الفصل الثالث عشر

أدوات الإقناع السريعة

إن الهبات التي يحصل عليها المرء نظير العطاء لا حصرَ لها بحيث يكاد يكون قبولها أمرًا مُجحِفًا.

رود ماكيون

خصَّصْنا حتى الآن فصولًا كاملة لكثير من أساليب الإقناع المهمة. مع هذا، يختلف هذا الفصل قليلًا. هذا لا يعني أنه أقل أهميةً، بل على العكس، في الواقع. فهذه الأساليب ستفهمها سريعًا، وستتمكن من تطبيقها دون كثيرٍ من الممارسة أو المهارة؛ ولهذا السبب أيضًا وضعْتُها في جزء متأخِّر من الكتاب؛ فأنا أريدك أن تتعلَّم المهارات الأكثر تعقيدًا أولًا؛ إذ إن ترسيخها يستغرق وقتًا أطول.

هذه الأساليب أيضًا من أكثر أساليب الإقناع بداهةً، وسيراها كثير من الذين ستستخدمها معهم على حقيقتها. لكن حتى إذا تعرَّفوا عليها، فإن هذا لا يعني أنها لن تنجح؛ فكثيرًا ما يتعرف الناس على شيءٍ ما ويظنون أنهم مُحصَّنون منه. لكن تظل العملية تؤدي مفعولها على مستوًى أعمق وتحقِّق النتيجة المرجوَّة. يتمثَّل الاستخدام الأمثل لأدوات الإقناع السريعة في أن تؤدِّي دورًا داعمًا؛ حيث يمكنك جَمْعها مع غيرها من الأساليب الأكثر تعقيدًا من أجل تحقيق استراتيجيةٍ شديدةِ الفاعلية.

(١) المضاهاة الاجتماعية

يُطلِعنا الدكتور روبرت سيالديني في كتابه الكلاسيكي «التأثير: علم وممارسة» (آلن وبيكون، ٢٠٠١) على المبدأ الذي يسمِّيه الدليلَ الاجتماعي. يتمثَّل مبدأ الدليل الاجتماعي في أننا نحدِّد الصوابَ من خلال معرفة ما يراه الآخَرون صوابًا؛ لهذا فإن عرضك لأدلة أو أمثلة على ما يفعله الآخَرون فيما يتعلَّق بالفكرة التي تعرضها، يُعَدُّ أحدَ الأساليب الفعَّالة للغاية في دفع الآخرين لاتخاذ إجراءٍ بعينه في حالة عدم تأكُّدهم ممَّا يجب عليهم فعله.

إن السبب وراء استخدامي لمصطلح «المضاهاة» الاجتماعية بدلًا من «الدليل» الاجتماعي، هو أنني أعتقد أن هذا المبدأ أعمق قليلًا من هذا؛ فأنا أرى أن الناس لديهم احتياجات معينة يعرفونها لكنها لا تتحقَّق، ويبحثون دومًا عن شخص يشبههم. فهم يريدون شبيهًا اجتماعيًّا، وعندما يعثرون عليه يتَّخِذون إجراءً على الفور لمحاكاة سلوكه، وعندما تقدِّم لهم هذا الشبيه ببساطة تحصل على ميزة كبيرة؛ فأنت هنا تفعل أكثر من مجرد إخبارهم فحسب أن شخصًا ما يفعل شيئًا بعينه، إذ تسمح لهم أيضًا بالاقتناع بفكرة أنه لا بأس من فعل هذا الشيء. إنك ترشدهم وتخبرهم بدقة بما يجب عليهم فعله، ثم تقدِّم لهم شبيهًا؛ شخصًا آخَر مثلهم تمامًا يفعل هذا الشيء كذلك.

في حالةِ مثال الدليل الاجتماعي، تتمثَّل الفكرة في أنه إذا كان شخصٌ ما يفعل شيئًا ما، فمن الأرجح أن هذا الشيء صحيحًا. أما في حالة المضاهاة الاجتماعية، فنحن ندرك أن الناس يريدون الشعورَ بأنهم أفراد مستقلون أولًا، لكنهم لا يُمانِعون اتِّباعَ المجموعة المتميزة؛ الأشخاص الذين يشبهونهم.

