في حضرة الخليفة

نسي شاور أبا الحسن منذ قرأ خطاب مَلك الفرنجة، ونسي كل شيء إلا أسد الدين؛ فقد غدا شبحًا مُخيفًا مُفزِعًا يبدو له في نومه ويقظته، لا يُفكِّر إلا فيه وفي جيشه الذي خرج من الشام ليُزيحه عن دَست الوزارة، عن مَجد السلطان، وعِز المُلك الذي ناضَل من أجله رجالًا وجيوشًا، الذي كافَح في سبيله رزيك بن الصالح، وضرغامًا، وأسد الدين نفسه. وقد ظن أن أسد الدين قد قنع من الغنيمة بالإياب، فلمْ يعُد يُفكِّر في مصر، ولكن هذا الخطاب جاء مُكذِّبًا لظنونه، مُخيِّبًا لآماله؛ فراح يُفكِّر في سبيل يُنجِّيه من هذا المَأزِق. إن جيشه في مصر ضعيف، لا يصمد أمام أبطال أسد الدين. إنه يذكر الآن، وقد وقف أسد الدين إلى جانبه عند بلبيس ينظر إلى جند ضرغام المُحتشِد في كثرة، وأسد الدين يُعاتِبه بقوله: «لقد أرهقتَنا يا شاور، وغرَّرت بنا، وقلت إنه ليس في مصر عساكر، فجئنا في هذه الشرذمة القليلة.»

فقال له وهو الخبير بهؤلاء الجند: «لا يهولنَّك ما تُشاهِد فهؤلاء يجمعهم الطبل، وتُفرِّقهم العصا.»

ولقد شاهد أسد الدين بنفسه صدق هذا القول؛ ولهذا طمع في مصر وأتى إليها ثانية.

تذكَّر شاور هذا كله، فرأى أن لا بد له من التفكير في طريقة أخرى غير الاعتماد على جنده. فكَّر في أن يسعى لصداقة أسد الدين، ويُرسِل إليه مالًا، ولكنه رأى بثاقب فكره أن أسد الدين لم ينسَ له غدره وحنثه بوعده. وهو إن كان قد قبِل الصلح منذ عامين وانسحب من مصر، فليس هذا إلا ليعود إليها أكثر استعدادًا فلا يُمكِن إذن أن يقنع بما سيُعرَض عليه. ليس أمامه إذن إلا الفرنج، فهم حتى الآن أصدقاؤه، وإن أتوا ونصروه فلا يُمكِن أن يُفكِّروا في البقاء في مصر؛ لأنهم يخافون على بلادهم من نور الدين. ولهذا أرسل إلى مري يشكره على خطابه، ويطلب منه النجدة، ويعِده بدفع المال ثمنًا لمُساعَدته.

وفرِح مري بهذا الطلب — فقد كانت هذه بُغْيته — بل كان هذا عزمه وإن لم يطلبه شاور؛ لأنه كان يخشى دائمًا أن تتغلب جند نور الدين على مصر فتكون النتيجة طرد الفرنج من الشام. وسار بجيشه حتى وصل إلى الفسطاط، وانضم إلى جيش شاور. أما أسد الدين، فقد خرج من الشام في نحو ألفَي جندي، وعبَر صحراء سينا إلى صحراء مصر الشرقية حتى وصل إلى أطفيح، وهناك عبَر بجنده إلى الشاطئ الغربي واتجه بهم شمالًا حتى وصل إلى الجيزة، وعسكر هناك والنيل يفصل بين مُعسكَره وبين مُعسكَر شاور وحلفائه.

