أبو الحسن يعود إلى وَكرِه بعد طول الجهاد

وسعى القاضي الفاضل إلى الفقيه عيسى، وانفرد به فأسرَّ إليه بما كان بينه وبين الخليفة العاضد، فوجد منه أُذنًا صاغية ونفسًا راضية بما تم الاتفاق عليه، ووعده الفقيه عيسى أن ينفرد بالقُواد في غده قائدًا قائدًا ليُقنِع كلًّا منهم بأحقية صلاح الدين، وأفضلية اختياره على أن يُوافيه في المساء ليُدلي إليه بنتيجة سعيه.

وتركه القاضي الفاضل فذهب إلى داره، وظلَّ طولَ يومه ينتظر صديقه وهو على أحَر من الجمر، يُقدِّر، ويأمل، ويخشى. فلما انقضى من الليل بعضه دُق باب داره وفتح، وكان القادم الفقيه عيسى، فأقبل عليه الفاضل يسأله في لهفة: أهلًا صديقي، طمئن قلبي، هل نجحت في سعيك؟

فجلس الفقيه عيسى وقال: نجحت والحمد لله، ولكن …

– ولكن ماذا؟ إنني لا أطمئن لهذا اللفظ.

– لا، لا تخَف. إنني أُريد أن أقول إنني نجحت ولكن بعد مجهود مُضنٍ مُتعِب.

فاعتدل القاضي الفاضل في جلسته، وانفرجت أسارير وجهه، وشاع السرور في نفسه، وبدأ في ضحكة عريضة وقورةٍ ضحكها.

وقال: لا بد للعسل من إبر النحل يا صديقي. اروِ لي ما حدث بالتفصيل.

– كان المجهود الأكبر هو الذي بذلته لامتناع صلاح الدين نفسه؛ فقد أبى أن يَلي الوزارة وأصرَّ على إبائه؛ لأنه كان يخشى أنداده القُواد، وكان يتهيَّب أن يحمل العبء الذي ناءت به العصبة ذوو البأس من الرجال قبله، ولكنني ما زلت به أُحاوِره وأُداوِره حتى رضي واقتنع، والحق أقول إن الفضل كل الفضل في إقناعه يرجع لذلك الرجل الغريب أبي الحسن المصري، إن هذا الشيخ غريب الأطوار يختفي أيامًا فلا تراه، ثم إذا به كالنجم الثاقب أو البدر المُضيء يظهر في أشد الليالي ظلامًا وأعظم الأوقات عسرًا، فيُبدِّد الظلام وينشر النور، ويُبدِّل العسر يسرًا؛ فقد وجدته عند صلاح الدين يُعزِّيه في عمه، فلمْ أتردد أن أُدلي للصلاح برغبة الخليفة وهو موجود لأستعين به، فلمْ يكَد يسمع قولي ومُعارَضة صلاح الدين، حتى انبرى يُفنِّد أقواله ويرُد حُجَجه ويسوق إليه الدليل تِلوَ الدليل والبرهان إثر البرهان، في حصافة وفصاحة وقوة بيان؛ حتى لانَ صلاح الدين وخضع واقتنع وخرجتُ من لدُنه أسعى، وقد اتسعت أمامي آفاق القول بعد ما سمعت، فقصدت إلى سيف الدين علي بن أحمد بن المشطوب، فقلت له: «أظنك لا تُعارِض في أن يكون صلاح الدين خلفًا لعمه في الوزارة؛ لأنني أعتقد أن هذا الأمر لا يكون لك مع وجود عين الدولة بن الياروقي، وشهاب الدين الحارمي. وصلاح الدين شابٌّ صغير قليل التجارب يُقدِّرك ويُجِلك، وأظن أنه لا يستبد بالأمور استبداد هذَين لو وُزِّر أحدهما.» فأعجبه قولي، ووافَقني على رأيي.

وتركته إلى شهاب الدين الحارمي خالِ صلاح الدين وأكثر القُواد أعوانًا وأنصارًا، فذكرتُ له أن العاضد هو الذي اختار صلاح الدين ليكون وزيره، «وصلاح الدين ابن أختك، ومُلكُه لك، وقد استقام الأمر له، فلا تكُن أول من يسعى في إخراجه عنه فلا يصِل إليك.» وما زلت به أُناقِشه وأُقارِعه الحُجة بالحجة، حتى أحضرته عند صلاح الدين فحلف له.

