الفصل الثاني

الكوزموبوليتانية

ظاهرة أقدم مما نظن

إذن، ما يمثِّل العالمَ الحديث في قائمة الأمثلة على ما ورائيات الجغرافيا — خريطة الدول القومية — ليس ما وراء جغرافيا تاريخ نظام العالم الحديث بأسره؛ إذ يحوي العالم الحديث ما هو أكثر مما وراء الجغرافيا (تايلور، ٢٠٠٤).

مع أن الكثير من الأكاديميين قد أقرُّوا بوجود علاقة قوية تربط بين المدن والوسائط (منهم على سبيل المثال، بارك، ١٩٢٢، بارك وآخرون، ١٩٦٧)، فدراسات وسائل الإعلام والاتصالات تعتبِر في كثير من الأحيان الدولةَ القومية نقطةَ البدء الطبيعية الوحيدة لأي تحليل، ويرجع هذا في جزء منه إلى التقسيم التاريخي الذي يتبنَّاه صاحبُ الدراسة؛ فالكثير من الكتَّاب (من بينهم على سبيل المثال تشالابي، ١٩٩٨؛ وشودسون، ١٩٧٨) يرون أن الصحافة الحديثة ابتُكِرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة الأمريكية، ويصادف هذا الأمر أن هذه الفترة شهدت صعودًا للحركة القومية، ولا عجب أن الأخبار ودراستها يكتسبان بسهولة طابعًا قوميًّا. وكنتيجةٍ صِرْنا نُسلِّم بأن الأخبار والمؤسسات الإخبارية التي تنتجها (كوكالات الأنباء على سبيل المثال) تنتسب إلى جنسيةٍ ما (كما يرى سريبيرني-محمدي وآخرون، ١٩٨٥).

أُجرِيت أغلب الدراسات حول الأخبار لعقود في إطار يصنِّفها إما كأخبار «عالمية» أو «محلية»، وكلا النوعين تُرِكَا بلا تحليل، وهذا — بتعبير بيك — منهج يقوم على الفصل بين النوعين لا الجمع بينهما (رانتانن، ٢٠٠٥)، ويتجاهل مستوياتهما المكانية الأخرى، ويغالي في تبسيط اعتماد أحدهما المتبادل على الآخَر وتفاصيلهما المعقدة. وأدفع في هذا الفصل بأن التمييز بين الأخبار كأخبار عالمية ومحلية قد حال بين اكتشاف كيف كانت الأخبار في بدايتها نتاج المدن المتعددة الثقافات لا الدول القومية.

سلَّط بالفعل الباحثون في الكثير من المجالات الأكاديمية كالجغرافيا وعلم الاجتماع اهتمامَهم على دور المدن في شبكات العلاقات العالمية (ومن بينهم على سبيل المثال: بروديل، ١٩٧٩ / ١٩٨٤؛ وكاستيلز، ١٩٨٩؛ وساسن، ١٩٩١ / ٢٠٠١؛ وتايلور، ٢٠٠٤). غير أن هذا لم يكن الحال فيما يتصل بالدراسات الإعلامية، مع أن المدن تُعَدُّ موضوعَ دراسة شائقًا للباحثين في حقل وسائل الإعلام والاتصالات؛ فلا تكشف الأبحاث في هذا الحقل أهميةَ وسائل الإعلام والاتصالات في بناء المدن وبقائها فحسب، بل تبرز أيضًا الدورَ الحاسم الذي لعبته في شبكات العلاقات بين المدن، وهي شبكات تسهم في العولمة، التي تُعرف في كثيرٍ من الأحيان بأنها زيادة جسور التواصل.

تشكِّل النظريات عن العولمة تحديًا لأساليب وأنماط المناهج البحثية الراسخة، وبالأخص تلك الأساليب والأنماط التي تتبنَّى الدولة القومية كنقطة البدء في دراستها (جيدينز، ١٩٩٠؛ وروبرتسون، ١٩٩٢؛ وأبادوراي، ١٩٩٠). وتطرح نظرية كاستيلز (١٩٩٦) عن شبكات العلاقات منظورًا مختلفًا حول العلاقات الاجتماعية المعاصرة البارزة (غير أنه منظور يتفق والعولمة)؛ فيفترض أن البِنى الاجتماعية والسياسية الهرمية أفسحَتْ مجالًا لتشكيل شبكات العلاقات، وهذه الشبكات — وهنا تكمن نقطة الالتقاء الأبرز في نظريته مع نظريات العولمة — تختلف في شكلها عن شكل الدول القومية. وتدل هذه المفاهيم الجديدة على تغييرٍ طرأ على الأنماط التجريبية العلمية الاجتماعية، غير أن هذه النقلة لم تجد صدًى لها بعدُ في دراسة حركات تدفُّق الأخبار العالمية.

علاوة على ذلك، لا ينصَبُّ اهتمام الدارسين لوسائل الإعلام والاتصالات على تقنيات البثِّ فحسب، بل على محتويات الأخبار أيضًا؛ فالأخبار ذات أهمية شديدة لأنها منتج معلوماتي مبكر. غير أن الدراسات حول وسائل الإعلام والاتصالات أكسبَتِ الأخبارَ «طابعًا قوميًّا» تمامًا، وذلك بحصر دراستها تقريبًا في إطار قومي، وتجاهلَتِ المدنَ كنقطة البدء لدراستها. فالمدن التي كانت مراكزَ للسلطة والتجارة — كما كتب ستيفنز (عام ١٩٨٨) — كانت بدورها مراكز للأخبار؛ ونتيجةً لذلك، كانت الأخبار في بدايتها كوزموبوليتانية الطابع، وليست أخبارًا قومية.

تذكِّرنا ساسن بأن إضفاء الطابع القومي على الأقاليم وفق حدود مشتركة مانعة، والوصول إلى تمركُز سلطة ونظام الحكم اللذين تتمتَّع بهما الدولُ المستقلة الآن؛ استغرَقَ قرونًا من الصراعات والحروب وإبرام المعاهدات ونقضها، فكتبت:

تعايش العديد من الأنظمة الحاكمة إبَّان فترة الانتقال من نظام حكم العصور الوسطى إلى الدولة الحديثة؛ فقامت الممالك المركزية في أوروبا الغربية، والمدن الدول في إيطاليا، والمدن الروابط في ألمانيا. وحتى مع ظهور الدول القومية التي تتمتَّع بحدود وسيادة خاصة، أمكن أن تغدو صور أخرى بدائلَ حقيقية، ومثال ذلك المدن الدول الإيطالية، والرابطة الهانزية في شمال أوروبا؛ وقد عُورِض تشكيلُ الولايات المركزية والمطالبة بها معارضةً كبيرة (ساسن، ١٩٩٦).

يشير فيلدز (٢٠٠٤) إلى أن الثورة التي شهدها عالم الاتصالات تتصل بالتحول الإقليمي، غير أنها ليست فكرة جديدة من نوعها؛ فقد بُرهِن على أن الثورات التي يشهدها عالم الاتصالات قد أدَّتْ إلى تحوُّلات إقليمية ومكانية على نطاق الإمبراطوريات (إينيس، ١٩٥٠ / ١٩٧٢) أو الأمم (أينشتاين، ١٩٧٩ / ٢٠٠٥)، لكن ليس على نطاق المدن. ويؤكد إينيس وأينشتاين على أن طرح تقنيات الاتصالات واستخدامها — أي التحوُّل من التواصل الشفهي إلى الكتابي، ومنه إلى الطباعة، ومنها إلى التواصل الإلكتروني — قد غيَّر الأساليبَ التي نتحكَّم بها في الزمان والمكان.

قسَّمَ إينيس وسائلَ الإعلام في تقسيم مشهور له إلى وسائل إعلام ذات توجُّه مكاني، وأخرى ذات توجُّه زماني. وتشمل وسائل الإعلام ذات التوجُّه الزماني مصادرَ الأخبار المكتوبة باليد، والشفهية التي تتسم بطول الأجل لكن تتميز في الوقت نفسه بانتشار مكاني محدود. أما وسائل الإعلام ذات التوجُّه المكاني فتشمل أغلب وسائل الإعلام الحديثة كالراديو والتلفاز وكذلك الصحف. وقد سهَّلَ ظهورُ الطباعة على الورق قيامَ تطوُّرٍ حقيقي طرأ على اللهجات العامية، وعبَّرَ عن حيويتها في نموِّ الحركة القومية (إينيس، ١٩٥٠ / ١٩٧٢). وفيما كانت وسائل الإعلام ذات التوجُّه الزماني تنزع إلى المجتمعات، كانت وسائل الإعلام ذات التوجُّه المكاني تنزع إلى الإمبريالية، وقد كتب كاري (١٩٩٨) أن «إمبريالية الصور نشرت فكرةَ القومية في جميع الأزمنة والفضاءات الجغرافية، وجميع الفضاءات والأزمنة الثقافية.» ويري جيليسبي وروبنز وإينيس أن وسائل الإعلام والاتصالات ذات التوجُّه المكاني شجَّعت تمركُز السلطة والسيطرة على المكان، وكانت هذه الفكرة أهمَّ شواغل إينيس في «مشكلة الإمبريالية» (جيليسبي وروبنز، ١٩٨٩).

حان الوقت لصياغة حجة جديدة حول دور وسائل الإعلام والاتصالات الجديدة في التحولات الإقليمية، بطرح المدن كمستوًى جديد للتحليل، وتعريف الأخبار لا على أنها تقنية بل على أنها سلعة معلوماتية، وهذا يتطلَّب طرحَ مفهوم جديد يربط بين الأخبار والمدن والعولمة؛ أَلَا وهو الكوزموبوليتانية.