ورغب مري هذه المرة أن يكون للتحالف بينه وبين مصر صبغة رسمية خوفًا من غدر شاور، فأصر على أن تُعقَد مُعاهَدة بينه وبين المصريين، يُوقِّعها ويحلف عليها الخليفة العاضد نفسه؛ ولهذا اختير قائدان من كبار قُواده، وصحِبهما الوزير شاور بنفسه إلى القصر الكبير، وسار الرسولان في مَمرات كثيرة خفية، واجتازا أبوابًا عديدة، والحُراس من أقوياء السودان يُحيُّونهما، حتى وصلا بَهوًا مُتسِعًا غير مسقوف، وحوْله أقبية مُقامة على عُمُد من الرخام، ثم تقدَّما إلى مكان ذي سقف مُزخرَف مُرصَّع بالذهب مُزيَّن بأبدع الألوان. وكانت تخطف بأبصارهم آيات الجمال الفني المُنبَثة في كل مكان من القصر، إذ كانا يمُران على تماثيل رائعة للحيوانات المختلفة، ونافورات مُنمَّقة تطرد الماء رذاذًا ليعود سيرته الأولى، وحوْلها الطيور الجميلة الريش والأصوات. والأرض قد صُنعت من قِطَع الفُسَيفساء الصغيرة، وقد اتخذتْ أشكالًا ورسومًا هندسية فائقة الحسن رائعةً تسُر الناظرِين. وأخيرًا انتهى بهما السير إلى غرفة العرش، فسمعا الحرس يُعلِنون قدومهما في صوت وجلبة قويتَين. ثم تقدَّم الوزير وخلع سيفه، وقبَّل الأرض ثلاث مرات، فأسفرت الستائر فجأة وهي تلمع بما يَزينها من ذهب ولؤلؤ عن الخليفة في ملابسه الزاهية الأخَّاذة، وهو فتًى في الرابعة عشرة من عمره أسمر اللون. فتقدَّم شاور، ووصف في صوت مُنخفِض ما وصلت إليه البلاد من ضعف، وأشاد بذكر صديقه مَلك بيت المقدس العظيم، وطلب من الخليفة أن يُوافِق على المُعاهَدة بينه وبين صديقه على أن يُعطيه مائة ألف دينار مُعجَّلة ومِثلها مُؤجَّلة ثمنًا لصداقتهم ومُساعَدتهم. ومدَّ زعيم الرسولَين يده للخليفة دليلًا على صدق عهده، فتردَّد الخليفة ثم مدَّ يده بعد قليل يُغطِّيها قُفاز، فقال الرسول: «مولاي، إن الحق لا غطاء له، وإن كل شيء مكشوف في عهود الأمراء.»

فابتسم الخليفة ابتسامة الغاضب وخلع قُفازه ومدَّ يده إلى الرسول، وحلف اليمين أن يُنفِّذ المُعاهَدة في صدق وإخلاص.

•••

وعاد شاور إلى مُعسكَره ومُعسكَر الفرنجة، وهو يفرُك يدَيه من الفرح. الخليفة في يده، ومصر تحت سلطانه بقرةٌ حلوب تُدِر عليه المال الذي يُساعِده على بسط سلطانه، والتغلُّب على عدُوه، والفرنجة تحت أمره. فليأتِ إذن أسد الدين فلنْ تكون له الغلبة. وبينما هو يُفكِّر في هذا، وقد ملك عليه الغرور نفسه وعقله، إذ بأحد الجند يستأذن لرسول من قبل أسد الدين جاء يحمل رسالة لشاور. فضحك شاور وقال لصديقه مري: لقد أحس الرجل بقوتنا دون شك، فجاء يطلب صلحًا ولما نلتقِ. هاتِ الرسول يا جندي.

ودخل الرسول فحيَّا، وقدَّم الرسالة. فأخذها شاور وبدأ يقرأ بصوت مُنخفِض أولًا، ثم رفع صوته ليسمع جلساؤه من قُواده وقُواد الفرنج.

«وأنا أحلف لك بالله الذي لا إله إلا هو وبكل يمين يثق بها المسلم من أخيه، أنني لا أُقيم ببلاد مصر، ولا أعود إليها أبدًا، ولا أُمكِّن أحدًا من التعرُّض إليها، ومن عارَضك فيها كنت معك إلبًا عليه. وما أُؤمِّل منك إلا نصر الإسلام فقط. وقد حُصِّل العدُو بهذه البلاد، والنجدة عنه بعيدة، وخَلاصه عسِر. وأُريد منك أن نجتمع أنا وأنت عليه، وننتهز هذه الفرصة التي قد أَمكنت، والغنيمة التي قد كُتبت؛ فنستأصل شأفته ونخمد ثائرته. وما أظن أنه يعود للإسلام مثل هذه الغنيمة أبدًا.»

وما إن انتهى من تلاوة الرسالة حتى رماها بعنف إلى الأرض، والتفت إلى مري وقُواده وقال: ألمْ أقُل لكم؟ لقد أحس أسد الدين بضعفه. والله لنُذيقنه الهزيمة، ولنُشتِّتن جيشه.

ثم التفت إلى الرسول وقال: إن سيدك لا يدري «ما هؤلاء الفرنجُ هؤلاء الفرنجَ»، أما ردي على الرسالة فهو قتلك أولًا، وما سيراه أسد الدين في الميدان ثانيًا.

ونادى واحدًا من جنده، فجذب الرسول من يدَيه، وهو يستغيث، ولا سميع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