الفصل الأول

شذرة تاريخية في أسباب نهضة العرب وسقوطهم

نأتي هنا على ذكر بعض الأسباب الخطيرة التي نهضت بالعرب في القرون الوسطى تلك النهضة المباركة، ثم نتقدم إلى سرد العوامل التي سببت تقلص سلطتهم ذلك التقلص السريع، وفائدة هذا في بحثنا تُدرَك للوهلة الأولى؛ فإن التاريخ ولو كان لا يعيد حوادث الماضي حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، فإنه لا يشك أحد بأن الأسس الكبرى لجميع حوادثه تظهر مُقادة بنواميس واحدة.

•••

وضع العلَّامة الكبير الدكتور غوستاف لوبون مجلدًا ضخمًا في «حضارة العرب» Civilisation des arabes خصَّ فصلًا من فصوله بتقرير أسباب نهضتهم وانحطاطهم، ضمَّنه أحسن ما رأيت من الآراء الاجتماعية بهذا الشأن؛ ولذا نخص عنه أكثر مضامين هذه الشذرة.

(١) عوامل النهضة

لا نستطيع أن نذكر في التاريخ شعبًا وصل إلى الدرجة التي أدركها العرب في تلك المدة الوجيزة؛ فقد أسسوا — من الوجهة الدينية — ديانة من أعظم الديانات السائدة على العالم، وشيَّدوا — من الوجهة السياسية — صروح إحدى الممالك الكبرى التي عرفها التاريخ، ومدَّنوا أوروبا من الوجهة الأخلاقية والعقلية.

غوستاف لوبون

كان العامل الأول المؤهل لعظمة العرب الزمن الذي ظهروا فيه؛ ولهذا العامل قيمة كبرى للأفراد والجماعات، فإن كثيرًا من المزايا لا تنبثق إلا في وقتٍ ما، فنابليون لم يكن ليصل إلى تلك الدرجة العالية من المجد العسكري لو وُجد في عهد لويس الرابع عشر، ولو ظهر رجال العرب في زمن عظمة الرومانيين لظلُّوا يجهلهم التاريخ، جاء رجال العرب في الوقت الملائم؛ إذ كان العالم القديم متداعيًا للسقوط من جميع أطرافه، يكفي أن يلمسه أتباع النبي لمسًا خفيفًا ليصير خاويًا على عروشه.

غير أنه لا يكفي هدم مملكة لتأسيس حضارة، فالعجز الطويل الذي أظهره البرابرة وارثو الحضارة الرومانية في الغرب كما العربِ في الشرق يدلنا على صعوبة هذا العمل، أو بالأحرى استحالته، فالشرط الإعدادي الأول كان هكذا ميسِّرًا تكوين مملكة وحضارة جديدتين، بَيْدَ أنه يلزم لنجاح ذلك عوامل أخرى أساسية.

نذكر من هذه بادئ ذي بدء تأثير العِرْق الجنسي.

إن الذي يميز على الأخص قومًا عن قوم هو عدد من المشاعر والقابليات المشتركة الموجودة في أفراد هذا القوم يوجِّه قواهم نحو نقطةٍ واحدة، ومجموع هذه المشاعر المتماثلة الناشئة عن تجمعات وراثية بطيئة يمثل التراث الذي اشتغل كل من أجدادنا في إيجاده وتركه لخَلَفهم، والذي نعمل نحن على تركه لأبنائنا، ومع أن ذلك الخلق يتغير بحسب قابلية الشعوب، فقلَّما يختلف في شعبٍ واحد.

لا شك أن كل جيل يؤثر في العناصر الأساسية للخلق القومي، ولكن هذا التأثير خفيفٌ للغاية، حتى إنه يلزم مرور عصور عديدة؛ ليتمكن مجموع التغيرات الخفيفة من إحداث انقلابٍ محسوس، ويظهر أن التربية والبيئة والحوادث تُنشئُ بعض التغيرات السريعة، بلى، ولكنها وقتية لا تُعمر طويلًا.

وبالطبع، فإن الخصائص الأخلاقية والعقلية في قومٍ من الأقوام ثابتة تقريبًا ثبوت الخصائص الجسمية في الأنواع، ومعلوم أن هذه لا تتغير إلا بعد زمنٍ طويل، وبطؤها الشديد هذا قد حدا ببعض الطبيعيين إلى اعتبارها ثابتة لا تتغير.