(١) المصطلحات

يستخدم بروديل في كتابه المبتكر «منظور إلى العالم» (١٩٧٩ / ١٩٨٤) تعبيرَ «المدينة العالمية» للتوكيد على أهمية دور المدن الأوروبية في إقامة اقتصاد عالمي، ويرى أن الاقتصاد العالمي امتلَكَ «دومًا مركزَ جذب حضريًّا أو مدينة، كمصدر إمداد لأنشطته.» يركِّز أيضًا بروديل اهتمامه على الأخبار مشيرًا إلى أن «الأخبار والسلع، ورأس المال والديون، والأفراد والمعلومات والمراسلات تتدفق جميعها إلى المدن ومنها.» (١٩٧٩ / ١٩٨٤). فلم يكن بأوروبا عام ١٥٠٠ إلا أربع مدن يتجاوز تعدادها ١٠٠ ألف نسمة، لكن بحلول عام ١٨٠٠ بلغ عددها ٢٣ مدينة، إحداها مدينة لندن التي ضمَّتْ أكثر من مليون نسمة (بورك، ١٩٩٤).

جدول ٢-١: مقارَنة بين عدد سكان لندن وإنجلترا (المصدر: هانتر، ١٩٩٠).
العام عدد السكان في لندن عدد السكان في إنجلترا النسبة المئوية للسكان في لندن
١٦٠٠ ٢٠٠٠٠٠ ٤١٠٠٠٠٠ ٤٫٩
١٦٣٠ ٤٠٠٠٠٠ ٤٩٠٠٠٠٠ ٨٫٢
١٧٠٠ ٥٧٥٠٠٠ ٥٠٠٠٠٠٠ ١١٫٥
١٧٥٠ ٦٧٥٠٠٠ ٥٨٠٠٠٠٠ ١١٫٦
١٨٠١ ٩٠٠٠٠٠ ٨٣٠٠٠٠٠ ١٠٫٨
من ثَمَّ، يتبنَّى بروديل «النظرة الطويلة المدى للتاريخ»، ويعرف البندقية وأنتويرب وأمستردام ولندن ونيويورك على أنها مدن تاريخية عالمية، مع الوقت سيطرَتْ إحداها على الأخرى، ثم حلَّتْ إحداها محلَّ الأخرى؛ فكتب يقول (١٩٧٩ / ١٩٨٤):

البندقية حلَّتْ محلَّها أنتويرب، التي حلَّتْ محلَّها أمستردام، التي حلَّتْ محلَّها لندن، التي حلَّتْ محلَّها نيويورك. وعندما حلَّتْ أمستردام محلَّ أنتويرب، أو عندما انتقلت مقاليد القوة من أمستردام إلى لندن، أو عندما تولَّتْ نيويورك مقاليدَ القوة من لندن في حوالي عام ١٩٢٩، كان هذا يعني دومًا نقلةً تاريخية ضخمة للقوى، تكشف اختلال التوازن السابق وعدم ثبات القوى للمدينة التي تستبدلها.

على عكس بروديل، يدرس كاستيلز دورَ المدن المعاصرة، ويرى (كاستيلز، ١٩٨٩) أن الاعتماد على شبكات الاتصالات عن بُعْد التي تتطلَّب تركُّزَ مراكز السيطرة والتحكم في أماكن تتمتع بأكثر الأنظمة تقدُّمًا، يراه عنصرًا أساسيًّا في مدينة معلوماتية معاصرة. من جهة أخرى تعرِّف ساسن (١٩٩٤) المدن العالمية المعاصرة كمواقع جوهرية للخدمات المتطورة ومنشآت الاتصالات عن بُعْدٍ اللازمة لتنفيذ العمليات الاقتصادية العالمية وإدارتها. ويشير كلٌّ من ساسن وكاستيلز إلى هذه الأنواع الجديدة من المدن على أنها ظاهرة حديثة برزَتْ في النصف الثاني من القرن العشرين مع ظهور «الاقتصاد المعلوماتي الجديد». وتمثِّل هذه المدن نمطَ الإنتاج الجديد القائم على المعلومات، في مقابل نمط الإنتاج الصناعي السابق (كاستيلز، ١٩٨٩). وأرى أهمية مفهوم ساسن وكاستيلز، لكنني أستخدم بهذا الفصل مفهومَ المدينة الكوزموبوليتانية (المتعددة الجنسيات والثقافات) لإيضاح دور المدن في أوائل مرحلة عولمة وسائل الإعلام.

ميَّزَ تشالابي (٢٠٠٥) بين ثلاث مراحل للنقلة التي شهدتها وسائل الإعلام العالمية؛ أولى المراحل هي مرحلة تدويل وسائل الإعلام التي بدأت بالقرن التاسع عشر، عندما ظهرَتْ أولى الأسواق الدولية مع ظهور التلغراف والكَبْلات البحرية. أما المرحلة الثانية فشهدتها وسائل الإعلام بدءًا من ستينيات القرن العشرين مع ظهور الابتكارات في حقل الاتصالات عن بُعْدٍ والكمبيوتر وقيام بعض الشركات العالمية التي تمتَّعت بانتشار عالمي. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة عبور وسائل الإعلام للحدود القومية، عندما تجرَّدَتِ السوقُ وتجرَّد الجمهور من النزعات القومية مع ظهور واستخدام وسائل إعلام جديدة. ويرى تشالابي أن الكوزموبوليتانية كانت ملمحًا بارزًا من ملامح المرحلة الثالثة.

أبرهِن في هذا الفصل على أن كوزموبوليتانية الأخبار سبقت مرحلةَ تدويلها (راجِعْ رانتانن، ٢٠٠٦ب) التي أصبحَتِ العولمةُ تحديًا لها الآن، كما أدفع بأن أولى وكالات الأنباء الإلكترونية الأوروبية — بعكس ما أسفرَتْ عنه البحوث المبكرة حول العلاقة بين الأخبار «المحلية» و«العالمية» — لم تكن في الأصل «محلية» أو «دولية»، بل بالأحرى «كوزموبوليتانية»؛ إذ كانت تتبادل الأخبار بين المدن، وهو تقليد كان موجودًا بالفعل في أوروبا قبلها بقرون.

(٢) المدن الكوزموبوليتانية

أستخدِمُ مفهومَ المدينة «الكوزموبوليتانية»، عوضًا عن مفهوم المدينة الكوكبية أو المعلوماتية، لإيضاح دور المدن في أولى مراحل تحوُّل وسائل الإعلام إلى وسائل إعلام كوزموبوليتانية (رانتانن، ٢٠٠٦ب)، وهي مرحلة سبقت مرحلة تدويلها وعولمتها. وقد أشار العديد من الكتَّاب إلى الطبيعة الكوزموبوليتانية للكثير من المدن الرائدة في الماضي؛ فكتب بروديل (١٩٧٩ / ١٩٨٤) أنه «في ظلِّ سوق الأوراق المالية في أمستردام — التي كانَتْ نموذجًا مصغَّرًا لعالم التجارة — أمكن للمرء سماع لهجات العالم كافةً. وفي البندقية، إنْ راوَدَكَ الفضولُ لرؤية أناسٍ من شتَّى بقاع الأرض، كل منهم له أسلوبه في ارتداء الأزياء، فعليك أن تقصد ميدان سانت مارك أو ريالتو لتجد كلَّ أنماط البشر على اختلافاتهم» (بروديل، ١٩٧٩ / ١٩٨٤). ويشير بروديل إلى أجواء التسامح — ولا سيما التسامح الديني — التي سادَتْ هذه المدن؛ على سبيل المثال، كانت شعائر الأديان كافة تُزاوَل في لندن (بروديل، ١٩٧٩ / ١٩٨٤). ويرى نيكولاس (٢٠٠٣) أن حجم التعداد السكاني لمدينة أنتويرب وتنوُّعه — ويدخل فيه تعداد المنشَقِّين عن الديانة السائدة بالمنفى — كان عاملًا مهمًّا ساهَمَ في ازدهار الطباعة هناك، فكثير من الأعمال الدينية الإنجليزية في فترة عشرينيات وثلاثينيات القرن السادس عشر طُبِعت في أنتويرب وهُرِّبت إلى إنجلترا. كتب أينشتاين (١٩٧٩ / ٢٠٠٥):

كثير من الأعمال التاريخية التي تتناول تاريخ الطباعة يتبع نهجَ تنظيم التطورات التي طرأت على نهضة الدول القومية، وهو ما يتَّسِق مع حركات التطور التي شهدها القرن التاسع عشر، غير أنه لا يتَّسِق على الأرجح بالقياس إلى عصر الطباعة اليدوية الأبكر، الكوزموبوليتاني بدرجة أكبر؛ فكانت مراكز إنتاج الكتب الكبرى على مرِّ القرن الثامن عشر مختلفةً عن العواصم السياسية المهمة كباريس وبرلين وفيينا وروما ومدريد ولندن، بل كانت مراكز إنتاجها بالأحرى هي المراكز التجارية العظمى كالبندقية وأنتويرب وأمستردام؛ فلم تكن المدينة المركزية للطباعة باللغة الفرنسية بالقرن الثامن عشر باريس، بل أمستردام.

اتسم سكان المدن الكوزموبوليتانية بأنهم أفراد متعددو الثقافات (مثال على ذلك: هانرز، ١٩٩٦؛ وبيك، ٢٠٠٢)؛ تمتَّعوا بمعرفة العديد من اللغات، واستطاعوا الوصول إلى أحدث تقنيات الاتصالات واستخدامها، وكانوا متحررين من التقيُّد بمكان واحد ومنتمين لأماكن عدة. وتُعَدُّ هذه السمات متعلِّقةً بالدرجة الأولى بحالتهم الاقتصادية-الاجتماعية، التي كانوا عليها في كثير من الأحوال. لكن كما يتَّضح في هذا الفصل، قد يتمتَّع بالسمات نفسها أشخاصٌ يعارِضون النظامَ العالمي القائم وينتقدونه، ولا ينتمون بالضرورة إلى شريحة النخبة المهيمنة، بل يقصون بالفعل عنها في الكثير من الأحيان لانتماءاتهم العِرْقية أو الأيديولوجية أو الدينية. ويجعل الكوزموبوليتانيون هذه الأماكن كوزموبوليتانية بتشكيل علاقات مع أماكن أخرى؛ فيجلبون العالم إلى المدن.

