الفصل الثاني

ربيعٌ مُزهر!

هيروكي

مضى على يوم الحفل شهرٌ كاملٌ وساي لم تُرسل أيَّ إجابةٍ، لم تتصل، ولم تأتِ إلى المركز. أرسلتُ لها عدَّة رسائلَ وكعادتها كانت تردُّ فقط «أنا بخير». لن ينفد صبري، لكنني تعبتُ من الانتظار، وتعبتُ من شعور الاشتياق. هذه المشاعر جديدةٌ حقًّا عليَّ ولا أستطيع التأقلم معها بشكل جيِّد. يبدو أنَّها حقًّا لن تكترث بي، مع الأيَّام بدأ ذلك الشعورُ يتسرب إلى قلبي: إنَّها ستبقى على عنادها هذا إلى الأبد. ومع أنِّي لم أعتَد الاستسلام إطلاقًا لكنِّي إن بقيتُ على هذا المنوال وهذه الطريقة فلن أستفيد، ولن أصل إليها أو إلى قلبها، فقررتُ أن أحاول اللقاء بها، لكنَّها كانت تتذرع بمشاغلها. بدأتُ أُرسل لها الورود علَّ تلك الورود تُعبِّر عن مشاعري إن كانت كلماتي تعجز عن ذلك. قمتُ بدعوتها عدَّة مراتٍ إلى بعض المعارض الفنية، والمسرحيات، والمعارض العلمية، وسوى ذلك، لكنَّها رفضت مرافقتي واعتذرتْ بشدَّة. بعد مرور شهرٍ آخر على هذه الحال بدأ شعوري ينحاز نحو الاضطراب والمرارة. أذكر أنِّي في ذاك اليوم، كنت سأُرسل لها رسالتي الأسبوعية المعتادة، بدأتُ بكتابة كلماتها، فوجدتُ لهجتي مختلفةً. فقد اعتدتُ مسبقًا أن أسألها عن حالها وأُخبرها قليلًا عن أخباري وأختم الرسالة بجملة واحدة قصيرة تعبِّر عن مدى اشتياقي إليها وانتظاري لردِّها، أمَّا هذه المرَّة فقد كان مضمون الرسالة يتحدَّث عن إرهاقي ممَّا تفعله بي، وتعب روحي وقلبي.

figure

ما إن أنهيتها وعاودتُ قراءتها قبل إرسالها، حتى قرَّرتُ أنِّي لن أُرسلَها بهذا الشكل، وفضَّلتُ الاحتفاظ بها لي من غير أن أُزعجَها بها. فأنا لا أحبُّ أن أضغط عليها بما أشعر، فلا ذنبَ لها بشيء، سوى أننِّي أحببتُها. ولأوَّل مرَّة في حياتي، تُواجهني مشكلةٌ أعجزُ عن حلِّها. فكَّرتُ كثيرًا، ولم أجد وسيلةً أو طريقةً تُقرِّبني إليها، كنتُ أتساءل: أيعقل أن أستسلم حقًّا كما تنبَّأتْ ساي!

أتى الأسبوع التالي ومجددًا، أتى موعد رسالتي لها. ومجددًا لم أستطع أن أُرسلَ لها رسالةً عاديةً ومقتضبة. استرسلتُ كثيرًا بالتعبير لها عن كمية الألم الذي بدأ يتسلَّل إلى قلبي بسبب عدم اكتراثها بي، كان هناك الكثير من اللوم والعتاب الموجَّه إليها مع أنَّني أعلم أنَّ ذلك ليس من حقِّي. استجمعتُ قواي، لم أقرأها أو أراجعها مجددًا لكيلا أُغيِّرَ رأيي، ثمَّ أرسلتُها وأغلقتُ جهاز الحاسوب مباشرةً. حاولتُ أن أشغل نفسي بأمورٍ عدَّة، توقَّعت أن يأتيَني ردٌّ مختلف هذه المرَّة، كنتُ راضيًا حتى إن وبَّختني، لكن على الأقل أن يأتيَ الردُّ مفصَّلًا أكثر. لكن يبدو أنَّني قد حصلتُ على النتيجة المعاكسة، فلم يأتِ هذه المرَّة أيُّ ردٍّ منها. انتظرتُ ثلاثة أيامٍ، كانت تلك الأيامُ متعبةً لي بحقٍّ. فقد كنتُ أتفقد بريدي الإلكتروني كلَّ خمس دقائق، علِّي أرى رسالةً أو ردًّا منها، ثمَّ قررتُ أن أُرسلَ لها رسالةَ اعتذارٍ ما إن يهدأ قلبي.

ساي

أصبح موعد رسالة هيروكي الأسبوعية هو موعدي الخاص الذي أتهيأ له بوضع كوب القهوة، والجلوس على أريكتي المفضَّلة في غرفة الجلوس في منزلي، وإغلاق هاتفي النقَّال والأنوار، وإغلاق كلِّ ما يمكن إغلاقه وفتح قلبي لسماع كلماته، كان ذلك بإرادتي، لا أعلم لِم أجرف نفسي في هذا الاتجاه مع أنَّني على يقينٍ أنَّني لن أستسلم ولن أرتبط ثانيةً بأحدٍ. إنَّها ليست المرَّة الأولى التي يسألني بها أحدهم الزواج بعد أن انفصلتُ عن هاك. في كلِّ مرةٍ كنتُ أرفض من غير أن أشعر بأيِّ اضطراب. ما خطبي الآن؟ لِم أتصرَّفُ بهذه الطريقة؟

كنت أقرأ رسائله بشغفٍ، ربما لأنَّ كلماتِه صادقةٌ جدًّا، مختصرة، وأنيقة. أقرأ رسالته ثمَّ أجلس بهدوء إلى أن أغفوَ. أستيقظ صباحًا وقد استرجعتُ قوَّتي وعدم رغبتي في التفكير بأيِّ أحدٍ. اعتدتُ على هذا السيناريو على مدى أكثر من شهرين إلى أن أتى ذاك الأسبوع. جلبتُ كوب قهوتي، أغلقتُ كلَّ شيءٍ حولي عدا قلبي وجلستُ أمام شاشة جهازي الحاسوب. قمتُ بتحميل رسائلي وأنا أنتظر رؤية اسمه، لكن لا شيء منه، أعدتُ النظر بين الرسائل التي لم تتمَّ قراءتُها، فلم أجد اسمه، تأكَّدتُ أنَّ الإنترنت يعمل بشكل جيد، ثمَّ أعدتُ تحميل بريدي الإلكتروني، لكن لم أرَ اسمه ولم أرَ رسالته، لم أستطع أن أفهم سببَ تأخُّرِ رسالته، ولم أستطع أن أفهم سبب انزعاجي من عدم رؤيتها. انتظرتُ قرابة الساعة، ثمَّ ذهبتُ إلى سريري، فلم أستطع النوم. بعد ساعتين أمسكتُ هاتفي النقَّال وأعدت تحميل بريدي الإلكتروني علِّي أجد رسالةً منه، لم أجد شيئًا، رميتُ هاتفي على الجانب الآخر من سريري وأنا مستاءةٌ ونمتُ. عندما استيقظتُ كان مزاجي سيِّئًا، تمتمتُ بصوت مرتفع وبدأتُ أتحدَّثُ مع نفسي: قلتُ له إنَّه سيسأم، وادَّعى أنَّه لن يسأم أبدًا، هي عدَّة أشهرٍ ولم يستطع الاحتمال، ثمَّ يدَّعون أنَّهم أحبُّوا وسيعطون ويضحُّون، كم هذا مضحك!

ضحكتُ بصوت مرتفع، ثمَّ ساد الهدوء شقَّتي من جديد، وعلتْ على وجهي ملامحُ الاستياء من كلِّ شيءٍ حولي. ثمَّ مرَّت عدَّة أيامٍ واعتدتُ على فكرة تخلِّي هيروكي عنِّي. كنتُ أُدرك تمامًا أنَّ مشاعري تلك طبيعية، فأنا امرأةٌ تراجع أحدُ معجبيها عن إعجابه بها. كنتُ أبحث عن رسالته الغائبة طيلة أيام الأسبوع، أُمنِّي نفسي أنَّه قد يكون مسافرًا، قد يكون مشغولًا، ولا يملك وسيلةً لإرسال الرسالة، والكثير من الأعذار، والكثير من محاولات البحث عن تلك الرسالة، لكن لا شيء.

في الأسبوع التالي، وفي موعد رسالته، لم أرغب في انتظارها، ولم أشأ أن أجلس جلستي القديمة على أريكتي المعتادة، بل شعرتُ برغبتي في القراءة فأنا لم أطالع الكتب منذ فترة. ذهبتُ إلى مكتبتي الصغيرة المتواضعة، كنتُ أرى وجه هيروكي في جميع صفحات الكتب، كنتُ أسمع صوته حولي، حاولتُ تناسي ذلك فلم أُفلح. ذهبتُ إلى سريري وحاولتُ الخلود للنوم، فلم أُفلح أيضًا. ثمَّ خطرتْ لي فكرةٌ جيدة، هي أن أُرسلَ له رسالةً لأتفقَّد حالته، ربَّما هو مريضٌ أو أيُّ شيءٍ من هذ القبيل. أمسكتُ هاتفي وما إن فتحتُه، حتى رأيتُ رسالةً من هيروكي! لقد أثلجتْ قلبي وأشعلتْه في الوقت نفسه، لقد كان يعاتبني على كلِّ ما يصدر منِّي من عدم مبالاةٍ واكتراث، كان يحكي بإسهابٍ عن مشاعره وعن حيرته، ومن عادتي أن أُرسل له جوابًا مقتضبًا أنِّي بخيرٍ، لكني هذه المرَّة لم أكن أعلم بِمَ أُجيبُه، فلم أُرسل له أيَّ ردٍّ، لم يكن هدفي أن أتلاعب بعواطفه، لكنَّني حقًّا لا أعلم بِمَ سأُجيبه، فهو لم يسألني كيف حالي كما يفعل دائمًا، بل كان يحكي لي عمَّا يشعر به فحسب. شعرتُ بألمٍ تجاهه وبتُّ أقرأ رسالته كلَّ ساعة، إلى أن حفظتها تمامًا.