وذهبت إلى قطب الدين ينال، فمهَّدت له في الحديث تمهيدًا ليُحسِن استقبال رأيي. فلما لان قلبه قلت له: «لقد دان الجميع بالولاء لصلاح الدين وحلفوا له، ولم يبقَ إلا أنت وعين الدولة الياورقي، وأُراك لا تنسى أنك كردي وصلاح الدين كردي مِثلك، فخير لك أن يكون الوزير من جنسك؛ حتى لا تنتقل الوزارة إلى قائد من الترك.» فصدَّق على قولي وأعجبته حجتي، فخضع وأطاع.

وسكت الفقيه قليلًا، ومدَّ يده إلى وردة جميلةٍ تُطِل من بين أزهار مختلفة، تضُمها زَهرية من الصيني المنقوش، وُضِعت على كرسي قريب منه، ورفع الوردة إلى أنفه، وأنشأ يستنشق شَذاه العبِق مرات، ثم قال: لقد اقتنعوا جميعًا ودانوا بالولاء لصالح الدين إلا ذلك الرجل المُعتَد بنفسه وأعوانه.

– ومن هو؟

– عين الدولة الياورقي. إنني طرَقت جميع الأبواب، واستعنت بجميع الآراء لأكسب هذا الرجل إلى جانبنا، فهو أكبر الجماعة، وأكثرها جمعًا، ولكنه أبى واستكبر وقال: «أنا لا أحترم يوسف أبدًا.» فلما قلت له: «لقد خضع الجميع وأطاعوا.» أجاب: «ليخضعوا وليطيعوا، أما أنا فسأعود برجالي إلى نور الدين.»

فقال القاضي الفاضل: لقد أحسن صنعًا بهذا العزم؛ لأنه لو بقي ولم يدِن لصلاح الدين، لأُعِيدت الرواية القديمة ولَظلَّ النزاع بين الرَّجلَين، وقد سئمنا نزاعًا ونضالًا في سبيل الوزارة.

ثم نظر إلى صديقه نظرةً كلها إكبار وإجلال وتقدير، وقال: إن هذه يدٌ لك يا عيسى، وجميلٌ سيذكره لك المصريون، وسيذكره لك الإسلام، وسيذكره لك صلاح الدين.

فخجل الفقيه عيسى لهذا الإطراء، وقال في تواضُع الفقهاء: أستغفر الله. إنك وأبا الحسن صاحبا الفضل الأكبر؛ فإنه لولا اختيار العاضد لصلاح الدين اتباعًا لمشورتك، ولولا إقناع أبي الحسن لصلاح الدين حتى قبِل الوزارة، لما كان لمَسعاي قيمة.

•••

أُرسِلت الخُلَع إلى صلاح الدين ورجاله في اليوم التالي، فارتدَاها وركب الحجر التي أهداه إياها الخليفة العاضد، وهي من مراكبه الخاصة، وقيمتها ثمانية آلاف دينار، ولم يكُن بالديار المصرية أسبق منها، وخرج من دار الوزارة في موكب عظيم في مُقدِّمته جنوده وقُواده، وفي مُؤخِّرته جنود المصريين وقُوادهم، والجميع يحملون أسلحتهم من سيوف قواطع، ودبابيس، ورماح، وسهام، وأصحاب الطبول يدقُّونها والمُنفِّرون ينفخون في الأبواق، وزُيِّنت البلد زينة جميلة، وافتنَّ الشعب في إظهار فرحه باختيار الوزير الشاب الجديد؛ فزيَّنوا الدُّور والدكاكين بالأعلام والأزهار، واصطفُّوا على جانبَي الطريق لرؤية الموكب والترحيب بالشاب الصغير الشجاع وقد أصبح وزيرًا، ووصل الموكب إلى القصر الكبير، واتجه صلاح الدين وخاصته إلى الديوان، حيث حظي بمقابلة الخليفة العاضد، وتناوَل المنشور بتوليته الوزارة، ثم عاد في موكبه، وأفراد الشعب يُلِحون في إعلان فرحهم وسرورهم، وقد انتشروا جماعاتٍ يُغنُّون ويرقصون ويلعبون.

