الوداع يا بنت الأمير النبيل سلالة الأبطال الأماجد الذين يقابلون الأهوال بعيون كعيون النسور القشاعم، إن دم أسلافك لا يكذب كما يصدق دم راعيهم القديم الذي نال الشرف اليوم (ثم يصطحب شيبوب عبلة).
اذهبي ولن ترحلي وحدك يا عبلة، إن نفسي لتشيع خطواتك وسأجعل نصب عيني الساعات والأيام التي نسجت منذ طفولتنا خيوط حبنا، وسأبذرها في الهواء لتكون ذرات حياتي هذه بمثابة حرس عظيم، ثم أحرسكم جميعًا فيما بعد من أعالي السماء.

(ثم يعود إليه شيبوب.)

شيبوب : يا لك من مسكين! يجب أن تلحق بها في أقرب وقت، هيا بنا فإنني تام العدة والسلاح، وهذه آخر واقعة أخوض غمارها ويلزمني أن أستعد لها كالفوارس البواسل وأتلقى الطعنات إلى أن أقع مضرجًا بالدماء.
عنترة : شيبوب! يا أخي وزميلي في الحروب لنتعانق دون ضعف أو أسف لا يجدي ولا ينفع، وعيون جامدة لا تعرف أن تدمع.

(ثم يطيع شيبوب إشارة عنترة وهو يكظم زفراته ويذهب.)

سأموت الآن بغير شهود ونعمَ ما فعلت، إنني أستطيع الآن أن أعبر عن آلامي ويتسنى لعينيَّ أن تبكيا دون أن تسيل عَبرات الآخرين، لقد خارت قواي ولكني ضاعفت قواكم ولن يرى أحد منكم ضعفي وآلامي (ثم يخترف شعاع من الشمس المشرقة سحب الضباب المربد وينير وجه عنترة).
والشمس لا تفترق عنا، إذ تولد ثم يراها الناس وهي تموت، أيتها الشمس اذهبي إلى ذويِّ وانضمي إلى موكبهم وقولي لهم بأني أحميهم في الحياة وفي الممات، الوداع يا أماني الحب والمستقبل الزاهر، أواه! إنني أشعر أن البرد يغير عليَّ شيئًا فشيئًا، وقد اضطربت عيناي، ماذا دهاني؟! هل هذه وطأتك أيها الموت؟ مهلًا مهلًا، فإني أنا الذي أهاجمك وأشد عليك دون وَجَلٍ، لأمتطِ الجواد والرمح في يدي كما كنت من قبل، وسأجبرك أن تخضع لأمري وسيقود ذراعي سيرك الأعمى الأحمق.

(ثم يعلو جواده وهو في الرمق الأخير) والآن تفتح روحي جناحيك فطر وحلق، يخيل إليَّ أني أنام نومًا هادئًا وأرى سربًا من الطير آتيًا من المشرق، يقترب مني ويحيط بي ثم يذهب ويعود، ولكنه حياتي بأجمعها التي تضمني كأكفان نسجتها الأيام التي عشتها أيام الأمل والحب والحرب، إن الماضي يُعرض أمامي وأرى أول الكفن، أي أيام الطفولة، إن خيوطك لمن خز وعسجد وأنت وحدك اللامعة الزاهية، إننا ننسج بأيدينا أكفاننا، وهذا كفني يطويه الموت بأصابعه وهو يدفنني في طيات حياتي، لا تتحرك يا عنترة، يجب أن يراك العدو حينما يقبل مستعدًّا للكفاح.

(ثم يسلم النفس الأخير ويميل برأسه ويبقى جسمه منتصبًا معتدلًا مستندًا ذات اليمين إلى رمحه وذات اليسار إلى الصخور القائمة، وفي هذه الآونة يأتي الرجال شاهرين رماحهم وسيوفهم وعلى رأسهم عمارة بن زياد فيلمح على حين غفلة عنترة وقد أضاء وجهه شعاع الشمس المشرقة، فلمع سلاحه وهو راكب جواده.)

عمارة : آه! إنه لحي لم يمت.
الباقون (وهم يولون الأدبار مذعورين) : حي.
(ينزل الستار.)