مرَّ يومان وأنا على هذه الحالة، وصادف اليوم الثالث يوم زفاف إحدى صديقاتي المقرَّبات، أُقيم حفل الزفاف في مدينتها التي تقع بين بلدتي والمركز، فارتديتُ فستاني، وصففتُ شعري، ووضعت قليلًا من مساحيق التجميل، بدوتُ أكثر جمالًا وأنوثةً عمَّا أبدو عليه في العادة. تأمَّلتُ مظهري أمام المرآة، وجدتُ أنِّي ما زلت أبدو جميلةً ورشيقةً. خطر في بالي في تلك اللحظة هيروكي، هو لا يعلم إلا ساي بملابس العمل. لا أعلم لم نحبَّ أن يرانا مَن نعلم بإعجابه بنا ونحن في أجمل صورة؟ ما الفائدة من ذلك؟ إن كان هو في حالاتي العادية قد أُعجب بشكلي! هل لنُثبتَ لهم أنَّنا أكثرُ جمالًا، لذا رجاءً أحبونا أكثر! لِم هذا التصرف اللئيم؟ على أيِّ حال فهو لن يراني ولن أراه. ذهبتُ إلى الزفاف وعندما وصلتُ كان أغلب المدعوين بصحبة أحدٍ ما: زوج، أو شريك، أو خطيب، أو صديق، إلا أنا هنا وحدي. شعرتُ بشعورٍ سيِّئٍ حيال ذلك، فلم أجد مَن أجلس معه أغلب الوقت. وأنا منذ انفصالي عن هاك لم أراقص رجلًا ولم أسمح لأحدهم أن يتقرَّب منِّي أيًّا كان، فقد نشأتُ في بيئةٍ متحفِّظةٍ جدًّا، وتطبَّعت بطباعٍ قد تكون مختلفةً عن السلوك العام للفتيات ممن حولي، فأنا لا أتساهل كثيرًا في تعاملي مع الرجال، ألتزم حدودًا رسمتُها لنفسي منذ أن كنتُ في عمر الرابعة عشر.

أمضيت وقتي في المراقبة والتأمل ولأول مرة أكون هادئةً في حفل، كنت أراقب المدعوين ولا طاقة لي أن أجامل أيَّ أحد. اشتقتُ أن أكون محور حياة أحدهم من جديد، اشتقتُ أن أشعر بدفء مشاعر أحدهم تجاهي، أن أسمع كلامًا جميلًا ورقيقًا. ومن الطبيعيِّ أن أرى وجهه في كلِّ مكانٍ هنا، نعم كنت أرى وجه هيروكي حولي، أعلم مجددًا أنَّه ليس شعور الحب، إنَّما شعور الوحدة، وسيختفي كلُّ هذا حالما أعود إلى منزلي. فمن الطبيعيِّ أن أشعر بكلِّ تلك المشاعر وأنا أرى صديقتي تُزفُّ إلى زوجها، وحين أرى نظراتِه لها ونظراتِها له، وحين أرى رقصتهما معًا. شعرتُ بتعبٍ ولم أستطع إكمال حفل الزفاف، قمتُ بتوديع الجميع وانطلقتُ نحو سيارتي فأمامي طريقٌ ليس بالقصير لكي أصلَ إلى بلدتي.

عندما كنتُ في طريق العودة، كانت جميع الأغاني التي تصدر من مسجِّل الصوت في السيارة غايةً في الرومانسية، بتُّ أتخيَّل نفسي عروسًا أُزفُّ له، سرحتُ في تفكيري كثيرًا، ثمَّ بدأتُ أضحك! كم كان هذا غبيًّا! كم أنا حمقاء! شعرتُ بعطشٍ شديد، فركنتُ سيارتي في أحد المواقف العامة على الطريق السريع وبينما كنتُ أنتظر كوب قهوتي من الماكينة، شعرتُ بأحدهم يلاحقني من خلفي بهدوء، كانت سيارتي بعيدةً وكانتْ أمامي دورة المياه، ركضتُ مسرعةً فدخلتْ إحداها وأقفلتِ الباب، من حسن الحظِّ أنَّ هاتفي النقَّال كان بيدي. كدتُ أتصل بالشرطة لكنِّي تراجعتُ لعدَّة أسبابٍ، أولًا أنِّي لستُ متأكدةً من أن أحدهم يلاحقني حقًّا، ثانيًا كانتْ فرصةً ذهبية لأطلب المساعدة من هيروكي. أريد أن أراه، أريد أن أرى كيف ستكون ردَّة فعله حين أطلب منه المساعدة، مدى شهامته ومدى تجاوبه، فالموقع الذي أنا فيه الآن أقرب إلى المركز من بلدتي، فهو ليس بعيدًا ويحتاج إلى ربع ساعة فقط. كم أنا شقيَّة! فقد اتصلتُ به وأخبرتُه أن يحضر حالًا: هيروكي أحتاج مساعدتك أرجوك.

– ساي! أخبريني حالًا ما بكِ؟ وكيف أستطيع مساعدتك؟

– سأُرسل لك المكان الذي أنا فيه الآن، وسأشرح لك التفاصيل فيما بعد. لكن باختصار أشعر أنَّ أحدهم يلاحقني وأنا عالقةٌ الآن في إحدى دورات المياه على الطريق السريع ولا أجرؤ على الخروج منها لأنَّني أعتقد أنَّه ما زال في الخارج. المكان موحشٌ جدًّا وبدأتْ أطرافي تتجمَّد.

– ساي! لا عليك سآتي حالًا، أرسلي لي العنوان مباشرةً، لا تقلقي وابقَي حيث أنت.

– بانتظارك.

هيروكي

عندما رنَّ هاتفي الخاصُّ تلك الليلة كان آخر مَن كنتُ أتوقع رؤية اسمه هو ساي! كان صوتها مضطربًا للغاية، ذهبتُ حالًا أنا وسائقي الخاص إلى تلك المنطقة. لقد كان الظلام دامسًا والبرد شديدًا، وقد كانت على حقٍّ، فقد رأيتُ أحدهم ينتظر في سيارته في هذا الموقف العام على الطريق السريع، ما إن رآنا حتى أسرع بالهروب في الظلام، فلم نستطع تمييز رقم سيارته أو نوعها. على أيِّ حال ركضتُ مسرعًا خارج سيارتي واتصلتُ بها لأُعلِمَها أنِّي هنا وبأنَّها تستطيع الخروج بأمانٍ. خرجتْ ساي وكانت فعلًا على وشك التجمُّد، فملابسها لم تكن دافئةً، أعطيتُها وشاحي ومعطفي وسألتُها فيما إن كانت تُفضِّل أن يُقلَّها السائق إلى منزلها أم أنَّها تُفضِّل الذهاب في سيارتها وقيادتها بنفسها، فأجابتني: هيروكي، أرجوك أتستطيع أن توصلني أنتَ إلى منزلي؟

– بالطبع!

مضينا بسيارتها وقمتُ أنا بقيادتها، ولحق سائقي بنا كي يُقلَّني معه حين عودتنا إلى المركز. جلستْ ساي في المقعد المجاور لي، هذه المرة الثانية التي أقود بها سيارتها، ما زالت كما هي منذ أشهر، ما زالت تلك الأشكال الصغيرة تتراقص على المرآة، وما زالت أغراض ساي متراكمة على المقاعد الخلفية للسيارة. حاولتُ ألَّا أُحرجَها وألَّا أنظر إليها بشكل مباشر، إلا أنَّ ضوء القمر كان يعكس كلَّ جميلٍ في عينيها. كانتْ ساي متعبةً جدًّا، ولم يكن طريقنا بهذا الطول، ولم أتحدَّث معها كثيرًا. عندما وصلنا أوصلتُها إلى باب شقتها، ودَّعتُها وقبل أن أمضيَ قالتْ لي: هيروكي! أشكرك كثيرًا لمساعدتك لي، وأنا آسفة جدًّا لأنِّي اعتمدتُ على مشاعرك كي أضمنَ مجيئك، أشعر أنِّي قد قمتُ باستغلال ذلك كي أجعلَك تساعدني في هذه الساعة المتأخرة من الليل.

– ساي! لا تقولي هذا الكلام، فأنا لا يمكن أن أتخاذل عن مساعدة أيِّ أحد، فكيف إذا كان أنتِ! لا تفكري بهذه الطريقة أرجوك!

– شكرًا مجددًا هيروكي، تُصبح على خير.

كانت مضطربةً للغاية ويبدو أنَّها خشيتْ أن أعبِّر لها عمَّا يجول في خاطري في لحظة شاعرية كهذه، أو أن أتهوَّر بتصرفٍ ما؛ فقد كان من الواضح أنَّ ساي لا تودُّ أن أقترب منها، فقامت بتبديد اندفاعي نحوها ونظراتي إليها بنبرة صوتها الذي كانت تتصنَّع به حالة الاستقرار، لكنَّني كنت متأكدًا من اضطرابها وضعْفِها.

