جمهورية فرحات بين المسرحية والأقصوصة

تَعْرِض الآن الفِرقة المصرية بحديقة الأزبكية مسرحيتَيْن قصيرتين كل واحدة منهما من فصل واحد للدكتور يوسف إدريس، وهما «جمهورية فرحات» و«ملك القطن».

والمسرحية الأولى وهي «جمهورية فرحات» تُثِير عِدة مشاكل نقدية جديرة بالدرس والاهتمام، فهي كانت في الأصل أُقصوصة مَنْشُورة للدكتور يوسف إدريس الذي أحالها إلى مسرحية ذات فصل واحد دون أن يُحْدِث فيها تغييرات جوهرية.

والقصة من النوع المسمى بالقصة ذات الأدراج، فهي تبدأ في أحد أقسام البوليس، حيث نرى الصول فرحات جالسًا على مقعده لا يُغادره، ويتعاقب عليه وفود من الشاكين والمجرمين الذين يَفِدُون على أقسام البوليس، وبمَلَكة ملاحَظة دقيقة يعرض المؤلف علينا عدة لوحات صغيرة من أخلاق المجتمع، وما كان قد استشرى فيه من فساد وتفاهة وانحلال، وقد طغى هذا الانحلال حتى شَمِلَ رجال البوليس أنفسهم، فهذه امرأة تَدَّعي أن مُطَلِّقَها قد حَرَّضَ عليها من ضربوها في دُور السينما وجردوها من قرطها الذهبي، وعندما يسأل الصول فرحات عن سبب تحريضه على ضربها تقول: إنه أراد أن ينتقم منها لرفْضِها التنازلَ عن حكم نفقة استصدرته هذه بعد طلاقها، وعندما يسألها عن سبب الطلاق تقول: إنَّه كان لأنها تعثَّرَتْ عند وقت السحور في قُلَّة حماتها فكسرتها وغضب الزوج فطلقها من أجل قلة أمه، وليس بعد ذلك تفاهة ولا انحلال اجتماعي.

والصول فرحات الساخط على عمله الممِلِّ، المتبرمُ به، لا يزال يثرثر ويتلكأ في عمله، حتى إذا أحس بقدوم الضابط مُعَاوِن القسم تَظَاهَر بالجد والاهتمام وإنجاز عمله، بينما نعلم أنه قد بلغ من الكسل والتبرم حدًّا يتساءل معه: لماذا مات رجل في خرابة تابعة للقسم الذي يعمل فيه؟ ولماذا لم يواصل هذا الميت سيره خطوات أخرى حتى يموت في خرابة تابعة لقسم آخر؟

وبينما تتتابع أمامنا هذه اللوحات الاجتماعية القاتمة نحسُّ أن الصول فرحات قد نَسِي أنَّ المؤلف المحجوز لسبب سياسي في حجرته متهم مُودَع رَهْن التحقيق، فيأخُذ في التبسط معه في الحديث؛ حتى ليخبره بأنَّه قد ألف قصة لفيلم سينمائي، وقد ساقه إلى هذا الحديث ذكر السينما الذي ورد على لسان السيدة المطلقة التي سَبَقَ أن أشرنا إلى شكواها.

وعند هذه المرحلة نحسُّ أن المؤلف قد فتح درجًا ليستخرج منه هذه القصة الجديدة التي كان الصول فرحات قد ألفها لفيلم سينمائي، وبالفعل يأخذ الصول في سرد هذه القصة، وإن كانت اللوحات الاجتماعية لا تزال تتابع مُتَخَلِّلة سرد القصة الجديدة، فمِنْ وَقْت إلى آخر يفد إلى القسم مُتَّهَمون وشاكُون يقطعون سياقها الذي لا يلبث أن يُستأنف.

