في معسكر أسد الدين

كان أسد الدين شيركوه يروح في خيمته ويغدو ثائرًا مُحنَقًا كالأسد حُبس في قفص، وحوْله كبار رجال جيشه صامتين رهبةً واحترامًا، وجلس أسد الدين على كرسي هناك، وأمسك بسيف أمامه وضرب به المِنضَدة في عنف وقوة وقال: أرأيتك كيف غدر بنا هذا الكلب شاور؟

فقال شهاب الدين الحارمي: وهل جاءت رُسُله بالرد؟

– أجل جاءت الرُّسل، جاءت، جاءت.

فقال قائد آخر: فهل يسمح مولانا الأمير فيُطلِعنا على رأي هذا الرجل لنتدبَّر الأمر؟

فاعتدل أسد الدين في جلسته وقال: لقد لجأ هذا الرجل الماكر إلى المَلك العادل نور الدين، واستنجد به ضد عدُوه ضرغام؛ فأغاث نور الدين لهفته، وأمرَنا أن نسير بجيشنا لنُساعِده حتى يعود إلى الوزارة، وقد بذلنا كل جهدنا، وضحَّينا بالمال والرجال حتى حقَّقنا له رغبته، وقد مضى الآن شهر ونحن نُعسكِر خارج القاهرة ننتظر أن يفي هذا الغادر بوعده لنور الدين فما وفى، وأرسلت إليه رسولًا يُذكِّره بوعوده ويقول له إن مُقامنا في الخِيَم قد طال، وقد ضجر العسكر من الحَر والغبار.

ثم سكت لحظة وقال في صوت المُتذمِّر الساخط: أتعرفون ماذا كان جوابه؟! لقد أرسل إليَّ ثلاثين ألف دينار وقال: «إنك تستطيع أن ترحل في أمنِ الله ودَعته.» أجل! أستطيع أن أرحل في أمنِ الله ودَعته، هيه، يحسبنا هذا الرجل مَطايا تُوصِله لبُغْيته ثم تعود إلى مَرابِضها!

فقال صلاح الدين: لقد صدق ظن أبي وظني يا عمي. إن شاور رجل ماكر لا يسعى إلا للمُلك، وهو بعدُ ليس بالرَّجل، بل ليس بالكلب؛ إن الكلب يفي وهذا ولا وفاء عنده.

– صدقت يا صلاح الدين، ولكنني لم أسكت فأرسلت إليه رسولًا آخر يُذكِّره بنَص وعده لنور الدين، فإنك تذكر أنه وعده بثلث خراج مصر وأن يدين له بالولاء.

– فماذا كان جوابه يا عمي؟

– لجأ إلى الكذب، كذب وهو الوزير، وقال للرسول: «أنا ما وعدتُ بشيء مما تقول، وأنا طلبت نجدة من نور الدين لتحقيق رغبة خاصة، وقد حُقِّقت فلا بد من عودة الجند إلى الشام، وقد بعثت أسد الدين نفقة الجند فليأخذْها ولينصرف، وأنا أستطيع التفاهُم مع نور الدين».

فزمجر القُواد وقالوا في صوت حانق: يا له من ثعلب ماكر! أيَصِل به الكذب إلى هذا الحد؟!

وقال صلاح الدين: مُرْنا بقتله يا عمي نقتله.

وصدَّق القُواد على قوله والغضب يفور في صدورهم: أجل مُرْنا أيها الأمير، مُرْنا نأتِك برأسه.

فقال أسد الدين: صبرًا، صبرًا، واستمِعوا إلى بقية الحديث ففيه العجَب.

أرسلت إليه ثالثة أقول إنني أحمل أمرًا من نور الدين، ولا يُمكِنني مُخالَفته، ولا أستطيع الانصراف إلا إذا نفذ هذا الأمر. فكان جوابه أن أمر بإغلاق أبواب القاهرة وأخذ في الاستعداد للحصار.

فوقف الحارمي ساخطًا وهو يقول: ولمَ ننتظر أيها الأمير؟ إن هذا الثعلب الكاذب لا بد أن ينال جزاءه.