وبينما كانت تودِّعني وتُذكِّرني بأنَّ السائق بانتظاري وأنَّ عليَّ ألَّا أتأخر عليه، أعادت لي معطفي فارتديتُه حالًا، أردتُ أن يلتصق المعطف بجسدي مباشرةً بعد أن كانت ترتديه. هممتُ أن أقترب منها، لكنَّها ابتعدت عنِّي بسرعة وتوجَّهتْ إلى باب شقتها، لم تدخل إنَّما استدارت لتنظر إليَّ، كنتُ ما أزال واقفًا أنتظر منها أن تودِّعني بشكلٍ لائق، لكننا لم نفعل، ولم نتكلَّم، بقينا ربَّما عشر دقائق ونحن على هذه الحال، كانت نظراتُها غامضةً لم أستطع أن أقرأ منها شيئًا، إلا أنَّها تشعر بالوحدة فقد كان هذا الشعور واضحًا، لم أشأ أن أستغل شعورها ذلك بأي تصرُّفٍ مني؛ إذ يبدو أنَّ روحها متعبةٌ جدًّا. لم تَشِحْ بوجهها عنِّي، بل بقيت نظراتُها مصوبةً نحو عينيَّ، كادت تعود باتجاهي، لكنَّها تردَّدت، ثمَّ قالت لي: «هيروكي، أودُّ أن أقابلَك غدًا، تُصبح على خير.» ودخلت شقتها وأغلقت الباب.

عدتُ إلى السيارة، وأنا أفكر مليًّا بما حدث، ساي طلبت أن تراني، ترى ماذا تريد أن تقول؟ ماذا تشعر الآن؟ وهل تطوَّرت مشاعرها نحوي؟ هل تحرَّك قلبُها تجاهي؟ أم العكس تمامًا؟ هل ستطلب منِّي ألَّا أراها ثانيةً؟ لكنَّ ثقتها بي، وطلبها المساعدة منِّي أنا بالتحديد، وشعورها بالاطمئنان حيال ذلك، ولَّد في قلبي كثيرًا من الأمل الذي كنتُ على وشك فقْدِه. لم أستطع أن أنام في تلك الليلة، كانت نظرات ساي الغامضة نحوي تؤرِّق قلبي، فلست متأكدًا، أهي علامة إيجابية أم سلبية! فساي ليست كبقية النساء اللواتي تعاملتُ معهن، وأنا لا أستطيع قراءة وفهم ردود أفعالها الحالية.

ساي

حين رنَّ هاتفي وأخبرني هيروكي أنَّ باستطاعتي الخروج الآن، لأنه وسائقه أمام سيارتي وينتظرانِني، خرجتُ ورأيتُه، كنت سعيدةً جدًّا، يا لي من ماكرة! حقَّقتُ حلمي بأن يراني بفستاني الجميل ومظهري اللائق، لم أُظهِر له اهتمامي بشيءٍ، رأيتُ على وجهه علامات الإعجاب لكنَّه لم يُعلِّق أبدًا. طلبتُ منه أن يقود سيارتي بنفسه، فأنا حقًّا لا أقوى على قيادتها فقد تجمَّدت أطرافي تمامًا. كانت مشاعري مضطربةً وقلبي يخفق بقوَّة خاصةً أنَّه أعطاني معطفَه لأتدفأ به. كان هادئًا وصامتًا طيلة الطريق، أجمل ما في هيروكي أنَّ مشاعره ثابتة، فهو لا ينفعل كثيرًا في المواقف الحرجة، ولا يُخمد حبَّه في المواقف العادية، هو لا يستغلُّ المواقف ليرميَ بالكلمات هنا وهناك. هذا الثبات كان يعطيني مع الوقت الكثيرَ من الأمان، شعرتُ بدفءٍ شديدٍ لم أشعر به منذ زمنٍ بعيد. لكن عندما وصلت إلى منزلي اختلف الوضع قليلًا، فقد شعرتُ أنَّ مشاعره ستغلبه، تهرَّبتُ منه وابتعدت عنه، واضعةً مسافة أمانٍ بيننا، فوقفت أمام باب شقتي محتميةً به، لكنَّني لم أستطع ألَّا أراقبَ نظراتِه التي كانت تستجدي بقائي معه، كنت مترددةً بين أن أتوجَّه نحوه مرةً أخرى أو أن أودِّعَه وأُغلق باب شقتي. أنهيتُ ذاك التردد وتلك النظرات بطلبٍ غريب منِّي: هيروكي، أودُّ أن أقابلَك غدًا، تُصبح على خير.

– حسنًا، أرسلي لي الزمان والمكان، تصبحين على خير.

لم يجادلني عن المكان أو الزمان، فقط قال حسنًا، كأنَّني أملك حرية العبث بوقته كما أشاء، وجلبه من مكانٍ إلى آخر. كم أنا لئيمة، لِم أطلب أن أراه أصلًا؟ لا أعلم، لقد تفوَّهتُ بهذا الطلب وأنا مضطربة، ماذا أودُّ أن أقول له، لا أدري حقًّا!

بقيتُ طيلة الليل أفكر في غبائي وتسرُّعي، ثمَّ أرسلتُ له رسالةً حددتُ له مطعمًا صغيرًا في بلدتي وذلك عند الساعة السادسة مساءً، ولم أحدِّد لنفسي ماذا أودُّ أن أقول له.

ذهبت إلى الموعد بهيئتي المعتادة، لم أبالغ بشيء، فأنا لست في موعدٍ غرامي أو ما شابه ذلك. أنا سأذهب لسبب أجهله، ربما أودُّ أن أحدِّثَه عمَّا يدور في ذهني. وصلتُ فرأيته جالسًا على إحدى الطاولات، تلك الطاولة تمَّ تزيينُها بالورود، لا بدَّ أنَّه قد طلب من صاحب المطعم أن يجهز الورود. شكرتُه وجلستُ، ولم أبالغ في مدح ما فعل، مع أنَّ قلبي طار من فرحته. كم هو جميلٌ أن يهتمَّ أحدُهم بتفاصيلَ صغيرةٍ فقط لأجلك! لكن في الوقت نفسه لم أستطع ألَّا أعبر له عن مدى حبِّي للورود. فأنا حقًّا أحبُّ الورود بشكلٍ كبير، ثمَّ بدأتُ حديثي معه: هيروكي، أنا أشعر بحيرة شديدة، أرجوك، لا أريد أن تُسيءَ فهْمَ موعد اليوم، لا أريد أن أتلاعب بمشاعرك، أنا لستُ هنا لأُخبرَك أنَّ هناك أملًا لعلاقتنا، لستُ هنا لأُخبرَك أنَّني سأفكر أو أوافق، أنا هنا فقط لأحكيَ لك عمَّا في داخلي، أشعر بالاختناق!

– ساي! لا تقلقي، أخبريني ما بكِ؟

– لا أعلم ماذا عليَّ أن أفعل، أشعر بالاضطراب والخوف من أن أنجرف بسعادتي حيال مشاعرك، أنا لستُ مرتاحةً لفرحتي بأن أراك، أن أقرأ رسائلك، أن أسمع كلماتك. لِم تفعل هذا هيروكي؟ لقد كنتُ مرتاحةً لمدة عشر سنوات، كنت أعيش بهدوءٍ وسلامٍ.

قاطعني وهو يضحك بصوت منخفض، وقال لي: لومي نفسك أولًا قبل أن تلوميني، أنا كنتُ أعيش في هدوء لخمسين عامًا، ثمَّ جئتِ واستطعتِ أن تستحوذي على تفكيري، وقلبي، ومشاعري. إذن مَن عليه أن يلوم الآخر؟ ساي! أرجوك لا تنظري للأمر على هذا النحو، ما علاقة تلك السنين بارتباطٍ جديد؟

– أنا حقًّا لستُ مستعدةً لأيِّ شيء، ليست المشكلة في مشاعرك فحسب، أودُّ أن أتأكَّد إن كان قلبي مستعدًا لخوض تجربةٍ جديدة، تجربةٍ قد تحمل السعادة له أو التعاسة، فكلا الاحتمالين واردٌ، أنا لا أعلم كيف سأتصرَّف حيال الأمر.

– أتودِّين نصيحتي؟

– نعم أرجوك.

– على الأقل، عودي إلى المركز، دعينا نتقابل بشكلٍ أكبر، حينها على الأقل تستطيعين تقدير الأمور بناءً على حقائق وليس على تخيلات ورسائل عن بُعد.

أعجبتني فكرة هيروكي، هو محقٌّ، كيف سأتخذ أيَّ قرار سواءً بالنفي أو بالإيجاب إن كنَّا لا نرى بعضنا؛ لذا قررتُ أن أعود إلى المركز، وحين عدتُ عرفتُ تمامًا، كيف يولد الحبُّ! لم يكن إدراكي لحقيقة مشاعري سريعًا، بل أخذ الأمر مني عدَّة شهورٍ إلى أن اكتشفتُ حقيقة مشاعري تجاه هيروكي. في الأسابيع الأولى بتُّ أراقب تحركاتِه، أراقب كلَّ ما يُثبت لي أنَّه ينظر اتجاهي، يفكر بي، يودُّ أن يُرضيَني، يتحايل لمحادثتي. كلُّ تلك الأمور كانت تُرضي الأنثى التي في داخلي. في المركز عدتُ كما أنا ساي الشقية، العفوية، ذات الصوت العالي والضحكة التي لا تتوقف. وهو يراقبني، يراقب كلَّ تحركاتي وأرى عينيه كم تُرسل كلمات حبٍّ لي. في المقابل، منذ أن رجعت إلى المركز لم يُرسل لي أيَّ رسالة خاصة ولم يتحدث معي فيما يتعلَّق بنا أبدًا، أعلم أنَّه لا يودُّ إزعاجي، ويريدني أن أُعيدَ ثقتي بنفسي، وأن أبنيَ ثقتي به بهدوءٍ وبشكل تدريجي، وهذا ما حدث، بدأتُ أشتاق إليه أكثر فأكثر، أفكر فيه طيلة الوقت، وأحبُّ رؤيته. أمَّا المكتبة، فكانت ملاذي الآمن، كي أراه وهو مبتسم، لم نكن نتحدث كثيرًا في المكتبة، فلم تَعُد كما كانت من قبل، فقد صار الطلاب يترددون عليها صباحًا ومساءً وفي أيام العُطَل، وفي وجود الطلاب لا فرصة لي حتى أن أجلس في مكان قريب منه، فمن عادة الطلاب أن يتقرَّبوا منه كثيرًا وينتهزوا الفرصة لرؤية ما يقرؤه، وما يفعله، وما يقوله. هيروكي يمثِّل قدوةً مثالية لهم، هم يحبُّونه كثيرًا، وعلاقتهم به ليست علاقة مدير بموظفيه، بل علاقة معلِّمٍ حنون، لم أشعر أبدا أنَّ ذلك يُزعجني، على العكس، كان يعطيني شعورًا جميلًا وأنا أرى الجميع ملتفين حوله، ونظرات الودِّ والاحترام والمحبة كانت نابعة من قلوبهم جميعًا تجاهه. كلُّ ذلك كان رائعًا وكان يزيد من مشاعر الأمان لديَّ لكن ليس حينما أرى نظراتٍ واضحةً من الحبِّ من امرأةٍ تجاهه!

