الفصل السابع والعشرون

المأتم

تمر الرزايا بالمرء فيراها عن بعد، ويستعظمها قبلما تصل إليه، ويظن أنها إذا وقعت به ضاق بها ذرعًا، لا سيما وأنه يعظم أمرها في غيره، ويعجب من صبرهم عليها، ثم إذا حلت به فالغالب أنه يصبر عليها ويجري معها كأنها أمر عادي وقع له؛ لأن الأمل بالنجاة منها يخفف وطأتها ويحلي مرارتها، ولكن إذا جاء المصاب الأكبر ونفذ سهم القضاء، وانقطع الأمل من البقاء، وخطف الموت عزيزًا، ورأى المرء أمامه رزيئة لا يمكن دفعها ولا منعها؛ نفد صبره وغاض ينبوع أمله وضاقت به الحيل وارتد دمه إلى قلبه، فلم يعد يغذي دماغه لتذكيره بالمواعظ والحكم، فيسمع منك أقوال التعازي ويقول: «سمعت وفهمت» ويكون قد سمع وفهم، ولكنه لم يعِ شيئًا، حالة لا يتصورها إلا من وقع فيها ورزئ بفقد عزيز، ولا سيما إذا كان سنده الوحيد ومدبر أمره.

هذا ما أصاب الأميرة هند وأولادها، وهي غريبة نزيلة على قوم من البدو في بلاد لم تطأها قدماها من قبل وبين أقوام لا تعرف أحدًا منهم.

كان زوجها يعرف الأمير عمر ويعرف أباه، وقد حارب معه كتفًا لكتف في عهد إبراهيم باشا، لكن ذلك كان قبل أن اقترنت به، وكان الأمير عمر يواصلهم بالهدايا، ولكنها لم تر صورته إلا ذلك اليوم، فلم تكد تأنس به وبأمه حتى وقعت بها هذه الضربة الأليمة.

وقد عاشت مع زوجها نحو عشرين سنة على تمام الهناء والصفاء، وكانت تهتم به أكثر مما يهتم النساء بأزواجهن عادة؛ لأن معرفيها غرسوا في ذهنها أنه هالك، ولا بد لها من أن تجاهد جهادًا مستمرًّا في الصلاة لأجله، فأكثرت من الصلوات والنذور في السنة الأولى والثانية، ثم رأت أن زوجها أفضل سيرة وسريرة من كل الذين تعرفهم حتى من رجال الدين، وسمعت مرة واحدًا يتلو آية من التوراة مفادها أن كل من يعمل البر فهو مقبول لدى الله مهما كانت أمته، فانجلى لها وجه الصواب، وقالت: إن الله لا يأخذ بالوجوه، بل الناس لديه حسب أعمالهم ونياتهم. وكانت لا ترى من زوجها إلا العمل الطيب والنية الصالحة على ما فيه من الرزانة والوقار ومجادلة الناس بالحسنى، حتى إن المطران كان يسر بحديثه ولا يسمعه كلمة تغيظه، فزالت الشكوك من نفسها، ومنعت القسوس عن الكلام معها في أمر زوجها، ثم لما كبر أولادها اتجه همها كله إلى تعليمهم وتهذبيهم، فلم تعد تهتم بالخلاف الديني الذي بينها وبينه، ولم يخطر لها ببال أنه يمكن أن يموت قبلها؛ لأنه لم يمرض قط مدة اقترانها به، فلما رأته الآن مطروحًا على فراشه لا حراك به، لم تصدق أنه ميت، بل أخذت يده وجعلت تناديه وتكنيه، ثم غلبتها عواطفها واسودت الدنيا في عينيها فأعولت بالبكاء.

وغلب الحزن الأميرة سلمى وجفف دموعها، فوقفت شاخصة، ولكنها لم تكد تسمع بكاء أمها حتى وقعت على الأرض وطرحت رأسها على صدر أبيها وهي تبكي وتقول: يا أبي يا أبي. وفاضت الدموع من عيون أخويها وجعلا يبكيان وينتحبان، وقد قام كل منهما في زاوية من المضرب.

ووقف الأمير عمر حائرًا في أمره، رأى هذا المشهد وسمع نواحًا يفتت الأكباد فاغروقت عيناه بالدموع، ولكنه لم ينس هول الموقف وما يُطلب منه ويطالَب به فوقف يفكر في أمره، وجلست أم يوسف على الأرض وقد غلبها الحزن فلم تحاول الندب على جاري عادتها، فإنها كانت من النادبات الشهيرات ولكن الحزن الشديد يبكم الألسنة.