فقال أسد الدين: انتظر يا شهاب الدين، إن الحديث لم يَتم بل بقي منه الجزء المُر، الجزء الذي يُثيرني ويُؤلِمني ويحِز في نفسي. لقد أرسل شاور بعد ذلك إلى عدُونا مري مَلك الفرنج ببيت المقدس يستعين به ضدنا، ويقول: «خرج معي أسد الدين شيركوه ليُعينني على ضرغام، فلما وصل إلى مصر بجنده طمع فيها، ولو أن نور الدين ملَك مصر مُضافةً إلى الشام لَكان هذا إيذانًا بزوال مُلْكك؛ فاحضر ولك عن كل مرحلة نرحلها إلى ديار مصر ألف دينار.» وقد أتتني الجواسيس اليوم تُخبِر بتحرُّك مري بجيشه من عسقلان في طريقه إلى مصر؛ ولهذا رأيت أن أجمعكم لترَوا رأيكم.

فقال الياروقي: الرأي رأيك أيها الأمير، هذا الرجل يستحق العقاب فلنركبْ من الغد لمُقاتَلته.

فقال أسد الدين وكانت قد هدأت ثائرته بعد أن فرَّج عن نفسه بهذا الحديث: لنتدبر الأمر في رَوِية. إننا سنُقابِل بجيشنا هذا الصغير قوتين: قوة شاور داخل أسوار القاهرة، وقوة الفرنج التي ستفد عن طريق الحوف الشرقي؛ ولهذا رأيت أن يسير صلاح الدين في قطعة من الجيش إلى بلبيس لجمع الغلال والأتبان والأحطاب وما تدعو إليه الحاجة، ليكون لنا كل ذلك ذخيرة هناك، ونبقى نحن هنا نُحارِب شاور، فإذا حضر الفرنج خرجنا لمُلاقاتهم عند بلبيس.

فقال صلاح الدين: نِعم الرأي رأيك يا عمي! وسأخرج إلى بلبيس من الغد إن شاء الله.

•••

وصل مري بعد قليل بجيشه إلى فاقوس، والمسافة بين عسقلان وبينها سبع وعشرون مرحلة، فأرسل إليه شاور سبعة وعشرين ألف دينار، وأسرع أسد الدين فسار بجيشه إلى بلبيس، وخرج شاور فلحِق بجيش الفرنج، وبدأت الحرب بين الجيشين. وأسد الدين يُدافع بجنده عن المدينة دفاع الأبطال، وجيشه يتناقص كل يوم، والذخيرة تقِل، والضيق يشتد به وبقُواده؛ فقد انقطعت سُبُل الاتصال بينه وبين نور الدين.

وفي ذات يوم بعد انقضاء نحو ثمانية أشهُر من بدء الحرب، بيْنا هو في خيمته يعرض الأمر على كبار قُواده كالمُعتاد ويسألهم الرأي والمَخرج من هذا المَأزِق، إذا بالحاجب يدخل فيقول: سيدي القائد، رسول من قِبل المَلك العادل نور الدين.

فدُهش الجميع وبدا الفرح على وجوههم، وقالوا جميعًا في صوت واحد: رسول من نور الدين؟!

وقال أسد الدين: أدخِله، أدخِله في الحال.

ودخل الرسول تبدو عليه آثار التعب واضحة، والعفر يعلو مَلابسه ووجهه، يحمل عَيبة ثقيلة وضعها أمام أسد الدين وقبَّل الأرض مُحيِّيًا. فقال أسد الدين: ما وراءك أيها الرسول؟ وكيف تركت مولانا الملك العادل؟ لعله في خير وصحة.

– إن مولاي المَلك العادل مُتمتِّع بنِعم الله عليه من صحة ونصر ولله الحمد، غير أنه في قلق مُستمِر على قائده العظيم أسد الدين وجنده البواسل في مصر؛ فقد وصلتْه رسالتك منذ أشهُر، وعلِم منها خبر النزاع بينكم وبين شاور، وعزْم الفرنج على المَسير إلى مصر. ثم انقطعت أخباركم عنه، فقلِق أشدَّ القلق وخاصة بعد أن علِم بوصول الفرنج إلى بلبيس واشتباككم معهم في الحرب.

فقال أسد الدين: إذن لم تصِل رسائلنا الأخيرة إلى المَلك العادل؟!

– لم تصِل يا سيدي، ولكن مولانا المَلك العادل كان طول هذه المدة يُناوِش الفرنج ويُناضِلهم في كل مكان، وكان النصر حليفه؛ فافتتح بانياس، وأغار على طبرية. وقد جمع أعلام الفرنج وأمرَني أن أحملها إلى سيدي القائد لنشرها على أسوار بلبيس؛ كي يفتَّ ذلك في أعضاء العدُو، ويُدخِل الوهن على قلوبهم.