وهو ينثر عليهم الدراهم والدنانير ليزيدهم فرحًا ويُدخِل السرور على قلوبهم بعد أن رانَ عليها الحزن، وطال بهم الضنك أيامًا وسنين، ووصل إلى دار الوزارة، فجلس يستقبل الوفود والمُهنِّئين، ويستمع إليهم وهو لا يكاد يعي أكثر ما يقولون؛ فقد بهرته أبهة المُلك وزينة الوزارة، وأثَّر في نفسه أشد التأثير هذا الشعور الفيَّاض الذي قابَله به المصريون، وكان يتهيَّب ما هو مُقدِم عليه، وما أُلقِي على عاتقه من عبء ثقيلٍ ناءت به رجال ورجال هو دونهم سنًّا وتجارب؛ فإنه الآن شابٌّ في الحادية والثلاثين من عمره، لم يبلُ من الحياة إلا بعض نواحِيها، ولم يخُض من معاركها إلا ما كان صريحًا واضحًا في الميدان بين الجندي والجندي، ولكنه الآن مُقبِل على معارك أُخَر من نوع جديد لم يألفه؛ فهي معارك قوامها السياسة وتدبير أمور المملكة ورعاية شعبٍ يستحق الرعاية، فأنَّى له العلم ببواطن هذا الفن كله؟ إن حوله رجالًا أشتاتًا يختلفون عناصرَ وأجناسًا ومشارب وغايات، ويتباينون نشأةً وتربية ونفوسًا واستعدادًا، وعليه أن يُرضيهم جميعًا؛ فالخليفة سيِّد البلاد وصاحبها وهو شابٌّ صغير يجتاز دورًا خطيرًا تحكمه فيه عواطفه وأهواؤه، وقد عاش عمره حبيس جدران القصر، يُسيطِر عليه رجال هذا القصر، ويستبد بأموره وزراء مُتتابِعون مُتناضِلون كانت تحكمهم وتُسيِّرهم أطباعهم البشرية الدنيا، ولهذا الخليفة جيشٌ بعضه من المصريين وأكثره من المغاربة ذوي الصلَف والسودانيين الهوَج، وقد أفنى الوزراء في نضالهم خِيرة رجاله وأبطاله، وتحت أمره جيش من الأتراك والأكراد، وفيه قُواد بواسل وجنود أشاوس، ولكنهم رضوا به اليوم وزيرًا على كره منهم؛ ففيهم من يرى نفسه أحق منه وأولى بهذا المنصب، ووراء هؤلاء جميعًا شعب مُكِد كادح، يعيش في أطراف القُرى وأقاصي الريف وفي المدن الكبيرة، يسعى لرزقه ويبني حضارته وتاريخه لَبِنة لبنة، قد أضْنَته الحوادث الأخيرة، وأنهكه الوزراء فسلبوه خيراته وأمواله، وامتصوا دمه ودماء حياته؛ فهو عطِشٌ إلى جرعة وجرعات من العدل، ويتمنى أن يُوفِّقه الله إلى حاكمٍ بارٍّ يرفُق به ويُزيل هذه الغشاوة عن عينَيه، ويُمهِّد له حياة راضية مرضية تسودها الطمأنينة ويشملها الأمن والسلام، ليُقدِّم له أرواح شبابه وما يملك من قوة ومال عتاد وتأييد؛ ليقوده نحو النصر والفوز ويسود به، فهو يعشق السؤدد.

كانت هذه الصُّوَر المُتباينة تمُر أمام صلاح الدين، فتشغله عن المَجد الذي سعى إليه سعيًا، وعن وفود المُهنِّئِين الذين يكيلون له آي المديح والتهنئة نثرًا وشعرًا؛ فإذا أفاق من غيبوبته إثر حركة قادم أو خارج وأنصت لبعض ما يقال تبرَّم به واشمأز، فإنه يعتقد أن هذا الكلام بعينه قيل لعمه أسد الدين منه نحو شهرَين، ولا بد أنه قيل لشاور ولضرغام ولرزيك ومن سبقهم من الوزراء؛ لأن رجال الدولة يُجيدون القول ويُحسِنون التعبير، ولكنهم لا يُخلِصون ولا يفُون. إن هذا الشعب الذي يصيح في الخارج مُهنِّئًا فرِحًا هو أصدق منهم قولًا وعواطف وأوفى منهم عهدًا لمن يُخلِص له من الحكام، وودَّ صلاح الدين حينذاك لو أُتيحت له الفرصة فترك هؤلاء القوم من كبار الرجال يلوكون أقوالهم الجوفاء، وخرج إلى هذا الشعب، وسار في مُقدِّمة مواكبه الزاهرة، يُحدِّث أفراده ويستمع إليهم وإلى شكواهم ويعِدهم ويُمنِّيهم، ولكن التقاليد ورسوم الحكم منعته؛ فبقي وأعاد النظر إلى من حوله وفحصهم رجلًا رجلًا، فكان يمُر بهم مرَّ الكرام، إذ يجدهم كالخيل المَسوقة تُزيِّنهم الملابس المُزركَشة ولا قيمة لهم بدونها؛ إلى أن استقر نظره على جماعة قليلة انزوَت في ركن قصِي بعيد من أركان الغرفة يتحدثون في همس، وهم القاضي الفاضل والفقيهان عيسى الهكاري وزين الدين المصري وأبو الحسن المصري، فعاد إلى نفسه بعض ما فقد من ثقة، واطمأن قلبه وعلا السرور وجهه؛ فقد رضي بهذه الفئة من الرجال تُعينه على أمره، وتُرشِده إذا تشعَّبت به السُّبل أو أظلم الطريق، وانتظر حتى انصرف الجمع وعاد إلى الغرفة هدوءها، فأشار على هؤلاء الصحب بالبقاء، وأنشأ يُحدِّثهم ويستمع إليهم، والوقت يمضي وهم لا يُحِسون به، إلى أن قال أبو الحسن: سيدي الوزير، أنا أُريد أن أقول، وأن أُهنِّئ، ولكن السرور إذا طغى على النفس أصبح اللسان عيِّيًا فلا يستطيع بيانًا.