مؤخرًا، أثارَ الكثيرُ من الباحثين قضيةَ الكوزموبوليتانية في تحليلهم للمجتمعات المعاصرة، غير أن مفهوم الكوزموبوليتانية مفيد أيضًا في تحليل التاريخ. كتب هانرز (١٩٩٦) عن المدن المعاصرة مميِّزًا بين أربع فئات ضرورية لقيام المدينة الكوزموبوليتانية؛ هي: (١) الشركات العابرة للقومية. (٢) سكان العالم الثالث. (٣) الفنانون والصنَّاع المَهَرَة. (٤) السيَّاح.

إن لم تكن نيويورك أو لندن أو باريس مجرد تجليات للثقافة الأمريكية والبريطانية والفرنسية، أو حتى نُسَخ متمدنة بشكل فريد من هذه الثقافات، وإنما كيان مختلف نوعيًّا، فهذا يرجع إلى حدٍّ كبير إلى هذه الفئات الأربع. والقاسم المشترك بين هذه المدن هو أنها بصورة أو بأخرى مدن عابرة للحدود القومية؛ فأفرادها يوجدون بها ماديًّا شطرًا كبيرًا أو صغيرًا من حياتهم، لكنْ تربطُهم كذلك صلاتٌ قوية بمكان آخَر بالعالم.

أرى أن كل الفئات الأربع التي ذكرها هانرز قد نجدها في مدن القرون السالفة، وأضيف — بغرض تحليل قيام المدن الكوزموبوليتانية — المهاجرين واللاجئين السياسيين، مع أنهم قد يندرجون تحت فئات أخرى، غير أن ما تطلَّبَتْه الأزمان الماضية كان درجة من الفوضوية؛ أيْ ما يسمِّيه أينشتاين (١٩٧٩ / ٢٠٠٥) «غياب أي سلطة مركزية قوية»، كالدولة القومية.

(٣) الأخبار المكتوبة

لطالما كان تبادُل الأخبار حيويًّا للمدن ولا يزال كذلك؛ فيرى سميث (١٩٧٩) أنه نشأت بالمدن الأوروبية منذ العصور الوسطى شبكةٌ رسمية من المراسلين وعملاء الاستخبارات الذين كانوا يرسلون الأخبارَ العسكرية والدبلوماسية والكنسية عبر سلسلة من الطرق المحددة. كانت أولى الصحف الرسمية — وهي رسائل إخبارية تُكتَب باليد وتُوزَّع كل أسبوع — تصدر في البندقية عام ١٥٥٠ (ستيفنز، ١٩٨٨). وأسَّسَ الساسة ورجال البلاط والتجار الذين تلهَّفوا بالأخص على معرفة ما يجري خارج بلادهم؛ نظامَ مراسَلةٍ منتظمًا مع أصدقائهم وعملائهم في المدن المهمة، فظلُّوا على اطِّلاعٍ بالأحداث التي احتاجوا إلى معلومات عنها (شابار، ١٩٢٩). وكما يشير أينشتاين (١٩٧٩ / ٢٠٠٥) توافرت بالفعل لنشر المطبوعات شبكاتٌ واسعة النطاق وأنظمةُ تمويلٍ معقَّدَة أسَّسها تجار أواخر العصور الوسطى، وكان الرُّسُل يحملون الأخبار على هذه الطرق، سواء أكانت شفهية أم مكتوبة بخط اليد.

استثمر آل فوجر — أسرة من التجار الأثرياء — الأموالَ في بناء نظام خاص بهم لجمع الأخبار «المكتوبة بخط اليد» (١٥٦٨–١٦٠٥) بالدرجة الأولى من أجل أفرادهم وشركائهم بالتجارة، وكانت أغلب التقارير — على حد ذكر ستيفنز (١٩٨٨) — تُعنى بسير المعارك والكوارث والمؤامرات والأعاجيب وميلاد أبناء الأُسَر المالكة وحالات الوفاة والزيجات والأخبار المالية، بما فيها أنباء الإفلاس في بورصة أنتويرب. ويشير بروديل (١٩٧٩ / ١٩٨٤) إلى أن عهد آل فوجر شهد في الواقع عصرَ أنتويرب كمركزٍ للاقتصاد العالمي بأسره؛ إذ كانت مدينةً كوزموبوليتانية لأنها لم تضمَّ من بين أبنائها تجارًا يتمتَّعون بمكانة دولية؛ نتيجةً لذلك هيمَنَ الوافدون الأجانب على المشهد، من التجار الهانزيين والإنجليز والفرنسيين، وفوق كل شيء تجار الجنوب من البرتغاليين والإسبان والإيطاليين. وقد ضمَّتْ أنتويرب منشأةَ طباعةٍ ضخمةً قبل نشأة دار طباعة كريستوفر بلانتين (١٥١٤–١٥٨٩)، وهو أحد المهاجرين من فرنسا (نيكولاس، ٢٠٠٣).

غير أن تدفُّق الأخبار في أوروبا عصر النهضة ظلَّ مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بوسائل النقل، مع تطوُّر خدمات البريد بَدءًا من أواخر القرن الخامس عشر؛ فشاع الفصل بين رسائل الأخبار العادية — التي كانت تُرسَل عادةً عبر البريد المنتظم، وعادة بصفة أسبوعية — وبين رسائل الأخبار الخاصة التي شابَهَتْ بدرجة ما ملحقاتِ الصحف، وحملها رسول خاص (ستيفنز، ١٩٨٨). ويرى سارديلا أن بلوغ هذه الرسائل ولَّدَ وعيًا عالميًّا جديدًا، فكتب يقول:

من خلال الأنباء التي تشارَكوها، استُقطِبَ معًا تجارُ القمح بالبندقية، وتجار الفضة في أنتويرب، وتجار نورمبيرج، ورأسماليُّو أوجسبورج، وشركاؤهم في التجارة حول العالم؛ إلى مجتمع قائم على هذا الوعي الجديد؛ على المصالح المشتركة: مصائر بعض السفن التي تُبحِر من الهند إلى لشبونة؛ وعلى قِيَم مشتركة: إيمان بحقوق رأس المال.

(٤) آلة الطباعة وأول الأخبار المطبوعة

بلغ الطلب على المزيد من المعلومات بحلول عام ١٦٠٠ درجةً باتَ معها العثور على وسائل مطبوعة لتوزيع المعلومات ضرورةً اقتصادية، وكانت التكنولوجيا المطلوبة لتحويل عملية تناقُل الأخبار إلى عملية صناعية هي آلة الطباعة، التي كانت إحدى التقنيات الصناعية المبكرة؛ فبخلاف الطباعة وصنع الأدوات المعدنية، لم تطرأ على تقنيات الصناعة إلا تغيُّرات جوهرية طفيفة قبل الثورة الصناعية. وباستثناء الطباعة، لم ينشأ سوى قدر بسيط من الصناعة بالمدن قبل عام ١٥٠٠ تقريبًا (نيكولاس، ٢٠٠٣).

أتاح ابتكار طابعة جوتنبرج حوالي عام ١٤٥٠ ميكَنَةَ طباعة أولى الكتب، ثم الصحف، وصارت ٢٣٦ بلدة في أوروبا بحلول عام ١٥٠٠ تمتلك طابعات على غرار طابعة جوتنبرج (ماكنيل وماكنيل، ٢٠٠٣)، وكانت هذه البلدات مرتبطة بعضها ببعضٍ. كان فرانتس فون تاكسس أول مَن أسَّس شبكة محكمة التنظيم لنقل البريد في إيطاليا، ووضع حجرَ الأساس لقيام منظومة بريدية دولية. كان نظام «ثورن أوند ثاكسيز» البريدي يغطِّي أغلب أوروبا الغربية؛ وبالتالي كان على اتصالٍ بسعاة البريد في البلدات الأوروبية كافةً، فعلى سبيل المثال، أمكن إنجاز نقل المراسلات بين إنسبروك وبروكسل في غضون خمسة أيام.1 ووظَّفت أسرة آل فوجر التجارية مراسلين لها عبر أنحاء أوروبا، وبَدَا أن رسائل البريد آنذاك بلغت وجهتها في شتى الظروف تقريبًا؛ فعلى سبيل المثال، يصف مندوب آل فوجر في أنتويرب في نهاية رسالة من أنتويرب مؤرخة بتاريخ ٣١ مايو ١٥٨٦، أحداثَ إحدى الفترات المضطربة، لكنه يُنهِي رسالته بقوله: «مع ذلك تصل الرسائل من لندن يوميًّا عبر البريد، وتُرسَل من هنا إلى هناك دون أن يعترضها عائقٌ» (بيل، ٢٠٠٥).
اتسمت آلات الطباعة الجديدة بطابع كوزموبوليتاني ميَّزَها، وتنقَّلَ أصحابها ذاتهم بين ربوع أوروبا بحثًا عن مدن جديدة يحصلون فيها على حقوق نشر المطبوعات الدورية (سميث، ١٩٧٩)؛ على سبيل المثال، كان أول أصحاب للطابعات في باريس ألمانيين، وبالرغم من عدم اشتغالهم بالطباعة للجامعات، اضطلعوا بنشر الكتب الكلاسيكية وكتب علم النحو التي لاقَتْ رواجًا كبيرًا بين الطلاب والمعلمين (نيكولاس، ٢٠٠٣). كتب أينشتاين (١٩٩٧):

اختلفَتْ متاجر هؤلاء عن متاجر غيرهم من رجال الصناعة المعاصرين لهم؛ لأنها كانت بمنزلةِ ملتقًى للطلاب والفنانين والأدباء، وملاذ للمترجمين الأجانب والمهاجرين واللاجئين، لكونها مؤسساتٍ للتعليم العالي وبؤرةً لشتى أنماط التفاعل الثقافي والفكري.