وعلا البدر فقصرت ظلال المضارب، واشتد حلكها بالنسبة إلى النور الذي حولها، ونبحته الكلاب من كل ناحية، فانقطع عواء الذئاب خوفًا ورهبة، وبركت الجمال وربضت الثيران، والأغنام تجتر وتلوك جرتها على مهل، ووقفت الصافنات الجياد تغمض جفونها ثم تفتحها كلما مر خفاش من أمامها، وخمدت النيران أمام المضارب، وعلا نقيق الضفادع من جوانب الغدران، حيث تظللها أغصان الصفصاف والبان، فامتزج به خرير الماء امتزاج الحسيني بالعشيران، واجتمعت الخفافيش على أشجار الإجاص والزعرور تختصم وتصيح، ولكنها لا تنتقل من الحجاج الشجاج؛ لأنها تكتفي بالكفاف من الطعام، ولا تفعل فعل ابن آدم الذي لا يكفيه شيء يلهمه، فيطمع بما في يد غيره ويجور على أبناء نوعه.

ودخل الأمير عمر مشوَره، وجمع رؤساء عشيرته الأدنين وقص عليهم ما حدث بالاختصار، فقال إن أباه كان متآخيًّا مع الأمير عباس من عهد إبراهيم باشا إخاء الدم،١ وقد أوصاه أبوه قبل وفاته أن يحسب الأمير عباسًا عمًّا له، ويبر به بر الأب بابنه، وأنه استدعاه إليه إلى جبل عجلون لما علم أن في النية قتل أمراء حاصبيا واللاجئين إليهم، ولكن يظهر أنه كان مريضًا، فأثرت فيه الشمس وقتلته، والطبيب يقول إنه مات من ضربة الشمس، ولا بد من أن يطالبه الشهابيون والحكومة بدمه قبلما تنجلي لهم الحقيقة، ولكنه واثق أن الأميرة هند وابنتها الأميرة سلمى تقرران الحقيقة، وهي أنه وصل المضارب متعبًا، ثم أكل من الطعام الذي أكل منه ولداه وأصحاب المنزل، وأصيب بعد ذلك بصداع شديد وحمى، وقضى نحبه قبل أن يشرب دواء، قال: وقد أحضرتكم الآن لأستشيركم في أمرين؛ الأول: أن الأمير عباسًا كان مسلمًا، فهل ندع الإمام يغسله وندفنه مسلمًا؟ والثاني: هل ندعو رؤساء العشائر كلهم ونقيم له مأتمًا يليق به؟ قال ذلك وأومأ إلى شيخ كبير السن شيبت الأيام رأسه، ولكنها لم تحن ظهره كأنه يطلب منه الجواب على سؤاليه.

فقال هذا الشيخ: أما عن الأمر الأول، فالرأي عندي أن نستشير زوجة الأمير، ونعمل بقولها، ولاسيما إذا وافقها عليه أولادها، وأما الأمر الثاني فواجب الضيافة وعهد الأخوة بين الأمير المتوفى وبين المرحوم أبيك؛ يقضي علينا أن نحتفل بمأتمه كما احتفلنا بمأتم أبيك.

ووافقه سائر الرؤساء والمشايخ على ذلك، وللحال نادى الأمير عمر بالسعاة وبعث معم إلى كل أحياء قبيلته، وعين وقت الدفن عصر اليوم التالي، وأعطى الطبيب حنجرًا من عطر الورد حتى يصبه في الماء الذي يغسل الميت به فيمنع فساده، وأوصى مدير بيته أن ينحر مائة خروف وعشرة جمال، ويطبخها كلها غداء للجموع التي تحضر المأتم، وأن يطبخ معها عشرين قفة من الأرز، ويخبز ما يكفي ثلاثة آلاف نفس، ويفعل كما فعل في مأتم أبيه، بحيث تكون مضارب طبخ الطعام مفصولة عن المضارب التي يقام فيها المأتم، ولو لم تكن الأرض سهلًا كما كانت حينئذ.

وأتم هذه المهام كلها بما لا مزيد عليه من السرعة، وعاد إلى المضرب الذي فيه الميت، وكانت أمه قد جلست إلى جانب الأميرة هند تشاركها في البكاء والنوح، ووقف خدم الأمير خارجًا يبكونه ويندبونه، ولا سيما مربي أولاده، وكان رفيقًا له في صباه وشبابه، وشهد معه المواقع التي حضرها، وقضى عمره عزبًا منقطعًا لخدمته وخدمة أولاده، فشعر الآن كأنه فقد ركنه الوحيد في الدنيا، وجلس عند باب الخيمة يبكي سيده، ويعدده ويلوم الموت لأنه لم يأخذه بدلًا منه، وجلست أم يوسف إلى جانب الأميرة سلمى وهي تندب مرة وتنوح أخرى، وبات الجميع على هذه الصورة إلى أن ثقل سلطان الكرى على الأجفان، ولج الأمير عمر على الأميرة هند وأولادها لينهضوا ويناموا في مضاربهم، مؤكدًا لهم أنه يتولى حراسة الميت بنفسه.

