أزمة المسرح ورسالته

منذ سنوات وأنا غارق في شئون المسرح، أُساهم في بحث تلك الشئون مع زملائي أعضاء لجنة المسرح بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وأُساهم في قراءة إنتاجنا المسرحي مؤلِّفًا ومُترجِمًا مع زملائي أعضاءِ لجنة القراءة للفرقة القومية، وأساهم في تدريس الأدب المسرحي ونقده نظريًّا وتطبيقيًّا في المعهد العالي لفن التمثيل، وأشترك في مُناقشة الأبحاث التي يُقَدِّمها الطلبة لنيل دبلوم النقد والبحوث الفنية من هذا المعهد.

وفي الأيام الأخيرة، كنتُ أناقش مع بعض الزُّملاء من أساتذة الجامعة بحثين؛ تَقَدَّمَ بأحدهما لدبلوم النقد الأستاذ مُراد بطرس عن «جمهور المسرح»، وتَقَدَّمَ بالآخر الأستاذ زكريا شمس الدين عن «المسرح الغنائي في مصر». وفي خلال المناقَشة تَطَرَّقَ البحث إلى الظاهرة المسرحية في بلادنا، وهل هي دخيلة على بيئتنا أم لا؟ وإذا كانت دخيلةً فهل من الممكن أن يتم تأقلمها في تلك البيئة؛ حتى تُصبح ظَاهِرة أصيلة في حياتنا، بحيثُ يُقبِل عليها أكبرُ عدد من جمهورنا، وبذلك يزدهر المسرح في بلادنا ازدهارًا يدعو إلى نشأة أدب تمثيلي في لغتنا العربية يسمو إلى مستوى الآداب العالمية؟

والدراسات المستفيضة التي قمتُ بها، وقام بها غيري منَ الزُّملاء والطلاب تكاد تُجمع على أنَّ الظاهرة المسرحية دخيلة على بيئتنا العربية، وأننا قد استوردناها في القرن الماضي من أوروبا، وليس من الممكن القول بأننا قد ورثناها عن الفراعنة أو العرب القدماء، أو أنها تَطَوُّر لبعض فنوننا الشعبية كخيال الظل أو الأراجوز وصندوق الدنيا وغيرها.

ومن أطرف الآراء التي انبثقت من مُناقَشة البحثين السابقين رأيٌ يرى بأنَّ الظَّاهرة المسرحية لم تَسْتَطِع أن تنجح لذاتها في بيئاتنا العربية الشرقية بحكم أنها ظاهرة دخيلة عليها، وأنَّها لكي تنجح كان لا بدَّ لها من أن تُماشي أحد تقاليدنا المتوارَثة عن العرب أجدادنا القدماء كالتغني بالشعر، أو أن تُشْبِع حاجة نفسية واجتماعية وَلَدَتْها الظروف القاسية التي تواترت على عالمنا العربي، وهي الحاجة إلى الضحك تفريجًا لحزننا الناتج عن تلك الظروف، أو سخريةً من المظالم والمحن التي تعاورَتْنا، وهذه هي الأسباب التي دعت إلى ازدهار المسرح الغنائي والمسرح الفكاهي بنوع خاص في بلادنا منذ أن عَرَفْنا المسرح في القرن الماضي حتى اليوم.

وهذا الرأي الظريف قد لا يخلو من صدق، ومع ذلك لا ينبغي أن نَركن إليه وأن نيأس من تأقْلُم الظَّاهرة المسرحية ذاتها في بلادنا؛ وذلك لأنَّ المسرح، وإن يكن قد نشأ أصلًا في مهده بمصر القديمة وبلاد الإغريق القديمة أيضًا، في ظروف ومُلابسات خاصَّة وفي خدمة الطقوس الدينية؛ إلا أنَّه لم يلبث أن انفصل عن تلك الظروف والملابسات، واستقل عن الغرض الأصلي، وهو الغرض الديني الذي نشأ في خدمته لكي يُصبح فنًّا حضاريًّا عامًّا، غير مُرتبط ببيئة أو تقاليد معينة وغير مُقيَّد بِهَدَف مُتحجر لا يعدوه، وشأن المسرح في ذلك شأنُ ما يُسَمَّى اليوم بالموسيقى العالمية التي لم تعد مرتبطةً بشعب أو بيئة معينة، وكل هذه الفنون الحضارية العالمية لم يَعُد أحد يربط بينها وبين الفنون الفولكلورية الخاصة بكل شعب بعينه أيَّ نوع من الربط.