القصة الجديدة

والقصة الجديدة التي كتبها الصول فرحات للفيلم السينمائي تحكي كيف أنَّ ثريًّا هنديًّا زارَ مصر ونزل بأحد فنادقها الكبرى، وفَقَدَ فصًّا كبيرًا من الياقوت الثمين وجَدَهُ أحد أفراد الشعب المصري فرَدَّهُ إليه ورفض أن يتقاضى أية مكافأة عن أمانته، فتأثر بصنيعه الرَّجل الهندي واشترى عند عودته إلى بلاده عدة أوراق من يا نصيب كبير رَبِحَتْ إحداها مليونًا من الجنيهات، ولما كان قد اشتراها لصالح المواطن المصري؛ فإننا نراه يشتري بهذا المبلغ عدة سلع ثمينة يوسق بها سفينة كبيرة، ويُرسلها هدية للمواطن المصري الذي يبيع هذه السلع ويشتري بها سفينة بخارية يستخدمها في عملية الشحن، ثم اشترى سفينة أخرى وثالثة ورابعة حتى يُكَوِّنَ أسطولًا تجاريًّا يحل محل الأساطيل الأجنبية في تجارة مصر، ويزداد ثراؤه فيُنشئ عِدَّة مصانع ويُحْسِن معامَلة عماله ويبلغ به الكرم في النهاية أن يتنازل للشعب عن ثروته كلها، وبذلك تتأسس الجمهورية الجديدة «جمهورية فرحات».

ويوسف إدريس على عادته في استخدام الأسلوب الخفيف السريع لم يُفْصِح عن العلاقة بين هذه القصة الجديدة وبين قصته التصويرية الأولى التي بدأها في قسم البوليس، ولكنَّنا عند إمعان النظر لا نلبث أن نتبين هذه العلاقة، فالبوليس المنحل الساخط والشعب المنحل الفاسد يَشْعُران بما في حياتهما من بؤس، ويَعِيَان هذا البؤس ويَوَدَّان الخروج منه، ولكنهما لا يعرفان السبيل إلى الخلاص، وما القصة الثانية إلا حلم يُوحي به هذا البؤس والرَّغبة الدفينة العارمة في التخلص منه، ولا أدلَّ على أنها حلم من تلك المصادفات العجيبة التي تقوم عليها: مصادفةُ زيارة ثري هندي لمصر، ومصادفةُ ضياع فصه الياقوتي الثمين، ومصادفةُ عثور مواطن مصري عليه ورَدِّه إلى صاحبه ورفْضه أخْذ مكافأة عن أمانته، ومصادفةُ اليانصيب ومصادفةُ الروح الخيرة المستنيرة التي تَمَيَّزَ بها المواطن المصري، فكل هذه المصادفات لا يمكن أن تتجمع إلا في عالم الأحلام، ومع ذلك فإنَّ هذه الأحلام كانت في الواقع تكوِّن جزءًا من واقع حياة الغالبية العظمى من شعبنا عندما كنَّا نشكو جميعًا مما صرنا إليه من بؤس وانحلال، وكنا نرغب في حرارةٍ التخلُّصَ من بؤسنا وانحلالنا، دون أن نتبين السبيل إلى هذا الخلاص، ودون أن نرسم له خطة واقعية مجدية، مُكتفين بالأحلام أو شبه الأحلام القائمة على المصادفات النَّادرة.

وهكذا يظهر كيف أنَّ قصة إدريس ذات الأدراج لم تكن مفكَّكة ولا موصولة الأجزاء وصلًا مفتعلًا، كما أنَّه لم يكن هناك تناقُضٌ بين جزءيها؛ لأنها في الواقع قصة واقعية بجزءيها، وإن تكَوَّنَتْ من خطين متوازيين، أحدهما خط البؤس الذي يُكَوِّن واقعَ حياتنا، والثاني خط الرَّغبة والأمل في الخلاص من هذا البؤس، وإن ظلَّ هذا الخط حلمًا، وإن يكن هذا الحلم قد كان هو الآخر جزءًا من واقع حياتنا.

كانت القصة إذن كُلًّا مُتَمَاسكًا رَغْم الدرج الذي انفتح في سياقها عن قصة جديدة، ولكن كيف السبيل إلى تحويل هذه القصة المزدوجة إلى مسرحية، وهل يَحْسُن أن تُقَدَّمَ هذه القصة في فصلين، أحدهما في قسم البوليس، والآخر في عالم الحلم أو السينما، خاصة وأننا نعلم أن بعض كبار المخرجين لا سيما في الاتحاد السوفيتي قد حاولوا أن يجمعوا أحيانًا بين المسرح والسينما، وكان من الممكن أن نُحاول هذه الطريقة على مسرحنا، فتبدأ المسرحية في قسم البوليس وتتخللها بعض مُشاهد عارضة القصة الثانية، أو من الممكن أن نُحَمِّل ممثلًا واحدًا — هو الممثل القدير فاخر فاخر — عبءَ سَرْد قصة على الجمهور من فوق خشبة المسرح، وهو جالس على مكتبه دون أن يُغادره، أو يأتي بحركة واحدة، وهذه هي الطريقة التي اختارها المؤلف عندما حوَّل قصته إلى مسرحية، مُتَحَدِّيًا أصول الفن المسرحي الذي نعلم أنه لا يسمح بأن يَجْلِس ممثل على خشبة المسرح ليَقُصَّ على المشاهدين قصة بأكملها، دون أن يبعث الفتور في نفوسهم أو يُثير فيها الملل.