وقد يُظن لأول وهلة أن مضارب البدو خالية من كل وسائل الراحة والرفاهة، ولكن ليس الأمر كذلك؛ لأن أمراءهم على ثروة واسعة، وهم يترددون على المدن القريبة منهم، ويقتبسون ما فيها من الكماليات، لا سيما وأنه يزورهم رجال الحكومة أحيانًا، وينزل بعض السياح عليهم ضيوفًا، فيضطرون إلى اقتناء الأمتعة الفاخرة مما يلزم لراحتهم، ولذلك تجد عندهم الفرش الوثيرة مهيأة للضيوف، ويقتنون الجواري المعتادات على خدمة أهل الرفاهة، فنامت الأميرة هند وابنتها في مضرب مبطن بالحرير على فرش وثيرة تغطيها دثر من الحرير والكتان، ونام ولداها في مضرب آخر متصل به، والمضربان إلى جانب مضرب أم الأمير.

وأصبح الصباح وسومت الانعام، واجتمع الخيامون فخاطوا مضربًا كبيرًا من مضارب كثيرة لفقوها معًا وسمكوه على عمد عالية وشدوا أطنابه، فكان منه قبة واسعة كقبة نجران، ووضعوا الميت في نعش كبير مجلل بشالات الكشمير، ونصبوا له دكة في وسط القبة وسرجوا أربعة من الخيول المطهمة، ووقف السياس بها أمام المضرب.

ولم يمض ساعتان أو ثلاث من النهار حتى انتظم عقد النائحات حول النعش وهن مسدولات الشعور، وقص بعضهن شهورهن وطرحنها عليه إكرامًا للميت، وجعلت أم يوسف وامرأة من البدو تتباريان في إنشاد أبيات الندب والرثاء، والنادبات يرددن أقوالهما، والأميرة هند والأميرة سلمى لا تكفان عن البكاء حتى تقرحت آماقهما.

وأعدوا نعشًا آخر يمثل نعش الميت، وجعلوا فيه حجارة كبيرة وجللوه بشيلان الكشمير، وجعلوا يحملونه ويرفعونه فوق رءوسهم ويطوفون به حول قبة المأتم، والجياد الأربعة ماشية أمامه، وعلى جانبي كل جواد رجلان معهما سيفان مسلولان فوق ظهر الجواد، ورجل ثالث يقوده، ووراء النعش شاعر يعدده وباقي الرجال يرددون ما يقول، ومن ذلك قولهم:

يا سيدي ويا سنجق
كل القول لك يلبق
لما شاعت أخبارك
الشركا لبست الَازرق

وقولهم:

يا سيدي ويا ابن دلال
يا رمح انشكل بالمال
قال السيف خبوني
لغير سيدي لا تعطوني
أين الكان ينقلني
ويرخي بنودي عالشروال

وكلما أقبل فريق من قبائل العرب وقف في أول الميدان هنيهة، ونادى بصوت جهوري معددًا مناقب الميت، ثم تناول النعش من حامليه وطاف به حول القبة على ما تقدم، واستمر على ذلك إلى أن يصل فريق آخر ويتناول النعش منه ودام الحال على هذا المنوال إلى أن تكبدت الشمس السماء.

وكان رؤساء القبائل جلوسًا مع ولدي الأمير في مضرب كبير تجاه قبة النعش، يدخنون التبغ ويشربون القهوة، فلما بلغت الشمس الهاجرة جاء الخدم وأخبروا الأمير عمر أن الأسمطة مدت للطعام في مضارب الرجال، وجاءت الجواري فأخبرن أمه بمدها في مضارب النساء، فنهض الأمير ودعا رؤساء القبائل وسار أمامهم، فجلس نحو مائتي نفس من الرؤساء دفعة واحدة، ولما شبعوا جلس مائتان غيرهم وهلم جرًّا، إلى أن بلغ عدد الآكلين أكثر من ألفي نفس. وأكل النساء في مضربهن، أما الأميرة هند والأميرة سلمى، فأكلتا مع أم الأمير عمر في مكان منفرد ومن طعام خاص ولم يكدن يذقن طعامًا.

حُمل النعش بُعيد العصر وسير به إلى مدفن عائلة الأمير عمر في سفح ذلك الجبل ودفن فيه، ونحرت على القبر النياق، وألقيت عليه الحجارة الكبيرة وودعت الجماهير الأمير عمر وابني الفقيد، وعادت إلى أحيائها وصعد هو مع رجاله إلى مضاربه مضيع الرشد لا يعلم ماذا يفعل.