فنظر إليه صلاح الدين نظرةً تنطق بالشكر، وقال: شكرًا يا أبا الحسن. أنا أعلمُ الناس بقلبك، وإني أُريد أن أفِيك بعض حقِّك، وهيهات أن أستطيع. فهل لك من رغبة فأقضيها؟

– أجل يا بُني، واسمح لي أن أُناديك بهذا النداء العزيز لديَّ، والذي لم أُنادِ به أحدًا منذ سنين.

وخنقته العَبرات فسكت، وتساقطت دمعتان على خدَّيه، وانحدرتا على شعر لحيته؛ فعجِب الحاضرون، وتألَّم صلاح الدين، وقال: ما هذا؟ أتبكي يا أبا الحسن؟! أرجو ألا أكون قد أسَأتك بكلماتي. ومسح أبو الحسن الدمعتَين بيده، ومرَّ بأصابعه خلال شعرات لحيته، وقال: كلا يا بُني — وإني لأُعيدها؛ فقد ذقتُ عذوبتها بعد أن حُرِمت قولها هذه المدة الطويلة — إنك لم تُسِئني حفظك الله من كل سوء، ولكنني تذكَّرت فبكيت، تذكَّرت ابنًا لي مات وهو شابٌّ في مِثل سنك، بعد أن كان كالزهرة العبِقة الشميم، وخلَّاني وحيدًا أمضغ حزني وآكله.

ثم سكت لحظة وقال: وتذكَّرت أيضًا عمك البطل أسد الدين، وقد قضى بالأمس أحوجَ ما نكون إليه.

فبكى الحاضرون لبكاء أبي الحسن، وتندَّت عينا صلاح الدين بالدموع، وقال: ما كنا نعلم شيئًا عن حزنك يا أبا الحسن. آجرك الله وأحسن عزاءك. ولكن ما هذه الحاجة يا والدي؟

– إنها حاجة يسيرة، فإني أرجو أن تسمح لي بالسفر إلى بلدي دمياط؛ لأقضي هناك ما بقي لي من أيام، فإنك ترى أنني قد وهن مني العظم واشتعل الرأس شيبًا، وأني أُحِس أن نهايتي قد قرُبت، ولقد تركت دمياط مَسقط رأسي وأنا لا أنوي العودة إليها، ولكن الله أكرمني وحقَّق لي الكثير مما كنت أرجو، فشعرت بالحنين يُناديني أن أعود إلى بلدي.

– ولكنني في حاجة إليك يا أبا الحسن وإلى أصالة رأيك وحسن توجيهك وإخلاصك، فالبلد بلدك، أهله أهلك، وأنت أعرف برغباتهم وشِكاياتهم منا.

– إن شكاياتهم تصرخ من الظلم، وإن رغباتهم تطلب العدل، فارضِهم وأعِد السكينة إلى نفوسهم يُؤيِّدوك بخلاصة أرواحهم.

– وما السبيل إلى إرضاء المصريين يا أبا الحسن؟

– إنني أرى أن أول ما يجب عليك يا بُني أن تسعى لإطلاق سراح من أُسِر منهم؛ فإن الفرنج أسَروا في غارتهم الأخيرة أهل بلبيس وغيرهم من المصريين، وقد عادوا بهم إلى بلادهم.

