كمقدمة

القديم والجديد نضال الأبد بل صراع الحياة. في عش العصفور الدوري كما في عرين الأسد، بين الآباء والأبناء، والإخوة والأخوات، والكنَّة وحماتها، وهنا التنور المسجور والفرن الحامي.

تكون الحماة أرجح عقلًا وأوفر علمًا وتراها الكنة أختًا للغوريلا وأنثى الكهوف. أما الحماة فتقف بالمرصاد كعدَّاد التكسي؛ إن مشت الكنة رأت خطواتها أوسع من المعتاد، وأشارت بتعديلها لتكون على التمام، كما رسمها السلف الصالح، وإذا تبسمت صفقت على فخذيها وصاحت بابنها: قل لبنت عمك لا تفتح بوزها على مصراعيه ثاني مرة، هذا عيب! وإذا حكت فهي ثرثارة، لسانها أطول من أذنيها، وإن سكتت فالمسكينة حمارة، الدجاجة تأكل عشاءها، وإن رفعت صوتها كانت وحشة مقطوعة من الحرج، وإن خفت صوتها فهي حية رقطاء تحكي في عبها. وإن قصرت ثوبها فهي من سلالة حاتم في الفتنة والإغراء، وما هكذا تعمل بنت الأوادم، وإن عملت بوصايا الله والكنيسة فكل قماش بيروت لا يكفينا، والله يساعدك يا ابني! وإن كبَّرت لقمتها فهي غولة، لعنة الله على من ربَّوها، وإن بيَّنت سنها فالبنت عينها شاردة.

وتروز الكنة حماتها فتراها أقل من خرقة بالية أولى لها أن تُلقى في المطبخ، لا أن تتقدم عليها في المحضر، وتسوِّد وجه البيت. فلتنقبر! أين عزرائيل كنَّاس البيوت؟ ألا يرى هذا الوجه المتكرش كأنه آخر البندورة؟

والحماة تخاف على ولدها من هذا الطاعون. البيت يخرب إذا تخلت هي عنه لهذه البنت الطائشة، وإذا زارتها جارتها تسر النجوى قائلة: غضب من ربنا يا جارة حلَّ علينا. يا قلة الحظِّ! ثم تقرصها في جنبها قرصات لاذعة لها ألف معنى ومعنى، بينا الكنة المسكينة تقرأ أو تطرز، أو تترنم كذباب عنترة. وتختم الحماة رسالتها هذه بصريف الأسنان مقرونًا بأحرِّ العواطف: يخرب بيتها، لا يهمها شيء سواء عندها خرب البيت أم عمر، فتجيب الجارة الحكيمة: السكوت أحسن يا جارة، ما في اليد حيلة!

أجل ما في اليد حيلة، وهذ مصيبتنا بعينها في الأدب، الأدب يريد أن يمشي، والحماة قرم عنيد واقف بالدرب، لا تفتح الطريق إلا إذا مشينا على جثتها. فلنمش!

كان من الأزياء الأدبية، منذ نصف قرن خلا، أن يقدم الكاتب لاسمه بسجعة فيقول: ألَّفَه الفقير إلى عفو ربه الرزاق فارس بن يوسف الشدياق، أو صنفه العبد الفقير الجاني، سعيد الخوري الشرتوني اللبناني. وقد أدركت، تلميذًا، آخر هذه السوق، فكتبت على دفتر لي مدرسي سيبقى بعدي وقف ذرية: المحتاج إلى عفو ربه المعبود، مارون حنا الخوري عبود. وكان هنالك زي آخر أعظم خطرًا وهو أن يصدِّر المؤلف كتابه ببيتين من الشعر، كما فعل المعلم بطرس البستاني، فكتب على قاموسه الشهير:

قل لمن لا يرى الأواخر شيئًا
ويرى للأوائل التقديما
إن ذاك القديم كان حديثًا
وسيمسي هذا الحديث قديما

فتعظيم القديم من طبيعة الناس ولذلك عبدوا جدودهم؛ فكل رجل، ولو خاملًا، يستحيل يوم يموت شيئًا عظيمًا، تنهال عليه الرحمات ويرون أنه كان من المفارد، لا تعصى عليه مشكلة، مع أن المرحوم كان لا يهش ولا ينش، ولكنه دخل الأبواب الدهرية فصار ملك المجد.