لكي تستخدم المضاهاة الاجتماعية في الإقناع، اعرضْ أكبرَ عددٍ ممكنٍ من الأشخاص الذين يشبهون الشخصَ الذي تُقنِعه، لكنْ صِفْهم بالتميُّز لأنهم يشبهونك. إن هذا الأمر يمدُّ الناسَ بقدرٍ كبيرٍ من الشجاعة للإقدام على فِعْل أمرٍ ربما لم يفعلوه من قبلُ؛ فالفكرة ليست في أن كل شخصٍ يفعل هذا، وإنما أن كل شخص مثلي يفعل هذا. يكون المشترون المبكرون للمنتجات أكثر عرضةً للمضاهاة الاجتماعية لأنهم ببساطة أقليةٌ، وهذا شيء يروق لهم؛ إنهم يتمتعون بهوِيَّة تقوم على فكرةِ تغلُّبهم على منافِسيهم وسَبْقهم إلى شراء المنتج.

(٢) التوافُق

إن التوافق وثيقُ الصلة بالمضاهاة الاجتماعية؛ فالتوافق ليس إلا الاتفاق في الرأي. فتغيير رأي الأشخاص الذين تُقنِعهم يصبح أسهلَ كثيرًا عندما تتمكَّن من إظهار أن شخصًا آخَر مثلهم أو شخصًا يُكِنُّون له الاحترام، يشاركهم الرأي نفسه.

خُذِ الوقتَ الكافي وأنت تستعِدُّ للإقناع للعثور على آراء مشتركة بينك وبين العميل المحتمل. ابدأْ عمليةَ الإقناع برأي مشترك؛ فسواء أكنتَ تشترك معه في رأي واحد أم كثير من الآراء، سيكون من الأسهل كثيرًا الوصولُ إلى نقطةِ اتفاق حول الأفكار الجديدة. إن الثقة كامنة في التوافُق وتزيد مع تزايُد التوافق.

يُعزَّز انتقال السلطة عندما تتمكَّن من تقديم رأيٍ مشتركٍ مع شخص يثق فيه مَن تحاول إقناعهم؛ بل يُعزَّز أيضًا أكثر عندما يقدِّمك هذا الشخص على أنك تشاركه الرأيَ نفسه.

إن حشد التوافُق على مدار عملية الإقناع يُسهِّل كثيرًا على جمهورك الوصولَ إلى النتيجة التي تريدها. يصحُّ هذا بوجهٍ خاص عند إقناع كثيرٍ من الأشخاص، وذلك بسبب المضاهاة الاجتماعية، فتكون هذه عمليةً فعَّالةً يلاحظونها ويشاركون فيها. وكلما زاد عدد الأشخاص الذين يوافقونك الرأي ويشاركونك إياه، زاد احتمال أن يشاركوك الرأيَ في الأفكار الجديدة التي تقدِّمها، كذلك يزيد هذا من احتمال إعجابهم بك، وسنتناول هذا الموضوع بمزيد من التفصيل بعد قليل.

(٣) التقمُّص العاطفي

يحكي أليكس ماندوسيان، الذي ستتعرف عليه أكثر في مرحلة لاحقة في هذا الكتاب، قصةً رائعةً عن الفَرْق بين التقمُّص العاطفي والتعاطُف. خلال ندواته الشهيرة التي تُعقَد عن بُعْد، يشرح الأمر على النحو التالي: تخيَّلْ أنك في مركب يهتزُّ ويتأرجح في الأمواج المتوسطة الارتفاع، فتجد أن صديقك الذي يقف عند حاجز المركب قد أُصِيب بدوار البحر، وشحب لونه قليلًا، وراح يتقيَّأ في البحر من فوق حاجز السفينة، فتذهب إليه وتربِّت على ظهره وتقول له إنك تشعر بالأسف على مرضه؛ هذا هو التعاطف. أما إذا ذهبتَ إليه وأنت تشعر بالأسى نحوه، وأصابَك الإعياء وبدأتَ تتقيَّأ معه لهذا السبب؛ فإن هذا هو التقمُّص العاطفي.