ليس الذكاء بالمكون للخلق، وليس هو المحرك الأساسي للسيرة، بل الذي يُكوِّنه هو مجموع المشاعر المشتركة الذي ينبغي الابتداء به عند درس الدور الذي لعبته الأفراد والشعوب على مسرح التاريخ، إن حب الثورات وسهولة إشهار الحرب بلا موجب واليأس حين الفشل صفاتٌ أدركها «قيصر» في العصور القديمة عند أجداد الفرنسيس، وهي تشرح كثيرًا من حوادث ماضيهم.

من السهل البرهان بواسطة التاريخ على أن نتائج الخلق تتغير بحسب الظروف، وأن الْخِلال أو النقائص التي سببت في عهدٍ ما عظمة شعبٍ من الشعوب يمكن أن تسبب سقوط غيره، والعرب يقدِّمون لنا مثالًا على ذلك.

يمكننا بالبحث الدقيق أن نكشف مع اختلاف النتائج أسبابًا واحدة، يظهر مثلًا وجود هاويةٍ سحيقة بين يوناني عصر «بريكلس» وبين البيزانتي، غير أن روح الخلق لم تزل واحدة، أما الظروف التي يعمل بها فهي وحدها تغيرت، فإنه حين ظهوره في بيئة وزمن مختلفين عن ذي قبل صارت تلك الرقة في الكتابة، وذلك المعنى الفلسفي البعيد عند اليونان، إلى التنميق الباطل والجدل الديني والثرثرة عند البيزنطيين ورجال التفتيش في القرون الوسطى بإيمانهم المتَّقد وغرائزهم الثابتة على المحافظة الشديدة، يختلفون في الظاهر عن اليعقوبي العصري بإلحاده الهائل وفطرته الثورية، لكنَّ بُرْهَةَ تَدَبُّرٍ تَدُلُّنا بأن الثاني نسيب الأول يمتُّ إليه بحبل القرابة ولم يتغير فيهما إلا اسم المعتقد.

ونضيف إلى هذه العناصر الأساسية للخلق، الثابتة ثبوت الفقرات في الحيوانات الفقرية، عددًا من عوامل أخرى تتغير كما تتغير القامة وهيئة الجسم واللون في هذه الحيوانات، وهي التي تحملنا على القول بأن الأذواق والأفكار تتغير من عصرٍ إلى آخر، غير أن هذه التغيرات لا تؤثر في شيءٍ من عناصر الخلق الأساسية، ويمكن تشبيه هذه الأخيرة بالصخرة التي يضربها الموج على الدوام دون أن يهزها، والأولى بطبقات الرمل والأصداف والحشائش التي يضعها الموج على تلك الصخرة؛ ليستردها بعد قليل.

كان للعرب ذكاءٌ حاد، وحماسة شديدة، واستعدادٌ فني وأدبي لا يمكن نكرانه، وما كانوا لولاه ليصلوا إلى هذه الدرجة من الحضارة.

ومما يستحق الاهتمام أن السجايا الحربية كانت ملازمةً للعرب، بل لاصقةً بهم، بحيث إن الجزيرة لم تكن إلا ساحة حربٍ دائمة، يسفك فيها بعضهم دم بعض، فلما خضعوا لذلك المعتقد كانت السجايا الحربية السالفة الذكر من أهم أسباب نجاحهم، وهذا دليلٌ على ما قدمناه من أن الاستعداد الواحد ينتج نتائج مختلفة باختلاف الظروف، وأن نفس الغرائز التي تسبب النهضة تُحدث السقوط فيما بعد.

وقد كان للعرب نهضة مهيئة لتلكم النهضة الكبرى.

ولم تقتصر تلك النهضة على الأدب والشعر، بل شملت الدين؛ فقد كان هناك نهضة دينية اضطربت فيها الأفكار واختلطت الاعتقادات، فلم يكن أهل الجاهلية يعرفون لمن يُصلُّون، ولا إلى من يتوسلون، فقد يذبح أحدهم للصنم ويدعو الله، وفيهم عبدة الحجارة والنار وعبدة الأصنام، وفيهم الموحدون والمشركون، وغير ذلك من أنواع العبادات المتضاربة، وظهر في أثناء ذلك الاضطراب من حرَّم الخمر ورفض الأصنام، وأصبح الناس يتوقعون الفرج من باب النبوة، وكان ذلك حديث الناس في مجالسهم، فادعى النبوة غير واحد من قبائل مختلفة، وهمَّ بعضهم بادعائها، مما يدل على تنبه الأذهان إلى أمر الدين والافتكار في عواقب الأعمال.١