الدكتورة بريجيت، دكتورة في علم الاقتصاد، التحقتْ بالعمل هنا منذ عدَّة أشهر أي في أثناء غيابي. لم أكن قد تنبَّهتُ لوجودها إلا عندما أصبحتْ تبالغ بوجودها معه في كلِّ الأماكن: في المكتبة، وفي مكتبه، وفي المطعم، وفي الحديقة، وفي ساعات الفراغ، لم تكن نظراتُ تلك المرأة نظراتِ إعجابٍ واحترام وتقدير وحسب، بل تجاوزتْ ذلك. إنَّها جريئةٌ جدًّا، لا تهتمُّ أن تلتصقَ به حيثما يكون متذرعةً بعملها وأبحاثها. لا أعلم مدى أهمية أن يتابع معها كلَّ تفاصيل بحثها. أفكِّر بتلك الرسالة التي أنَّبني بها حينما أرسلتُ له تفاصيل ورقتي البحثيَّة، ثمَّ أراها وهي تستشيره في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ فيزداد غيظي. أنا ساي لا يُسمح لي أن أشاركَه أمورَ البحوث وهي تستطيع! أنا التي يحبُّها وينتظر جوابها لطلبه منذ أكثر من ستة شهور، وهي تسمح لنفسها أن تقتحم عليه حياته في كلِّ لحظة من أجل ذلك البحث المشئوم! مَن تظنُّ نفسها؟ ثمَّ لا أفهم لِم لا يُخبرها أنَّه مشغول ولا يتدخل بكلِّ تفاصيل العمل ومراحله؟ هنا بدأتِ الوساوسُ تصل إلى قلبي، فعلًا لِم لا يضعُ لها حدًّا كما كان يفعل مع كلِّ الموظفين؟ هل تعجبه نظراتُها وملاحقتُها له؟ طبعًا فقد فتح قلبه للحبِّ وبات يستسيغه، فما المانع أن يتناسى مشاعره الحقيقية التي هي أصلًا لي ويغطيها بمشاعر لتلك المرأة؟ كم أشعر بالغيظ! كما لو أنَّ أحدهم يسرق أشياء هي من حقي وملكي أنا! اهتمامه ووقته ليس من حقها! كيف ستفهم ذلك! بقيتُ أراقبهما معًا وبدأت النيران تشتعل في قلبي، ماذا لو أحبَّها بالفعل؟ نعم، فهو لم يَعُد يحدِّثني بموضوعنا بتاتًا! أهذا جزائي لأنِّي أتحتُ له المجال وصارحتُه بحيرتي؟ أهكذا هم الرجال، حين يشعر أنَّ المرأة ستصبح ملكًا له، يسأم منها؟ أكان شعوره ضحلًا إلى هذه الدرجة؟ بدأ الحزن يتسلل إلى قلبي مرة أخرى، هذا تمامًا ما كنت أخشاه، أن أفتح قلبي مجددًا للحبِّ وأن يُخذَل ذاك القلب! لِم فعلتُ هذا بنفسي؟ كم أنا ضعيفة! حمقاء وغبية! كيف سأعود مجددًا فارغة القلب، كيف سأرتاح من غير التفكير بمشاعري الغبية تلك؟ عليَّ أن أسيطر على مشاعري قدر الإمكان. كنتُ أحاول جاهدةً ألَّا أدخل بدوامة الحزن والألم، لكن مهما حاولت السيطرة على نفسي، فأنا لا أستطع أن أكون لطيفةً معه أبدًا، بدأتُ أعامله بطريقة غليظة، أتحدَّثُ معه بأسلوبٍ جافٍّ هذا إن تحدَّثتُ. كنت أراه وهو مستغربٌ منِّي، وكنت أدعُه في حيرته تلك، أريده أن يشعر بتأنيب الضمير نتيجة تصرفاته تلك، كنت أعلم بداخلي أنِّي أتوهم كثيرًا لكن لا شيء كان يُثبت لي العكس. فما زالت نظرات الدكتورة بريجيت له واضحةً جدًّا، وهو إلى الآن لم يوقفها عند حدِّها، كما لم يَعُد يريد الحديث معي أو سؤالي عن أخباري، أو عن وضعي، ولِم أتعامل معه بتلك الطريقة؟ مضت عدَّة أسابيع على هذه الحال، وأنا لم أَعُد أحتمل بريجيت تلك إطلاقًا.

هيروكي

منذ أن عادتْ ساي إلى المركز، عادت الألوان إلى حياتي، ألوانٌ تفوق ألوان الطيف كلها. عاهدتُ نفسي ألَّا أفاتحَها بالموضوع أبدًا، فأنا أخشى أن تترك المركز مجددًا، وهذا ما لن يحتمله قلبي من الآن فصاعدًا.

في الأسابيع الأولى التي قضتها في المركز كانتْ تمامًا كما هي، ساي النشيطة، المرحة، ابتسامتها لا تفارق وجهها الحسن، أسمع ضحكتها في كلِّ زاويةٍ في المركز، فأشعر كما لو أنِّي أسمع لحنًا بل أغنية حبٍّ، لكن لم يَطُل حالها كذلك، فقد مرَّت عدَّة أسابيع لم تكن فيها ساي على طبيعتها أبدًا، فسلامُها وكلامها كانَا جافَّين جدًّا، لم أعلم ما بها، خشيتُ أنَّها كانت تتخذ قرارها، وأنَّ تعاملها الجافَّ هذا مؤشرٌ سيِّئٌ، أنا فعلًا انجرفتُ بحبِّي لها ولا أستطيع أن أتخيَّل أن تُخبرني بقرار الرفض، لكن لم أكن أودُّ أن أسألها فأعجِّل سماعي لهذا النَّبأ، فتغاضيتُ تمامًا عمَّا أراه من تصرفاتها تجاهي. حين صادفتُها ذات يومٍ في مطعم المركز، لم أستطع أن أمنع نفسي من مناداتها ودعوتها للجلوس معي على الطاولة نفسها، لقد اشتقتُ إليها وقلبي لم يَعُد يقوى على بُعدِها عنِّي أكثر، جلستْ وحيَّتني ثمَّ قالت لي وهي مغتاظة وتتصنَّع عكس ذلك: شكرًا بروفيسور، لكن أخشى أنَّ ذلك سيُزعج حبيبتك!

– أنا لا أملك حبيبةً بعد، فالتي أحبُّها ما زلتُ أنتظر جوابها منذ أشهرٍ وهي ما زالت تفكر، لا أعلم ربَّما نسيتْ طلبي، ربَّما نسيتْ أمري، أو حتى اسمي. هي وحدها مَن أفكر فيها ليلًا نهارًا، مع كلِّ يومٍ يمضي أزداد تعلقًا بها، وهي لا تبادلني شيئًا من تلك المشاعر؛ لذا لا أعتقد أنِّي أستطيع أن أسمِّيَها حبيبتي بعد!

لقد فهمتُ مباشرةً مَن تقصد، إنَّها بريجيت، لم أكن أتخيَّل أن تشعر ساي بالغيرة منها، لكن يبدو أنَّ ذلك قد حصل بالفعل، تظاهرتُ بعدم اكتراثي وفهمي لما ترمي إليه وأدرت الحديث لصالحي وعبَّرتُ لها عن بعض الكلمات التي في قلبي، علِّي أخفِّف عنه حملَ هذا الحبِّ. لم تستطع أن تُخفيَ ابتسامتها حين سمعتْ كلماتي، كانت تجاهد ظهورها لكنِّي رأيتها. أعلم أنِّي أحبُّها وأنَّ قلبي متعلقٌ بها كثيرًا، لكن لم أكن مدركًا مدى هذا الحبِّ، فأنا لم أتصوَّر يومًا في حياتي أنِّي سأخلط بين مشاعري الخاصة وقرارتي في العمل. فبحثُ الدكتورة بريجيت مرتبطٌ باختصاصي، ومن عادتي أن أُشرفَ على هذه البحوث بكلِّ تفاصيلها بنفسي لأنِّي الأكثر خبرة بها، لكن يبدو أنَّ غاليتي ساي تشعر بالغيرة من وجودي مع الدكتورة بريجيت. هل عليَّ أن أشكر الدكتورة بريجيت على ذلك؟ لأنَّها جعلت مشاعر ساي تتحرك باتجاهي؟ أعتقد أنَّ بعد مشاعر الغيرة تلك لم يَعُد الطريق طويلًا لسرقة قلبها بالكامل.

