جولة … مع المسرح الكوميدي وخطورته

«السكرتير الفني»، «حلمك يا شيخ علَّام» و«جنان وسلك ودكتور»

انتهزتُ فرصة الإجازة السنوية برأس البر لكي أُتَابع جولة المسرح الكوميدي بهذا المصيف، حيثُ قَدَّمَ ثلاث مسرحيات هي: «حلمك يا شيخ علَّام» و«جنان وسلك ودكتور» و«السكرتير الفني».

وبالرَّغم من أن هذه المسرحيات الثلاث ليست جديدة إلا أنني لم أكن قد تشرفت برؤيتها من قبل، لا في القاهرة ولا في غيرها، حتى شاءت الظروف أنْ أُشارك بنصيب متواضع في نشاط هذا المسرح الخطير بالاشتراك في اختيار ما يُقدمه من مسرحيات، فرأيتُ من واجبي أن أتعرف على ماضيه لَعَلِّي أتبين ما يحسن عمله.

وتجربتي في رأس البر قد زادتني إيمانًا بخطورة هذا الفن واتساع تأثيره المحتمل كنتيجة بديهية لما يلقاه من إقبال شديد، اضطر شباك التذاكر إلى غلق أبوابه عجزًا عن تلبيه رغبات الرُّواد، وأنا موقن بأنَّ هذا الإقبال لا يرجع إلى جودة ما يقدمه هذا المسرح نصًّا وأداء من مسرحيات، بقدر ما يرجع إلى الفن الفُكاهي في ذاته الذي يُسْرع إليه الجمهورُ لأسباب نفسية تحدَّثْتُ عنها أكثر من مرة، مستندًا إلى واقعنا النفسي والقومي من جهة، وإلى فلسفة الضحك العامة من جهة أخرى.

والملاحَظة الكبيرة التي خرَجْتُ بها من مشاهدتي هذه المسرحيات الثلاث هي أنَّ العيب والتفاهة والتهريج الرَّخيص لا يرجع دائمًا إلى النَّص، بل ويرجع أحيانًا إلى الأداء والقُصور في فهم النص والشخصيات التي تعيش فيه، وإذا كانت التَّفاهة والقصور الفني والأخلاقي تأتي من النص في مسرحية «حلمك يا شيخ علَّام»، التي لا أدري كيف صدرت عن كاتب مثقف كأنيس منصور، فإنني قد لاحظت من جهة أخرى أنَّ فؤاد المهندس في شخصية ياقوت قد خرج بالشخصية — نتيجة لتهريجه المسرف — عن حقيقتها العميقة، من حيث أنها شخصية، وإن دعتنا تصرفاتها إلى الابتسام أو الضحك أحيانًا عندما كان ياقوت يعمل مدرسًا مسكينًا بإحدى المدارس الأهلية، ثم عندما ساقته الظروف إلى العمل كسكرتير فني لنصاب كبير من رجال الأعمال، ثم تيقُّظه إلى الهوة التي تردى فيها ورجوعه عنها، فإنَّ مثل هذه الشخصية كان من الواجب أن يحملنا الممثل بأدائه العميق على التعاطف معها والرثاء لوضعها الاجتماعي في كافة مراحله، لا على مجرد الضحك والقهقهة الصاخبة السطحية منه ومن مواقفه المتتابعة، وبخاصة وأنَّ المرحوم نجيب الريحاني والأستاذ بديع خيري عند اقتباسهما لهذه المسرحية عن مسرحية «توباز» أي: «ياقوت» لمؤلفها الفرنسي مارسيل بانيول قد احتفظا لهذه الشخصية بطابعها العميق المؤثر الداعي إلى التعاطف لا القهقهة فحسب.