انتشرَتِ الصحف الأسبوعية الجديدة بالمدن الألمانية وفي أمستردام وغيرها من البلدان المنخفضة التي ربطت بينها حلقات وصل محكمة منتشرة عبر أوروبا وربوع العالم المعروفة (سميث، ١٩٧٩). كانت هناك مطبوعة أسبوعية في بازل بحلول عام ١٦١٠، وفي فرانكفورت وفيينا بحلول عام ١٦١٥، ثم في هامبورج بحلول عام ١٦١٦، فبرلين في عام ١٦١٧، فأمستردام في عام ١٦١٨، فأنتويرب بحلول عام ١٦٢٠ (ستيفنز، ١٩٨٨)، ليبلغ عدد الصحف التي كانت تصدر في ألمانيا عام ١٧٠١؛ ٥٧ صحيفة (بلاك، ٢٠٠١). ومن المعروف أنه قبل عام ١٦٢٦ صدرت ١٤٠ مطبوعة إخبارية باللغة الهولندية، وكان الكثير منها يصدر أيضًا بلغات أخرى متعددة — بما فيها اللغتان الإنجليزية والفرنسية — بهدف بيعها في أنحاء أوروبا كافةً. وشُحِنت أول الكتب الإخبارية أو الصحف الإخبارية التي تصدر باللغة الإنجليزية عبر بحر الشمال من أمستردام إلى لندن عام ١٦٢٠ (سميث، ١٩٧٩)؛ لِيُمكن بعدها لقاطني لندن في ١٦٤٤ الاختيار من بين اثني عشر كتابًا إخباريًّا أسبوعيًّا من ثماني صفحات أو أكثر، ثم صار يُباع هناك إبَّان أوائل خمسينيات القرن السابع عشر ثمانية إصدارات أسبوعية مطوَّلة (هاريس، ١٩٧٨). ونقلت أولى الصحف الأخبار العامة التي كانت مجموعة من الأخبار السياسية والاقتصادية (سميث، ١٩٨٤)، والأخبار الأجنبية وحدها تقريبًا (ستيفنز، ١٩٨٨).

يرى سميث (١٩٨٤) أن طبيعة المعلومات كسلعة وكنتاج ثانوي لأنشطة شبكات التجارة هي عينها ما قاد لنشأة حركة في أمستردام لتبادُل المعلومات المركزية في القرن السابع عشر في أوروبا بأسرها، ويبيِّن سميث ستَّ قنوات مختلفة تدفَّقت عبرها معلوماتُ الأعمال، وهي: (١) مراسلات التجار الخاصة. (٢) مراسلات المؤسسات. (٣) حركة رجال الأعمال من أمستردام وإليها. (٤) تقارير القنصليات. (٥) التقارير الدبلوماسية. (٦) القنوات الخاصة (سميث، ١٩٨٤).

بلغَتْ أولى الطابعات إنجلترا عام ١٤٧٦ (ستيفنز، ١٩٨٨)، وبحلول عام ١٦٦٣ كانت لندن تتفاخر بنقل إحدى عشرة رسالة بريدية يوميًّا (ريفكين، ١٩٨٧). وتعود أقدم الكتب الإخبارية أو الصحف الإخبارية المتداولة في لندن التي صمدت إلى اليوم هناك إلى عام ١٦٢١، وهي صحيفة كورانتي (أخبار أسبوعية من إيطاليا والمجر وبولندا وبوهيميا وفرنسا والبلدان المنخفضة) (ستيفنز، ١٩٨٨). وقد تأسَّست أولى الصحف المنتظمة في لندن عام ١٧٠٢، لتصدر بعدها هناك عام ١٧٦٠ أربع صحف يومية، وخمس أو ست صحف تصدر ثلاث مرات أسبوعيًّا، ولتصدر في عام ١٧٧٠ خمس صحف يومية على الأقل، وثماني صحف تصدر ثلاث مرات أسبوعيًّا، وعشر صحف تصدر مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيًّا. بلغ عدد النُّسَخ الموزَّعة من هذه الصحف ١٠٩٠٢٨٩ نسخة في ١٧٦٤، و٣٠٧٠٠٠٠ نسخة عام ١٧٨٢، و٤٦٥٠٠٠٠ نسخة عام ١٧٩٠. وبحلول عام ١٧٨٠ بلغ عدد الصحف ١٣ صحيفة صباحية، وواحدة مسائية، وسبع صحف تصدر ثلاث مرات أسبوعيًّا، وصحيفتين تصدران مرتين في الأسبوع. أما عام ١٨١١، فبلغ إجمالي عدد الصحف التي نُشِرت في لندن بجميع فئاتها ٥٢ صحيفة (سميث، ١٩٧٩؛ وبلاك، ٢٠٠١)، وكانت بمتناول الجميع؛ فضمَّتْ لندن آنذاك ٥٥٩ مقهًى عملت في توزيع الصحف، ووجد أغلبها ضرورة لتقديم مجموعة مختارة من الصحف لزبائنهم (هاريس، ١٩٧٨). من هنا تناولت بسخرية صحيفة لندنية من القطع الكبير، «أخبار من المقهى»، هذه الظاهرة في عام ١٦٦٧ (هاريس، ١٩٩٠):

لمَن يهوى الطريف والسار
ويتوق لسماع الأخبار
من كل قطر من الأقطار …
فَلْيقصد المقهى
إنها أمور لا يصدقها عقل.

كتب باركر (٢٠٠٠) أن المقاهي والحانات سهَّلَتْ مطالعة الصحف لقاء ثمن المشروبات التي تقدِّمها لغير القادرين على تحمُّل تكلفة شرائها، وعُدَّتْ مهارة القراءة والكتابة آنذاك مهارةً فردية وجماعية؛ فكان المتوقَّع ممَّن يستطيعون القراءة أن يقرءوها لمَن لا يستطيعون (فينسنت، ١٩٨٩). وقُدِّر عدد القارئين لكل نسخة جريدة بعشرين شخصًا على الأقل (باركر، ٢٠٠٠).

(٥) الأخبار بالتلغراف

اكتسبت بعض مدن وسط وغرب أوروبا كلندن وبرلين وباريس وفيينا وظيفةً مهمةً جديدة بدءًا من أواخر ثلاثينيات القرن التاسع عشر فصاعدًا؛ إذ أضحَتْ مركزًا لشبكة سكك حديدية آخِذة سريعًا في الاتساع (هاختمان، ٢٠٠١). ولما كانَتْ خطوط التلغراف قد شُيِّدت على طول خطوط السكك الحديدية، لم يكن من قبيل المصادفة أن البلاد التي امتلكت أحدثَ شبكة تلغراف كانت هي نفسها البلاد التي تجري بها خطوط السكك الحديدية (هايمبرجر، ١٩٣٨؛ وبريجز وبيرك، ٢٠٠٥)؛ على سبيل المثال، بحلول عام ١٨٥٠ امتدَّتْ خطوط التلغراف مسافة ٢٢١٥ ميلًا في بريطانيا، وامتدت بحلول عام ١٨٥٢ شبكة خطوط تلغراف لمسافة ١٤٩٣ ميلًا في بروسيا متشعِّبة من برلين (ستانديدج، ١٩٩٨)، ومكَّنَتْ أولى خطوط التلغراف التي ربطت مباشَرةً بين الأماكن، خطوطَ السكك الحديدية من العمل وفقًا للجداول المحددة لها، كما ربطت بين أسواق الأوراق المالية؛ فجرى الربط بين سوقي لندن وباريس الماليتين عام ١٨٥١ (تشيري، ١٩٧٧). وشدَّدَ اكتمال إنشاء أوائل خطوط التلغراف الممتدة عبر حدود الدول على أهمية باريس وبرلين ولندن كمراكز اتصال في أوروبا.

جدول ٢-٢: بعض أوائل خطوط التلغراف التجارية والعامة والكَبْلات البحرية في أوروبا في الفترة من عام ١٨٣٩ إلى ١٨٥٣.
١٨٣٩ بادينجتون (لندن) – غرب درايتون (خط تجاري، يمتدُّ لثلاثة عشر ميلًا)
١٨٤١ لندن – سلاو
١٨٤٥ لندن – جوزبورت (خط عام)
١٨٤٥ باريس – روان
١٨٤٦ برلين – بوتسدام
١٨٤٧ برلين – برِسلاو – فيينا
١٨٤٨ برلين – فرانكفورت – كولن
١٨٤٩ آخن – برلين
١٨٥٠ باريس – بروكسل – برلين

كانت أسواق الأوراق المالية بالمدن الكبرى هي غالبًا المستخدِم الأول للتلغراف، أما ثاني الفئات الأكثر استخدامًا له فهي الصحف؛ إذ شهدت أوروبا بالسنوات السابقة على قيام الثورات الأوروبية عام ١٨٤٨ أكبر عدد عرفته من الصحف الموزعة بها، وانتشرت الصحافة المطبوعة تحديدًا في مراكز السلطة السياسية والاقتصادية بالمدن؛ فصدر بباريس عام ١٨٤٦ (التي رَبا تعداد سكانها على المليون نسمة) ستٌّ وعشرون صحيفة يومية، وبلغ إجمالي عدد النُّسَخ الموزَّعة منها ١٨٠٠٠٠ صحيفة، تسنَّى الاشتراك بها وبِيعت بالشوارع أو أمكن الاستمتاع بقراءتها في دوائر القراءة التي لم يكن لها حصر، وأندية القراءة والمقاهي (كوخ، ٢٠٠١).