بعد حديثي المقتضب مع ساي في المطعم ذلك اليوم، عدتُ إلى مكتبي واستدعيت البروفيسور هاندا والدكتورة بريجيت وأخبرتُهما أنَّه من اليوم فصاعدًا سيكون البروفيسور هاندا المشرف الأساسي لبحث الدكتورة بريجيت أمَّا أنا فيتم إعلامي فقط في المراحل الأخيرة وفي الحالات الخاصة. لم أتردد إن كنت سأفعل هذا أم لا، فأنا طبعًا سأفعل، نعم أريد أن أرضيَها، لا أريدها أن تُجرحَ أو تتضايق منِّي أو من غيري. أريد أن أراها وهي مرتاحة، تلك الشقية، لا تكترث بي بينما أنا أغيِّر مسار العمل لأجل مشاعر قد لا تكون غيرةً حقيقية، لكن مع كلِّ هذا وذاك، أنا أشعر بالسعادة لأنِّي أودُّ أن أرضيَها، أشعر بالسعادة لأنَّه أصبح لديَّ أولوية جديدة غير العمل، أَمِنَ الضروري أن تكون كلُّ قراراتنا منصبَّةً على مصلحة واحدة فقط! أليس من حقِّي أن تكون لي أولوية أخرى! على أيِّ حال، حُلَّتْ تلك المشكلة لمدة بسيطة لكن الدكتورة بريجيت بقيتْ على تواصلٍ معي. أعتقد فعلًا أنَّها تمتلكُ مشاعرَ خاصةً تجاهي، وربما هذا ما رأته ساي قبلي وأدركتْه؛ لذا اشتعلتْ نار الغيرة في قلبها. لكن ماذا عليَّ أن أفعل؟

مضت عدَّة أسابيع، ورأيتُ في عينَي بريجيت إصرارًا على مشاعرها. وذات يوم في المكتبة صرَّحت الدكتورة بريجيت وبكلِّ وضوح عن مشاعرها، لم أُرِد أن أكسر قلبها لكن كان عليَّ أن أكون صريحًا معها، شكرتُها على مشاعرها الجميلة واللطيفة ثم قلت لها: دكتورة بريجيت، عليَّ أن أكون صادقًا معك، أنا فعليًّا متورطٌ بحبِّ امرأة لا أعتقد أنَّها تكرهني لكنها لا تبادلني المشاعر حاليًّا. أنا أنتظر ردَّها منذ سنةٍ تقريبًا وسأنتظره لآخر يومٍ في عمري.

– أهي الدكتورة ساي؟

– نعم.

– نظراتُكَ واضحةٌ تجاهها، تلك المرأة غريبة الأطوار، لا أعتقد أنَّها الخيار المناسب، على أيِّ حال هذه حياتك وأتمنَّى لك التوفيق.

مع أنَّني لستُ مضطرًّا أن أحكيَ لها، وأنا بطبعي أكره أن أتحدَّث عن خصوصياتي لزملاء العمل، ولم أكسر تلك القاعدة منذ عشرات السنوات. لكن في هذه الحالة كان الطريق الأسهل هو أن أُخبر الدكتورة بريجيت بذلك كي لا تُزعِجَ ساي بعد الآن بتقرُّبها منِّي. هكذا سأُغلق كلَّ المشاكل التي ستأتي من هذا الباب. لا أريد مشاكل أكثر، فأنا قد طال انتظاري وبدأ صبري ينفد. أيَّامي تمضي وأنا أتحسَّر على كلِّ دقيقة تمرُّ وساي ليست بقُربي، لا أعتقد أنِّي سأبقى صامتًا بعد الآن، قررتُ أن أبدأ بالضغط عليها، مهما كانت النتائج.

ساي

بدأت الأيام تمضي بصعوبةٍ عليَّ، مشاعري مضطربةٌ وروحي مرهقة، هذا الأسبوع عندما مضيتُ إلى بلدتي، أخذتُ إجازةً من عملي في العيادة لعدَّة أيامٍ، أشعر أنِّي متعبةٌ جدًّا وأحتاج إلى استراحة. مضى أول أسبوعٍ بشكلٍ رائع، فقد خصصتُ الكثير من المواعيد في عيادات البشرة والاهتمام بالصحة، واعتنيتُ مجددًا بنفسي. قابلتُ الكثير من صديقاتي اللواتي لم أرهنَّ منذ سنوات، لقد كانتْ حقًّا فرصةً جيدةً، مارستُ هوايتي بالطبخ وعمل الحلويات، عليَّ أن أعترف أمام نفسي أنِّي وددت لو أنَّ هيروكي يتذوَّقها، خاصة كعكة التفاح التي كان يُفضِّلها. في كلِّ لحظةٍ كنت أشعر أنِّي أريد أن أراه، أتحدَّث إليه، قلبي يكاد ينفجر حين أفكر فيه. كنت تارةً أشعر بالفرح وتارةً بالحزن، ثمَّ أتأمَّل كثيرًا، وأعاود الكرَّة من جديد. كخبيرةٍ نفسيَّة، كان عليَّ أن أفهم نفسي بسهولة وأن أكون صادقة، تمامًا كما أنصح مَن حولي. فلكي تصل إلى أعماق مشكلتك، وتكون قادرًا على مسكِ خيوط حلِّها، عليك أولًا أن تكون صادقًا مع نفسك. لذا قررت أن أجلس مع الدكتورة ساي، أُخبرها بصدقٍ عمَّا أشعر به، علِّي أساعد نفسي على إيجاد حلٍّ لكلِّ هذا الاضطراب الذي أشعر به والذي يمنعني من التركيز. فكَّرت طويلًا ووجدتُ أنَّ كلَّ هذه الأعراض تدلُّ وببساطةٍ على أنِّي أُكنُّ لهيروكي مشاعرَ خاصةً، وأودُّ مشاركتَه كلَّ الأمور التي أقوم بها في حياتي اليومية، وأشعر برعشةٍ في قلبي حين أذكر تعابير وجهه. ثمَّ تنبَّهت فجأةً لأمرٍ مهمٍّ جدًّا، إنَّها أسابيع الصيف الكئيبة خاصَّتي، منذ يومين، كان اليوم الذي انفصلنا به أنا وهاك. على مدى السنوات العشر الماضية كنت أمارس طقوس الحزن والكآبة في هذين الأسبوعين بشكلٍ لا إرادي، هذه المرَّة لقد مرَّت تلك الأسابيع من غير أن أتنبَّه لها أصلًا!

إنَّه أيضًا نوعٌ من أنواع الحبِّ، حين يُصرُّ الطرف الآخر على مشاعره، ويبقى صامدًا أمام تجاهل مَن يحبُّ، ويبذل قصارى جهده ويناضل كي يحتلَّ تفكيره وقلبه. وتدريجيًّا، يُصبح ما أراده حقيقة، أشعر أنَّ هذه هي حالي مع هيروكي، لقد بقيَ متمسِّكًا بمشاعره وعلم أنَّه سيستطيع إقناعي، علم أنَّ مشاعره ستصل إلى قلبي في نهاية المطاف وستؤثر به. هناك مَن يُشكِّك بهذا النوع من تبادُل المشاعر ولا يُدرجه تحت مسمَّى الحبِّ الحقيقيِّ، أن يحبَّ الشخص مَن أحبَّه. أين المشكلة في ذلك! إن كان تبادل المشاعر تدريجيًّا! لقد أحببته، نعم، لقد أحببت هذا العالِم الوسيم، الذي يكره رقائق البطاطا.

في ذلك اليوم لم أستطع أن أنتظر يوم الجمعة، بل أسرعتُ إلى سيارتي وانطلقتُ إلى المركز. كانت الساعة الخامسة عصرًا، وكان الجوُّ حارًّا جدًّا، وضعتُ الأغاني المفضَّلة التي أحبُّها وبدأتُ أعيش كلماتِها وأنا في طريقي إليه. كنتُ في قمَّة حماسي، ولم أكن أعلم ما أودُّ أن أقوله، لكن كانت المشاعر التي أشعر بها من أجمل المشاعر التي عشتُها في حياتي كلِّها. كنت سعيدةً جدًّا ولا أعلم كيف سآخذ الأمور بطريقة عفوية فالأمر محرجٌ جدًّا.

وصلتُ إلى المركز، وانطلقتُ مباشرةً إلى مكتبه، فلم أجده هناك. فبدأتُ أبحث عنه بين القاعات، وبينما أنا منهمكةٌ بالبحث رأيتُه في الممر مع أحد طلابه، تفاجأ لرؤيتي في المركز في يوم الثلاثاء. قطع حديثه مباشرةً مع طالبه واتجه نحوي مسرعًا. لم أعلم ماذا سأقول له، قمتُ بإلقاء التحية فسألني: ساي! هل لديكِ عملٌ إضافيٌّ اليوم في المركز؟

– لا، بل أقصد نعم، لا أعلم، ربَّما.

– ساي! هل من خطبٍ؟ هل أنتِ على ما يرام؟

– نعم، أعتقد أنِّي بخير.

– تعتقدين؟ ساي، لا تَبدين بخير، وجهُكِ شاحبٌ، أرجوكِ أخبريني ما بكِ؟

لم أستطع أن أطلب الحديث معه، لأنِّي لا أعلم كيف سأبدأ وماذا سأقول، أخبرتُه أنَّني سأرتاح في مكتبي قليلًا، فودَّعني ومضيت. ثمَّ رأيتُه مجددًا بعد عدَّة ساعاتٍ لكنِّي لن أتحدث إليه، وعدتُ إلى مكتبي، وبينما أنا قلقةٌ وأفكر، طرق أحدهم باب مكتبي، نظرتُ من طرف الباب فإذا هو هيروكي، لم أفتح له الباب، واعتذرت بأنِّي لستُ قادرة على رؤيته الآن، لكنَّه أصرَّ على أن يتحدَّث معي كما لو أنَّه شعر بما يجول في خاطري، وعلم أنِّي هنا لأخبرَه بشيءٍ يخصُّه: ساي، عزيزتي، أنا قلقٌ بشأنكِ كثيرًا، أرجوكِ لا تتركيني بهذه الحالة، أخبريني ما بكِ؟

– حسنًا، أراك عند الحديقة بعد قليل.

– سأنتظركِ.

