فرار شاور

استيقظت القاهرة نشيطة صباح يوم الجمعة الأول من شهر رمضان سنة ٥٥٨، ولبِس أهلوها أجمل ما لديهم من حُلَل، ووفد عليهم سكان الفسطاط ليشتركوا وإياهم في الاحتفال بمَوكِب الخليفة، وفُتحت الدكاكين وجلس التجار يُرحِّبون بأصدقائهم الذين أتَوا ليجدُوا لهم مكانًا على الأرائك المُمتدة أمام هذه الدكاكين حتى يستطيعوا رؤية المَوكِب في يُسر وسهولة، وانتشر العامة على جانبَي الطُّرق ينتظرون، وانبثَّ الباعة يحملون اللُّعب والحلوى والفواكه على رءوسهم وعلى عربات مُزيَّنة بالأعلام يجرُّونها، يفتنُّون في عرض بضاعتهم والدعوة لها، وهم يُنادون عليها بأصوات عذبة وألحان جميلة، ويستعينون على ذلك بالطبل والدُّف والمِزمار.

فلما كان الضحى خرج الخليفة العاضد من القصر الكبير مُمتطيًا صهوة جواده، وعلى رأسه التاج الشريف تبرُق جواهره ولآلئه، والدُّرة اليتيمة على جبهته، وقد تقلَّد بسيف عربي مُرصَّع بالأحجار الكريمة، وقضيب المُلك في يده؛ وكان الجواد لا يقِل زينة عن راكبه، عليه سَرج مُوشًّى بالذهب والفضة مُرصَّع بالجواهر، وفي عنقه طوقٌ من الذهب وقلائد من عنبر، وفي أرجله خلاخل الذهب والفضة، وهو يتهادى في مِشيته مُعتزًّا بمن يركبه، فخورًا بما يُغطِّيه من زينة وزخرف.

وسار الخليفة وعلى يساره صاحب المِظَلة وهو يحرص ألا يزول ظلها من أمير المؤمنين، وعن يمينه ويساره ألف رجل من الركابية مُقلَّدو السيوف مشدودو الأوساط بالمناديل والسلاح، وكان يتقدَّم الموكبَ أجنادُ الأمراء وأولادهم وأخلاط العسكر يتبَعهم أرباب القُضُب الفضة من الأمراء، ثم أرباب الأطواق منهم، ثم الحاملان للِواءَي الحمد، ثم حامل الدواة وبعده حامل السيف، ويلي هؤلاء جميعًا الخليفة بين الركابية يسير على تُؤدة ورفق، وفي مُقدِّمة العسكر والي القاهرة يذهب ويعود ليُفسِح الطريق، وفي الوسط القائد العام للجيش يحُث الأجناد على الحركة ويزجر المُتزاحِمين والمُعترِضين، وبالقرب من الخليفة ضرغام صاحب الباب ذاهبًا وعائدًا يحرس الطُّرقات، وخلف الخليفة جماعة من الركابية لحفظ أعقابه، يليهم عشرة يحملون عشرة سيوف في خرائط من الديباج الأحمر والأصفر، ووراءهم الوزير شاور في أُبَّهة المُلك وجلاله، وفي ركابه خمسمائة رجل من خيرة أصحابه وقوم من أقوياء الأجناد، وخلفه الطبول والصنوج والصفافير تُرسِل الألحان شجيةً مُتصِلة قوية تُدوِّي من أصواتها الدنيا، ويتبَعهم رجال الأساطيل مُشاةً يحملون القِسيَّ العربية، وبقية فِرق الجيش ورجالٌ تباينتْ أَردِيَتهم واختلفت أسلحتهم فيهم المَغاربة والأتراك والأكراد والديلم والمصريون.

وسار الموكب في الميدان بين القصرين، وخرج من باب النصر ثم انعطف يسارًا طالبًا باب الفتوح فدخل منه، فلما وصَل الخليفة الجامع الأقمر وقف هناك في جماعته، وانفرج الموكب للوزير فتحرَّك مُسرِعًا حتى وقف أمام الخليفة فأشار بالسلام عليه إشارة خفيفة، ثم أسرع الوزير حتى سبق الخليفة إلى باب القصر فترجَّل ووقف ومعه الأمراء ينتظرون الخليفة، فلما وصَل دخل القصر راكبًا، وعاد الوزير فركِب جواده والأمراء بين يديه يخدمونه حتى وصل إلى دار الوزارة.

وصعد شاور إلى غرفته وهو يختال في حُلته المُوشَّاة بالذهب المُحلَّاة بالجوهر، وجلس هناك على أريكة يستريح مما عاناه من تعب وجهد في إعداد الموكب والسير فيه، وكانت علائم السرور والغِبطة واضحة على مُحيَّاه؛ فقد كان يعتقد بعد أن وصل إلى مَنصب الوزارة أن الحظ قد بسَم له، وأن الأيام قد صفتْ من كل ما يُكدِّر، فحذا حذوَ سلفه من الوزراء السابقين وجمع السلطة كلها في يديه، ولم يدعْ لخليفته العاضد — وهو طفل في العاشرة من عمره — من الأمر شيئًا، ولم يُلقِ بالًا إلى الشعب أو صالحه.