وفي الحق أنها كانت تجربة جديدة بالغة الخطورة، وقد أثبتت أنَّ لدينا ممثلًا كفاخر فاخر يستطيع أن ينهض بمثل هذا العبء الفادح، وأن ينجح في أدائه، كما أثبتت أنَّ لدينا مخرجًا كفتوح نشاطي يستطيع أن ينفث الحياة في قصة يسردها وهو جالس على خشبة المسرح، ويُجْرِي فيها من الحركة ما يُعَوِّض التمثيل الفعلي لأحداثها.

ولكنني — بالرغم من تسجيل هذا النَّجاح الفذ — ما زلت أعتقد أن قصة يوسف إدريس فيها من دقة الوصف وروعة التصوير ما يجعلها تَفْضُل مسرحيته، كما أعتقدُ أنَّ هذه القصة أكثر صلاحية للسينما منها للمسرح؛ وذلك لأنَّ السينما لديها من الحيل الفنية ما لا يملكه المسرح، فبطريقة «الفلاش باك» مثلًا كان من الممكن أن تعرض القصة الثانية وأن يتخللها بعض لوحات القصة الأولى كما فعل المؤلف، ولكن في حركةٍ وتمثيلٍ وفنية طريفة.

ولكنه إذا كانت المسرحية قد فَقَدَتْ ما كان في القصة من وَصْف وتصوير، فإنها قد احتفظت بما يتميز به المؤلف من خفة وشعبية جميلة في الحوار، ومن قُدْرَة على رَسْم الشخصيات وتحديد أبعادها وتَمَيُّز قسماتها النفسية والأخلاقية.

لقد كانت هذه المسرحية مُغَامَرَة من المؤلف والمخرج والممثلين، ولكنني حمدتُ الله لنجاحها رغم خروجها على أصول المسرح والتأليف المسرحي، وحمدته أكثر من ذلك؛ لأنَّها احتفظت بخصائص الأديب يوسف إدريس الذي يتميز قبل كل شيء بمهارته ككاتب للقصة القصيرة، وكفنان يرسم ما يُمكن أن نسميه بالمنياتور الأدبي.

وأمَّا المسرحية القصيرة الثانية، وهي «ملك القطن» فهي الأُخْرى قد كانت أقرب إلى اللوحة الاجتماعية منها إلى المسرحية، وإن كانت لوحةً حيةً صادقةً تمثل حالة فعلية كانت سائدة بين المُلَّاك الجشعين والفلاحين المغبونين، الذين يُجاهدون جهادًا مريرًا؛ لكي يستخلصوا ثمرةَ جهدهم من بين براثن أولئك المُلَّاك، وتتمثل هذه الثمرة بنوع خاص في محصول القطن الذي كان ولا يزال مَصْدَرَ ثروتنا الأساسية، والذي يقتضي العدل أن يُعْتَبَرَ الفلاحُ ملكًا له باعتبار أنَّه أداة إنتاجه الأولى، وإن تكن هذه اللوحة قد تخطت القطن والصراع حوله إلى العلاقة الاجتماعية العامة بين المُلَّاك والفلاحين، وقد صَوَّرَ المؤلفُ هذه العلاقة تصويرًا خاطفًا عميقًا في تَلَهُّف ابن الفلاح على أن يحظى بالزواج من ابنة مالك الأرض، وفي تلهف طفل الفلاح على أن يلعب مع طفل المالك دور القاطرة بدلًا من أن يُرْغَم على أن يلعب دور السبنسة.

وفي عَرْض هذه اللوحة أيضًا يَطِيب لي أن أغتبط بما أحسَسْتُ به من أنَّه قد أصبح لدينا مخرج كنبيل الألفي وممثلون كفؤاد شفيق وشفيق نور الدين، يستطيعون أن يبعثوا الحركة والحياة في لوحة اجتماعية مُحْكَمَة كلوحة «ملك القطن».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