فقال أسد الدين: حفظ الله مولانا السلطان المَلك العادل وكتب له النصر دائمًا! وشكرًا له على ما فعل في سبيل الإسلام وسبيل جنده.

وألقى للنجاب سُرة فيها مائة دينار، وقال: خُذ هذه مُكافأةً لك، واذهب فأزِل عنك غبار السفر.

– الشكر لسيدي القائد.

•••

وفي صباح الغد الباكر نُشرت أعلام الفرنج على أسوار بلبيس، وأمر أسد الدين جنده وقُواده بالاستعداد للقتال، وكان يمُر بينهم مُتفقِّدًا أحوالهم وهو في قلق شديد ينتظر ما سيكون لهذه الأعلام من أثر في نفوس أعدائه، ولما طال به الانتظار أمر حُراس الأسوار أن يرقبوا مُعسكَر العدُو في عناية، واتَّجه إلى خيمته الخاصة، ونادى ابن أخيه صلاح الدين، فلما حضر قال: تُرى ماذا سيكون مَوقِف مري وجيشه يا صلاح الدين؟

فأجاب صلاح الدين قائلًا: سيُصيبهم الهلع والفزع دون شك، وسيُقرِّرون الانسحاب.

– وهذا الرجل شاور؟

– لست أدري أي قرار سيتخذ، ولكَم أتمنَّى لو استطعت القبض عليه وقتله! فإن وزيرًا هذه أخلاقه لا يُمكِن أن تصلح البلاد تحت حكمه.

– لقد بتُّ أرى يا ابن أخي أنه لا بد لنا من الاستيلاء على هذا البلد لصالح الإسلام وصالح أهله، لقد كنت أحسب عندما كلَّفني نور الدين بهذه الغزاة أن في مصر قوة، فأقدمت وأنا أخشى أشياء كثيرة؛ كنت أخشى قوة الجيش المصري، فوجدته ضعيفًا لا يقوى على النضال بعد أن أفنى ضرغام خيرة رجاله، وكنت أخشى الخليفة ورجال القصر حوْله، فقد كان في ظني أنهم قوة لها خطرها، فإذا بي أجد الخليفة صبيًّا لا حول له ولا قوة يتحكم الوزراء في شئونه الخاصة والعامة، وليس له من المُلك إلا الاسم فقط.

ثم سكت أسد الدين لحظات كمن يتردد في الإفضاء بسرٍّ في نفسه يخشى أن يَذيع، ونظر إلى صلاح الدين نظرة طويلة قوية وقال: وكنت أخشى بعد ذلك أهل مصر، فقد كنت أحسبهم يدينون كخلفائهم بمَذهب الشيعة فلا بد أن يثوروا إذا أصاب خليفتهم أو وزيرهم مكروه، ولكنني وجدت هذا الشعب الطيِّب يئِن ويتألم تحت نِير هؤلاء الخلفاء والوزراء الذين أهملوه في سبيل مَلاذِّهم ولهوهم ودسائسهم ونضالهم. أتعرف من الذي نقل إليَّ خبر استعداد شاور لمُحارَبتنا، وخبر استنجاده بمري مَلك بيت المقدس؟

– إنهم الجواسيس دون شك يا عمي.

– نعم إن من ينقل إلينا مثل هذه الأخبار يُسمَّى جاسوسًا، ولكن الذي فعل هذا رجل من أهل مصر.

– رجل من أهل مصر؟! وكيف؟

وهنا دخل الحاجب يستأذن لقائد حرس الأسوار فأذِن له. ودخل فحيَّا القائد وقال: مولاي لقد ظلَّت عيون الحُراس يقِظة لكُل حركة تبدو من جيش العدو، فوجدنا الجنود تقِف في صفوفها مُستعِدة للنضال، وقذف النبال، وأُعِدت المجانيق لضرب الأسوار. ولكنهم ما لبثوا أن رأوا أعلامهم تطُل من فوق أسوارنا؛ فمال كلٌّ إلى رفيقه، واضطربت أمورهم واختل نظامهم، وأسرع بعضهم إلى خيمة مليكهم. فرأيناه يُسرِع على جواده بعد لحظات ليرى الأعلام بنفسه، فلما رآها علَت الكآبة وجهه ووجم قُواده، فانسحبوا جميعًا إلى خيمته. هذا ما لاحَظناه، ننقله إلى سيدي القائد اتباعًا لأمره.