وترك الأريكة بعد لحظات، ووقف ينظر من نافذة الغرفة فرأى سكان الفسطاط والقاهرة في حُلَلهم البسيطة الجديدة الجميلة الفاقعة الألوان يعودون بعد رؤية الموكب جماعاتٍ جماعات يتعلَّق بأذيالهم أطفالهم يحملون الحلوى واللُّعب.

ونظر أيضًا فرأى قصور القاهرة مُتناثِرة تحوط بها الحدائق الغنَّاء، ومن خارج السور النيل يجري في لون اللُّجَين والعَسجَد تحت أشعة الشمس المُشرِقة، وعلى ضفتَي النيل حقوق مُمتدة يُغطِّيها بساط من سندس يُعجِب الناظرين.

ونظر إلى نفسه فرأى أنه هو الحاكم بأمره في هذا البلد وأهله فانتفختْ أوداجه وأحَس قوة السلطان تسري في عروقه، وكأنه كان يقول كما قال فرعون من قبل: «أليس لي ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحتي».

وبيْنا هو يسبح مع خياله ناعمًا إذ بالباب يُطرَق ثم يُفتَح، ودخل ابنه طي غاضبًا، فحيَّا وجلس ثم ابتدر أباه، فقال: يا أبت، أنت غافل، وهذا صاحب الباب ضرغام يُفسِد أمرك، وقد شرع يُمهِّد الأمور لإعادة رزيك، واستحلف له جماعة من الأمراء.

فلم يُصدِّق شاور مقالة ابنه، ولكنه أراد أن يُجاريه في ظنه ورأيه، فقال: وماذا ترى؟

– ماذا أرى؟! ليس هناك إلا حل واحد.

– وما هو؟

– أن تقتل رزيك.

– أهذا رأيك؟! لا يا بُني، ليس هذا من الوفاء في شيء، ألا تعلم أن أبا رزيك — الصالح طلائع — هو صاحب الفضل على أبيك؟! أليس هو الذي قرَّبني إليه، ثم ولَّاني قوص فكنت صاحب الأمر في الصعيد الأعلى كله؟ ثم أليس هو الذي أوصى ابنه هذا قُبيل موته أن يُبقي عليَّ ولايتي وقال له: «لا تُزلزِل شاور من ولايته».

ثم تولَّى ابنه رزيك الوزارة بعد موته فدِنتُ له بالولاء، ومددتُ له حبل الود، ولكنه لم يعمل بوصية أبيه، فثارت بيننا أسباب النزاع، وكان لا بد أن يتغلَّب واحد منا على الآخر، وقد وفَّقني الله وغدَوت وزيرًا، وكنت أستطيع أن أقتله يومذاك، ولكنني أبقَيت على حياته اعترافًا بجميل أبيه، واكتفَيت بسجنه، فما الذي جدَّ حتى أُغيِّر رأيي فأغدر بهذا الشاب؟ قد يكون حقًّا ما تقول أن ضرغامًا يسعى هذا السعي، ولكن ما ذنب رزيك وهو حبيس جدران السجن وليس له من الأمر شيء؟!

– أنا أعلم هذا كله يا أبت، ولكن ضرغامًا أيضًا من صنائع الصالح طلائع، وهو يجمع الأمراء حوله باسم الوفاء لمَولاه وابن مَولاه.

– لا تخشَ شيئًا يا بُني واترك هذا الأمر لي.

فهز طي رأسه غير مُقتنِع بهذا الحل ثم قال: الأمر أمرك يا أبت، ولكنني أدَّيت واجبي.

ثم استأذن وخرج مُغضَبًا مُحنَقًا، وأخذ يُدير الأمر في رأسه ويُفكِّر ويُعيد التفكير، فقد كانت تدفعه حماسة الشباب وطعم السلطان الذي ذاقه فاستساغه، وراح يستعيد حديث ذلك الأمير الذي نقل إليه خبر المَكيدة، وحديث أبيه فلمْ يقتنع بهذه الإجابات المُعلَّقة، وأخذ يُؤنِّب نفسه ويلومها: «لِمَ لمْ تذهب يا طي فتقتل هذا الشاب السجين قبل أن تُخبِر أباك؟!» فترُد نفسه الجامحة وتقول: «وماذا حدث؟ إن الوقت لم يفُتْ، فلتُنفِّذ هذ الرغبة الآن، وسيجد أبوك نفسه أمام الأمر الواقع فيرضاه ولا يُطيق أن يفعل شيئًا» وهنا ضرب الأرض بقدَمه في ضجر وقال: «لا يُقهَر إلا المُتردِّد» ثم ألقى بنظره على السيوف المُعلَّقة على حائط غرفته في نظام أنيق جميل، واختار من بينها سيفًا قاطعًا شدَّه إلى وسطه وخرج يقصد إلى السجن.