– هذا صحيح، وسأُخصِّص مُغل بلبيس على كثرته لفكاك هؤلاء الأسرى، وسأُعفي أهل هذه البلدة من دفع الخراج مدة حياتي.

– نِعم ما تفعل أيها الوزير؛ فإنك بذلك تملك قلوب الأهليِّين، وهناك أيضًا مكوس كثيرة تبهَظ المصريين، وحبذا لو أعَدتم النظر فيها، فأبطلتم بعضها، وأنقصتم البعض الآخر.

فقال صلاح الدين: هذا ما عقدت العزم عليه؛ فقد شكا الناس إلى عمي أسد الدين — رحمه الله — أمر هذه المكوس، وكان قد أعَد العُدة لوضع مائة ألف دينار مما يُستخرَج من المكوس بديوان الصناعة بمصر، ومائة ألف دينار أخرى مما يُستخرَج من بعض الجهات القِبلية والبحرية. ثم نظر إلى القاضي الفاضل وقال: وإني أرجو أيها القاضي أن تكتب في الغد سِجلًّا بوضع هذه المبالغ؛ لنُرسِله إلى جميع بلاد مصر ليُقرَأ على المنابر.

وتقدَّم عند ذاك الفقيه زين الدين، وقال: إنني أشكر الله الذي وهَبك هذا المُلك، وأتوقَّع أن نرى الخير جميعًا وهو يغمرنا في عهدكم الزاهر إن شاء الله، ولا غَروَ فإن هذه بداية طيبة، والكتاب يُقرَأ من عنوانه، ولكن هل يسمح لي سيدي الوزير أن أُطلِعه على مَظلمة لو رفعها لكسب الأجرَين في الدنيا والآخرة؟

– قُل أيها الفقيه؛ فإني عاهدت الله أن أفعل كل ما فيه الخير لهذا البلد وأهله.

– إن هذا الخير بعضه لأهل مصر، ومُعظَمه للمسلمين عامة؛ فقد جرَت العادة أن يُؤخَذ من الحُجاج في عيذاب مُكس مُقرَّر وضريبة مفروضة منهم، يُلاقون من الضغط في استيفائها عنتًا جمًّا، ويُسامون خسفًا وعسفًا، وربما وردَ منهم من لا فضل لديه على نفقته أو لا نفقة عنده، فيُلزَم أداء الضريبة المعلومة وقدرها سبعة دنانير ونصف دينار، فإذا عجز عن الأداء تناوَله الجُباة في عيذاب بأليم العذاب.

فعجِب صلاح الدين لهذا الأمر، وسأل الفقيه: وفي أي الوجوه تُصرَف هذه الضريبة؟!

فقال زين الدين: إنها تُجمَع لمِيرة مكة والمدينة.

فزاد عجَب صلاح الدين، ونظر إلى صديقه عيسى الهكاري وقال: أتَرى يا سيد عيسى؟ إن هذا لهو العجَب! يجمعون الأموال ممن لا مال معهم من حُجاج بيت الله الحرام؛ ليَميروا به مكة والمدينة. هل ترى هذا من الصواب في شيء؟

فأحس الفقيه بأن صلاح الدين يستشيره ويطلب رأيه، فقال: لا أيها الوزير، إن هذا لهو الخطأ بعينه، والرأي أن تُقدِموا على إلغاء هذه الضريبة، ومن المُمكِن أن تُوقِفوا ما يُجبى من جهة من الجهات على مِيرة هاتَين المدينتَين المُقدَّستَين.

وأمَّن القاضي الفاضل على رأي الفقيه عيسى، وقال: نِعم الرأي ما رأى يا سيدي الوزير؛ فبِه يُرفَع الظلم عن الحاج، ويصِل الخير إلى سكان المدينتَين، وتُجزَون على هذا وذاك الأجر من الله، والدعاء من الرعية.

فاغتبط صلاح الدين لهذا القول، وقال: أنت سلاحنا لرفع المظالم يا سيد عبد الرحيم، فاكتب بهذا أيضًا منشورًا في الغد.

ونظر إلى أبي الحسن فوجد البِشر يعلو وجهه، والفرح يبدو في بريق عينَيه الباهت من فعل السنين، وقال: وبعد، أمَا من حاجة أخرى فنُسرِع لقضائها يا أبا الحسن؟ فإنك تُرشِدني إلى الخير، وتجلب لي رضاء الله.