في فيينا، صدرت ١٨١ مطبوعة دورية عن التيارات السياسية كافة ضمَّتْ فيما بينها ٨٦ صحيفة يومية. أما في برلين، فظهر بين مارس عام ١٨٤٨ ونوفمبر عام ١٨٤٩؛ ١٣٥ صحيفة وجريدة مختلفة، من بينها صحيفة ناشونال زايتونج (١٨٤٨–١٩٣٨) التي أسَّسها بيرنهارد وولف (كوخ، ٢٠٠١)، وبلغ عدد الصحف اليومية الصباحية التي نُشِرت في لندن ثماني صحف عام ١٨٥٦، وإحدى وعشرين صحيفة عام ١٩٠٠، فيما بلغ عدد الصحف المسائية عن الأعوام ذاتها على الترتيب سبع صحف، وإحدى عشرة صحيفة (بلاك، ٢٠٠١). وبلغ متوسط عدد النُّسَخ الموزَّعة عام ١٨٥٤ للصحف اليومية في لندن بين ٢٠٠٠ نسخة و٨٠٠٠ نسخة، غير أن صحيفة التايمز وحدها باعت قرابة ٦٠٠٠٠ نسخة (الموسوعة البريطانية، ١٩١١أ). وتغلغلت الصحافة السياسية — على حدِّ ما كتب هاوبت ولانجيفيشه — في الحياة العامة وساعَدَتْ في تنظيمها؛ فاعتمد إنشاء منظمة إقليمية على صحيفة كوسيلة للتواصل، وارتبط المشهد الصحفي المتنوع بشبكة العلاقات المتشابكة ارتباطًا وثيقًا (هاوبت ولانجيفيشه، ٢٠٠١).

(٦) مؤسِّسو أولى وكالات التلغراف

كان مؤسِّسو أولى وكالات التلغراف في أوروبا — وهم: ميسرز هافاس، ورويتر، ووولف — مواطنين عالميين في زمانهم. ويرى سليزكين (٢٠٠٤) أن الأقليات اليهودية، من بين جميع جماعات الشتات في القرن التاسع عشر، تميَّزت بسمات هامة كالتمدُّن والتنقُّل والثقافة والفصاحة، وهي ما أسهم في نجاحها. دانَ كلٌّ من هافاس ورويتر ووولف باليهودية، وألَمُّوا بعدة لغات، وجرَّبوا الاشتغال بعدة مهن قبل خوض مجال نقل الأخبار الإلكترونية، وفوق كل شيء لم يتقيَّدوا بحدود وطن واحد، وإنما تنقَّلوا بيُسْرٍ عبر حدود البلدان، وتمتَّعوا بقدر من الدراية بأحدث التكنولوجيا آنذاك، وهو التلغراف، الذي جمعوا بين استخدامه وبين استخدام الحمام الزاجل في المدن الأوروبية الكبرى في الأيام الأولى: كبرلين ولندن وباريس، وتمتَّعوا بقدرٍ من المعرفة في مجال النشر والصحافة والتجارة؛ فكانوا باختصار أحدثَ صيحة في عصرهم.

أقام أكبرهم شارل لويس هافاس (١٧٨٣–١٨٥٨) في البرتغال قبل أن يستقر به المقام في باريس، وكان مالكًا لمصرف انتهى به الحال بالإفلاس، وقد تمتَّع ببعض الدراية باللغة اليونانية واللاتينية وتحدَّثَ الإنجليزية والألمانية بطلاقة. اشترى في البداية شركة كوريسبوندانس جارنييه للمراسلات، وكانت الشركة قد تأسَّست عام ١٨١١، وتحوَّلت في ١٨٣١ إلى بيورو بورنشتاين التي امتلَكَها لاجئ سياسي ألماني غادَرَ بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية (فريدريكس، ١٩٥٩؛ وفوكس، ١٩١٩)، واضطلعت بنقل الرسائل بين أهم مدن أوروبا إلى الدبلوماسيين ورجال الأعمال والمصرفيين. أما هافاس، فافتتح عام ١٨٣٢ مكتب بيورو هافاس (الذي صار فيما بعدُ وكالة أجانس هافاس)، وكان يجاور مباشَرةً مكتبَ البريد وسوق الأوراق المالية في باريس، وبدأ المكتب أيضًا حركة ترجمة الصحف البريطانية والألمانية والإسبانية والإيطالية والروسية ونقلها إلى المدن الأوروبية الأخرى. وقد أنشأ هافاس قبل مدِّ خطوط التلغراف خدمةَ نقل الرسائل بالحمام الزاجل بين لندن وبروكسل وباريس، وقد استغرقَتْ رحلة الحمام الزاجل من لندن إلى باريس ستَّ ساعات، ومن بروكسل إلى باريس أربع ساعات، فكان يغادر لندن في الثامنة صباحًا ليجلب أخبارَ صحفها الصباحية إلى باريس في الثانية بعد الظهيرة (فوكس، ١٩١٩).

أما برنارد وولف (١٨١١–١٨٧٩) فكان ابنًا لمالك مصرف وقد درس الطب، غير أنه نتيجةً لإفلاس والده لم يُزاوِلِ الطبَّ قطُّ، وصار ناشرًا ترجَمَ الكتب الطبية من الإنجليزية والفرنسية إلى الألمانية. وبدأ وولف العمل مع بول جوليس رويتر كزميل في نشر المطويات السياسية لدار فوسزيشن بوخهاندلونج في برلين.

وُلِد رويتر (١٨١٦–١٨٩٩) باسم إسرائيل بيير جوزافات في كاسل ابنًا لحاخام، ثم غيَّرَ اسمه وديانته وعمل موظَّفًا بأحد المصارف وتاجرَ كتب بعدة مدن من بينها جوتة وبرلين التي التقَى فيها بوولف وغادرَا معًا عام ١٨٤٨ متجهين إلى باريس (باسيه، ١٩٩١).

يُقال إن هافاس كان الأكثر حذرًا من بين مؤسِّسي وكالات التلغراف الثلاث الأولى في أوروبا (هوهينبيرج، ١٩٧٣)، وقد أقرض المال لنابليون الذي فقد أمواله بعد معركة ووترلو؛ فلا عجب أن مؤسِّسي وكالات التلغراف الثلاث التقوا في باريس «عاصمة أوروبا» أو «ملتقى أوروبا» ومنبع ومركز الثورة الأوروبية (هاختمان، ٢٠٠١). ومنذ الثورة في ١٨٤٨، «تسلَّطت كل الأنظار في أوروبا على المدينة التي اندلعَتْ فيها الثورة وقُضِيَ بها على النظام الملكي؛ إذ رغب الجميع في معرفة الجديد والأحدث في أسرع وقت ممكن» (فوكس، ١٩١٩). أما رويتر ووولف فانخرطَا، على العكس من هافاس، في أنشطة ثورية في برلين؛ مما اضطرهما إلى الفرار من هناك عام ١٨٤٨ إلى باريس حيث بدآ العملَ في وكالة هافاس في غرف فندق هوتل دي بوليون (فريديكس، ١٩٥٩). عمل رويتر مترجمًا لكن بَدَا أنه افتقر إلى أي خبرة صحفية، وكتب ريد أنه ما ساعَدَه هو وولف على الحصول على وظيفة إلا إجادته للألمانية والفرنسية والإنجليزية (ريد، ١٩٩٩)، غير أن السبب على الأرجح هو الصلات التي جمعته بثوريِّين.

التقى رويتر في باريس عام ١٨٤٨ إبَّان عمله في وكالة هافاس بسيجيزموند إنجليندر (١٨٢٣–١٩٠٢)، وهو صحفي ثوري فرَّ من فيينا إلى باريس على ضوء التهديد باعتقاله وعمل لدى هافاس، وأصبح في المستقبل المهندس الرئيس لشبكة مراسلات رويتر الأجنبية، وهو رجل وصفه كارل ماركس لفريديريش إنجلز بأنه نبض وروح مكتب رويتر، وبأنه أسَّسَ عبر معارفه الثوريين شبكةً من المراسلين لرويتر (ريد، ١٩٩٩؛ وفريدريكس، ١٩٥٩؛ وفوكس، ١٩١٩؛ وستوري، ١٩٥١). فرَّ بالمثل ثائِرٌ آخَر من فيينا إلى باريس، وهو سيجيزموند كوليش الناشر لصحيفة دير راديكالي، وبدأ العمل لدى هافاس (دورفلر وبينسولد، ٢٠٠١).

أصبح وولف بعد العودة من باريس ناشِرًا صحفيًّا، ونشرت صحيفته الليبرالية ناشونال زايتونج أولَ رسالة تلغرافية لها عن الأسعار بأسواق الأوراق المالية في فرانكفورت وأمستردام في ٢٧ / ٢٨ من نوفمبر عام ١٨٤٩، مرفقًا بها الإعلان التالي (فوكس، ١٩١٩؛ وهونه، ١٩٧٧):

خدمة منَّا لمصالح قرَّائنا، قرَّرنا عدم إغفال أحدث تقنيات الاتصال وهي التلغراف، واتخذنا التدابيرَ اللازمة للسماح لنا بنقل رسائل التلغراف يوميًّا من باريس ولندن وأمستردام وفرانكفورت.

امتدَّتْ بعدها هذه الخدمة إلى صحف برلين الأخرى والعملاء الخاصين، وصارت الخدمة تُعرَف باسم «تليجرافيشيس كورزبوندنز بيورو» (بي وولف)، التي بدأت في نقل المعلومات عن أسواق الأوراق المالية من لندن إلى باريس، والمعلومات عن الأسعار من ستيتين وفرانكفورت وهامبورج (فوكس، ١٩١٩).