فهي شخصية من النَّوع الذي يُثير فينا ابتسامة تبللها الدموع، وليست شخصية تافهة مهرجة على نحو ما قدمه فؤاد المهندس، ومن الغريب أن بعض الممثلين الآخرين قد فهموا الجو العام للمسرحية على هذا النحو السليم، وبخاصة ممثلنا القدير الرائع الأستاذ عبد الوارث عسر الذي أدى دور الأستاذ خميس مدرس النحو وزميل ياقوت في المدرسة، فبالرَّغم من أنه قد أضحكنا هو الآخر أو أثار ابتسامنا، إلا أنه نجح في حملنا على التعاطف معه والرثاء لوضعه الاجتماعي المظلوم، وإن يكن التركيز في النص على شخصية ياقوت التي أتلفها فؤاد المهندس، فأتلف المسرحية كلها وبدد مضمونها الاجتماعي والأخلاقي العميق، وكل ذلك لا لشيء إلا لحرص هذا الممثل على النَّجاح الرخيص بالمبالغة الجوفاء في الحركة والإلقاء وعدم التعمق في فَهْم الدور والإحساس بأعماقه الإنسانية المؤثرة.

ولإقناع القارئ بصحة وموضوعية هذه الملاحظات العامَّة دعنا نتحدث بقليل من التفصيل عن كلٍّ مِن هذه المسرحيات الثلاث.

حلمك يا شيخ علَّام

وحلم الشيخ علَّام المطلوب في هذه المسرحية ليس ضد الغضب، بل حلم النوم؛ وذلك لأنَّ الشيخ علَّام في هذه المسرحية رجل يقتحم أحد البيوت دون مقدمات في هيئة درويش؛ ليُخبر أهل ذلك البيت أن ابنتهم جيهان لن تتزوج من الشاب ابن رجل الأعمال الذي يريد والد جيهان أن يكوِّن معه شركة لينقذ نفسه من الإفلاس، ويدَّعي الشيخ علَّام أنه قد تأكد من عدم إتمام هذا الزواج في حلم رآه، وينشر على وجهه منديلًا ويرى أحلامًا أخرى تتحقق على الفور، ويتدخَّل الشيخ علَّام لعرقلة هذا الزواج، وفي النهاية ينجلي الموقف في الفصل الثالث عن زواج ابن رجل الأعمال لا من جيهان التي لا تحبه ولا يحبها ولا يريد أحدهما الزواج من الآخر، بل من أختها فاتن، بعد سلسلة من التهريج الممل السقيم الذوق مثل عض أم جيهان للشيخ علَّام في إليته، وعواء الشيخ علَّام كالكلاب وهو يزحف على الأرض، وأمثال ذلك من التفاهات السقيمة الممجوجة، التي ضاع ضحيتها ممثلون قديرون مثل سلامة إلياس في دور والد جيهان، ومحمود أبو زيد في دور رجل الأعمال، وعقيلة راتب في دور الأم، بل وأمين الهنيدي نفسه في دور الشيخ علَّام، الذي علمنا في آخر لحظة أنه كواليني تنكر في ثياب الشيخ علَّام، واضطر إلى مُبالغات بالغة السخافة لتدارك ضعف النص وركوده وخلوِّه من أي مضمون أو شخصيات مرسومة محدَّدة الأبعاد.

