مسرح باكثير في معهد التمثيل

تناولتُ في حديثٍ سَابقٍ البحثَ الذي تَقَدَّمَ به أحد الطلبة في معهد التمثيل العالي عن «المسرح المنوع» للأستاذ توفيق الحكيم للحصول على دبلوم النَّقد والبحوث الفنية، وناقشَتْهُ لجنة مكونة من الدكتور شوقي ضيف، والدكتور محمد القصاص، ومحمد مندور.

وأود أن أتحدَّث اليوم عن بحثٍ آخر تقدم به الطالب محمود سيد يوسف عن مسرح الأستاذ علي أحمد باكثير لنفس الغرض وناقشَتْه نفس اللجنة.

وإذا كانت اللجنة قد لاحظت أنَّ صاحب البحث الخاص بمسرح الحكيم المنوع قد أَغْفَلَ كل منهج علمي ليهجم مُباشرة على مسرحيات الحكيم؛ يبحث فيها المشكلات الحيوية التي تهمه وتهم غيره من المواطنين في حالتنا النَّفسية الرَّاهنة، إذا كانت اللجنة قد لاحظت هذا فيما يختص بذلك البحث؛ فإنها على العكس من ذلك؛ قد لاحظت أنَّ الطالب محمود سيد يوسف قد أخذ نفسه في دراسة مسرح الأستاذ علي أحمد باكثير بمنهج علمي واضح.

لقد ابتدأ الطالب بحثه بمقدمة تناول فيها الخطوط العريضة من حياة الأستاذ علي أحمد باكثير، فذكر أنَّه ولد في إندونيسيا سنة ١٩١٠ من أب حضرمي مهاجر وأم إندونيسية، ثم أرسله والده إلى حضرموت ليعيش مع عمه الذي كان من رجال العلم والدين والأدب، وهناك تلقى ثقافته العربية والإسلامية وأُولِعَ بالأدب والشعر الذي أخذ يَنْظِمه منذ حداثته المبكرة، ثم سَافر إلى الحجاز حيث أقام إلى أن قدم إلى مصر في سنة ١٩٣٣ ليلتحق بقسم اللغة الإنجليزية بكلية آداب القاهرة، ويتخرج منها في سنة ١٩٣٩ ويحصل على دبلوم معهد التربية سنة ١٩٤٠، وفي تلك الفترة قرأ لشكسبير وتأثر به، وترجم عنه مسرحية «روميو وجوليت» بالشعر المرسل، واشتغل بعد ذلك بالتدريس إلى أن تركه أخيرًا إلى مصلحة الفنون بوزارة الإرشاد القومي.

ولم يقتصر الأستاذ باكثير في أدبه على فنٍّ بذاته كما لم يقتصر على طريقة بذاتها من طرق الأداء اللغوي؛ إذ رأيناه يكتب القصص كما يكتب المسرحيات، وإذا كان قد ترجم مسرحية شكسبير السابقة بالشعر المرسل، فإنه قد كتب مسرحيته الثانية وهي: «إخناتون ونفرتيتي» بنفس الطريقة، وهو يعترف بأنه قد استوحى هذه الطريقة من شكسبير الذي آثر الشعر المرسل على الشعر المُقَفَّى في كتابة مسرحياته ورآه أكثر طواعيةً ومواتاةً على التعبير، وكتب بعد ذلك مسرحية «قصر الهودج» كأوبرا غنائية، ولكنه انتهى بأن اختار النثر وسيلةً لكتابة المسرحيات مُؤَكِّدًا أنَّ الشعر لا يصلح إلا للمسرح الغنائي.

وقد قسَّم الطالب مسرحيات الأستاذ باكثير إلى مجموعات بحسب مصادرها، فهناك مسرحيات أسطورية ومسرحيات تاريخية وثالثة سياسية ورابعة منوعة.