نظرتُ في المرآة وسألت نفسي، أهو قرارٌ نهائيٌّ ساي؟ ثم أجبتُ نفسي، نعم بالتأكيد، وانطلقتُ مسرعةً إلى الحديقة. هناك حين رآني، رحَّب بي، نظرتُ إليه بارتباكٍ وخجل ثمَّ أخذتُ نفَسًا عميقًا. حاولتُ أن أُزيلَ حالة الارتباك المسيطرة عليَّ، وعندما شعرتُ أنِّي مستعدةٌ بدأتُ حديثي معه وعلى شفتيَّ ابتسامةٌ هادئة: هيروكي، طوال العشر سنواتٍ الماضية كنتُ قد توهمتُ أنَّني قد أقفلتُ قلبي بشكلٍ محكم، كنتُ واثقةً أنَّني لن أضعف أمام حبِّ أحدٍ ما. مررتُ بعشرات المواقف وكنتُ قويَّةً، صلبةً، متماسكةً أمام كلِّ ما عُرض عليَّ من مشاعرَ وحبٍّ. كنتُ حازمةً، متمكنةً من نفسي ومن قلبي، كنتُ أرفض بسهولة، أرفض كلَّ شيءٍ من غير أن أبذل جهدًا، كنت أكمل حياتي من غير أن أذكر أيَّ كلمةٍ قيلت لي، أو نظرة إعجابٍ وُجِّهتْ نحوي. لكن منذ سنة وأنا أشعر أنَّني في ساحة معركة بين قلبي وعقلي، بين مشاعري وأفكاري، بين ماضيَّ وحاضري، بين عهودي وتخيُّلاتي. عاهدتُ نفسي ألَّا أفكِّر بالارتباط ثانيةً لكنِّي أتخيَّل وجودك بجانبي في كلِّ مكان. كلُّ عهودي كانت منحصرةً حول أن أنفرد بنفسي وحيدةً، لكن مشاعري كلَّها تدور حولكَ أنت. كل الصور التي أراها من ماضيَّ تخبرني أنَّه عليَّ الابتعاد عن تلك المنطقة الخطرة، عن الحبِّ، عن المشاعر الجميلة، لكن حاضري يدفعني لتلك المناطق. أُحكِّم عقلي فأرى أنَّه من التهور أن أدفع بنفسي إلى تجربةٍ جديدة لا أعلم عاقبتها، لكن يأبى قلبي إلَّا أن يرميَ بي إلى تلك المتاهة، لم أكن أعتقد أنَّني سأعود مجددًا إلى تلك المشاعر. وها هو قلبي يُعلن انتصاره، وها أنا اليوم جئتُ لأخبرك، أنِّي استسلمتُ تمامًا.

نظر إليَّ بهدوءٍ شديد، شعرتُ أنَّه يقوم بتخزين الكلمات التي قُلتها في قلبه وعقله وذاكرته وروحه، كانت عيناه تلمعان بشدَّة، رأيتُ ابتسامةً لطيفة ارتسمت على وجهه، كانت ابتسامة امتنانٍ وثقة، ابتسامة مليئة بالحنان، شعرتُ بدفءٍ شديد، أمسك بيدي وقال: ساي! كنتُ واثقًا أنَّ هذا اليوم سيأتي، منذ اللحظة الأولى التي شعرت فيها بمشاعر خاصَّة تجاهك، علمت أنَّكِ ستكونين نصفي الآخر وكنت متأكِّدًا أنَّك ستَقبلين مشاعري يومًا ما وستبادلينني إيَّاها. ساي، شكرًا لك.

لم أستطع أن أُطيلَ هذا الجو الذي يشعرني بالإحراج كثيرًا، أجبتُه بكلِّ حيويَّة وثقة: عفوًا سيِّدي، ذلك من دواعي سروري.

فضحك هيروكي وكانت المرَّة الأولى التي أراه فيها يضحك، كم كان ذلك جميلًا! لم نستطع في ذلك اليوم أن نتوقف عن الكلام. كلُّ واحدٍ منَّا كان يخبئ في قلبه كثيرًا من المواقف والكلام والمشاعر التي عاشها طيلة تلك السنوات وحيدًا مع نفسه، وكلُّ واحدٍ منَّا وجد الآن شريكًا لحياته، فكما لو أننا نودُّ أن نسابق الزمن؛ لذا راح كلٌّ منَّا يتحدَّث ويتحدَّث عن أشياءَ حدثت في الماضي، أحلامٍ حلم بها وحقَّقها وأخرى لم يحققها، أيامٍ جميلةٍ وأخرى متعبةٍ وحزينة، والكثير الكثير من الكلام. بقيتْ يدي بين يدَيه وأنا أحدِّثه وأسمعه، تكلَّمتُ كثيرًا، ووددتُ لو أنَّ تلك الليلة تطول لمائة عام، لكن كان علينا أن نعود إلى منازلنا فغدًا لديه عملٌ منذ الصباح الباكر والكثير من الاجتماعات.

ولكي نقتنع بإيقاف أحاديثنا وافتراقنا لتلك الليلة قلت له: ستكون الأيام كثيرةً وسنلتقي، أعدك أنِّي سأُكثر من مجيئي إلى المركز، حينها أجابني: لا لن تكثري مجيئكِ إلى هنا، ولن نلتقيَ!

هيروكي

عندما كدنا نفترق، أخذت تعدُني أنَّها ستُكثر زياراتها إلى المركز وأنَّنا سنجد فرصًا أكثر لنلتقي، أجبتُها أنَّ ذلك لن يحدث: لا، لن تكثري مجيئكِ إلى هنا، ولن نلتقي، بل ستقيمين معي، ساي تزوجيني!

انتظرتُها أن تجيبني، فلم أسمع صوتها، وتمامًا كالأفلام التي نراها، وضعتْ ساي يديها على وجهها وهي سعيدة وصرخت: أأنت جادٌّ هيروكي؟

– كيف لا وأنا قد طلبت ذاك الطلب منذ أكثر من سنة، أجيبيني، أتقبلين بي زوجًا؟

أجابتْني بصوتٍ يملؤه الحماس والفرحة: نعم أقبل!

لم أتمالك نفسي، أخذتُها بين ذراعيَّ، ثمَّ سألتها: ساي! متى نحدد موعد زفافنا؟

– أسنقيم حفل زفاف؟

– طبعًا، لكن لن يستغرق الأمر طويلًا كي نرتبه، كوني على ثقةٍ من ذلك.

– يا إلهي كم هذا محرج!

قالتْها وهي تضحك بأعلى صوتها، وتنظر إليَّ بعينَيها الفرِحتَين، وقلبها المفعم بالحياة. أخيرًا عاد صوتها إلى حيويَّته، وأسلوبها إلى شقاوته، وكلامها إلى طبيعته، حيث إنَّنا تحدَّثنا كثيرًا، وكعادتها كان حديثها ممتعًا، كانت تغرقني بالتفاصيل دائمًا فتجعلني أشعر وكأنَّني أعيش الحدث نفسه، أخبرتني عن طفولتها وكيف كانت وحيدةً لأهلها، لم تستطع أمُّها الإنجاب بعدها لظروفٍ عدَّة منها الظروف الصحيَّة، ولكن ساي مع شقاوتها وحسِّها المرح كانت بمثابة عشرة أطفالٍ لها. حدَّثتني عن مراهقتها وعن محاولتها الفاشلة للاندماج مع الفتيات في صفِّها، ضحكتُ كثيرًا فساي التي أعرفها الآن اجتماعية جدًّا، لم أتوقع أنَّها في يوم من الأيَّام عانت من الوحدة. ثمَّ حدَّثتني عن حياتها الجامعية وكيف أنَّها من أجمل أيام العمر، من غير قصدٍ منِّي شعرت بالغيرة، لا شكَّ أنَّها تعتبرها كذلك لوجود زوجها السابق فيها، كانت تتجنَّب الإشارة إليه، لا أدري إن كانت لا ترغب بإزعاجي أو لا ترغب بإزعاج نفسها. سألتها: ساي، هل لديك مشكلة بذكر هاك؟ أجابت بالنفي التامِّ لأنَّها لم تَعُد تُكنُّ له أيَّ مشاعر، حتى مشاعر الغضب منه اختفتْ من قلبها. ثمَّ سألتُها بكلِّ حمقٍ: ساي أجيبيني بصراحة، لو عاد هاك قبل سنةٍ من الآن، هل كنتِ سترتبطين به مجددًا؟

انتظرتُ إجابتها ولكن من غير ردٍّ. لمتُ نفسي على سؤالٍ لا معنى له في وقتٍ كهذا. لماذا تظهر أغرب أوجهي معها؟! لماذا أفصحُ عن مخاوفي أمامها؟! لقد دخلتْ ساي لمكانٍ في قلبي لم يستطع أحدٌ الدخول إليه مطلقًا، وكشفتْ أمورًا عن نفسي لم أكن أنا أعرفها. أنا حقًّا لم أكن أتوقع أنَّ لي ذاك الوجه الغبي الذي يغار من ماضي المرأة التي يحبُّها، ربَّما الغيرة ليست غباءً. أنا بصفتي بروفيسورًا لطالما كررت تلك القاعدة لطلابي حين يستفسرون عن أمرٍ ما مرفقين سؤالهم بجملة «عفوًا بروفيسور لديَّ سؤال غبي.» فأجيبهم: «لا يوجد هناك سؤال غبي.» لكنِّي اليوم تأكدت أنَّه موجودٌ، فسؤالي ذاك كان من أغبى الأسئلة على مدى التاريخ.

