مقدمة

عندما كانت الأخبار «جديدة»

المُحاوِر : هل تعلم ما هي الأخبار؟
تيمو (طفل في السادسة من العمر) : إنها تخبرنا بما وقَعَ من أحداث في كل بلد وتتنبَّأ بالطقس.
المُحاوِر : ما شكل الصور التي ترينها في نشرات الأخبار؟
نينا (طفلة في السادسة من العمر) : مثيرة.
المُحاوِر : كيف تكون مثيرة؟
نينا : كصورة حريق أو منزل محترق.
المُحاوِر : ما الذي تشعرين به عندما ترين هذه الصور؟
نينا : في الواقع إنها تعجبني. لا أدري لِمَ أحب الصور المفزعة والقصص المثيرة (بينانين، ٢٠٠٧).

يطرح هذا الكتاب سؤالًا بسيطًا للغاية: «ما الأخبار؟» وبطرح هذا السؤال، فإنه يخاطب الأفراد والمؤسسات التي تُعِدُّ الأخبارَ وتصنِّعها وتنتجها، ويوضح الكتابُ كيف أن الأخبار أعادَتِ ابتكارَ نفسها في لحظات تاريخية مختلفة؛ بدءًا من قصَّاصي العصور الوسطى، إلى وكالات نقل الأخبار بالتلغراف في القرن التاسع عشر، ووصولًا إلى مُدوِّني القرن الحادي والعشرين. إنه ليس كتابًا عن تاريخ الصحافة يغطِّي الحقبَ التاريخية كافةً، بل إنه ينتقي أمثلةً ولحظاتٍ شهدت تغيُّرًا، ولا هو تأريخ لتطوُّر الأخبار أيضًا؛ فباختيار لحظات تاريخية من الحاضر والماضي، يحلِّل الكتابُ مفهومَ التطوُّر في الأخبار ويقتفي أوجهَ شبه غير منظورة بين لحظات تاريخية مختلفة، ويسأل في نهاية المطاف إنْ كانت الأخبار، بمفهومها الذي نعرفه، لا تزال موجودةً.

يتناول هذا الكتاب الأخبارَ في الماضي والحاضر والمستقبل، ويوضِّح أن مفهوم «حداثة» الأخبار شهد تغيرات عدة على مدى القرون، وأن الأخبار في الأغلب هي روايات قديمة جرَى تحديثها. هذه الروايات تتَّخِذ في الوقت نفسه نَسَقًا زمانيًّا ومكانيًّا يتحدَّى فكرتَنا عن الفضاء النفسي في الماضي والحاضر والمستقبل. ويستعرض الكتاب، بدلًا من النظر في «موضوعية» الأخبار من عدمها، زمانيةَ ومكانيةَ الأخبار ليوضِّح كيف أنها لا تغيِّر من نفسها فحسب، وإنما تغيِّر أيضًا الفضاءَ المحيط بها بدورها. يتخذ هذا الكتاب من دراسات الصحافة نقطة بدء من أجل تقصِّي الآثار الاجتماعية الأوسع نطاقًا للخبر.

كُتِب الكثير جدًّا عن موضوعية الأخبار، لكن من جهة أخرى كُتِب القليل عن الأخبار كسلعة ثقافية واقتصادية واجتماعية، تتبدَّل خصائصُها الزمانية والمكانية باستمرار. يُنظر إلى الأخبار بدرجة كبيرة على أنها أنباء تردنا وحسب، حتى أنه أصبح من الصعب علينا فهم تأثيرها الأوسع. فنحن قد ننظر إلى محتوى الأخبار، لكن ما نجده في فحواها هو ما تعلمنا أن ندركه منها؛ فقد نحسب أن الأخبار ليست إلا أنباء أو معلومات وقتية تخبرنا بشيء عن العالم، لكن ما قد لا ندركه هو أن الخبر — باتِّبَاع الأعراف المتَّفَق عليها التي تجعله يُعرف كخبر — يؤسِّس إطارًا ترتبط وفقه عناصرُه السابقة التحديد بعضها ببعض. ونحن بتسليط الضوء على فحوى الخبر ومحتواه نتجاهَل عناصرَ بنيته؛ ونتيجة ذلك، أضحَتْ عناصرُ مهمة كالمكان والزمان في الأخبار مسلَّمًا بها وتُترَك بلا تحليل. وسأبرهِن على وجوب إجراء تحليل تاريخي للأخبار لفهم كيف يتغيَّر مفهومُنا عن طبيعة الأخبار مع الزمان والمكان؛ فلا يمكن فهم متى يصبح الخبر جديدًا وكيف يصبح كذلك، إلا بتأمُّل التطوُّر التاريخي للأخبار.