ودام المأتم ثلاثة أيام، والعرب يفدون أفواجًا أفواجًا كل يوم يعزون ولدي الأمير، لكنهم يقتصرون على المجيء نهارًا ولا يبقون إلى الليل، ولما انقضت الثلاثة الأيام وثلاثة بعدها، جلست الأميرة هند وابنتها وابناها واستدعت صبي٢ أولادها، وجعلوا ينظرون فيما يحسن بهم عمله في تلك الأحوال: هل يعودون إلى بلادهم بخفارة الأمير عمر ورجاله، أو يبقون عندهم إلى أن تنجلي تلك الغياهب وتطمئن الخواطر. فقالت الأميرة سلمى وكان لها الرأي المعلى: إن الفتنة لا تزال قائمة في بلادنا، فلا نكون بمأمن فيها، ولا يليق بنا أن نكلف الأمير عمر الذهاب إليها في هذه الأوقات، ورأيي يا أماه أن نبقى هنا إلى أواخر فصل الخريف، وحينئذ يرحل الأمير عمر من هذا الجبل إلى بلاد الساحل فنطلب منه أن يوصلنا إلى دمشق، وقلبي يحدثني أن قنصل الإنكليز في بيروت سيبحث عنا ويعرف مقرنا، ويرسل إلينا من يردنا إلى بيروت إن لم يأت هو بنفسه إلينا، والعرب على تمام الوفاق مع الإنكليز؛ لأنهم ينقلون لهم البريد بطريق البر إلى خليج العجم، وقد سمعت تشرشل بك يتكلم مع أبي في هذا الموضوع لما زارنا آخر مرة.

فقالت الأميرة هند: فهمت مرادك، فأنت تعنين السر هنري الذي زارنا مع ابن خالتك لا قنصل الإنكليز نفسه، لماذا تظنين أنه يبحث عنا؟ وكيف يستطيع أن يهتدي إلينا إذا كانت حاصبيا قد احترقت الآن كما يظن؟ ولنسمع ما يقوله أخواك وصبيهما.

فقال الأخوان إنهما يفضلان البقاء عند الأمير عمر إلى أن يفرجها ربنا، وأما صبيهما فارتأى أن يرسل رسول من العرب لأخبار الأمير أحمد وهو يدبر طريقة لحمايتهم، وكادت الأميرة هند توافق على هذا الرأي، ولكن الأميرة سلمى رفضته ووافقها أخواها؛ لأنهما كانا يكرهان ابن خالتهما ويقولان إنه متكبر مدَّعٍ.

واشتد الجدال بين الأميرة هند وأمها وبين الأخوين وصبيهما، وأخيرًا قالت الأميرة سلمى: ما ضرنا يا أماه لو انتظرنا شهرًا من الزمان إلى أن يفرجها الله؟! فإننا لم نر من الأمير عمر وأمه وأهل قبيلته كلهم إلا كل إكرام، ولا أظن أنهم يسمحون لنا بالرحيل عنهم الآن ما دامت القلاقل قائمة في جبل لبنان وكل البلاد المجاورة له.

ودنا أخواها من أمهما وأخذا يديها يقبلانهما، ويقولان: نعم يا أماه مثل ما تقول سلمى، نبقى هنا، ونحرس تربة والدنا إلى فصل الشتاء ثم نرحل مع الأمير. ففاضت الدموع من عيني الأميرة هند لما قال ولداها ذلك وصمتت هنيهة، ثم قالت: مثلما يريد الله. ولم يقل صبيهما شيئًا بل عزم أن يرسل رسولًا يخبر الأمير أحمد كيفما كانت الحال، وكان الأمير أحمد يكرمه ويواصله بالهدايا، وأعطاه مرة خنجرًا محلى بالذهب وملقطًا من الفضة لمسك السيكارة قصد استمالته إليه؛ حتى يمدحه أمام الأميرة سلمى كلما ذكر اسمه، ولما رآها الآن تشير إلى السر هنري أوجس شرًّا، وكانت الظنون قد خامرت نفسه قبل الآن، واطلع الأمير أحمد عليها، لكنه خاف أن يطلب من الأمير عمر إرسال الرسول لئلا يرفض ذلك ويعاتب الأميرة هند، فعزم أن يتصاحب مع غيره من الأمراء، ويرسل رسولًا من رجالهم.

وألفت الأميرة سلمى الأميرة عاتكة أم الأمير عمر، وجعلت تجلس في مضربها ساعة بعد ساعة تسمع منها أخبار العرب وقصصهم عن الجن والغيلان والحروب والغزوات، وأخذ أخواها يخرجان مع الأمير عمر للصيد والقنص، وطابت لهما الإقامة هناك، أما الأميرة هند فاستوحشت كثيرًا لبعد كل أقاربها عنها.

١  أن يجرح كل من هما يده ويمص كل واحد من دم الآخر.
٢  الصبي في اصطلاح الشبابيين الذي يربي أولادهم، ويذهب بهم إلى المدرسة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