هيروكي

figure

ساي، هي تلك الأميرة التي احتلتْ قلبي وعقلي، ها هي الآن معي وفي بيتي. ليلة زفافنا، كانتْ ساي مشرقةً كوردةٍ برَّاقة، بكلِّ حيويَّتها بكلِّ نشاطها وبابتسامتها الساحرة. كانتْ تقفز هنا وهناك، تُحيي الجميع وتتكلم مع المدعوين وتراقص الأطفال. عندما انتهى حفل الزفاف وانطلقنا سويَّة كانت ساي تمشي بخطواتٍ هادئةٍ جدًّا على عكس ما كانت عليه قبل قليل أثناء الحفل. شعرتُ بأنَّها تحاول الآن استيعاب بدئها لمرحلةٍ جديدةٍ في حياتها. كنتُ أحمل في صدري قلبًا يخفق بسرعةٍ لا نهائيَّة. نظرتُ إليها، بدتْ مرتبكةً بعض الشيء، ليست لأنَّها محرجة، أستطيع أن أفهم ما تشعر به الآن. ساي ستعيد تجربة الزواج مرةً أخرى، هي لم تَعُد تمتلك تلك الثقة الكاملة بأنَّ مَن يحبُّها سيبقى معها للأبد. أما قولي لها: «سأبقى معك وسأحبُّك للأبد» فلن يُطمئنها، حتى لو كانت متأكدةً من ذلك، فتجربتها السابقة ستلوح لها. كان عليَّ أن أُطمئنها وأُعلمها أنَّ مشاعري حقًّا لن تتغير تجاهها. تأمَّلتُ ملامحها وهي ساكنةٌ فمن النادر أن تكون كذلك، هي جميلةٌ في كلِّ حالاتها، تُحيط بها هالةٌ رائعة من الحيوية والتفاؤل والحب، لم أستطع أن أمنع نفسي من أن أعبِّر عمَّا أشعر به، كنتُ في حاجةٍ لأن أُفصح لها عمَّا في قلبي علِّي أرتاح قليلًا فأستطيع بعدها أن أُطمئن تلك الحسناء، هي حسناء بأخلاقها، بسلوكها، بضحكتها، بسكونها وجنونها. يشعُّ من وجهها نورٌ لم أرَه من قبل، أهو صدقها؟ أهو حبُّها للآخرين؟ أم هي كذلك، خُلقت جميلةً مهما فعلت؟ ساي هي الآن لي ومعي وفي قلبي وفي روحي. لقد سمحتْ لقلبي أن يعبر إليها، كم أنا محظوظٌ بها! مشاعري تفوق الكلام. من أين سأبدأ؟ فجأةً نطقتُ بحروف اسمها بكلِّ حبِّي وبكلِّ ما أحمل لها من مشاعر: ساي! أنتِ، كما أنتِ وكما ستكونين، وكما ستحبين أن تكوني. كما كنتِ، وكما ستتغيرين، وكما لن تتغيري، سأبقى بجانبكِ، داعمًا لكِ، فخورًا بكِ. سأراكِ دائمًا وأبدًا أجمل امرأةٍ في الدنيا، أجملهنَّ بروحك، بمشاعرك، أجملهنَّ بملامحك، بطِباعك، أجملهنَّ بتفاصيلك، أجملهنَّ حتى بأخطائك. ستغدو أحلامك أحلامي، وستكون كلماتك لحنًا لحياتي. إن سئمتِ من طباعي أعلميني، وإن غضبتِ من تصرفاتي أخبريني، لكن كوني على يقينٍ أنِّي لا أقصد إزعاجك. إن شعرتِ بالحزن فشاركيني حملك، وإن أحسستِ بالملل فعبِّري عن ذلك. سعادتُكِ هي أغلى ما أتطلَّع إليه، ابتسامتُكِ لا تجعليها تفارق شفتَيك، أمَّا دموعك فلا أريد أن أراها. قويٌّ أنا كنت قبل لقائك، لكن حين رأيتك، ورأيت فيكِ نصفي الذي لم أكن لأكتمل من غيره، بتُّ أقوى وأجمل، بتُّ أكثر اندفاعًا وحماسًا وحبًّا للحياة. أحتاجك، أحتاج وجودك بي ومعي.

كانت عيناها تلمعان بشدَّة حين كنتُ أحدِّثها، ربَّما لم أَقُل لها كلامًا منمَّقًا ككلام الشعراء، لكنَّني قلتُ كلامًا رأيته وقع في فؤادها.

– هيروكي، لا أحتاج أن تُطمئنني، أنا مطمئنةٌ بك، لستُ بحاجةٍ لأن تبرهن لي عن مقدار حبِّك؛ فأنا التي حظيت بالرجل الأفضل، بحبِّه، وقلبه، وقوَّته، وجماله. أحتاجك، أحتاج أن تمدَّ روحي وتدفعني كي أمضيَ قُدُمًا إلى الأمام وإلى الأمام فقط. لن أخذلك وأعلمُ أنَّك لن تخذلني. أنا هادئةٌ اليوم لأنِّي ممتنَّة، ممتنَّةٌ لكل شيء ساعدني كي ألتقيَ بعالِمي الذي اختصر لي عالَمي. مليئةٌ هي حياتي بوجوهٍ وأحداثٍ كثيرة، لكنِّي ما رأيت لك شبيهًا في فصول عمري.

ساي

figure

كم كان شعورًا غريبًا وجميلًا، حين سألني هيروكي فيما إذا كنا سنقطن في منزله الخاصِّ الحالي أم أنَّني أُفضِّل أن يقوم بتغييره أو على الأقل تجديده، أجبتُه أن لا حاجة بأن يجدِّد شيئًا، فكما اعتقدتُ، منزله مصمَّمٌ ومجهزٌ بأحدث التكنولوجيا، ولم أستغرب حين زرته؛ فهيروكي يحبُّ أن تظهر آثار النعمة عليه، فسياراته من أرقى طراز، واسعةٌ، وأنيقةٌ، ومجهَّزةٌ بأحدث ما توصَّل له العلم ومتناسبةٌ مع شكله ومظهره ومكانته في المجتمع. مكتبه والمركز الذي أسَّسه على النحو ذاته. حين حضرت للمرَّة الأولى من أجل مقابلة العمل معه، أذكر أنِّي دهشت من رفاهية المكان وبالذات مكتبه الخاص. أنا لم أجلس في مكتب فاخر كهذا، ذي إطلالةٍ متميزة كتلك التي رأيتُها. حتى هو عندما رأيتُه لم أخمن أنَّه في الخمسين من عمره، بل في منتصف الأربعينات، ربَّما لأنَّه اعتاد على ترفيه نفسه ولأنَّه أيضًا يفصل بين ضغوط عمله وحياته الخاصَّة، وضغوط حياته الخاصَّة عن مزاجه الشخصيِّ. فتراه هادئًا دائمًا، متفائلًا ذا صدرٍ رحبٍ ومزاجٍ جيد.

في الفترة الأولى بعد زواجنا وحين كنَّا نتنقَّل معًا في البلدة، كان هيروكي يتقصَّد أن يمرَّ على كافَّة الأماكن وأن يرانا جميع معارفه. يُلقي السلام عليهم ويُخبرهم قبل أن يسألوه «أعرِّفكم، الدكتورة ساي، زوجتي.» فيباركون لنا ويهنِّئونه. أمَّا أنا فكنت أتأمَّله، كان سعيدًا وفخورًا بي جدًّا، شعرتُ بفرحته وكأنَّ قلبه يتراقص، يُمسكُ يدي بحنانٍ ويقبض عليها برفقٍ شديدٍ، لاحظتُ أنَّه لم يكن يتركها أبدًا ولا حتى ثانية واحدة، هو يشعر بقبضته وليس كما لو أنَّه ينساها، كانت مشاعره تصلني بكلِّ تفاصيلها. أمَّا حين يودُّ الحديث معي يضمني إليه لأقترب منه أكثر ويحدثني بصوته الهادئ وبنبرته الجديَّة الساحرة. أجمل ما في هيروكي هو أنَّه لا يُبدي استغرابه من تصرفاتي، لا يُبدي لي أنَّه يرى شيئًا غريبًا ويتقبَّله لأنَّه يحبُّني. من غير شعورٍ منِّي كنت أقارن ردَّة فعل هاك في كلِّ مرَّةٍ كنت أتصرَّف فيها بطياشةٍ أو بحماسٍ مبالغٍ به أو بعفويَّةٍ غريبة، كان هاك يُظهر تعابيرَ بأنَّه مستغربٌ ممَّا أفعله ومن ثَمَّ يبتسم، كمَن يقول للآخر، تبدين غريبةً لكنِّي أحبُّكِ فلذا سأتقبَّل تلك الغرابة. ليس من حقِّي أن أقارن لكن عقلي الباطني كان يفعل ذلك رغمًا عنِّي. لم ينظر لي هيروكي أبدًا تلك النظرات، بل على العكس، كان إن جلست هادئةً قليلًا يسألني فيما إذا كنتُ متعبةً أو متضايقةً من أمرٍ ما. على أيِّ حال، بعض الناس لا يستطيعون استيعاب كم هو متعبٌ أن يكون الشخص متحمِّسًا طيلة الوقت، لا يدركون كم هو مرهقٌ وخارجٌ عن نطاق الإرادة، أن تفرض عليك شخصيتك أن تكون مبتسمًا ومرحًا أغلب الوقت، أن تظهر بمظهر الغبي بسبب أمرٍ اندفعت إليه في لحظة حماس، ثمَّ تشعر أنَّه لم يكن يستحق كلَّ هذا الاندفاع، فتخمد وتكمد فجأةً وتعاني من تغيُّرات دائمة في مزاجك. استطاع هيروكي أن يحتويَ حماسي واندفاعي بحنانٍ ورفق، لم يشعرني يومًا أنِّي أبدو غبية أو كلامي مبالغٌ فيه أو حماسي لا مبرر له.

أحد الأمور الأخرى التي لم أستطع إلا أن أقارنها أيضًا هي كيف يكون الزواج في عمر الشباب مختلفًا عن الزواج في عمر الأربعين والخمسين. فنحن كلانا الآن مستقرَّان، بنينا ما بنيناه والآن لم نعد بحاجةٍ لبذل مجهود إضافي لأقساط منزل أو دراسة مكثفة في مجال العمل أو التفكير من أين سأحصل على كذا؟ ومتى سأفعل كذا؟ فنحن وإن كنا مشغولين تمامًا في العمل لكنْ لدينا تحكُّمٌ كامل بوقتنا ونستطيع في أيِّ لحظةٍ أن نأخذ إجازةً أو نخفف وتيرة العمل. فأنا قد قمتُ بنقل عيادتي إلى البلدة التي نسكن فيها أنا وهيروكي، وسأتابع عملي فيها وفي المركز، لكن كل هذا من غير ضغوطٍ متعبة أو مرهقة.