هذه قصة رائعة (على الرغم من أنها تصويرية بعض الشيء) لتبسيط فكرة معقدة؛ فأنت كممارس للإقناع، تريد من الآخرين أن يتقمَّصوا فكرتك عاطفيًّا؛ فتريد منهم التعاطُف مع موقفك ومشاعرك ودوافعك وفهمها. وعند وصول الناس إلى حالة التقمُّص العاطفي، فإنهم قَلَّما يرون أن قرارك ليس القرار الصحيح.

تعزِّز المشاعر من التقمص العاطفي أكثر من أي شيء؛ فكلما تمكنت من جعل قرار الآخرين مبنيًّا على العاطفة، زادت قدرتك على جعلهم يرتبطون بك وبفكرتك، وزادت سرعةُ تقمُّصهم العاطفي. وبعَرْضِ تجارب مَرَّ بها أشخاصٌ آخَرون — شبيهةٍ بتجارب الأشخاص الذين تحاول إقناعهم — وإظهارِ كيف حُلَّتْ مشكلاتهم، فإنهم يصلون إلى أقصى درجات التقمُّص العاطفي.

إن مفتاح استخدام التقمُّص العاطفي أنك لا تريد أن يشعر الناس بالأسى نحوك (يتعاطفون معك)، فأنت تريدهم أن يتقمَّصوا شعورَك (أو شعورَ أيِّ شخصٍ آخَر مثلهم) إلى الدرجة التي يصعب معها ألَّا يتخيَّلوا عدم مشاركتك الرأي.

(٤) الأفكار غير المترابطة

توجد مقولة مفادها أن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة. أنا أعلم أن هذه المقولة لا تتحدَّث عن الإقناع، لكنها يمكن أن تُطَبَّق عليه بسهولة.

لم يكن إقناعُ شخصٍ إقناعًا تامًّا يومًا، ناتجًا عن دفع ذلك الشخص إلى قبول فكرة كبرى؛ فالإقناع عملية تدفع خلالها الشخصَ الذي تحاول إقناعه إلى قبول كثيرٍ من الأفكار الصغيرة، حتى يمكن تقليص حجم الفكرة الكبيرة إلى حجم مقبول. فمن الأسهل على الناس تقبُّلُ الأفكار الصغيرة والتغييرات البسيطة أولًا؛ فبمجرد أن تجعلهم يتقبَّلون فكرة أو فكرتين صغيرتين، يصبح دفعهم إلى قبول الفكرة التالية أسهل كثيرًا.

يجب أن تنتبه من فضلك إلى أنني لا أتحدث عن «مجموعة الموافَقة»؛ وهي فكرة دفع الناس للموافَقة فحسب على مجموعة من الأشياء، ثم تعرض عليهم فكرةً تريد منهم الموافَقةَ عليها. إن هذه ببساطة خدعةٌ سخيفة، فحتى إنْ وافَقُوا، فإن ثمة احتمالًا كبيرًا بأن يغيِّروا رأيَهم فيما بعدُ.

تتمثَّل الطريقة الصحيحة لاستخدام الأشياء الصغيرة في دفع الناس إلى الموافقة على مجموعة أفكار صغرى غير مترابطة، أو الحصول على موافقات صغرى متعلِّقة بفكرة متناسبة مع القرار الذي تريد منهم اتخاذَه. وقد تريد أيضًا التركيز على أكثر الأفكار تأثيرًا التي من السهل تقبُّلها أولًا؛ فعندما تدقِّق في اختيار الأفكار المؤثرة، تتمكَّن من قيادة جمهورك ببطءٍ، لكن بثبات، إلى اتخاذ قرار نهائي بالغ الأهمية، على الرغم من سهولة اتخاذه بالنسبة إليهم.

تُعتبَر الأفكار الصغرى غير المترابطة أيضًا من أساليب الإقناع الخفية لأنها تستخدم الشعور بالإنجاز؛ فبمجرد الوصول إلى حلٍّ بشأن بعض الأشياء والتوصُّل إلى عدة موافقات، ينتاب المرءَ شعورٌ جيد؛ فتشعر بأنك تتمتع بقوة دافعة، بأن شخصًا ما هنالك يفهمك وأنت تفهمه. ويزيد هذا من إعجاب الناس بك لوجود شيء مشترك بينكم الآن. إن الرابطة الشائعة القائمة على حل المشكلات المشتركة تكون فعَّالة للغاية في تعميق الألفة والعلاقة.