والواقع: أنَّ الأستاذ باكثير قد ابتدأ مؤلفاته الأدبية مستعينًا بالأساطير أو التاريخ، وهذا أَمْر قد يكون طبيعيًّا؛ لأن الأساطير والتاريخ تمد الكاتب المبتدئ بهياكل جاهزة أو شبه جاهزة لمؤلفاته الأدبية، وتُعْفِيه من مَشَقَّة بناء العمل الأدبي، وهي المشقة الرئيسية، فإنَّ ذلك لم يمنع الأُستاذ باكثير من أن يتفنن ما شاء له التفنن في مُعالجة هذه المواضيع الأسطورية أو التاريخية، وإعادة تفسيرها على النحو الذي اختاره، وهو إذا كان قد وُفِّق أحيانًا في هذه المعالجة أو ذلك التفسير على نحوِ ما فَعَلَ في مسرحيته «سر شهرزاد»، التي اعتبرها صاحب البحث خيرَ محاوَلة كُتِبَت في أدبنا المعاصر عن هذه الأسطورة، ووافقَتْه على ذلك لجنة الامتحان أو بعض أعضائها، فإنَّ اللجنة لم تستطع أن تُقِرَّ الطريقة التي عالَج بها الأساطير أو الأحداث التاريخية، وإذا كان الطالب قد فضَّل مسرحية «مأساة أوديب» لباكثير على مسرحية «أوديب ملكًا» لتوفيق الحكيم، فإنَّ اللجنة لم تستطع أن تُقِرَّه على هذا التفضيل من حيث طريقة المعالَجة وبناء الأحداث بعضها على بعض، كَمَا أنها سوَّت بعد ذلك بين الأديبين المصريين في سوء استخدامها لهذه الأسطورة الخالدة، وودَّتْ أن لم يَتَعَرَّضا لها بعد أن أعطاها الشاعر اليوناني الخالد سوفوكليس تلك الصيغة وذلك المدلول، اللذين جعلا من مسرحيته عملًا خالدًا عَجَزَ عن مُجَاراته جميع اللاحقين في آداب العالم المختلفة، بل إنَّ اللجنة لم تُخْفِ نُفُورَهَا من الخاتمة اللاأخلاقية التي حاولَ كَاتِبانا أن يُنْهِيَا بها هذه الأسطورة.

وإذا كان الأستاذ الحكيم قد أَجْرَى في نهاية مسرحيته بين أوديب وأُمِّه حوارًا جارحًا حَاوَلَ فيه أوديب أن يغري أمه بأن يُهاجرا معًا بعيدًا عن وطنهما طيبة؛ حتى يستطيعا الاستمرار في حياتهما الزوجية رغم ما تأكد من علاقة الأمومة والبنوَّة بينهما، فإنَّ باكثير قد تَرَدَّى في نفس السوأة عندما ذَكَرَ أن الأُم جوكاست أخذت تضرع إلى أوديب لكي يَعْدِل عن مُصَادرة أموال الكهنة حتى لا يَفْضَح هؤلاء حقيقة العلاقة بينها وبين أوديب، وبذلك تستطيع الاستمرار في مُعَاشَرته معاشَرة الأزواج بالرَّغم مما تأكد لهما من أن أوديب ابنها.

وبالمثل لم تستطع اللجنة أن تُقِرَّ ما زعمه الأستاذ باكثير في مسرحيته «سر الحاكم بأمر الله»، من أنَّه كانت في فارس لجنة أو جماعة للملاحدة هي التي دَسَّتْ للحاكم بأمر الله من يُغْرِيه بادعاء الألوهية، وأخذ الناس بتلك القسوة الوحشية التي أَخَذَهُم بها باسم الدين وبدعوى المحافظة على تعاليمه، إلى أن أتاح الله للشعب الخلاص منه بفضل المؤامرة التي دَبَّرَتْها أخته لقتله.

ومنذ عام ١٩٤٥ أخذ الأستاذ باكثير يتجه في تأليف مسرحياته نحو السياسة المعاصرة، وهنا استعان الطَّالِبُ بحياة الأستاذ باكثير ليُفسر اختياره لموضوعات هذه المسرحيات ذات الطابع السياسي.

الأستاذ باكثير قد تنقل بين إندونيسيا وحضرموت والحجاز ومصر التي استقر فيها نهائيًّا وتَجَنَّس بجنسيتها، ولكنه مع ذلك لم يستطع أن ينسى أوطانه السابقة والرابطة التي تجمع بينها، وهي الإسلام أولًا ثم العروبة ثانيًا والوطنية المصرية ثالثًا؛ ولذلك نراه يَعْرِض كفاح إندونيسيا ضد الاستعمار الهولندي في مسرحية «دعوة الفردوس»، ثم يخص فلسطين الشهيدة والصهيونية الملعونة بمسرحيتي «شيلوك الجديد» و«شعب الله المختار»، كما يخص صراع مصر ضد الاحتلال البريطاني والإمبراطورية المنهارة بمسرحيتي «مسمار جحا» و«إمبراطورية في المزاد».