هيروكي

لم تَعُد الحياة كما كانتْ من ذي قبل، لم تَعُد الأيام تتكرَّر بتلك الرتابة السابقة. ساي هنا، تملؤني وتملأ عمري بكلِّ ما هو جميل، جديد، ومتميز. حتى منزلي ملأَتْه بتفاصيلَ كثيرةٍ لم أكن أتخيَّل وجودها. مرَّت سنةٌ ونصف ليست كالعسل بل هي أحلى، أستيقظُ صباحًا على صوتها العذب. كالوردة حسنائي، تزهر كلَّ يومٍ بلون جديد. لكن الحياة ليستْ بوتيرةٍ واحدة، ودوام الحال من المحال، أتى ذاك الأسبوع الغريب، حيث كانتْ ساي على غير عادتها، شاردة الذهن، كثيرة التفكير، قليلة الكلام، كما أنَّها لم تكن تضحك أبدًا. لم أفهم ما الذي يساور ذهنها، لكنَّني لم أشأ أن أُبديَ استغرابي من ذلك. فضَّلتُ أن أتركها تعيش تفاصيل التغيرات النفسية التي تطرأ على أي امرأة، فأنا أعلم أنَّ النساء لا يعشْنَ حالتهنَّ المزاجيَّة بتواترٍ متساوٍ، بل تتغير بشكلٍ دائم، لكنَّني قلقت بعض الشيء عليها ولم أشأ أن أسألها الكثير من الأسئلة، عبَّرتُ قليلًا عن ذلك ووجدتها لم تتجاوب معي، فقررتُ أن أعاود سؤالها مجددًا عمَّا يشغل بالها بعد يومين إن لم تتحسن حالتها المزاجية.

لكن قبل مُضي هذين اليومين، تلقيتُ اتصالًا بعد مغادرة ساي من المنزل إلى عيادتها، كانتِ المتصلة تتحدَّث بصوتٍ خافتٍ وبسرعة، لم أفهم منها إلا أنَّ هاك قد عاود الاتصال مع ساي في الفترات الأخيرة! لم تشرحْ تلك المتصلة أكثر ولم أسألها، ولا حتى للحظة، لم يراودني شعور الشك بساي إطلاقًا، لكن استطعتُ أن أفسِّر قلقها خلال الأيَّام الفائتة.

لا أعلم ما هي التفاصيل، ولستُ متأكِّدًا أساسًا من أن المتصلة صادقة أم لا، كما لم أُبدِ للمتَّصلة أيَّ اهتمامٍ بما تقوله كي لا أجعلَها تصلُ لما ترومه إن كانت تودُّ العبث معنا فحسب. لكنَّ تلك المرأة لم تتركني وشأني، بل أرسلتْ لي توقيت المواعيد التي التقتْ بها ساي مع هاك، إنَّها مصرَّةٌ لسببٍ أو لآخر أن تُزعجَني، مَن هي تلك المرأة؟ وماذا تريد؟ والأهم من ذلك! ماذا يريد هاك؟ وما بال ساي؟ ولِمَ لم تخبرني بشيءٍ؟ لا أعلم الكثير عن هذه الأمور، ولا أعلم كيف عليَّ أن أسألها، ما الذي يجري؟ فكَّرتُ كثيرًا ووضعتُ كافَّة الاحتمالات بدءًا من كونهما يتحدَّثان بشأنٍ يخصُّ عملَهما الطبيَّ، انتهاءً بفكرة عودتهما لبعضهما وإدراك ساي بأنَّها تودُّ ذلك فعلًا! هل تسرَّعتْ ساي بالارتباط بي؟ أنا حقًّا لا أعلم، لكن ما أعلمه أنَّ كلَّ تلك الاحتمالات ضدِّي، ودليل ذلك مزاج ساي وتغيُّرها عنِّي في الأيام الفائتة. قرَّرت أنِّي لن أُقحمَ نفسي بدوامة الاستجواب والأسئلة والتخوين، أودُّ أن أُريحَ تفكيرها وأغيب بعض الوقت عن ناظرها، أمَّا هي فعليها أن تتخذ قرارها من جديد. إلى الآن لستُ أعلم ما الأمر، لكنَّني مضطرٌّ للسفر إلى السويد بسبب انعقاد مؤتمرٍ هامٍّ؛ لذا فهي فرصةٌ جيدةٌ لتُعيدَ حساباتها. سوف أسافر وأطيل مقامي هناك إن لزم الأمر إلى ما بعد المؤتمر علَّها تخبرني بما يجول في خاطرها، وإن لم تفعل، فسوف أصارحها وأنا بعيد عنها وأسألها. هذا كثير عليَّ، لا أستطيع أن أتخلَّى عنها وهي أمامي! لا أعلم، لا أودُّ أن أُحرجَها، كما لا أود أن أجرحها! لذا فسأطعن قلبي، لا خيار آخر لدي!

أتى موعد السفر وما زالت ساي مهمومةً وعلى غير عادتها، كنتُ أتأمَّلها بحزنٍ شديدٍ وهي تُحكم لي ربطة عنقي، وربَّما للمرَّة الأخيرة: هيروكي هل من خطب؟

figure

– أترينني نسيتُ شيئًا؟

– كن مطمئنًا، لم تنسَ شيئًا فقد حزمت حقيبتك بنفسي ووضعت لك كلَّ ما تحتاجه.

– نعم، معك حق!

أخبرتني أن أكون مطمئنًا، ولم تعلم أنَّني بعد قليلٍ سأترك قلبي معها وأغادر.

ساي

فاجأتني الممرضة حين أخبرتني أنَّ هاك في غرفة الانتظار وحان دوره. تفهَّمت تمامًا حالة هاك، لم أكن أودُّ أن أعطيَه المزيد من الوقت أو التفكير، أمرُه لم يَعُد من شأني، جملتان أراد أن يقولهما وسمعتهما وانتهى الأمر، أدرك هاك أنَّ رسالته قد وصلتْ ولم يتصل بي ثانيةً، لا أُنكر اعتصار قلبي ألمًا عليه حين رأيته، ولكنَّ الدروب لم تَعُد تجمعنا وليس في يدي حيلة. بقيتُ لعدَّة أيامٍ شاردة البال أفكر في هاك، أظن أنَّني كنتُ كئيبةً بعض الشيء، لاحظ هيروكي ذلك لكنَّني لم أودَّ أن أشرح الموضوع لأنَّه غير مهم. حقًّا لا أريد أن أتحدَّث عن شيء، أحتاج لبعض الصمت في هذه الأيام.

figure

بعد عدَّة أيامٍ أخبرني هيروكي أنَّه سيسافر لحضور مؤتمر في السويد، فأعددت له حقيبة سفره، وحين ودَّعني بدا عليه الشحوب كثيرًا، قلقت جدًّا، هل هيروكي مريض؟ هل يُخفي عنِّي شيئًا؟ سألته، فأكَّد لي أنَّه بخير، إنَّما هو انشغال باله بشكلٍ عام. ما أعلمني به في بادئ الأمر أنَّه سيغيب عشرة أيامٍ فحسب، مرَّ أسبوعان، وما زال هيروكي غائبًا ولم يأتِ بعد، أخبرني أنَّ دورةً تدريبية جديدة سيتمُّ افتتاحها وأنَّ إقامته ستطول أسبوعًا آخر، لم أَعُد أشعر بالراحة في المنزل وحيدةً من غير هيروكي، أشعر بغربتي في كلِّ مكان، فمنذ أكثر من سنةٍ وأنا أصحو على صوت منبه ذاك العالِم النشيط. هو يستيقظ باكرًا منذ الساعة الخامسة صباحًا، يتسلَّل من سريره كي يقرأ رسائله الإلكترونية، وبعد ساعةٍ يوقظني بلطفٍ وحنان. لا أدفأَ من يوم يبدأ باحتساء قهوةٍ أعدَّها هيروكي، وبقرب هيروكي، ومع تبادل الحديث مع هيروكي. منذ أن تزوَّجنا وهو يعاملني كأميرة، لقد ازداد تعلُّقي به، أحببتُه أكثر فأكثر. أستطيع بسهولةٍ أن أرى كم هو ممتنٌّ لكلِّ ما أقوله، لكلِّ ما أفعله، أو حتى لكلِّ ما لا أفعله، هو راضٍ دائمًا فحسب. ذاك الرضا والامتنان يدفعانني دومًا لإعطاء المزيد له، من الحبِّ والمشاعر والاهتمام. أحاول أن أحيطَه بكلِّ ما هو جميلٌ بكلِّ ما أملك من طاقة. أشعر بسعادة غامرة حين أرى أن راحته فقط أن يستند على كتفي وأضمَّه بين ذراعيَّ.

حين طال غيابُه كثيرًا اتصلتُ به وأخبرتُه أنَّني سأسافر لبضعة أيامٍ إلى مدينتي، علَّني أخفف من وطأة وحدتي، وحدتي التي كنتُ قد اعتدتُ عليها لسنين طويلة، الآن لم أَعُد أستطيع تحمُّلَها حتى لأسابيع! كم يتغيَّر الإنسان بسرعة! ما زاد الأمر سوءًا هو أنَّني بقيتُ أفكر في حالة هاك، وجودي لوحدي أعاد لي ذكرياتي السابقة مع هاك. أعاد لي كلَّ الأيام الماضية بحلوها ومرِّها، لم تكن قصتنا بتلك البساطة، لتنتهيَ من روحي ببساطة!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١