وكانوا يقتنون بضعة عشر علمًا؛ كعلم النجوم والأنواء ومهاب الرياح والميتولوجيا والكهانة والعرافة والطب والشعر، وكان اعتناؤهم بهذا الأخير أكثر من البقية، حتى إنهم نظموا في قرنٍ واحد أو قرنين ما لم يجتمع عند أمم العالم المتمدن في عدة قرون، وخصوصًا في العصر الجاهلي، فإلياذة «هوميروس» و«الأوديسية» هما معظم شعر الجاهلية اليونانية، ولا يزيد عدد أبياتهما على ٣٠٠٠٠ بيت، أما العرب فيؤخذ مما بَلَغَنا من أخبارهم عما نظموه في نهضتهم الأخيرة قبل الإسلام أنه يربو على أضعاف أضعاف ذلك، فهم يعدون منظوماتهم بالقصائد وليس بالأبيات، فقد ذكروا أن أبا تمَّام صاحب كتاب الحماسة كان يحفظ من أشعار العرب ١٤٠٠٠ أرجوزة، غير القصائد والمقطعات (ذكره ابن خَلِّكَان جزء أول صحيفة ١٢١)، وكان حماد الراوية يحفظ ٢٧٠٠٠ قصيدة، على كل حرف من حروف الهجاء ألف قصيدة (في كتاب النجوم الزاهرة، صحيفة ٤٢٠)، وقال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثير.

وزد على ذلك أن العرب نظَموا الشعر الكثير وأبدعوا فيه، وهم يكادون يكونون فوضى لا دولة لهم ولا جامعة ولا دين ولا شيء مما حمل اليونان أو الهنود أو غيرهم على النَّظْم، وإنما اندفعوا إليه بفطرتهم، ولولا ذلك لتأخروا في النظم حتى قامت دولتهم ونضجت قرائحهم كما حدث للرومانيين، فإن الشعر لم ينظم بلسانهم إلا بعد تأسيس دولتهم ببضعة قرون، ولم يبلغ الشعر اللاتيني عصره الذهبي إلا في أيام «أغسطس» و«طيباريوس» نحو القرن الثامن من تأسيس «روما»، ثم أخذ في التقهقر، ويقال نحو ذلك في دول أوروبا الحالية، فإن الشعر لم ينضج عندهم إلا بعد نشأة دولتهم وتقدمهم في العلم والأدب.٢

كان الشعر فطريًّا في العرب يندر من لا يستطيعه حتى المجانين واللصوص، ناهيك بالنساء؛ فقد نبغ منهن جماعة كبيرة من الشواعر، ومن لم يستطع الشعر لم يَفُتْه الاجتماع في المجالس العمومية لسماعه أو مناشدته، وكثيرًا ما كانت النساء يعقدن المجالس لمناشدة الأشعار وذكر الشعراء ونقد أقوالهم وبيان ما يتفاضل به بعضهم على بعض، وكان أكثرهم ينظمون الشعر وهم أطفال لم ينظروا في الأدب والشعر، فمن شبَّ ولم تنفتق قريحته عدُّوا ذلك نقصًا فيه وعيبًا على أهله.

وقد بلغ من احترام العرب للشعر والشعراء أنهم عمدوا إلى سبع قصائد اختاروها من الشعر القديم وكتبوها بماء الذهب وعلَّقوها في أستار الكعبة، وهي المعلقات؛ ولذلك يُقال لها المُذَهَّبات أيضًا كمُذَهبة امرئ القيس، ومُذَهبة زهير.٣

وبالجملة، فقد كان الشعر شائعًا في العرب ولم تخلُ قبيلة من شاعرٍ أو غير شاعر يحمي زمارها ويصف عواطفها، وكان الشعر عندهم مستودع الأخبار وخزانة الآداب والأخلاق؛ ولذلك قيل: الشعر ديوان العرب.

وعندي أن الغاية الكمالية هي في رأس عوامل نهضة الأمم؛ إذ إنها تجعل القوى متضامنة متحدة، فقد جمعت الغاية الكمالية التي تمَّت على يد محمد — عليه السلام — العربَ بوثاقٍ وثيق، وكانوا قبل ذلك قبائل مبعثرة يغير بعضهم على بعض، فهذه الضالة أو الغاية الكمالية كانت كافيةً لأن تبعث الحمية في نفوس أتباعها؛ بحيث إنه يهون عليهم الموت في سبيل نصرتها.