وكانت علائم الجِد والصرامة تبدو على مُحيَّاه كما كانت عيناه تنطقان بالشر، ففتح له السجَّان الباب عند تلقِّي أول إشارة منه، ووقف بعيدًا اتِّباعًا لأمره، ولكنه كان يسمع جدالًا عنيفًا داخل السجن ثم نضالًا قويًّا تلتْه صرخة عالية وصوت رزيك وهو يقول: «قتلتَني قتلك الله».

•••

وعلِم شاور بمَصرع رزيك فحزِن وتألَّم، وثار على ولده ثورة عنيفة وأنَّبه على فعلته تأنيبًا شديدًا، ولكن الأمر كان قد خرج من يده فراح يُفكِّر في حمق ابنه وطيشه، وكيف قاده إلى هذه الفعلة النكراء وقدَّر أن صنائع رزيك وأبيه في الجيش لا بد وأن يثوروا؛ وقد تحقَّق ظنه فعلًا فإن ضرغامًا لم يكَد يصِله الخبر حتى أسرع إلى رفاقه الذين عاهدوه على نصرة رزيك، وأخذ يُثير شعورهم ضد شاور وأولاده، ويستنهض هِممهم للقيام والثأر لرزيك؛ فلبَّوا نداءه، وتواعدوا على اللقاء في الميدان بين القصرين، وأرقلوا إرقالًا حتى لا يُحِس شاور بحركتهم فيستعد لها.

وفي اليوم التالي — عند الظهيرة — بيْنا شاور في دار الوزارة قد أبعد عنه رجاله وكُتابه، وجلس مُستلقيًا على أريكته جِلسة المُستجِم من عناء العمل والتفكير، يستعيد في مُخيِّلته صُوَر النضال الأخير، ومَصرع رزيك، ويُدبِّر في نفسه ما عساه يتَّخذه ضد ضرغام والأمراء إذا ثاروا، وبيْنا هو في هذا التفكير والتدبير إذا به يسمع جلبة وضوضاء وقعقعة سلاح بدَت ضعيفة بعيدة أول الأمر، ثم أخذت في الوضوح شيئًا فشيئًا، فأحَس كأن يدًا قوية قد قبضت على قلبه فاهتصرته، وارتاع — وهو الرجل الجَلد — وأسرع إلى نافذة غرفته فرأى فِرق الجند والأمراء، وقد سدَّت الطريق من أوله، وهي تُسرِع نحو دار الوزارة تُزمجِر وتُهدِّد وتتوعَّد، وكانت الأصوات تلعن شاور، وأبناء شاور، ورجال شاور.

أُخذ الرجل على غِرة فحار كيف يفعل، ثم أسرع فارتدى قباءه الذي خلعه، ووضع خوذته على رأسه وامتشق حسامه، وفي قفزات قليلة كان يتوسَّط فناء الدار ويُصدِر أوامره الشديدة بصوت كالرعد إلى حرس الدار وجنودها أن يُوصِدوا الأبواب ويقِفوا خلفها يمنعون الجند المُهاجِمين؛ وقاد هو فرقة من الفرسان وخرج إلى الميدان حيث ناضل نضال الأبطال، وكافح كفاح المُستميت، ولكنه سرعان ما أدرك أن المُقاوَمة غير مُجدية، فتقهقر قليلًا قليلًا إلى أحد أبواب الدار الخلفية، وانسلَّ إلى غرفته، واتَّجه إلى صورة جميلة تُغطِّي جانبًا من الحائط، رُسمت عليها بركة مائية في وسطها مقصورة مُزيَّنة بالتماثيل، وجلس داخلها فتًى جميل يستمع إلى مُغنِّية بيدها العود وحولها الراقصات والأشجار الفارعة والنخيل الباسق على شواطئ البركة، والطيور ذات الريش الجميل تتنقَّل على الأفنان والأغصان.

نظر شاور إلى الصورة مَليًّا، ثم نزع المَسامير الأربعة المُذهَّبة التي تُثبِّت إطار الصورة الخشبي في الحائط، ورفع اللوح الخشبي المُصوَّر إلى أعلى فظهرت خلفه رفوف مُمتدة داخل الحائط، فمدَّ يديه في سرعة إلى صِرار المال يُخرِجها ودسَّها بين ثنايا ثَوبه وطياته، وأعاد الصورة إلى مكانها، وأسرع ثانية إلى الباب الخلفي فنادى ثلاثة من خُلَّص جنوده الأوفياء، وامتطى الجميع صهوات جيادهم ووقفوا على استعداد، ثم أمر بقية الجند بفتح الأبواب كي يدخل أعوان ضرغام، فلما اطمأن إلى وجودهم جميعًا في القصر يجوسون خلال غُرفه بحثًا عنه أطلق هو وصحبه الأعِنة لخَيلهم، وأسرعوا يلوذون بأذيال الفرار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