وعلى أساس هذه الحقيقة الكبيرة الثابتة نستطيع أن نتخلص من ذلك الوهم الضار الذي كان يزعم أنَّ أي فنٍّ جديد يَفِدُ إلى بيئتنا من الخارج لا يُمكن أن يتأقلم فيها، ولا بدَّ أن تَلْفظه تلك البيئة؛ لأنه دخيل عليها غير نابع من حياتها الخاصَّة أو غير منحدِر من تراثها القديم.

وإذا كانت بيئاتنا العربية والشرقية قد آمنت منذ حين بأنَّ العِلْم لا وطن له، وأنَّه من حَقِّنا — بل ومن واجبنا — أن نَستفيد من كل مكاسب العلم الإنساني الحديث في مَسكننا ومَلبسنا وغذائنا ووسائل حياتنا، فإنَّه قد حان الحين لأن نؤمن أيضًا بأنَّ كثيرًا من الفنون الراقية لا وطن لها هي الأخرى كالعلم سواء بسواء.

وفي رأينا أن الزعم بأنَّ الظاهرة المسرحية في ذاتها دخيلة على بيئتنا العربية والشرقية، وأن الموسيقى العالمية دخيلة هي الأخرى، ليس أكثر صدقًا من الزعم الذي كان يُذيعه الاستعمار والتأخر بأننا شعوب زراعية لا تستطيع ولا ينبغي لها غير الزراعة، وأما الصناعة فلغيرنا من البيئات الصالحة لها والقادرة عليها.

وإذن فالظَّاهرة المسرحية وإن كانت قد استُورِدَت إلى العالم العربي من أوروبا في القرن الماضي، إلا أنَّه ليس من الحق أو المصلحة أن نَدَّعِي أنها مُستحيلة أو صعبة التأقلم في بلادنا، وإنما الأمر كله تربية وتهيؤ نفسي لِتَلَقِّي هذه الظاهرة والإقبال عليها وتأصيلها في بيئتها، وإذا كان المسرح الغنائي قد لَقِيَ إقبالًا في بيئاتنا العربية؛ لأنَّه يتمشى مع التقليد العربي في التغني بالشعر، ذلك التقليد الذي دعا إلى تسمية أكبر موسوعة في أدبنا الشعري باسم «كتاب الأغاني»، كما دعا مؤلفه إلى أن يَذْكر المقام الموسيقي لكل مقطوعة شعرية أوردها في موسوعته، وإذا كان المسرح الفكاهي قد أصاب نجاحًا في بلادنا؛ لأنه يروِّح عن نفوس أصابتها المظالم بالحزن أو ينتقم لها بواسطة السخرية من المظالم والآفات، فإننا لا نرى أيَّ داعٍ لأن نيأس من نجاح فن الدراما، وتأصُّله في بيئاتنا العربية عندما تتهيأ الظروف اللازمة لإعداد الحالة النفسية التي نستطيع أن نلتقي بها هذا الفنَّ فنعجب به ونطرب له ونُقْبِل عليه.