وقبالة جيل القديم يرتفع توءم آخر يساميه ويطاوله، هو جيل الجديد، والتوءمان لا يلتقيان. فزعيم الشعر العربي واحد لا غير هو الذي ضيع ملك أبيه، ولكن عرش ذلك الوالد المحترم لا يساوي بيتًا من قصائد ابنه. طاح تاج ابن حجر فداء رأس دارة جلجل، ونودي بامرئ القيس ملكًا على الأدب العربي، وثبت عرشه مدة ستة عشر قرنًا، لا يثور عليه إلا عصابات تذوب جهودها في الخنادق التي تحيط بالقديم.

وقرأ شبابنا آداب الأمم فأغرتهم بالخلق فتجهَّم لهم المحاربون القدماء، يريدون أن تظل الجبهة في البيداء فقالوا: ليس هذا من كلام العرب.

إن الشعر معمل تصنع فيه التعابير، ولهذا يحق لنا أن نقول للشاعر: كن كيف شئت، إلا اثنتين فلا تقربهما أبدًا: النحو واللغة.

فتنت العرب التعابير الراقصة فصرخوا بصاحبها: أنت أشعر العرب. وأدركوا أن الشعر موسيقى أولًا فقدموا البحتري وأخروا ابن الرومي. واهتز ابن الأثير «لوطن النهى» في شعر أبي تمام، وأعجب «بقلب يطل على أفكاره» عند أبي عبادة، كما نعجب نحن «بضيوف الله» عند شوقي، لا بقريع الشهباء وكبش النطاح.

يصلح الشباب أوتارهم فنشوِّشها لهم، وبدلًا من أن ننثر الزهر على الموكب العابر نرجمه بالحجارة. ما قتل الأدب العربي إلا توسله إلى الفن بلغة «رسمية» لا يحيد عنها. ولو كان في ذلك الأسلوب «الرسمي» خيرٌ، ما نزل القرآن الكريم بلغة الناس الفاتنة الطرية الناعمة المصقولة.

يحاول الشباب خلق الشعر المصفَّى فنغضب تلك الغضبة المضرية ليظل أكثر شعرنا نثرًا. وكما كانوا يحتكمون في البصرة والكوفة إلى وافد من البادية نحتكم نحن اليوم إلى الكتب القديمة، حتى في الفن. إن باب القياس أوسع من الهاوية، فدعوا السماع، واضربوا في مناكب الأرض، ولا تكونوا من ذوات المعدتين.

فلندع المجترين يتبلغون بما في بطونهم، ولنخلق طعامًا جديدًا. إن في الأدب أزياء تتجدد، إن البساتين تحتاج دائمًا إلى التطعيم، والآداب بساتين الشعوب، فلنطعم أدبنا فقد أصبح بريًّا. قد حان لهذه الوثنية الأدبية أن تتوارى، فالفن لا يعرف إلا إلهًا واحدًا هو الجمال. إن أفلح الشباب ففلاحهم مجدٌ لنا ولهم، وإن أخفقوا فالتبعة عليهم. إن اللواء معقود لهم، وسيظل في يدهم حتى تعقده العبقرية لجيل آخر. إن الذرية محبوبة إلا في الأدب، ففلان وفلان لا يريدون أن يتواروا. إن الحماة لا تدع ثرثرتها حتى يغلق عزرائيل ذلك الفم الذهبي.

ملَّ العرب القديم في كل عصر، ففضل الأصمعي ابن بُرد على مروان بن أبي حفصة، وابن الأثير نادى أن باب الجديد مفتوح حتى يوم القيامة.

منذ دهور وأعيننا في ظهورنا، وأكثرنا يعارض الذي عيناه في وجهه. فهذا الشعر الذي يقوله شعراء اليوم هو الشعر حقًّا، ولكنه في حاجة إلى خلق مستمر، فقد كاد أن يصير أدب عصائب طير تهتدي بعصائب.

كان الأعرابي يؤثر — كالأب بريمون اليوم — شعرًا موسيقيًّا خفَّ معناه، على شعرٍ بلا موسيقى، وإن رجحت كفة معانيه. فلنسرْ على هذه الطريق نُفلح. أما المتوغلون في الوثنية الأدبية فلهم أقول: إذا كان يُستطاع تبديل حياة النبات بتبديل الضوء، أفلا يُستطاع الشعر على ضوء مصباح أديسون بدلًا من ذبال امرئ القيس المفتل؟!

مارون عبود
نيسان ١٩٤٨

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