(٣) الغادة ذات الكامليا

(٣-١) تحليل ونقد

ألكسندر دوما الصغير، علاقته بماري دوبليسي، فضله ومكانته في التأليف التمثيلي، الغادة ذات الكامليا، لاترافياتا، ترجمتها إلى العربية، تمثيلها بمسرح رمسيس، يوسف بك وهبي والسيدة روزاليوسف وعزيز أفندي عيد.

ولد هذا الكاتب الشهير بباريس سنة ١٨٢٤ وتوفي سنة ١٨٩٥، وكان ابنًا دعيًّا للروائي الشهير دوما الكبير، وكان جده الجنرال دوما هجينا دعيًّا أيضًا، إذ حملت به أمه وهي إحدى زنجيات جزيرة هاييتي من المركيز لابايتري بلا عقد بمدينة جيريمي بهاييتي وهي إحدى جزر الأنتيل، وما أردت سرد هذه الأسرار إلا لأبين نفحاتها على المؤلف وتأثيرها العظيم في رواية الغادة ذات الكامليا ودفاعه عن النساء الساقطات؛ لأن هذه المسألة هي «قضيته الشخصية».

يعد المترجم له من أقدر الكُتَّاب في الروايات القصصية والتمثيلية في القرن التاسع عشر، ومن مزاياه أن يهيمن احترامه على الجمهور في المسرح ويواجهه بصدماته ويسيطر عليه ويخضعه، تمثيله ذو نشاط وعمل وسرعة حماسية وروح جذابة في التعبير، لغته تنم عن القوة والثبات، ومحادثاته المسرحية ملأى بالحماسة وتبهر بنكاتها الأدبية.

ولع دوما بالنظام والظرف، واشتهر بطلاوة أسلوبه في المحادثة والقصص، كما أنه كان من المولعين بالفنون الجميلة، وكان رقيق الشعور يتألم من الرذائل والمساوئ ويحاربها بعزيمة ماضية لا تعرف الملل، وقد أعطى لغته شكلًا اجتماعيًّا وأخلاقيًّا عظيمًا، وكان غرضه الذي يرمي إليه تعضيد المجتمع الإنساني بإصلاح الأسرة التي يجب أن تؤسَّس على الحب لا على المال، وحينما كان يحارب الأوهام الفاسدة يشتبك مع الجمهور في حرب عوان، ولكنه لمهارته وجرأته وشدة عارضته وقوة أحكامه المنطقية وما وهب من الاستعداد أصبح واثقًا من الانتصار عليه والظفر به، حتى أصبح من أنبغ الروائيين في القرن التاسع عشر.

(٣-٢) ماري دوبليسي

كانت تُعرف أيضًا باسم الغادة ذات الكامليا؛ لأنها كانت مفتونة بأزهار الكامليا وتزين بها صدرها وآنيتها، واشتهرت بجمالها وعيشة البذخ والترف، وقد ولدت بمدينة «فوان» بمقاطعة «أرون» سنة ١٨٢٤، وماتت بالسل بباريس سنة ١٨٤٧ وهي في ربيعها الثالث والعشرين، وقد هام بها دوما الصغير واتخذها صاحبته وخلد ذكرها بروايته القصصية والتمثيلية.

(٣-٣) الروايتان القصصية والتمثيلية للغادة ذات الكامليا

كتب المؤلف روايته القصصية سنة ١٨٤٨، ولا حاجة لذكر الموضوع فقد سبقني كثيرون وذكروه في تقاريرهم بل أكتفي الآن بتحليلها.

يتساءل الناس: لِمَ حازت هذه الرواية هذا القبول والنجاح وأبكت السامعين مع أنها ليست بأعظم ما كتب المؤلف؟ فنجيب بأن هذه الرواية هي تاريخ حقيقي للمؤلف مع صاحبته ماري دوبليسي، ودفاع مجيد عن قضيته الشخصية وعن حبيبته، فهي تفتن بسرعة ارتباط الحوادث ببعضها، وإنشائه السهل الذي لا يشوبه تكلف، وعواطفه المتأججة.