إن الغاية الكمالية هي من أعظم عوامل الارتقاء، دون نظرٍ إلى حقيقة هذه الغاية أو موضعها من الصحة، بل يكفي أن تكون قوَّتها عظيمة لتُحدث في الشعب عواطف مشتركة وآمالًا واحدة وإيمانًا متينًا واستماتة في سبيل تحقيق هذا الخيال.

كانت غاية الرومانيين الكمالية عظمة «روما»، وضالة المسيحيين الأمل باكتساب حياة سعيدة كلها لذة وانشراح، وللرجل في العصر الحاضر آلهة جديدة خيالية يُشيد لها التماثيل والمعابد، تؤثر في مجرى حياته تأثيرًا كبيرًا، والتاريخ ليس إلا سرد الوقائع التي قام بها البشر في متابعة الضالات أو المقاصد العليا التي لولاها لبقي الإنسان في الحالة الوحشية ولَمَا كان هناك حضارة، يبتدئُ الانحطاط في شعبٍ من الشعوب حين يفقد ضالته الخيالية المحترمة لدى جميع أفراده الذين يكونون مستعدين للذَّبِّ عن حِيَاضِها.

كانت الغاية الكمالية التي قصد إليها محمد دينية سياسية، والمملكة العربية تُقدِّم لنا الحادث الوحيد الذي كانت آخرته تأسيس مملكة باسم ديانة، وإصدار جميع الأوضاع السياسية والاجتماعية من هذه الديانة.

هل يكفي هذا العامل (الضالة أو الغاية الكمالية)؛ إذا قرنَّا إليه ما ذكرناه سالفًا لبيان عظمة العرب وشرح أسباب نهضتهم؟ كلا.

كان العالم القديم متداعيًا للسقوط أو بالأحرى متهدمًا، وكان هناك شعب مستحوذ على المزايا الحربية تضمه عروة المعتقدات المشتركة، وهو مستعد للانقضاض على ذلك العالم، بقي الاستيلاء عليه بَلْهَ حفظه بعد ذلك.

يرى المطَّلع على تاريخ العرب قبل الإسلام أنهم لمَّا خرجوا المرات العديدة من الجزيرة ينوون الاستيلاء على البلاد الفارسية، أو تخضيد شوكة المملكة الرومانية، ورجعوا بالخيبة والفشل، ما كانوا ليقنطوا من النجاح بإعادة الكرَّة، وقد كانوا تعلَّموا من أعدائهم بعض الفنون الحربية كتعبئة الجيوش مثلًا وتنظيمها إلى أن أصبحوا معادلين لهم مماثلين من الوجهة الحربية، وحينئذٍ أصبح فوزهم مضمونًا، فكان كل جندي في الجيش العربي مستعدًّا لتضحية ذاته في سبيل نصرة الفكرة التي كان لأجلها يحارب ويناضل، بينما كان أعداؤهم عارين من كل إخلاصٍ وحماسة واستماتةٍ وإيمان.

كان يمكن أن تُعمي فتوحات العرب الأولى أبصارهم وبصائرهم، وتؤدي بهم إلى ذلك التهور الذي لم تنجُ منه أمة من الأمم بأن يعاملوا المغلوبين معاملةً سيئة، ويحملوهم قهرًا على اعتناق ديانتهم الجديدة التي كان جُل قصدهم نشرها في العالم، فلو ارتكبوا هذا الغلط لقامت الشعوب التي لم تخضع لهم تمامًا، تحمل لواء الثورة والعصيان، فالشطط الذي ركب متنه الصليبيون حين دخلوا سوريا بهذا الشأن ابتعد عنه العرب بدقة واعتناءٍ شديدين.

لقد أظهر العرب نبوغًا سياسيًّا يندر في غيرهم من معتنقي ديانة جديدة؛ إذ فهم الخلفاء الأولون أن الأوضاع والديانات لا تُلزم بالقسوة، والتاريخ يدلنا بأنهم حيثما دخلوا «مصر وسوريا وأسبانيا» كانوا يعاملون الأهالي برفق، تاركين لهم الخيار بالسير على الشرائع والمعتقدات التي يرغبونها ولا يطالبونهم مقابل محافظتهم عليهم إلا بجزية قليلة بالنسبة للضرائب التي كان يتقاضاها منهم الأسياد السالفون، والخلاصة أن التاريخ لم يرَ تساهلًا كتساهل العرب، ولم يشهد ديانةً كديانتهم في الرقة والتسامح.