والواقع أنَّ فنَّ التراجيديا، بل وفن الدراما الحديثة، لا يمكن أن نتوقع إقبالًا عليهما إلا من نفوس راضية مطمئنة منتعشة تقضي حياتها في رخاء وعزة واطمئنان، بحيثُ لا تجزع من رؤية المآسي أو الدرامات الجدية على المسرح، ولا تنفر من رؤيتها أو تضيق بها نفسًا، وأمَّا أن تَطْلُب من نفوسٍ نَكَبَتْها الحياةُ بالحزن والشقاء مُشاهَدَةَ تلك المآسي أو الدرامات على المسرح، فإنك لن تَلْقَى منها إلا رفضًا ونفورًا؛ لأنها في حاجة ماسة إلى الترويح عن مأساة حياتها بالضحك أو الاستماع إلى الغناء، ونحن لا نُقَدِّم هذه الحقيقة الرَّاسخة استنادًا إلى فهمنا للنفس البشرية فحسب، بل نُقَدِّمها أيضًا استنادًا إلى تاريخ الآداب العالمية الذي يُحَدِّثنا بأنَّ فنَّ التراجيديا لم يزدهر عند شعوب العالَم المختلفة إلا في عصور عزتها القومية ورخائها وانتصاراتها، على نحو ما حدث في عصر بركليس في أثينا القديمة، عندما كتب أسكيلوس وسفوكليس ثم يوربيدس من بعدهما مآسيهم المسرحية الخالدة، وفي عصر لويس الرابع عشر في فرنسا عندما كتب راسين وكورني مآسيهما الكلاسيكية الرَّائعة، وعصر اليصابات في إنجلترا حيث ظهر عمالقة المأساة: شكسبير ومارلو وبن جونسون.

وعلى ضوء ما تقدم نستطيعُ أن نَفْهَم في يُسرٍ لماذا أقبل جمهورنا المصري والعربي على مَسْرَحَي الغناء والهزل إقبالًا يفوقُ بكثيرٍ إقبالَه على مسرح الدراما أو المأساة، فهذا الشعب اليائس الذي أضناه الظلم والاضطهاد لم يكن في حاجة إلى مُشاهَدة مزيد من المآسي والدرامات، على العكس من ذلك، كان في حاجَةٍ ماسَّة لمشاهدة الغناء أو الملهاة، وكان من الطبيعي أن تسمع من أحد أفراده عندما يُدعَى إلى مشاهدة مسرحية مُحْزنة، أي: مأساة أو دراما جدية عابسة أن يقول: «يا عم وإحنا ناقصين هَم، إحنا عايزين نشوف حتة نفرفش فيها شوية»، ومن المؤكَّد أنه لم يكن يقول ذلك لتفاهة في روحه أو خلاعة في طبعه، بل ولا لميل فطري فيه إلى الضحك أو الغناء، بل لأن الحياة قد وَجَّهَتْه بظروفها القاسية المضنية تلك الوجهة.

المسرح والأجهزة الآلية

والآن — وقد تَخَلَّصَ شعبُنا من كثير من أحزانه، ودخل في دور نقاهة نرجو أن تسرع خُطاها — صحَّ لنا، بل يجبُ علينا أن نَتَوَقَّع إقباله على فن الدراما الجديدة، أي: على الظاهرة المسرحية التي تُعْتَبَر الدراما أهم فنونها.

ولكن قد يُقَال: إنَّ الظروف لم تتهيأ في بلادنا لازدهار الدراما إلا بعد أن ظهرت أجهزة آلية قوية تنافس المسارح قوة، وكأنَّ القطار قد فاتنا.

وجوابًا على هذا الاعتراض نقول: «إنَّ الرَّاديو والسينما، بل والتليفزيون لم تستطع حتى الآن أن تقضي على المسرح في العالم المتحضر الذي تَذَوَّقَ المسرح ولا يزال يتذوقه، وإذا كنَّا نُرَحِّب كأدباء ومُثقَّفين بالمسرحية الإذاعية باعتبار أنها تُركِّز اهتمام السامعين على النصر الأدبي، وتختلف عن المسرح في أنها لا تشغل الجمهور عن النص ببهرجة الديكور أحيانًا، وبهلوانية الحركة أحيانًا أُخرى، فإنَّه من المؤكد أنَّ المسرح سيظل مُتميزًا بنفث الحياة النابضة الحية في المسرحية، كما أنَّ المسرح سيظل مُتميزًا أيضًا بجو التجاوب البشري الذي يَحْدُث بين الجمهور والممثلين، بل وبين أفراد الجمهور نفسه بحكم اجتماعهم في مكان واحد.»