وقد انتقد البعض المؤلف ولاموه على تعضيد نظرية فاسدة ضارة بالنظام الاجتماعي، وهي تجديد شرف الساقطات بحب الشريف من الرجال، ولكنه ليس بأول كاتب اتبع هذه النظرية وقد سبقه كثيرون من زمن مديد، ولم يعد دوما هذه النظرية بشكلها القديم ولكنه أتانا بشكل حديث مؤثر حتى استطاع أن يبكي العيون الجامدة، وما وسع الناس بعدئذ إلا أن يهنئوه ويفخروا به.

ثم استخرج روائينا من تلك الرواية رواية تمثيلية مُثِّلت لأول مرة بمسرح الفودفيل في ٢ فبراير سنة ١٨٥٢ وقد أحدثت انقلابًا عظيمًا في فن التمثيل، ولم تَكُ هذه الرواية جديدة بالنسبة لموضوعها أو فكرتها أو لأن الكاتب اختار موضوعًا جديدًا في مذهب «الرومانتسم» وهو استرداد اعتبار البغي وأعاد «ماريون دولورم»؛ بل لأنه أتي بشكل جديد وأظهر على المسرح مناظر وملابس الحياة الحاضرة، وأسس كوميديا الأخلاق الحديثة التي تشمل أخلاق العصر الحاضر في دائرتها وشكلها الحقيقي؛ ولذلك اقتفى أثره أغلب كتاب الروايات التمثيلية الذين انضموا في سلك مذهب «الريياليسم»؛ أي مذهب الحقائق.

كل هذه الظروف والاعتبارات التي شملت هذه الرواية جعلتها أكثر تداولًا من جميع روايات المؤلف ولو لم تكن أهمها؛ لأن روايته الأخيرة «فرنسيون» التي مُثِّلت لأول مرة سنة ١٨٩٧ تعد صفوة مؤلفاته التمثيلية، وقد مثلها الممثل الشهير «ألوبارجي» بالأوبرا الملكية من خمس عشرة سنة تقريبًا.

وكانت بعض روايات «دوما» يشوبها شيء طفيف من العيوب لتقليده للروائي الفرنسي «سكريب»، والخشونة في بعض المواضيع، والتكلف، والأحكام المنطقية التي تبعد من المعقول أحيانًا، ولكن هذه الشوائب تبررت بظهور «فرنسيون» ودلت على نفحات جديدة أتت من فج عميق وأسعدت كاتبنا بهذا الرقي الباهر.

(٣-٤) لاترافياتا

استخرج فردي من رواية الغادة ذات الكامليا الأوبيرا المسماة «لاترافياتا» وهي من أحقر مؤلفاته، وقد سقطت سقوطًا أبديًّا من أول يوم مُثِّلت فيه في «البندقية»، وقد قطعت جهيزة قول كل خطيب، إذ اعترف فردي نفسه بسقوطها، ونكتفي بسرد خطاب له كتبه في ٩ مارس سنة ١٨٥٣.

عزيزي لوكاردي

لم أكتب إليك بعد التمثيل الأول «للاترافياتا»، وإني أكتب إليك الآن بعد التمثيل الثاني، ولقد كانت النتيجة سقوطًا بل سقوطًا تامًّا ولا أدري على من يقع الخطأ؟ وأفضل الأمور السكوت، كما أني لا أريد أن أقول شيئًا عن الموسيقى ولا أتكلم عمن ساعدوني.

فردي

(٣-٥) ترجمة الرواية

ليت شعري! هل يجد الإنسان ما سردناه من المزايا النادرة من تلك البلاغة الساحرة، والتحاليل البسيكولوجية والأخلاقية، والفكاهات الرقيقة، والروح اللطيفة، والأبحاث الاجتماعية، والعواطف الملتهبة، والفن التمثيلي الذي يهيمن على السامعين بتأثيره ونظامه في الترجمة العربية؟

كلا ثم كلا، إذ لم يقدر المترجم شيئًا من تلك المزايا بل أبرز لنا شكلًا لا يزيد عن الهيكل العظمي للرواية بعبارة ركيكة.