فتردَّد أبو الحسن قليلًا، ولكنه أقدم فقال: لتغفر لي جرأتي يا بُني إن قسوتُ في القول. إنك ستَلِي حكم هذا البلد وهذا الشعب، وستجد حولك أعوانًا ورجالًا، وستُحِس نشوة الحكم ولذته، وستستمع إلى أقوال وآراءٍ مُعظَمها غثٌّ وقليل منها السمين الذي يُفيد، فنصيحتي إن كان لي أن أتقدَّم بها أن يكون اعتمادك على هذا الشعب، وأن تُوفِّر جهودك لخدمته؛ فإنك تلقى العون كل العون. لقد مَلكَ هذا البلد ملوك وملوك، ومنهم من غرَّته الأماني فاستبد وظلم وطغى وتجبَّر، فلما أفاق وجد هذي الأماني سرابًا ظلَّ يخدعه وهو لا يدري، ووجد مَجده قد صار إلى زوال.

وكان صلاح الدين وهو يستمع إلى أبي الحسن، يُحِس أنه يرتفع عن هذه الأرض وأوشابها إلى طبقات رفيعة من الأثير، تحوي كل عالٍ وتضُم كل جميل، فنظر إلى أبي الحسن نظرة التلميذ المأخوذ بآراء أستاذه، وقال: إن كلماتك يا والدي تنفُذ إلى حنايا قلبي وشِعاب نفسي، فأُحِس لوقعها بردًا وسلامًا، وإني لأذكُر أوقاتًا كانت تمُر عليَّ حينما أخلو لنفسي أو أخرج إلى الصحراء، فأُفكِّر وأُطيل التفكير، فإني كنت أستصغر حينذاك شأن هذه الحياة وشأن هذا المَجد الذي يُثير الأفراد ضد الأفراد والشعوب ضد الشعوب، وكنت أرى أن الحياة أهون شأنًا وأيسر أمرًا مما نظن فيها العذاب أصنافًا وألوانًا، وفيها البكاء والدموع والحزن، والدهر العاتِ ذو جعبة ملأى بالسهام يُصوِّبها يمينًا وشمالًا وفي كل مكان، فتُخلِّف وراءها ضحايا كثيرِين.

فابتسم أبو الحسن ابتسامة خفيفة، وقال: هذه النظرة الصادقة تُبدي استعدادكم الطيِّب، ولكن دع ما في قولك من يأس، وانظر إلى الحياة نظرة باسمة، ولا تنسَ أن نِعم الله حولنا تغمرنا وتفيض علينا، والسبيل إلى شكره أن نُجاهِد في سبيله، وإرضاءُ عبيده نوع من الجهاد، وهناك الجهاد الأكبر ينتظرك، جهاد الفرنج أعداء الدين.

فأطرق صلاح الدين لحظة، وقال: صدقت أيها الوالد الرشيد. إن الجهاد الأكبر ينتظرني، ولكنك تعلم أن يدًا وحدها لا تُصفِّق، والأصدقاء في الدنيا قليل.

– إن الحق ما تقول أيها الوزير، ولا تظنَّن أن الأمر قد مُهِّد لك، فأمامك صعاب من فوقها صعاب، فلا تنسَ الخليفة ولا تنسَ جنده ورجال قصره، ولا تنسَ رجالك كذلك.

ثم أشار إلى رفاقه الجالسِين إلى جانبه، وقال: ولكن يكفيك هؤلاء الصحاب الثلاثة؛ فهم عونك بعد هذا الشعب، وكلهم بحمد الله صاحب رأي وصاحب عقل. هيه، لقد طال بنا الحديث فلأعُدْ إلى طلبي، فهل يسمح لي سيدي الوزير بالسفر؟

– والله ما دامت هذه رغبتك فإنا لا نُمانِع، ولكننا سنفتقدك يا أبا الحسن، فلا تُطِل الغَيبة، فتعالَ لزيارتنا كلما استطعت.

– سأُحاوِل، وأرجو أن أراك في خير إن شاء الله. استودعتك الله.

وحيَّاه الوزير والدموع تملأ عينَيه، وودَّع الحاضرون وخرجوا مع أبي الحسن، وصلاح الدين يتبعهم بناظرَيه، والدموع تتساقط منها وهو يقول: بُورِكتَ من رجل! وبُورِك الوطن الذي أنبتك! والله لَأنت خير عندي من كل من حولي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