كان يُنظَر تلقائيًّا إلى البُعْد الزماني للخبر على أنه «توقيت الحدث» دون أي فهم للتركيبة الاجتماعية لزمان وقوعه. وثمة الكثير من الطرق التي يمكن بها أن يُعَدَّ الخبرُ جديدًا؛ على سبيل المثال، اضطلع الباعةُ المتجوِّلون وكاتِبُو الأغاني بين عامَيْ ١٥٠٠ و١٨٠٠ بنشر «القصص الجديدة» إلى جانب مدرِّبي الدِّبَبَة والمهرجين والبهلوانات والممثلين الهزليين والدجَّالين (بيرك، ١٩٩٤)، وكثيرًا ما كانَتْ هذه القصصُ الجديدة أنباءً قديمة، لم تبدُ مثل ما نعرفه الآن كأخبار، غير أنها ضمَّتْ عناصرَ ستُعرَف فيما بعدُ على أنها السمات المميِّزة للخبر. وقد أدَّتْ صناعة الأخبار ونشرها بصفة دورية على نطاقٍ ضخمٍ فيما بعدُ بدءًا من منتصف القرن التاسع عشر؛ إلى أن تصبح الأخبارُ سمةً مهمة للوقت، وتدريجيًّا أضحى انتفاءُ وجودِ الأخبار في العصر الحديث مستحيلًا.

لكن اليوم أصبحَتِ الأخبار تُبَثُّ طوالَ الوقت على الإنترنت، ولم تَعُدْ سمةً تميِّز الوقت. وظهر شكل جديد من القصص الجديدة مع ظهور الأخبار على الإنترنت، فانتبهت الأنظار عام ١٩٩٩ إلى ظهور عشرات المدوَّنات، التي صار هناك الملايين منها اليوم. ويتغنَّى منشئِو هذه المدونات الحديثة — شأنهم شأن نَقَلَة الأخبار الجديدة في العصور الوسطى — بقصصهم إلى جانب العديد من المؤدِّين الآخَرين، لا في منعطفات الطرق وإنما على عُقد الشبكة العنكبوتية الدولية. لم يَعُدْ شيء يسافر، لا الأخبار ولا منتجوها ولا مستهلكوها؛ بل يلتقون جميعهم في عالم الشبكة العنكبوتية الدولية الافتراضي، وانتهى عهدُ الأخبار «الخالصة»؛ فكلُّ مَن يستطيع استخدامَ التكنولوجيا يمكنه الآن أن يتغنَّى بالقصص الجديدة.

كثيرًا ما يُنظَر إلى البُعْد المكاني للأخبار «كمكان الحدث» دونَ أيِّ فهم للتركيبة الاجتماعية لمكان أو فضاء الحدث؛ فالأخبار لا تتنقل بين الأماكن بخفةٍ فحسب، وإنما تصنع أيضًا فضاءاتٍ جديدةً، سواء ضِمْن حدود المدن أم الدول القومية أم الشبكة العنكبوتية الدولية. يمكن الإبحار في عالم الأخبار، ويمكن لمستخدمي الأخبار الإبحارُ في فضاء الخبر ليشكِّلوا شبكاتٍ جديدةً.

لا يقدِّم كتابي سردًا تاريخيًّا تقليديًّا أو يؤرِّخ للأخبار، بل يحلِّل التركيبةَ الاجتماعية للأخبار في سياقها التاريخي، ويضع نظريةً حول تطوُّر الأخبار مُستخدِمًا أمثلةً من حقب تاريخية مختلفة، ويذهب إلى أننا — عن طريق تحليل الأبعاد الزمانية والمكانية للخبر — نفهم سببَ تغيُّر تعريف الخبر. وتتأثَّر طبيعةُ الأخبار التي نحتاجها في لحظاتٍ تاريخية مختلفة تأثُّرًا كبيرًا بزمانية ومكانية الخبر، ولا يتسنَّى لنا فهم وظائف الخبر الاجتماعية إلا بدراسة هذه التراكيب للخبر.