باكثير إِذَنْ مسلم عربي قبل كل شيء، وإذا كان قد جَمَعَ بعد ذلك بين الثقافة العربية وأطرافًا من الثقافة الغربية؛ فإنه ظلَّ في جوهره أديبًا إسلاميًّا عربيًّا، يَهْتَمُّ بمشاكل البلاد الإسلامية والعربية قَدْر اهتمامه بمشاكل الوطن الذي اختاره مُسْتَقَرًّا نهائيًّا وهو مصر، كما ظلَّ محور تفكيره إسلاميًّا عربيًّا وفلسفته إسلامية عربية، وهذا هو ما تَوَفَّرَ صاحبُ البحث على إظهاره قَبْل كل شيء، بل إلى الحد الذي أنساه — أو كاد — البحثَ في النواحي الفنية لمسرح الأستاذ علي أحمد باكثير، وهذا هو ما أَخَذَتْهُ لجنةُ الامتحان أساسًا على هذا البحث الذي بَذَل فيه صاحبُهُ المجهود الكبير الذي تتطلبه دراسته لسبع عشرة مسرحية للأستاذ باكثير.

وإذا كان صاحب البحث قد لاحظ على مسرحيات الأستاذ باكثير السياسية أنها مسرحيات مناسبات، وخشي ألا تحتفظ بقيمتها بعد تَغَيُّر تلك المناسبات وزوالها، بل واستدل على هذا بما لاحظه من أنه إذا كانت مسرحية «مسمار جحا» قد صادَفَتْ عند الجمهور نجاحًا كبيرًا، عندما كان الإنجليز يتلكئون في الجلاء عن مصر، ويُحاولون أن يتركوا فيها «مسمارًا» يتحكمون به للعودة إلى احتلالها، فإنَّ نفس المسرحية عندما أُعيد عَرْضُها بعد زوال الاحتلال وتخلصنا منه نهائيًّا لم تُصِبْ نفس النجاح.

ولكنَّ اللجنة لم تُوافق الطالب على هذا الرَّأي، فما يُسَمَّى بأدب الملابسات لا يمكن أن يُعَدَّ كله أدبًا فانيًا صائرًا إلى الزوال، ولا تزال الإنسانية تحتفظ بالكثير من هذا الأدب مثل خُطَب ديموستين الإغريقي أو شيشرون الروماني، وهي قد احتفظت بحياتها بفضل ما تَضُمُّ من قيم ومعانٍ إنسانية خالدة مُطْلَقة، ثم بفضل ما تقوم عليه من أُسُس فنية سليمة، ومن هنا تطرَّق البحثُ إلى النواحي الفنية والقيم الإنسانية الباقية في مسرح الأستاذ باكثير.

واتجه الرَّأي الغالبُ في لجنة الامتحان إلى أن ما يمكن أن يُؤخَذَ بنوع خاصٍّ على مسرح باكثير السياسي إنما هو ضَعْف البناء، وهذا الضعف يرجع إلى ضعفٍ في قوَّة الخيال، وعدم عنايته بأصول البناء المسرحي الذي يتطلب الطبيعية والمعقولية وقرب المشاكلة للحياة، وبناء مسرحيات الأستاذ باكثير قد يدل على ذكاءٍ ومهارة وتفنُّن، ولكنه لا يدلُّ على قوة الخيال، وعلى القدرة على بناء الأحداث بناء جبريًّا، بحيث يتولد بعضها عن بعض في منطق سليم واضحٍ سَهْلِ المنال، ورُبَّما كانت هذه الصعوبة هي التي اضْطَرَّتْ أديبَنا في أوَّل عهده بالأدب إلى أن يلتمس في الأساطير والتاريخ هياكل مُعَدَّة لمسرحياته وقصصه الأولى، أو على الأقل مادة أولية لها، حتى إذا انفصل عن الأساطير والتاريخ وحاول أن يبني من واقِعِ حياتنا المعاصرة مسرحياته اعتمد على الذكاء والمهارة أكثر من اعتماده على قوة الخيال والقدرة على البناء، وتسبَّب ضعف البناء في إضعاف القِيم الفكرية والعاطفية التي تتضمنها مسرحياته؛ لأنَّ البناء الذي يلوح مفتعلًا خليقٌ بأن يُضْعِف من قوة القيم الإنسانية التي تنطق بها الأحداث المفتعلة أو البعيدة عن طبيعة الحياة ومنطقها القريب المنال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