(٣-٦) تمثيل الرواية بمسرح رمسيس

أول شيء لفت نظري حينما فتحت برنامج الحفلة هذه الجملة: «تفتتح الحفلة بمارش رمسيس تأليف وتلحين يوسف بك وهبي»، فقلت: هذا فضل جديد كنت أجهله وانتظرت على جمر الغضا توقيعه، ولكن سمعنا لحنًا غريبًا ضئيلًا مريضًا واستغرب منه صديقي أيضًا الذي كان بجانبي، وهو من المولعين بالموسيقى والتمثيل وله ذوق عظيم فيهما.

رفع الستار في الليلة الأولى في الساعة التاسعة والنصف، وانتهى التمثيل في الساعة الثانية صباحًا، وهذا حالنا دومًا نحن معشر المصريين لا نظام لنا ولا ترتيب.

رأيت المناظر والملابس جميلة ولكن ينقصها كثير من الذوق السليم لا سيما ملابس النساء وترتيب شعورهن، إذ كان يسود عليهن الشكل «البلدي» ونسين أنهن يمثلن نساء باريسيات!

إن ما رأيته في تمثيل هذا الجوق لا يمتاز بشيء محسوس عن الأجواق الأخرى التي تفككت أو الباقية إلا بالملابس والمناظر، ومن العيوب السائدة فيه عدم حفظ الأدوار والاستعانة بالملقن، كما أن الإشارات والحركات رديئة خصوصًا عند السيدات، وكانت السيدة فاطمة رشدي ذات حركات «بلدية»، وقد لفتت الأنظار بالضحك وقتما كانت تشرح كيف خسر زوجها المحامي قضيته، وحُكم على الذي دافع عنه بالأشغال الشاقة، إذ كانت تحرك كتفيها ويديها وتضرب على كفيها، وكان على مقربة مني أحد الشبان الراقين من المشتركين في الأوبرا الملكية، فقال: «أظن أن القضية كانت أمام محكمة الأزبكية.» فأغرق الحضور في الضحك لهذه النكتة الظريفة التي تناسب المقام.

أهم أدوار الرواية ثلاثة وهي: دور أرمان ليوسف بك وهبي، ومرجريت لروزاليوسف، ووالد أرمان لعزيز أفندي عيد، دخلت المسرح وكلي آمال واشتياق، ولكن ما لبثت أن خابت كل الظنون وشككت في أنه درس دراسة تامة ونال بعدها دبلومًا، رأيت فيه جمودًا في الجسم، إلقاؤه يكاد يكون على وتيرة واحدة خالٍ من العواطف، حتى إن تمثيله وسحنته لا يدلان على شيء منها، وربما كان أليق قليلًا في نوع آخر كالحزن أو الكلاسيك أو غيره، وهذا ما لا أستطيع الحكم به قبل مشاهدته.

وإذا قارنا بينه وبين عبد الرحمن أفندي رشدي وجدنا الأخير أميز بمراحل، ولو أنه لم يتلقَ التمثيل على أحد بل درسه من كثرة مشاهدة الأجواق الأجنبية المشهورة التي كانت تؤم البلاد، كانت روزاليوسف أمهر من باقي الممثلين في عدم التكلف في حركاتها وإشاراتها، وقد أبكت كثيرًا من الحاضرين واغرورقت عيني ولو أني لم أعجب بتمثيل الرواية بعدما شاهدتها من كثير من مشاهير فحول الكوميدي فرنسيز ممن زاروا مصر.

والذي ينقص الآن هذه الممثلة نشاط الحركات وقوة الصوت وسرعة الإلقاء، وقد سمعتها منذ اثنتي عشرة سنة في نادي الألعاب الرياضية هي وعزيز أفندي عيد تمثل «يا ست ما تمشيش كده عريانه»، وكانت وقتئذ نشيطة في الحركات رشيقتها رنانة الصوت، أما عزيز أفندي عيد فلا يليق إلا للنوع المضحك، وكان دوره في والد أرمان رديئًا جدًّا بعيدًا عن مهابة الآباء وحنوهم ورزانتهم بصوت خشن أبح وحركات مضحكة، وقد ترحمت على أبي العدل أفندي وقلت: حبذا لو كان حيًّا ومثَّل لنا هذا الدور الذي لا يحسنه غيره.

وأملنا أن يعطي وهبي بك لهذه الملاحظات عناية تامة ويحسن اختيار الروايات وتعربيها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١