– أحسنت وأحسن جنودك أيها القائد. اذهب فبلِّغهم رضائي، ومُرْهم أن يكونوا عيونًا يَواقِظ ترقُب كل شاردة وواردة في مُعسكَر العدُو طول يومنا هذا.

– سمعًا وطاعة يا مولاي.

وعاد أسد الدين يستأنف حديثه مع ابن أخيه، ومسح جبهته بيده كمن يتذكَّر أين وقف به الحديث، وقال: أين انتهى بنا الحديث يا صلاح الدين؟

– كنت تقول يا عمي إن رجلًا من أهل مصر نقل إليك أخبار شاور.

– صحيح. أتذكر ذلك الشيخ المصري المُسِن الذي قبض عليه جنودي ذات يوم، وأحضروه إلى خيمتي لأنه كان يحوم حول المُعسكَر ونحن نُقيم خارج القاهرة؟

– أجل أذكره جيدًا، الشيخ أبو الحسن، لقد حدَّثني عنه الفقيه عيسى الهكاري، وقال إنه قابَله مرة في مَنزل صديقه القاضي الفاضل وأثنى عليه ثناءً جمًّا.

– أيعرفه إذن الفقيه عيسى؟

– أجل يعرفه.

– لقد طلب ذلك الشيخ يومذاك أن يخلو بي، فلما أصبحنا على انفراد أفرغ ما في جُعبته من أخبار، ونقل إليَّ حديث شاور وما اعتزمه من نضالنا، وأنبأني بمضمون الرسائل التي أرسلها يطلب النجدة من مري. ولكن الأهم من هذا كله أنه حدَّثني كثيرًا عن آلام الناس في مصر وما يحسُّون من ضيق يكاد يكتم أنفاسهم تحت حكم هذا الخليفة ووزرائه المُتلاحِقين المُتناضِلين.

علمتُ منه أن الناس في مصر عُراة جياع مظلومون، وهؤلاء الحكام يعيشون عيشة البذخ والترف والأبهة. علمتُ منه أن طائفة كبيرة من أهل مصر سُنِّيون، ولكنهم لا يستطيعون المُجاهَرة بما يدينون به لهَول ما يلقى الفرد منهم إذا أصرح برأي يُخالِف المذهب الشيعي.

– إذن لماذا لا يثور عامة المصريين ضد حكامهم هؤلاء يا عمي؟!

– أتنتظر من الجائع أن يثور يا صلاح الدين؟ أتنتظر من الرجل الأعزل أن يثور؟ أطعِمْهم وجَنِّدهم وأعطِهم سلاحًا وانظر ماذا يفعلون. إن أهل مصر رجال أشِداء؛ فإني كنت ألمح الفرد منهم تلوح عليه مَظاهر القوة والعزة ولكنهم مغلوبون على أمرهم. إنهم يبذلون في فلح الأرض وزرعها مجهودًا يبُذ مجهود الجنود في مَيادين القتال؛ لأن مجهودهم مُتصِل مُستمِر، ومجهود الجندي ينتهي بانتهاء المعركة.

– إن هذا حديث عجيب يا عمي، لقد أصبحت أرى أنه من الواجب علينا إنقاذ أهل مصر من هؤلاء الحكام، فهم مسلمون يلقَون ضيرًا، وماذا نفعل نحن الشام؟ وماذا سيفعل سلطاننا نور الدين؟ إننا نُناضِل الفرنج من أجل المسلمين وبلاد المسلمين.

– أجل وبلاد المسلمين. وهل في بلاد المسلمين خير من مصر؟! لو كنت أعلم هذا كله قبل مَجيئي لطلبت من نور الدين جيشًا قويًّا، ولَكان لي شأن غير هذا، هيه، من يدري يا صلاح الدين ماذا تُكِنه لنا الأقدار غدًا، بل بعد لحظات؟! والآن اذهب لتُشرِف على جند الأسوار. وسأذهب أنا للإشراف على بقية الجند؛ فإني أرى أن يكونوا على استعداد طول اليوم حتى نرى قرار العدو بعد هذه المفاجأة. ولتُوافِني هنا بعد صلاة العصر؛ فقد يجدُّ جديد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