إن هذا التسامح الذي تجاهله للآن أكثر المؤرخين أو سهوا عنه يشرح السهولة التي امتدت بها فتوحاتهم، وتعممت ديانتهم بتلك السرعة الفائقة وكذلك شرائعهم ولغتهم.

ومعلوم أن هذه الأخيرة ظلَّت تحفظها الشعوب التي تلقتها قبلًا بصدرٍ رحب حفظًا راسخًا قاوم جميع الغارات فثبتت حتى بعد انسحاب العرب من مسرح التاريخ، ويظهر هذا الحادث بوضوحٍ باهر في مصر؛ فإن الفرس واليونان والرومان الذين حكموها لم يقدروا على هدم حضارة الفراعنة أبدًا ليحلوا محلها حضارتهم.

إن أسبابًا أخرى عدا التسامح والرقة أكدت نجاح الغاية الكمالية العربية، ومهَّدت العقبات للأوضاع والنظامات الصادرة عنها، هي أن هذه النظامات بسيطة جدًّا تتفق بسهولة زائدة مع احتياجات الطبقات الوسطى من الشعوب الخاضعة؛ أي سوادها الأعظم، ولما لم تكن موافقة تمامًا لتلك الحاجيات كان العرب يعرفون كيف يبدلونها بأحسن منها تبعًا لضرورة الحال، وهكذا كانت الأوضاع الإسلامية في الهند والفرس وجزيرة العرب وإفريقيا البربرية ومصر تقدم لنا — مع أنها صادرة عن قرآنٍ واحد — فروقًا عظيمة، وصلنا هنا إلى الحين الذي افتتح العرب فيه العالم، غير أن مشروعنا لم ينتهِ بعد؛ إذ ليس طور الفتوحات إلا قسمًا من تاريخ اتباع النبي الكريم، فإنهم بعد أن حكموا العالم وشيدوا صروح حضارة عظيمة لا تقوى العوامل المتقدمة على بسطها وتأويلها دخل حينئذ عاملان جديدان.

كانت هذه الحضارة ناشئة عن سببين: البيئة الجديدة التي وُجدت فيها العرب، وقابليات ذكائهم الفطري.

أما البيئة فمعروفة؛ فإن العرب لمَّا خرجوا من صحرائهم شاهدوا أنفسهم بجانب تحفٍ مدهشة وطرف تبهر الأنظار، تلك هي الحضارة اليونانية الرومانية، فأدركوا أفضلية أعدائهم الأدبية كما أدركوا أفضليتهم الحربية فاجتهدوا ببلوغ مستواهم.

غير أنه يلزم لتمثيل العرب حضارةً راقية أن يكونوا حائزين روحًا عالية، ومساعي البرابرة التي ذهبت عبثًا في محاولتهم اكتساب الحضارة اللاتينية تُظهر صعوبة هذا العمل الكبير، بيد أن العرب لحسن الحظ لم يكونوا برابرة، نحن نجهل ما كان من حضارتهم قبل النبي — عليه السلام، حين كانوا ذوي علاقة تجارية مع المحيطين بهم والمجاورين لهم، ولكنَّا نعلم أنه لما ظهر — عليه السلام — كانوا حائزين على درجةٍ من الرقي الأدبي عالية، بأن كانوا مؤهلين لتعلم ما يريدون اكتسابه، لم يأت العرب عند درسهم الحضارة التي رأوا أنفسهم بغتةً في وسطها بشيءٍ من تلك التقاليد التي كان البيزنطيون يئنُّون تحت عبئها، فهذه الحرية الفكرية كانت من أسباب توسعهم في العمران والمدنية، والغالب في حياة الشعوب أن يخضع البشر لنِير التقاليد القديمة، ويحول بينهم وبين كل ترقٍّ تجددي لسلطان الماضي، بعد أن لعب دورًا مهمًّا نافعًا.