(١) إطلالة على الفصول

الفصل الأول: البُعْد الزماني؛ كيف أضحَتِ الأخبار جديدةً

يبدو أن عبارة «الأخبار هي الجديد» تفسِّر ذاتها بقدر ما تفسِّر عبارةُ «الوردة هي وردة» ذاتها، وقد أدَّى بروز عنصر الوقت بالخبر إلى «تطبيع» أبعاد الأخبار الزمانية؛ فلا نرى كيف تتكوَّن الحداثة في الأخبار. أرى أن ثمة أربع طرق على الأقل يصبح بها الخبر جديدًا؛ أولًا: يمكن طرح الخبر في ثوب جديد. ثانيًا: يمكن بناء «الحدث» الذي يقوم عليه الخبر كنبأ جديد. ثالثًا: يمكن عرض الأخبار على أنها جديدة حتى إن كان الحدث الذي تدور حوله قديمًا؛ لأن فئة محددة من متلقِّي الخبر لم تعرف به من قبلُ. أما الملمح الرابع لطبيعة الخبر الزمانية فهو تجدُّده بصفة دورية، واستحالة «انتفاء وجود الأخبار»، أو «ألَّا يكون هناك مستجدات، أو لا يكون هناك جديد» كل ذلك يشير ضمنًا إلى الكيفية التي تُخضع بها الأخبارُ المجتمعاتِ للبُعْد الزماني، وتؤسِّس لزمان الخبر أو زمان عالمي جديد.

الفصل الثاني: الكوزموبوليتانية؛ ظاهرة أقدم مما نظن

أوضِّح في هذا الفصل أن الأخبار لم تكن في الأصل «قوميةً» أو «دوليةً» وإنما كوزموبوليتانية، بعكس ما جاءت به البحوث الأقدم عن العلاقة بين الأخبار «القومية» و«الدولية». كان يجري بالأساس تبادُل الأخبار بين المدن. وطرح المدن كنقطة البدء لتحليلي يفتح سُبُلًا جديدة لفهم المواد التجريبية التي لم تُصَغِ النظريات حولها إلا في إطار قومي-دولي؛ فأتحرَّى نشأةَ تداوُلِ الأخبار وتطوُّره في مدن أوروبا الكبرى وفيما بينها، بدءًا من القرن الثاني عشر حتى القرن التاسع عشر، وأوضِّح كيف تغيَّرَ هذا مع مجيء تقنيات الاتصالات الجديدة كالصحافة المطبوعة والتلغراف. وأدفع بأن تناقُل الأخبار يرتبط بالتحوُّل الإقليمي الذي يغيِّر من المدن ليجعل منها فضاءاتٍ كوزموبوليتانيةً أصبحت مدنًا عالمية. وهذا الفصل هو نسخة منقَّحَة من مقال نُشِر بالفعل في دورية «دراسات صحفية» المجلد ٨، العدد ٦ (٢٠٠٧).

الفصل الثالث: العولمة؛ عندما صارت الأخبار عالميةً

يُلقِي هذا الفصل بدَلْوه في الجدل الدائر حول توقيت العولمة ودور الأخبار المنقولة إلكترونيًّا في العولمة، وفيه أؤكد على أن الأخبار لعبت دورًا هامًّا في العولمة عبر شبكات الكَبْلات البحرية الأولى منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كان استغلال الزمان والمكان على نطاق عالمي عنصرًا أساسيًّا في تسليع الأخبار، ويذهب هذا الفصل إلى أن فضاء الأخبار العالمي الجديد لم يكن بلا حدود؛ بل على العكس، بَنَتْ مؤسسات الأخبار — في إطار سَعْيها لتحقيق أغراضها التجارية — سلسلةً من الحدود المحكمة التي تحكَّمَتْ بها. وهذا الفصل هو نسخة منقَّحَة من مقال نُشِر بالفعل في دورية «الإعلام والثقافة والمجتمع» المجلد ١٩، العدد ٤ (١٩٩٧).

