تلميذي المشاكس

الناس اللي تحت

جَمَعْتُ «القبيلة» وذهبتُ مساء يوم الجمعة الماضي لمشاهدة مسرحية «الناس اللي تحت» بمسرح الأزبكية، واختارت لنا إدارة فرقة المسرح الحر ما يسمونه بنوارًا ممتازًا، وهو بنوار يقع إلى جانب خشبة المسرح مباشرة، وقد عانيت مشقة كبيرة حتى أتمكن من مشاهدة التمثيل والممثلين، مما أقنعني بوجاهة ما يُطالب به زميلنا الأستاذ أحمد حمروش، في لجنة المسرح بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون، من ضرورة اعتماد مبلغ كبير من المال لإدخال تعديلات وإصلاحات أساسية على مسرح الأزبكية؛ حتى يصبح أَحْسَنَ استعدادًا مما هو الآن، وحتى يمكن أن يُصْبِحَ جديرًا بفرقتنا المصرية الرَّسمية وغيرها من الفِرق الجدية الرفيعة المستوى، من أمثال فرقة المسرح الحر، وحتى يستطيع من يئول إليه «بنوار ممتاز» مثلي أن يَشْهَد التمثيل والممثلين على قَدَمِ المساواة هو وأولاده.

الكوميديا الهادفة

وأترك مسرح الأزبكية وبنواره الممتاز لأتحدث عن المسرحية في ذاتها، تلك المسرحية التي احتشد لمشاهدتها جمهور غفير امتلأت به جميع مقاعد المسرح من أسفله إلى أعلاه، ومن شَرْقه إلى غَرْبه، بل وعاد عدد كبير منه لعدم وجود أماكن.

والمسرحية من النوع الذي يَصِحُّ أن نُسَمِّيه بالكوميديا الهادفة، فهي تثير الضحك، والظاهر أنَّ جمهورنا الآن في حاجة أشد إلى الضحك والتسلية بعد أيام التوتر العصبي الشديد التي عاشها خلال العدوان الخسيس، وإن يكن جمهورنا قد كان دائمًا يُقْبِل على التمثيل الفكاهي.

والإضحاك في هذه المسرحية غَيْر مقصود لذاته، بل له هدف، فهو سخرية من بعض النقائص النفسية والاجتماعية التي كانت سائدة في بلادنا، والتي لا تزال بقاياها قائمة حتى الآن تُصَارع القيم الجديدة في الحياة؛ ولذلك وَصَفْتها بأنها كوميديا هادفة، بل وأستطيع أن أقول: إنها كوميديا ذات رسالة piéce à thése، فهي تُريد أن تدلِّل على أنَّ مصرَ الجديدة — أي مصر ما بعد الثورة — خيرٌ من مصر القديمة — أي ما قبل الثورة.

وإذا كان نقادُ المسرح في العالَم أَجْمَعَ ينقدون بشدة كل هذا النوع من المسرحيات ذات الرسالة، فإن هذه المسرحية قد حَمَلَتْني على أن أعاود النظر في هذا الرأي؛ وذلك لأنَّ «الرسالة» لم تُصِب المسرحيةَ بشيء من الإملال ولا من ضَعْف الحركة، كما أَنَّها لم تَقْلِب المسرحَ إلى منبر خطابة، ولربما كان ذلك؛ لأنَّ الرسالة لم تَعْرضها مسرحية جادة أو دراما، بل عرضتها كوميديا خفيفة، واستخدمت في عرضها وسائل الكوميديا، وكم كان جميلًا وشائقًا أن نرى إحدى شخصيات هذه المسرحية تُعَبِّر عن جمود مصر القديمة وعدم مسايرتها لخطى الزمن بتلك الحركة المعبرة التي اختتمت بها المسرحية، حركة رَجُلٍ واقفٍ في مكانه رافعًا يديه إلى السماء وهو يُحَرِّك رجليه في حركة «محلَّك سر» المعروفة. وبالرغم من أنه كان يوجه القول في نفس الوقت إلى الجمهور لِيُعْلِن تغيُّر مصر الجديدة عن مصر القديمة، فإنَّ حركة «محلك سر» أشاعَتْ في الجو روحًا خفيفة لم يَشْعُر معها أحد بأي افتعال في أقوال الممثل الموجَّهَة إلى الجمهور.