جنان وسلك ودكتور

أما «جنان وسلك ودكتور» فهي المسرحية القديمة المقتبسة التي عرفها جمهور المسرح القومي منذ سنين باسم «سلك مقطوع»، وهي مسرحية جيدة في نصها تُصَوِّر قصة زوجة شريفة ضبطت زوجها وهو يُقَبِّل سكرتيرته الحسناء، فهداها خيالها إلى أن تتصنع الجنون فتتنكر لزوجها وتدَّعي أنها لا تعرفه، وتُطالب خَدَمَها بألا يسمحوا له بدخول المنزل، ويستدعي زوجها طبيبًا لعلاجها؛ فيشخص الطبيب مرضها بأنَّ سلكًا ممتدًا من بصرها إلى مستقر الذَّاكرة في مخها قد انقطع، وهو السلك الذي كان ينقل صورة زوجها إلى تلك الذاكرة فتعرفه، وأنَّ هذا السلك يمكن أن يلتئم من جديد، وعندما ترى الزَّوجة الطبيب تتظاهر بأنه زوجها وتسأله عن الرجل المصاحب له وهو زوجها الحقيقي، ويأتي عم الزوجة وولداه لزيارتها، وهذا العم كان في المسرحية القديمة عمة ولا أدري لِمَ غَيَّرَت الفرقةُ هذه الشخصية ولا لأي هدف، وبعد عدة مواقف لطيفة مُضْحِكة يَسْتَدرج الطبيب الزَّوج إلى الاعتراف بتصرفاته السابقة حتى يصل به إلى حادثة تقبيل سكرتيرته، ويرتب الأمور بحيث تفاجئ الزوجة زوجها في هذا الوضع فتنحل عقدتها مجاراة لنظرية فرويد المعروفة في التحليل النفسي، وبذلك تعود الزوجة إلى زوجها وتنتهي المسرحية التي يخيل إليَّ أن الممثلين قد أجادوا فهمها وأداءها بوجه عام.

السكرتير الفني

وأمَّا مسرحية «السكرتير الفني» فهي مسرحية الرِّيحاني القديمة التي تغيرت أسماؤها عدة مرات من «الجنيه» إلى «الدنيا بتلف» … إلخ.

ومن الواضح أنَّها مُقتبسة عن مسرحية «توباز» الشهيرة للكاتب الفرنسي مارسيل بانيول، وهي مسرحية ذات مضمون اجتماعي وأخلاقي رفيع، ولكنني أحسست — كما سبق أن أوضحت — أنَّ المخرج وفؤاد المهندس ممثل دور بطلها ياقوت قد أطاحا بهذا المضمون الإنساني العميق، وحوَّلوا هذه الكوميديا العالمية الكبيرة إلى مجرد فارس تهريجية ممجوجة ضاع منها المضمون الاجتماعي والأخلاقي الرفيع، فالمسرحية في نصها الجيد تصور مأساة مدرس متواضع مطحون اجتماعيًّا يتمسك بالشرف في سذاجة، ولكن بقوة ووعي وإيمان؛ وينتهي به الأمر إلى الطرد من المدرسة حيث يقع بين براثن أفَّاق عاد يستأجر اسمه لعقد صفقات مريبة.

وتضغط عليه لقبول هذا الوضع الشائن فتاةٌ حسناء كانت هي الأخرى من ضحايا هذا النَّصاب، ولكن ياقوت لا يتخلى عن الشرف إلا لوقت محدود، يعود بعده إلى الاستقامة الأخلاقية الصارمة، وفي النهاية يفقد في المضاربة في البورصة ما كان قد جمعه من مال عن طريق النصب فلا ييأس، بل يبتهج ويتزوج من الفتاة الجميلة بعد أن تعاهدا معًا على سلوك الخير والشرف في الحياة.

الخلاصة

وأُخَلِّصُ من كل هذه الملاحظات إلى أن المسرح الكوميدي الشديد الجاذبية لجمهوره لا يحتاج إلى مزيد من الدقة في اختيار النصوص فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى إرساء عدة مبادئ أخلاقية مثل ضرورة إعلان أصل كل مسرحية، وهل هي مؤلَّفة أم مُقتبسة؟ ومن أين اقْتُبِسَتْ؟ كما أنَّه لا بُدَّ من مراجعة دقيقة لفهم المخرج والممثلين لكل نص، والشخصيات التي يتضمنها، وما ينبغي تضليل الجمهور عن الحقائق بكتابة لفظة تأليف على مسرحية مقتبسة مثل مسرحية «السكرتير الفني» و«جنان وسلك ودكتور»، كما ينبغي حظر لفظة «بقلم» التي تُسْتَعْمَل للتمويه والتضليل أو ابتزاز مال الدولة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