الفصل الرابع: التسليع؛ كيف تُباع الأخبار

كانت الأخبار الإلكترونية في القرن التاسع عشر سلعةً ثقافية جديدة في عصرها، غير أنها اختلفَتْ عن غيرها من السِّلَع المعلوماتية؛ لأنها أضحَتْ سريعًا سلعةً حصرية لم يتسنَّ للجميع الانتفاعُ بها. وقد ولَّد التلغراف ثورةً في حقل نقل الأخبار؛ إذ نقَلَ الرسائل بسرعة الكهرباء، فيما لم يكن من الممكن نقل السلع الأخرى إلا ماديًّا؛ الأمر الذي خالَفَ النمط الراسخ لنشر المعلومات والأخبار التي كان يتعيَّن سابقًا نقلهما ماديًّا، شأنهما شأن السلع الأخرى. وقد ولَّد ابتكارُ هذا المُنتَج الجديد سلعةً بلا وزن قدَّمتها مؤسسات الأخبار العالمية؛ الأمر الذي بشَّرَ بمجتمع معلوماتي عالمي جديد نشأ مع نشأة الشبكة العنكبوتية العالمية. ويتواصل الصراع حول طبيعة الأخبار؛ هل هي لمجموعة بعينها أم للجميع؟

الفصل الخامس: إضفاء الطابع المحلي على الأخبار؛ أماكن في الخبر

أدرس في هذا الفصل المراحلَ المبكِّرة من التطوُّر التاريخي المبكِّر للمكان في الخبر. تسلِّطُ أغلبُ الدراسات اهتمامَها على محتوى الخبر أو «الحدث»، وإنِ انصبَّ اهتمامُها على جغرافيا الخبر، كما في نهج تدفُّق الأخبار، فإنها تركِّز على الدولة القومية حيث ينشأ الخبر. ويتناول هذا الفصل كيف تأسَّسَ مفهومُ المكان في الأخبار الإلكترونية من القرون الوسطى حتى منتصف القرن التاسع عشر، وأذهب فيه إلى أن الأخبار الإلكترونية زادَتْ من الشعور بالمكان عبر تنظيم الفضاء المكاني، وأمكن لقرَّائها التمييز بين «هناك» (حيث وردَتِ الأخبار)، وبين «هنا» (حيث موطنهم). هذا الفصل هو نسخة منقَّحَة من مقال نُشِر بالفعل في دورية «الإعلام والثقافة والمجتمع» المجلد ٢٥، العدد ٤ (٢٠٠٣).

الفصل السادس: إضفاء الطابع القومي على الأخبار؛ الأخبار والدولة

أطرح ثلاثَ دراساتِ حالةٍ حول تطوُّر ثلاث وكالات أنباء؛ ألمانية وروسية وأمريكية، كلٌّ منها حالة مختلفة سياسيًّا وثقافيًّا، لكن بنهاية القرن التاسع عشر ومع بداية القرن العشرين تبرهِنُ جميعها على ضرورة أن تخدِم الأخبارُ المصالحَ القومية. ويوضِّح تاريخ مؤسسات الأخبار كيف أن أولى وسائل الإعلام الإلكترونية — التلغراف والراديو — تأسَّسَتْ بالدرجة الأولى لخدمة المصالح القومية؛ إذ هدَّدَ استقلالُ مؤسساتِ الأخبار سيطرةَ الدول على التلغراف والراديو.

الفصل السابع: الخاتمة؛ اليوم كان الأمس

يوضِّح هذا الفصل أن أخبار الأمس هي أيضًا أخبار اليوم، ويدرس الأخبارَ «الجديدة» في عصر المعلومات، ويناقش المتغنِّين بالأخبار وجامِعِيها والمدوِّنين على الإنترنت، وأَوْجُه الشبه والاختلاف بينهم. كما يبرهن على أن مفهوم «حداثة» الخبر أُعِيد ابتكاره مرة أخرى، وما نشهده اليوم هو نهاية للأخبار «الحديثة» بمفهومنا عنها في القرن التاسع عشر؛ وفي ظلِّ هذا الموقف من التغيُّر المتعدِّد، علينا أن نولي تفكيرًا جديًّا لما يشكِّل الخبرَ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