نعمان المشاكس

ولقد فَرِحْتُ أكبر الفرح لهذا النَّجاح الشعبي الكبير الذي لاقاه مؤلف المسرحية الأستاذ نُعمان عاشور، ورأيتُ في هذا النجاح أكبرَ تعزية عَمَّا كنتُ أعرفه عن نعمان من مُشاكَسةٍ يومَ أن كان طالبًا بكلية الآداب، وكان من حسن حظي أو من سوئه أن أكون من بين أساتذته، فقد كان لا يَمَلُّ المشاكسة، وكنت أسميه «الغلباوي»، وها هي هذه المشاكَسة وتلك «الغَلَبَة» تَجِدُ لها متنفسًا نافعًا على خشبة المسرح، فنعمان بطبعه «كوميكي» ذرب اللسان، وهو أقدر ما يكون على فن الكوميديا والحوار الكوميدي، كما أنه — فيما يبدو — كثير الاندماج بالشعب ولغته وعاداته، كما أنَّه فنان بوهيمي الطبع، وفي شخصية الأستاذ عزَّت أحد «الناس اللي تحت» ملامح كثيرة من نعمان نفسه.

التمثيل والإخراج

لقد كان في هذه المسرحية من المواقف والنكات والنقائص النَّفسية والاجتماعية ما يكفي لإثارة الضحك والترفيه مع تحقيق الأهداف التي قَصَدَ إليها المؤلف، ولكن يُخَيَّل إليَّ أن المخرج لم يكتَفِ بكل ذلك، فقصد إلى بعض المبالغة في بعض المواقف لإثارة الضحك الصاخب، وذلك مثل حركات «المغص» لدى الشيخ مرزوق، ومثل المبالغة في ماكياج كاتب المحامي ووقفته الطويلة المسرفة في مغازلة الخادمة بعد أن أوصدت بينه وبينها الباب، والجمهور ينتظر حتى يدير إليه وجهه، ويتابع السير بأحداث المسرحية التي أصابها — خلال تلك اللحظات — ركود لم يكن له مبرر، بل كان مملًّا.

وأهمُّ من كل ذلك الطريقة التي مُثِّلَتْ بها شخصية الخادمة منيرة؛ لأنها بَدَتْ لعوبًا مستهترة في حركاتها أكثر مما ينبغي، وذلك في الوقت الذي جعلها المؤلف واحدة من أفراد الشعب العادي الذي يُفَضِّله على السادة القدماء، واتخذ منها رمزًا لمصر الجديدة الجادة.

الشخصيات البارزة

على أنَّ هذه المآخذ لا تمنعني من إبداء سروري وإعجابي بتمثيل هذه المسرحية، وخاصة بشخصيتين منها هما شخصيتا «الست بهيجة» والأستاذ رجائي.

أما الست بهيجة فسيدة ثرية حريصة من النوع الذي يسميه شعبنا «الست القوية»، وقد ذكَّرَتْني بشخصية «الست هدى» في مسرحية شاعرنا الكبير أحمد شوقي، وإنه لَيحلو لي أن أُهَنِّئ الممثلة التي قامت بهذا الدور تهنئة صادقة؛ لأنَّها استقلت به على نحوٍ يدعو إلى الإعجاب، كما أهنئ الممثل الذي قام بدور الأستاذ١ رجائي، وكم كنتُ أوَدُّ أن أحييه هنا باسمه لو أنني كنتُ أعرف هذا الاسم، فدوره شاقٌّ معقَّد؛ لأنَّ الأستاذ رجائي الذي انحدر من أسرة ثرية إلى مستوى الشعب وإلى السكن في البدرون مع «الناس اللي تحت» لا تعرف المرارة نفسه، بل نراه سخيًّا يخف إلى نجدة زملائه في البدرون بمجرد أن يُصيب شيئًا من المال من تَرِكَة عَمٍّ تُوُفِّيَ، وبالرغم من انتمائه إلى طبقة المجامَلات والنفاق الاجتماعي فإنه يستخف بهذه المجاملات ويسخر منها دون أن تنم هذه السخرية عن غلط في الطبع أو بلادة في الإحساس.

وهو عندما ينتهي به المصير إلى الزواج من الست بهيجة يلتمس السلوى عن هذا الحظ التعس بشرب الخمر، وعندئذٍ يصبح دور الممثل بالِغَ المشقة؛ لأنَّ عليه أن يمثل دورًا شاذًّا هو دور السكران بطريقة طبيعية، وهذا مِحَكٌّ خارق لموهبة الممثل وقُدْرته، وقد نجح هذا الممثل في أداء هذا الدور الكبير الشاق نجاحًا رائعًا أكسب المسرحية نجاحًا ملحوظًا، وزاد هذا الدورَ مشقةً أنَّ المؤلف جعل من الأستاذ رجائي حامل «الرسالة» التي أراد المؤلف أن يؤديها، وهي التغير الأساسي الذي طرأ على مصر بفضل الثورة وجعل منها مصر قديمة ومصر جديدة.

تحية خالصة إلى تلميذي المشاكس سابقًا وصديقي الآن نعمان عاشور، المؤلف المسرحي النَّاجح، وتحية أُخرى إلى بقية ممثلي المسرحية الذين أجادوا أدوارهم إجادة تستحق الإعجاب، وإلى فرقة المسرح الحر.

١  توفيق الدقن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