وها نحنُ لا نَزَالُ حَتَّى اليوم نرى الجمهور يَخِفُّ لحضور حفلات السيدة أم كلثوم، كما نرى مُطربتنا الكبيرة ترفض أن تغني أمام حديد الميكروفون وتُقرر مخلصةً أنَّها لا تستطيع الغناء إلا في حضور جمهور تتجاوب معه، وما يصح على هذه الظاهرة يمكن القولُ بِصِحَّتِه على الظاهرة المسرحية بوجه عام.

وأمَّا عن مُنافَسة السينما والتليفزيون؛ فإنني لا أرى لها أساسًا؛ وذلك لأنَّ السينما فنٌّ بَصَريٌّ قبل كل شيء، وهو على هذا الأساس لا يستطيع أن يُقَدِّم نصًّا أدبيًّا، بل يُقَدِّم حركاته أي: هَيْكَلَه العظمي، وما دام هناك بشر يحرصون على ثقافة الرُّوح؛ فإنَّ المسرح لن يختفي أمام السينما أو التليفزيون، وإلا فكيف يُمكن أن نَتَصور شريطًا سينمائيًّا يتوقف عن الحركة مثلًا؛ لِيَقِفَ مُمَثِّلٌ يلقي علينا مونولوجًا رائعًا لهملت أو لفيجارو، دون أن تَفْقِد السينما طبيعتها.

وهكذا يتضح لنا كيف أنَّ القِطَار لم يَفُتْنا بالنِّسبة للمسرح، وكيف أننا على حق عندما نتوقع للمسرح عامة بما فيه المسرح الدرامي ازدهارًا في بلادنا.

خطة العمل

يحق لنا إذن أن نتوقع للمسرح ازدهارًا في عهدنا الجديد، ولكن هذا الازدهار يتطلب — بلا ريب — سياسةً تخطيطية، وليس باستطاعتي أن أفصل هنا هذه السياسة، ولكني أكتفي بالإشارة إلى بعض خطوطها العامَّة.
  • وأوَّل خط في هذه السياسة: أن نذكر دائمًا أنَّ فنَّ التمثيل لا يمكن أن ينهض بدون فن المعمار، فلا بدَّ أن تفطن الدولة إلى أهمية بناء مسارح لا في العاصمة فحسب، بل في كافة عواصم المديريات ومراكزها؛ كخطوةٍ أُولى ضمن مشروع الخمس سنوات.
  • والخط الثاني: هو أن تُدرك وزارة التربية والتعليم أهميةَ المسارح والأدب التمثيلي الحديث في تربية الشُّبان؛ فتدخلهما ضمن مناهج التعليم؛ حتى تُكَوِّن جمهورًا للمسرح، وحتى يُصْبِح المسرح جهازًا أصيلًا واسِعَ الانتشار من أجهزة التربية والتعليم في بلادنا.
  • والخط الثالث: هو ألا ننسى أبدًا أنَّ فن التمثيل فَنٌّ حضاري لا فن فولكلوري وعندئذٍ سوف تستقيم لنا كثير من المحاوَلات التي أَخَذْنا نقوم بها في مصلحة الفنون، وفي المجلس الأعلى لرِعَاية الفنون والآداب وفي معهد التمثيل، مثل مُحَاوَلة إنشاء ما نُسَمِّيه بالمسرح الشعبي، فهذا المسرح لا يمكن أن ينشأ في الريف نشأة تلقائية فولكلورية، بل لا بدَّ أن نحمله إلى أهل الرِّيف، وأن نتدرج بهم في معارجه على نحوِ ما يحاول البرنامج الثاني في الإذاعة اليوم أن يتدرج بجمهورنا في معارجِ تَذَوُّق الموسيقى العالمية، التي أصبحت هي الأُخرى فنًّا حضاريًّا يقوم في كل البلاد المتحضرة جنبًا إلى جنبٍ مع الفنون الشعبية الفولكلورية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