إن نزعة العرب الفطرية وخيالهم الغريزي وروحهم الأدبية والابتكارية ظهرت بعد قليلٍ في آثارهم الجديدة حتى إنهم أثَّروا في وقتٍ قليل في البناء والفنون والعلوم، ووضعوا عليها ذلك الطابع الخاص الذي يُعرفنا بنظرةٍ واحدة أنها صنع أيديهم وثمرات أفكارهم، حتى إن الفلسفة اليونانية التي لم تكن لتتفق مع روحهم ومزاجهم لم يقربوها أبدًا.

هذه هي أسباب النهضة العربية:

فانظر إلى الأجداد كيف سعوا
للمكرمات وآيةً سلكوا
هلَّا أخذت بهديهم فهمُ
تركوا العلى لك فَارْعَ ما تركوا
واطلب مداهم إنهم نفرٌ
عاشوا بذكرهم وقد هلكوا

(٢) عوامل السقوط

قلَّ من جاوز من الشعوب مستوى العرب، لكنه قلَّ كذلك من نزل في الانحطاط إلى درجتهم.

غوستاف لوبون

يمكن إيراد أغلب العوامل التي ذكرناها عن نهضة العرب في شرح سقوطهم، ويكفي الإتيان على ذكر ذلك العامل الخطير وهو الوقت المناسب لنرى أطيب الخلال وأنفعها تُحدث نتائج سيئة مشئومة، وهذه الحالة مشاهَدة في الأفراد كما في الشعوب، فإن استعداد الذكاء وقابليات الخلق التي تسبب النجاح المؤكد في وقتٍ ما تكون السبب في الفشل وحبوط المسعى في زمنٍ آخر، وقد بيَّنَّا سابقًا أن السجايا الحربية التي كانت من قبل سببًا في خذلانهم؛ إذ كانوا يستعملونها في مناوشة بعضهم بعضًا، أصبحت نافعةً لهم لمَّا وحَّد محمد قواهم، كذلك نفس هذه السجايا الحربية التي أفادتهم في عصر فتوحاتهم صارت وبالًا عليهم حتى انتهت هذه الفتوحات، فإن عادات التخاذل والتحزب الموروثة فيهم أنتجت — لما رجع السلطان إليها — تقسيم المملكة، فكانت سبب سقوطهم، وإن منازعاتهم الداخلية هي التي أدت — في الحقيقة — إلى ضياع أسبانيا وصقلية من أيديهم. ولم يتمكن الأغيار من طردهم إلا حين شُغلوا بمنافساتهم العدائية الدائمة.

وكذلك أوضاع العرب السياسية والاجتماعية التي ذكرناها كعوامل للنهضة أصبحت بين عوامل الانحطاط.

لم ينجح العرب في تملك العالم إلا يوم تمكنوا بواسطة ديانة محمد من الخضوع لشريعة ثابتة، وهي وحدها تقدر على لمِّ شعث القوى المتبعثرة في جزيرة العرب، فوثاق هذه الشريعة المحكم ظل حسنًا موافقًا، ما دامت أوضاع النبي ذات علاقة مكيفة مع حاجيات الأمة العربية، فلما أصبحت تبعًا لترقيات الحضارة محتاجة لأن تتغير كان نير التقاليد الموروثة ثقيلًا جدًّا لا يتمكنون من خلعه والتملص من ربقته، وأوضاع القرآن التي كانت مظهرًا لاحتياجات العرب في عهد النبي الكريم أصبحت خلاف ذلك بعد عدة قرون، وبما أن هذا الكتاب كان شريعة دينية ومدنية وسياسية معًا، يجعله منبعه الإلهي ثابتًا لا يتغير، أصبح مستحيلًا قلب الأساسات التي بُنيَ عليها، وقد ظهرت نتائج المغايرة لما تسرب الوهن إلى سلطان العرب، فقامت تلك الانقلابات والمعاكسات الدينية بحجة تجديد المذهب الإسلامي، فكانت ترمي إلى إرجاع المسلمين إلى القرآن حرفًا بحرف دون أن يتعدى أحد هذه الدائرة الضيقة، بينما كان العرب في عصور بغداد وقرطبة الذهبية يعرفون كيف يحدثون على النصوص التبديلات التي تستوجبها الحاجات والظروف، وعلى الأخص الشعوب التي تود اعتناقها والسير بموجبها، وأن ضرر عدم التغيير زمنًا مديدًا قد ظهر في أوضاع العرب السياسية، فهذه الأوضاع التي كانت تجعل في يد رجل واحد كل القوى الحربية والدينية والمدنية، هي وحدها تكفل لنا تأسيس مملكة عظيمة، ولكنها كانت مع ذلك الأقل استعدادًا لتحقيق دوامها.