استمرَّ رويتر في العمل لدى هافاس إلى أن اكتسَبَ المعرفة الكافية عن وكالات التلغراف، وترك العمل بالوكالة في ربيع عام ١٨٤٩ ليفتتح وكالةً خاصة به تستخدم الطباعةَ الحجرية في غرفةٍ متهالِكة في شارع جان جاك روسو بالقرب من مكتب بريد باريس الرئيسي ووكالة هافاس، وعرض خدماته على الصحف في كافة أنحاء ألمانيا بأسعار زهيدة جدًّا، لكنه لم يجد ما يكفي من المشتركين للإبقاء على وكالته؛ ومن ثَمَّ استولى دائنوه على ممتلكاته في أواخر صيف عام ١٨٤٩، فانتقل إلى آخن حيث امتدَّ خط التلغراف لتوِّه من برلين وأتيح للجمهور. حملت شركة رويتر الجديدة اسم «إنستيتوت تسور بيفورديرونج تيليجرافيشر» (معهد نقل رسائل التلغراف)، واستخدمَتِ الحمامَ الزاجل لنقل الرسائل من بروكسل إلى آخن. لكن اضطرَّ رويتر بعد تمام إنشاء خط التلغراف بين آخن وبروكسل إلى الانتقال مجدَّدًا إلى لندن هذه المرة؛ حيث افتتح مكتبًا من غرفتين بالعنوان: ١، بنايات رويال إكستجينج، في أقرب نقطة ممكنة من سوق الأوراق المالية. حملت الشركة في البداية اسم «إس جوزافات آند كوز كونتيننتال تلغراف»، ثم تغيَّرَ في ١٩٨٥ إلى «رويترز تليجرام كومباني» (ريد، ١٩٩٩).

تأسَّسَتْ وكالات التلغراف في أهم مدن أوروبا حيث التقَى رأس المال الأوروبي مع السياسة والثقافة، وكانت بقاعًا هامة لتأسيس شبكات، قبلة لمَن أرادَ التواصل مع عالَمٍ أوسع نطاقًا. غير أن الاتصالات بين هذه المدن لم تتطوَّر جيدًا من حيث السرعة، مقارَنةً بمدن العالم المعاصرة؛ إذ تعيَّنَ حمل أغلب الرسائل يدويًّا، وكان التلغراف هو ما بدأ الوصل بينها. من هنا لا عجب أن هافاس ورويتر وولف وقع اختيارهم على باريس وبرلين ولندن كمقار لوكالاتهم، وحتى رويتر — الذي أطلق وكالته من آخن — فطن سريعًا إلى ضرورة انتقاله إلى إحدى العواصم الكبرى. ولأنه كان قد رسَّخَ قواعد نشاطه في برلين بالفعل، وقع اختياره على لندن.

ساهمت وكالات التلغراف الأولى كافة في تحقيق التواصل بين برلين ولندن وباريس بالتأسيس لحركات تدفُّق دائمة ومباشِرة للأخبار السياسية والمالية بين هذه المدن؛ وبذلك عزَّزت مكانةَ هذه المدن كحلقات وصل هامة في شبكة عالمية إلكترونية جديدة. ومع تزايد سرعة الاتصالات بين برلين ولندن وباريس وانتظامها، تعزَّزت مكانتها أكثر من أي وقت مضى؛ ومن ثَمَّ بدأ عصر مجتمع الشبكات الإلكترونية العالمية مع تأسيس أولى وكالات التلغراف التي نقلت الرسائل بين المدن الكبرى.

(٧) الكَبْلات البحرية ووكالات الأنباء

أبرَمَ هافاس ورويتر ووولف أولَ اتفاقية مشتركة حول تبادُل الأخبار المالية عام ١٨٥٦، ثم امتدَّت الاتفاقية لاحقًا لتشمل أيضًا الأخبار السياسية (رانتانن، ١٩٩٠). وقد اختصت الاتفاقيات الأولى في الأساس بمدن في بلدان مختلفة، لكنها امتدَّتْ فيما بعدُ لتشمل أقاليم تجاوزت حدود الدول القومية. سمحت خطوط التلغراف والكَبْلات البحرية بتمديد نطاق شبكات التلغراف حول العالم، وبحلول عام ١٨٧٦ تم تركيب أكثر من ٢٠٠ كَبْل بحري نجحت في جعل كل ركن من أركان العالم تقريبًا حلقةَ وصل بشبكة اتصالات عالمية؛ فأمكن تقديم خدمات التلغراف مباشَرةً بين نقاط تبعد آلاف الأميال بعضها عن بعض. غير أن خطوط التلغراف والكَبْلات البحرية شابهت خطوط الطرق وخطوط السكك الحديدية في أنها اتسمت بنقاط الْتِقاء وطرق ثابتة، وحتى عندما نقلَتِ الخطوط والكَبْلات البحرية الرسائلَ جوًّا أو تحت البحار — مستغنية بذلك عن سعاة البريد — ظلَّتْ محطات التلغراف تقع على أراضٍ تقع في نطاق دول قومية قائمة أو ناشئة.

أضحى التلغراف في أغلب دول أوروبا مِلكية للدولة، وعندما أُبرِمت الاتفاقيات الدولية حول خطوط التلغراف في مؤتمرات ممثِّلي وزارات التلغراف وشركات التلغراف الحكومية — التي عُقِدت في باريس عام ١٨٦٥، وفيينا عام ١٨٦٨، وروما عام ١٨٧١ و١٨٧٨، وسانت بطرسبرج عام ١٨٧٥، ولندن عام ١٨٧٩، وبرلين عام ١٨٨٥، وفي باريس عام ١٨٩٠، وبودابست عام ١٨٩٦، ولندن عام ١٩٠٣ (الموسوعة البريطانية، ١٩١١ب) — أقرَّتِ التسويات بأن خطوط التلغراف ملكية قومية، وحدَّدت المؤتمرات إطارَ التعاون بين شركات التلغراف في مختلف الدول بموجب قوانين هذه الدول، وأقرَّتْ بسلطات الدول القومية الواقعة بها واتفقت على التعاون الدولي لبث الرسائل عبر حدود الدول. تبنَّتْ وكالات التلغراف (الأخبار) ببساطة هذه السياسة، مع أن أنشطتها اتسعت لتتجاوز نطاقَ الدول الواقعة بها.

لم تكن لندن عاصمة المملكة المتحدة فحسب، بل كانت علاوةً على ذلك عاصمةً للإمبراطورية البريطانية بأسرها؛ ومن هنا كتب بوتر:

شهد القرن التاسع عشر في أواخره ظهورَ نسق صحفي إمبريالي وليد، شكَّلته روابط تجارية معقَّدة بين مؤسسات الطباعة الخاصة في أرجاء الإمبراطورية البريطانية كلها. ومن الأهمية بمكان أن بروزَ لندن كمركز استمدَّتْ منه الإمبراطورية البريطانية بأكملها أخبارَها؛ قد ساعَدَ على ضمان استمرار الصحف في كل مستعمرة مستقلة من بريطانيا في تبنِّي المنظور الأساسي ذاته حول الأحداث الدولية، حتى لو تبايَنَتْ آراء محرِّري الصحف (بوتر، ٢٠٠٣).

غدَتْ مدينةُ جرينيتش القريبةُ من لندن بموجب نظامٍ حسابيٍّ عالميٍّ موقعَ خطِّ الطول رقم صفر، وأدَّى مرصد باريس وظيفةً بديلةً مماثِلة، وكانت نتيجة التصويت في مؤتمر ميريديان الدولي عام ١٨٨٤ لصالح سريان توقيت جرينيتش على العالم أجمع (ريفكين، ١٩٨٧). وقاد الإقرار بسلطة الدول القومية إلى الإقرار بسلطة الإمبراطوريات الإلكترونية الجديدة؛ فباتَتْ لندن — التي كانت عاصمةَ المملكة المتحدة — عاصمةً للإمبراطورية الإلكترونية؛ إذ مرَّتْ بها أغلبُ الكَبْلات البحرية والرسائل. ومع إنشاء الكَبْل البحري الأسترالي عام ١٩٠٢ سيطرَتِ المملكةُ المتحدة على دائرة من خطوط الكَبْلات البحرية حول العالم (هونه، ١٩٧٧). وبحلول عام ١٩٠٧ تم تركيب أكثر من ٣٨٠٠٠ ميل بحري من الكَبْلات البحرية، أغلبها مملوك لبريطانيا وتحت سيطرتها. أما في عام ١٩١٤ — مع اندلاع الحرب العالمية الأولى — فقد قادَتْ كل الكَبْلات البحرية تقريبًا إلى لندن (ذا راديو إنداستري، ١٩٢٨).
عزَّزَ مدُّ كَبْلات التلغراف مكانةَ لندن كمركز عالمي للاتصالات، ومن هنا استطاعت وكالة رويترز تأسيسَ شبكتها الإلكترونية الخاصة حول العالم التي كانت إلى حدٍّ كبير شبكةً هرمية، تمتَّعت فيها لندن بالسيطرة على المدن الأخرى. ويتضح هيكل هذه الشبكة العالمية من الخطة التي عرضها السير رودريك جونز، المدير العام لوكالة رويترز، في أواخر العشرينيات لهيكل المؤسسة في الخارج، الذي تُعَدُّ لندن مركزه المرتبط بمراكز إقليمية أخرى عبر خطوط التلغراف:

يتحمَّلُ كلُّ مدير عام المسئولية أمام الإدارة الرئيسية في لندن عن المديرين والوكلاء والمراسلين في منطقته.

يمتد نطاق إدارة شنغهاي من المضايق، شمالًا وشرقًا، حتى الصين ومنشوريا وسيبيريا وكوريا واليابان والفلبين وبورنيو وإندونيسيا.

تشمل إدارة بومباي الهند وبورما وسيلان وسيام والتبت وأفغانستان وفارس وبلاد ما وراء النهرين وتركستان.

إدارة القاهرة مسئولة عن مصر والسودان والحبشة وفلسطين وجزيرة العرب.

إدارة ملبورن تغطي أستراليا ونيوزيلندا وجزر المحيط الهادي.

إدارة كيب تاون مسئولة عن اتحاد جنوب أفريقيا ونامبيا وموزمبيق وروديسيا وما بعد نهر زمبيزي وصولًا إلى البحيرات العظمى.

إدارة نيويورك مسئولة عن فريق العمليات والهندسة الكهربية في الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا الجنوبية وأُتاوا، كما في كندا.

تخضع مباشَرةً للإدارة الرئيسة في لندن القارةُ الأوروبية من هلسنكي إلى مدريد، ومن أوسلو إلى إسطنبول، كما يخضع لها شرق وغرب ووسط أفريقيا وأمريكا الجنوبية وغيرها من المناطق غير المتضمنة في أيٍّ من تلك الإدارات السبع.2
تكشف هذه البنية سمتَيْن بارزتين مثيرتين للاهتمام؛ أولًا: لم تكن مراكز خطوط التلغراف الإقليمية بالضرورة عواصم لبلدانها، بل كانت مراكز للتجارة اتصلت بعضها ببعض عبر خطوط التلغراف والكَبْلات البحرية. ثانيًا: لم تكن هذه المراكز مراكزَ للبلدان الواقعة بها أو حتى البلدان المجاورة لها فحسب، بل كانت إلى جانب ذلك مراكزَ للدول التي ربطت بينها التقنية. بعبارة أخرى صنعت خطوطُ التلغراف خارطةً ذهنية جديدة غُضَّ الطرفُ بها عن الاختلافات السياسية والثقافية، وترابطت في ظلها الدول بعضها مع بعض على نحوٍ يكاد يكون عشوائيًّا. ونرى هنا أصولَ أول مجتمعات الشبكات الإلكترونية العالمية التي قامَتْ على التلغراف، غير أن بنية هذه الشبكة الجديدة التي تغاضَتْ عن الحدود القومية كان مكتوبًا لها أن تواجِه حركةَ إكساب الأخبار طابعًا قوميًّا.
هكذا صارت لندن عاصمةَ الأخبار للعالم، واحتفظت بالمكانة حتى ناطحتها نيويورك، ويشهد على ذلك مسئول أمريكي عام ١٩١٩:

لا شك أن لندن هي مركز كَبْلات التلغراف في العالم؛ وبما أنها كذلك، فهي مركز الأخبار في العالم، وتعود المكانة التي تتمتع بها بريطانيا حول العالم في جزء منها إلى أن لندن هي أكبر مركز لنشر الأخبار في العالم (روجرز، ١٩١٩ب).

تكشف الأخبار ذاتها مكانةَ لندن المركزية هذه؛ فتُظهِر دراساتُ حركةِ تدفُّقِ الأخبار (على سبيل المثال: سريبيرني-محمدي وآخرون، ١٩٨٥) الدول القومية التي تَرِدُ منها الأخبارُ، لكنْ بإمعان النظر سنجد أن أغلب الأخبار تَرِدُ في واقع الحال من المدن لا من الدول القومية؛ فالدول القومية لا تغطِّيها حركةُ تدفُّق الأخبار بالتساوي لأن الأخبار تَرِد بالأحرى من بعض المدن. لم تكن المدن نقطةَ البدء إلا لعدد قليل جدًّا من الدراسات، التي يؤكِّد القليلُ المتاح منها على المركز المسيطر لهذه المدن.
جدول ٢-٣: أهم عشر مدن إخبارية للصحف الألمانية بين عامَيْ ١٦٢٢ و١٨٥٦ (المصدر: ويلكي، ١٩٨٤).
١٦٢٢ ١٦٧٤
براج ١٥٫٦ ستراسبورج ١٠٫٤
فيينا ١٢٫٤ وارسو ٩٫٤
لاهاي ٨٫٩ نيدرإلبا ٨٫٩
فرانكفورت ٧٫٦ فيينا ٦٫٢
كولونيا ٦٫٢ أنتويرب ٥٫٧
البندقية ٥٫٣ لاهاي ٥٫٥
أمستردام ٥٫١ البندقية ٤٫٧
ريجنسبورج ٤٫٤ أمستردام ٤٫٢
روما ٤٫١ كوبنهاجن ٣٫٤
بوندن ٣ باريس ٣٫٤
٧٢٫٦ ٦١٫٨
١٧٣٦ ١٧٩٦
باريس ١٦ باريس ٢٦٫٦
فيينا ١٢ لندن ١١٫٧
لندن ٩٫٩ فيينا ٩٫١
لاهاي ٦٫٣ لاهاي ٥٫٤
كوبنهاجن ٥٫٩ فرانكفورت ٥٫٤
سانت بطرسبرج ٣٫٦ كوبنهاجن ٤٫٣
نابولي ٣٫٢ ستوكهولم ٤٫٣
وارسو ٣٫١ إيطاليا ٣٫٥
درسدن ٢٫٧ ماين ٣٫٣
روما ٢٫٧ ميلانو ٢٫٨
٦٥٫٦ ٧٦٫٤
١٨٥٦
لندن ١١٫٨
باريس ١٠٫٨
هامبورج ٨٫٦
برلين ٧٫٤
مدريد ٧٫٢
سانت بطرسبرج ٥٫٢
فيينا ٥٫١
القسطنطينية ٤٫٢
فيينا ١٫٨
فرانكفورت ٢٫٦
نابولي ٢٫٦
٦٨٫٤

من بين هذه الدراسات دراسةٌ أجراها ويلكي عام ١٩٨٤، قارَنَ فيها عددَ القصص الإخبارية التي تَرِدُ من مختلف المدن الأوروبية بين عامَيْ ١٦٢٢ و١٩٠٦، وتُظهِر أبحاثُه مركزَ بعض المدن وكذلك التغيُّر الذي طرأ على موقفها، وهو ما يدعم نظرية بروديل عن الهيمنة والانحسار.

fig2
شكل ٢-١: أهم مراكز نقل التلغرافات الأجنبية الرئيسية في الصحف الروسية في عام ١٨٧٠ (بالنسبة المئوية) (المصدر: رانتانن، ١٩٩٠).

تُظهِر دراسة أخرى للصحف الروسية بالقرن التاسع عشر — على سبيل المثال — أن لندن كانت مركزَ الأخبار الرائد منذ نشرها للأخبار إلكترونيًّا لأول مرة عام ١٨٥٦، وتأتي في المرتبة التالية باريس، فبرلين، ففيينا؛ إذ أصدرَتْ هذه المدن ثلثَيِ الأخبار الإلكترونية. لكن عندما اندلعَتِ الحربُ انخفضت نسبةُ إصدارها لها وبدأت الأخبار تَرِدُ من جبهات القتال. غير أن المدن استعادَتْ تفوُّقها بمجرد انقضاء هذه الأزمة؛ فكان نصف رسائل التلغراف التي تُنشَر بالصحف الروسية يَرِدُ من لندن وباريس وبرلين وفيينا، حتى مع بداية القرن العشرين. علاوة على ذلك، بدأت هذه المدن الأربع الرائدة العملَ كمراكز لبثِّ الأخبار بإرسالها من منابعها في المدن الأخرى، ويتضح بمزيدٍ من التمعُّن أن نسبة كبيرة من تلغرافات لندن وردَتْ بالأساس من نيويورك وبومباي وشنغهاي (رانتانن، ١٩٩٠).

(٨) ما وراء الدولة القومية: من المدن إلى المدن

ما زال تاريخ وسائل الإعلام ووسائل الاتصالات يحكي بالدرجة الأولى قصصَ الأمم وعلاقات بعضها ببعض، وهذا نهج مفيد لكنه يجعل فهمنا قاصرًا؛ فهذه القصص تغدو بسهولة مكرَّرةً، ومن ثَمَّ تعوق ملاحظة الباحثين للشبكات التي تتجاوز حدودَ الدول القومية. ينطبق هذا بالأخص على شبكات ما قبل ظهور التلغراف، التي اعتمدَتْ بالدرجة الأولى على تبادُل الأخبار بين مدن لم تكن كلها من العواصم.

حتى أول الأخبار المنقولة بالتلغراف تجاوزَتْ حدودَ الدول القومية بسهولة، فقد بنى مؤسِّسو وكالات التلغراف الأولى أنفسُهم أعمالَهم على تبادُل الأخبار بين المدن في مختلف البلاد، وكان هذا هو النهج التقليدي الذي سار عليه الأمر؛ فتدفَّقت الأخبار السياسية والمالية بين مدن أوروبا الكبرى، وكان تبادلها حيويًّا للحفاظ على مكانة هذه المدن كمراكز، وكانت أكثر المدن ترابُطًا عبر الشبكات هي أيضًا الأكثر نفوذًا؛ كانت — بتعبير بروديل — مدنًا عالمية.

لم تكن الجنسيات أو الديانات بهذه المدن هي الفارق الأهم بين أفرادها، بل كانت هناك فوارق أخرى تفصل بينهم كالثروة والنوع والعِرْق. وقد احتضن الكثير من هذه المدن العالمية عوالمَ عديدة بداخلها؛ لأنها استقطبت من بقاع أخرى الناسَ الذين قَدِموا للإقامة والعمل بها؛ فاتَّسَمَتْ بدرجة من الفوضوية؛ ومن ثَمَّ بدرجةٍ من التسامح وقبول الاختلاف، وتمتَّعَتْ بحياة وبعالَم خاص بها، وتطلَّعَتْ إلى المدن الأخرى — وليس القرى — بحثًا عن الإلهام، فقد اختلفَتِ الحياة بالمدن على نحوٍ واضح عنها في القرى.