إن لتلك الحكومات المطلقة الكبرى التي تنحصر جميع سلطاتها في فردٍ فذٍّ من أفرادها سلطانًا كبيرًا لا يُقاوم في زمن الفتوح، غير أنه لا ينجح إلا بشرط أن يكون في رأسها على الدوام نوابغ ورجال عظام، واليوم الذي ينعدم فيه هؤلاء يصبح كل ما بُنيَ وشُيِّدَ خرابًا يبابًا.

كان تجزؤ المملكة أول نتائج نظام العرب السياسي، فعمَّال الخلفاء الذين كانوا مثلهم تجسمت فيهم كل القوى الحربية والدينية والمدنية المتعلقة بولايتهم، توصلوا بعد زمن قليل إلى محاولة الاستقلال بالحكم، ولما لم يكن يوازي سلطتهم سلطة أخرى مماثلة لها صار من السهل إعلان سيادتهم المطلقة على البلاد، فحثَّ نجاح بعضهم همم الآخرين، ودفعهم إلى مجاراتهم واحتذاء مثالهم، وهكذا صارت أهم ولايات المملكة ممالك مستقلة تمام الاستقلال.

كان لهذا التجزؤ نتائج نافعة وضارة؛ ضارة لأنها أضعفت سلطان العرب الحربي، ونافعة لأنها كانت تسهل ترقيات الحضارة، ومصر وأسبانيا ما كانتا لتصلا إلى تلك الدرجة العالية لو بقيتا متعلقتين بالمركز، ولو أدارها حكام أو ولاة يتغيرون من حين إلى آخر، لا همَّ لهم إلا الثراء، دون البلاد، لأصبحتا في ذلك العهد تحكيان ولايات الدولة العثمانية اليوم، لقد كان تمدن بعض هذه الممالك الصغيرة المستقلة عظيمًا جدًّا، ولكنه سرعان ما صارت جميعها إلى ما صارت إليه غيرها من الممالك القديمة؛ حيث القدرة الحربية بدلًا من أن تكون مؤسسة على مُعَدَّات مهمة، كانت مؤسسة على عدد المحاربين وقيمتهم العسكرية تودي بهم هجمة واحدة، إن المدنية ترقق العادات وتربي الفكر، لكنها لا توسِّع الغرائز الحربية ولا تنميها، فتهيئ سقوط الممالك — لابن خلدون في مقدمته بحث ضافٍ جليل في هذا الموضوع — والشعوب التي تملك سعة ويسارًا تجد نفسها على الدوام مهددة من الذي أمسك العسر وضيق ذات اليد بخناقها، حين ترمي إلى استبدال ما هو أحسن من حالتها بها، على هذه الصورة انقرضت أغلب الحضارات الكبرى، كذا كان مصير الرومانيين، وكذا كان مصير العرب، إن الفاتحين المتعددين من أتراك ومغول اكتسحوا بلاد هؤلاء الذين استبحر عمرانهم ونمت حضارتهم، ولو هاجموهم حين كان أتباع النبي شارعين بتأسيس مملكتهم، وهم حينئذ شعب جافٍ اعتاد على التعب وشظف العيش ولمَّا يفسده الترف، لفشلوا كل الفشل.

ينبغي أن نذكر بين أسباب سقوط العرب تعدد الأقوام الخاضعة لحكمهم، وتأثير هذا العامل في الانحطاط يظهر بطريقين مختلفين، وكلاهما مشئوم؛ فإن وجود الأقوام الكثيرة يجعل الاحتكاك من جهة شديدًا والانشقاقات عنيفة، ومن جهة أخرى يسبب التزاوج الذي يفسد سريعًا دم الغالبين.

فالخليط من الشعوب المتعددة في مملكة واحدة كان على الدوام سببًا في الانحطاط العاجل، والتاريخ يدل بأنه لا يمكن المحافظة على حكم أقوام عديدة إلا باتباع شرطين أساسيين؛ الأول: أن يكون سلطان الفاتح عظيمًا يعلم الجميع أن مقاومته من العبثيات، والثاني: ألا يتزاوج الفاتح وتلك الشعوب المغلوبة على أمرها فيذوب فيها، ويندغم بها.

أما الشرط الأول فلم يتبعه العرب أبدًا، والرومان أنفسهم الذين لم يتبعوه دائمًا سقطوا إذ نبذوه تمامًا، وقد كانت السهولة التي عامل بها أسياد العالم القديم المغلوبين، ومنحهم البرابرة الدخلاء كل حقوق الوطني، من أهم الأسباب التي أنتجت سقوط العالم الروماني، بذا أصبحت «روما» مأهولة بالشعوب العديدة، فلم يعد يحكمها الرومان، وقد خمدت فيهم المشاعر التي عملت على عظمتهم من قبل، كان الوطني الروماني لا يتردد في سفك دمه لأجل «روما»؛ لأن عظمة «روما» كانت إلهًا يعبده ذا سلطان عليه شديد، ولكن ما هو تأثير هذه الغاية العليا على نفس بربري؟

إن جعْل الشعوب المتنوعة الحائزة على عواطف مختلفة تخضع لشريعة واحدة مشروعٌ باطلٌ عقيم لا يمكن أن يكون إلا بمعاملة قاسية، وحكم الإنجليز الهنود الآن برهان على ذلك ظاهر، وكذلك معاملتهم للأرلنديين سالفًا.

لم يستعمل العرب هذه الواسطة في حكم الشعوب الخاضعة لهم؛ لأن الشريعة والأوضاع التي جاءوا بها قُبِلت بطيبة خاطر؛ ولأن كل الذين اعتنقوها ودخلوا في الإسلام عوملوا بالمساواة المطلقة، بهذا تأمر شريعة القرآن، ولم يكن ليرغب العرب الفاتحون في التملص من شريعة القرآن، وهكذا كوَّن الغالبون والمغلوبون شعبًا واحدًا ذا معتقدات ومشاعر ومصالح مشتركة، وما دام سلطان العرب محترمًا في كل مكان، مرهوبًا في كل حين، ظلَّ التضامن بين كل أجزاء المملكة العربية وثيق العُرَى.

بَيْدَ أنه إذا كانت منافسات هذه الأقوام خامدة، فإن جزوتها لمَّا تنطفئْ، ظهر ذلك حين عاد العرب إلى عاداتهم الموروثة الأولى؛ إذ صارت البلاد الإسلامية مسرحًا تتطاحن فيه الأحزاب، حتى إنه بينما كان المسيحيون يحاصرون آخر مأوى للمسلمين في الأندلس كان اشتباك هذه الأحزاب بالغًا أشده، وتناحُرهم في أقصى درجاته، إن وجود الأقوام المختلفة في البلاد الخاضعة للدين الإسلامي سبَّب تلك المفسدة التي ذكرناها، وهي امتزاج العرب بأولئك الأقوام، ولو كان ذلك بشعوب ليست أحط منهم كثيرًا، كمسيحيِّي أسبانيا مثلًا، لكسبوا بعض المزايا، أما باختلاطهم ببعض الشعوب الآسيوية والبرابرة، فقد خسروا شيئًا كثيرًا، وفي كلتا الحالتين لا بدَّ أن ينتهي التزاوج بهدم الخصائص والسجايا التي ينظم مجموعها عِرْقهم الجنسي، والواقع أنه لما خسفت شمس سلطتهم السياسية تمامًا بضياع الأندلس ومصر لم يكن في البلاد الخاضعة لهم إلا القليل من الأعراب.

ولو ضربنا صفحًا عن الغارات والأسباب العديدة التي آلت إلى سقوط العرب، لكان اختلاطهم بغيرهم من الأقوام كافيًا لإحداث هذا السقوط، ومثل ذلك مراكش؛ فإن الغارات الأجنبية لم تؤثر عليها، ومع أنها كانت في مستوى من العمران تحسدها عليه الأندلس وقعت الآن في درجة النصف من البربرية، فإن التزاوج مع العنصر الزنجي أسقط كثيرًا من حضارة أهلها وأباد غضراءهم، حتى ادَّعى البعض أن المستقبل فيها للخلاسيين، وأن العصبية المراكشية الأصلية ستقع مع توالي الزمن في زوايا النسيان.

١  جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، جزء أول صحيفة ٣٣.
٢  تاريخ التمدن الإسلامي، الجزء الثالث، صحيفة ٢٤.
٣  العقد الفريد، الجزء الثالث، صحيفة ٩٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١