ومن أهم أوجه الاختلاف تلك التمتُّعُ بشبكات مترابطة لا تنحصر في وسائل النقل فحسب، بل تدخل بها أيضًا وسائلُ بثِّ الرسائل، وقد توافرَتْ في عهد ما قبل التلغراف هاتان السمتان معًا؛ فتعيَّن إرسال الرسائل إما سيرًا على الأقدام وإما على متن عربات الجياد، لكن نجمت عن ذلك فترة بينية ما بين المغادرة بالرسالة والوصول بها. هذا لا يعني أن المدن آنذاك لم تكن مترابطة على نطاق واسع، بل ربطت بينها بالفعل روابط على مستوى العالم، غير أن تقنية التلغراف غيَّرت هذا؛ إذ أمكن نقل الأخبار آنيًّا، ومن ثَمَّ وُلد منتج جديد وهو الأخبار التلغرافية التي جمعت بين المحتوى (الأخبار) والتكنولوجيا، ولا شك أن الأخبار «ابتُكِرت» قبل ظهور التلغراف بوقت طويل، غير أن هذا المزيج هو ما أكسبها حداثتها هنا.

كانت الأخبار التي تُرسَل إلكترونيًّا من نتاج المدن؛ حيث توافرت التكنولوجيا ومنتجو المحتوى الإخباري في الوقت نفسه. فكتب كاستيلز عن الكيفية التي تجسِّد بها المدنُ العالمية منطقَ فضاء تدفُّق المعلومات المتناقض:

بالرغم من بلوغ الأخبار كلَّ رَبع من ربوع الأرض ثانيةً بثانية وعلى مدار الساعة، فهي تعتمد على التقارب المكاني لمراكز قيادتها المختلفة، وعلى التفاعُل المباشر بين أصحابها المجهولين. وبناء على أنظمة الاتصالات عن بُعْدٍ وأنظمة المعلومات التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، فهي في حاجة إلى بنية تحتية تقنية لا تتوافر إلا بتكتُّل الاقتصادات والوصول إلى العمالة الماهرة النادرة (كاستيلز، ١٩٨٩).

توافرت بالفعل البنيةُ التحتية اللازمة لإنتاج الأخبار الإلكترونية بمدن القرن التاسع عشر؛ كتب أيضًا كاستيلز (١٩٨٩) أن الإنتاج الجديد القائم على المعلومات يتَّسِم بملمحين أساسيين؛ أولًا: تَنصبُّ التقنيات الجديدة على معالجة المعلومات، فالتغيُّر الحقيقي — مقارَنةً بأحد أشكال الإنتاج الصناعي — يتمثَّل في أن المعلومة هي المادة الخام والمنتَج في الوقت نفسه. ثانيًا: تترتَّب أهم آثار الابتكارات التقنية على العمليات لا على المنتجات، لكننا نجد من جديد أن المنتج قد اختلَفَ بالفعل مع ظهور الأخبار المنقولة بالتلغراف، ونجد أننا نتحدَّث هنا أيضًا عن أول أشكال السلع المعلوماتية.

مع ظهور التلغراف في أوروبا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ظهرت المدن الإعلامية الجديدة — التي أضحَتْ فيما بعدُ مدنًا عالمية — وقامت بناءً على أولى صور الاتصالات عن بُعْدٍ؛ فغدت مدينة برلين وباريس ولندن أكثر مدن أوروبا اتصالًا، أولًا باتصال إحداها مع الأخرى، ثم باتصالها بسائر أنحاء العالم بوصفها مراكز حيوية له. غير أن التكنولوجيا لم تكن الرابط الوحيد الذي جمع بين هذه المدن، فقد أضحَتْ — مع مدِّ أول خطوط التلغراف، فتأسيس وكالات أنباء هافاس ووولف ورويتر بعدها — مراكز لمزوِّدي المعلومات. ولم تعمل وكالات الأنباء تلك التي سبقت زمانها في بداياتها كوكالات أنباء قومية، بل قدَّمت الأخبار لعملائها في مدن منشَئِها وفي المدن الأخرى بأوروبا؛ ولم تتحوَّل إلى وكالات أنباء قومية إلا فيما بعدُ.

طرْحُ المدن كنقطة انطلاق لتحليلنا للأخبار يتيح أسلوبًا جديدًا لفهم المواد التجريبية التي صِيغت في نظرياتٍ من قبلُ باستخدام إطار قومي-دولي؛ إذ انقسمت عادة وكالات التلغراف بوصفها المصدر العالمي الأول للأخبار الإلكترونية إلى فئتين: وكالات دولية ووكالات قومية. ومع أن هذا الفصل بين النوعين ساعَدَ على فهم بعض ملامح عملهما، فقد حالَ دون ملاحظة إغفال هذه الدراسات لملامح أخرى هامة. وتكشف الدراسة المتأنية لبدايات تاريخ وكالات التلغراف في القرن التاسع عشر أن الطابع القومي الذي اكتسبته الأخبار كان نتاجًا لتطوُّرها وليس سببًا له؛ إذ أدارت وكالات التلغراف الأولى أنشطتها بالدرجة الأولى لعملاء المدن التي تقع بها، وأسَّسَتْ في بادئ الأمر علاقاتٍ مع المدن الأخرى خارج حدود بلدانها.

الفارق بين الأخبار المنقولة إلكترونيًّا وأخبار ما قبل النقل الإلكتروني هو أن التلغراف أضحى في أغلب الدول الأوروبية مملوكًا للدول وخاضعًا لسيطرتها؛ إذ إنَّ استخدامه بالدرجة الأولى كوسيط للدول القومية يصبُّ في مصلحة الحكومات. من هنا انتقَلَ التلغراف إلى العالمية بالربط بين الدول القومية؛ لأن ممثِّلي الحكومات امتلكوا القرارَ بشأن استخدامه بين الدول، وحتى إن أرادَ ميسرز هافاس ووولف ورويتر استكمالَ مزاولة نشاطهم كحلقة وصل بين المدن، كانوا سيُعَدُّون مخالفين لمدِّ القومية.

إن الصحوة التي شهدتها المدن العالمية هي بلا شك عصر المعلومات المعولمة. حول ذلك كتبَتْ ساسن (١٩٩٤ / ٢٠٠٦) أن إدراج المدن العالمية في دراساتنا يضيف ثلاثة أبعاد مهمة؛ أولًا: يقود إلى تحليل الدولة القومية إلى مجموعة متنوعة من العناصر. ثانيًا: ينقل اهتمامنا من سطوة المؤسسات الكبرى على الحكومات والاقتصادات إلى الأنشطة والترتيبات المنظمية اللازمة لبناء شبكة عالمية من المصانع والأسواق والحفاظ عليها. ثالثًا: يسهم هذا في تسليط الضوء على الفضاء المكاني وعلى النظام الاجتماعي-السياسي الحضري المتصل بتلك الأنشطة. باختصار، تقنيات الإعلام والاتصالات الحديثة في المدن العالمية تصنع فجواتٍ في الحدود القومية التي أحكَمَها عصر الصناعة. وكتبت ساسن (٢٠٠٤) أن تقنيات شبكات الاتصال الجديدة، ولا سيما الإنترنت، عزَّزت من قبيل المفارَقة من الخريطة الحضرية لتلك الشبكات التي تجاوز حدود الدول، فكتبَتْ:

بذلك يمكن لهذه التقنيات أيضًا أن تساعِد على تشكيل فضاءات عامة عابرة للحدود لهذه الأنواع من العوامل، ويمكنها ذلك (١) دون الحاجة للاحتكاك بمؤسسات عالمية، و(٢) عبر صور من الإقرار لا تتوقَّف على الكثير من التفاعل المباشر والعمل المشترك على الأرض (ساسن، ٢٠٠٤).

يعني هذا فيما يتعلَّق بالأخبار أن المنظمات والأفراد ووسائل الإعلام ذاتها صارَتْ أقل اعتمادًا على جامعي الأخبار المحليين، غير أنه بإمكانها عوضًا عن ذلك الاعتماد على شبكات رقمية داخل المدن ذاتها، وفيما بين المدن. لهذا السبب، على سبيل المثال، لم يَعُدِ المواطن بمعناه الأصلي (كلمة civitas تعني باللاتينية مدينة) — كشخص يقطن مدينةً ما — بحاجة للجوء إلى الأخبار التي تقدِّمها مؤسسة إخبارية قومية، بل يمكنه مباشَرةً اللجوءُ إلى وسيط بمدينة أخرى عبر الإنترنت.

من السهل ملاحظة استخدام الشبكات الرقمية الخاصة في الكثير من المواقف، منها استخدام الشركات المالية واستخدام جماعات الشتات في المدن الكوزموبوليتانية لوسائل إعلام ووسائل اتصالات تتجاوز نطاق مواقعهم؛ هكذا صارت الشركاتُ العابرة للحدود القومية بصورة متزايدة أقلَّ اعتمادًا على الشبكات القومية/المحلية. كما يمكن ملاحظة هذا في عدم إقدام باكستانيي بريطانيا في لندن بالضرورة على مشاهدة محطة بي بي سي، بل يلجئون عوضًا عن ذلك إلى موقع جريدة دايلي باكستان في لاهور، أو موقع جريدة باكستان لينك في لوس أنجلوس، غير أن هذا لا يعني تحرُّرَهم تمامًا من قيود الدول القومية التي يُقِيمون بين حدودها، بل يشدِّد من جديد على أهمية المدن لأيِّ تحليل للأخبار، سواء أكانت دراسة تاريخية أم معاصرة.

هوامش

(1) www.thurnundtaxis.de/frs_home.html, accessed October 27, 2008.
(2) Sir Roderick Jones papers. A note on Reuters. For private information only. Printed by Waterlow and Sons Limited, London, Dunstable, and Watford. Reuters’ archive, box file 97.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