لا يرغب معظم الناس في العودة إلى المشكلات التي تخلَّصوا منها مرةً أخرى؛ فعندما يكونوا قد انتهوا من حلِّ كثيرٍ من المشكلات أو الجزء الأكبر من مشكلة كبيرة، يصبح لديهم استعدادٌ لإنهاء الحل مع الشخص الذي قطعوا معه كلَّ هذا الشوط؛ ومن ثَمَّ يقلُّ احتمالُ بدئهم العمليةَ مع شخصٍ جديد عندما يلوح في الأفق أملُ إنهاءِ العملية القائمة.

(٥) الإعجاب

إن حب الناس لك سمةٌ قيِّمة للغاية عليك أن تنمِّيها إذا أردتَ إقناعَ الناس؛ فكلنا نرغب في عقد صفقات مع أناس نحبهم. وتقبُّلُ الأفكار من شخصٍ تحبه أسهلُ كثيرًا من تقبُّلِها من شخص لا تهتم به.

لا يعني أن تكون محبوبًا أن تصبح أفضل صديق لكل شخص تشرع في إقناعه، وإنما يعني أنك يجب أن تكون لطيفًا ومريحًا في تعامُلك. وإليك بعض السمات التي تزيد من محبة الآخَرين لنا:
  • وجود خبرات مشتركة.

  • الانتماء إلى الخلفية الاجتماعية الاقتصادية نفسها.

  • الانتماء إلى المنطقة الإقليمية نفسها.

  • التمتع بشخصية لطيفة.

  • الفصاحة والأناقة.

  • رَفْض النميمةِ وترويجِ الإشاعات.

  • سعة الاطِّلاع والاستعداد لمشاركة المعلومات.

  • الإنصات بانتباه في الحوارات.

  • مشاركة أشياء حول أنفسنا من أجل توطيد العلاقة.

  • توظيف حسِّ الفكاهة الملائم من أجل إضفاء حيوية على المواقف.

  • التمتُّع بمهارة التحدُّث بلباقة.

  • التمتُّع بثقة جيدة في النفس وبحالة مزاجية جيدة بوجه عام.

في الواقع، لا يواجه معظم الناس صعوبةً في كسب محبة الآخرين؛ فحتى الأشخاص غير المحبوبين بإمكانهم تحقيق هذا؛ فهم عادةً لا يدركون أن الآخرين لا يكترثون بشركتهم.

مع هذا، أن تكون محبوبًا أمرٌ يحتاج إلى جهد مستمر؛ فكلنا نمرُّ بأيام سيئة أو نتعامل مع أشخاص لا نهتمُّ حقًّا بهم على المستوى الشخصي. إذا كنتَ تعتزم إقناع معظم الذين تقابلهم، فلا بد أن تحظى بمحبتهم حتى إنْ لم تكن تحبهم. أنا لا أقترح أن تسمح للناس باستغلالك أو التصرُّف على نحوٍ غير ملائم، لكنْ في بعض الأحيان يتحتم عليك كتمان مشاعرك وخَلْق سياقٍ يمكنك فيه التعامُل مع شخصٍ حتى إنْ كنتَ لن تتعامل معه في سياق طبيعي.

تُعتبر فكرةُ كَوْنِ المرء محبوبًا إحدى النقاط الأساسية؛ لأنه ليس من الصعب علينا جميعًا أن نرفض شخصًا بدافع من عدم اكتراثنا به أو كراهيتنا له تمامًا. كما أنه من شبه المستحيل ألَّا نساعد مَن نحبهم إذا كان ما يطلبونه معقولًا. إن الحب يقوم على حاجة عاطفية؛ فنحن نحتاج إلى محبة الآخَرين لنا ونريدها، ولدينا استعداد كامل لمكافأة الأشخاص الذين يبادلوننا المحبةَ. كذلك يجعلنا الحبُّ أكثرَ تميُّزًا، فلا يمكن نسياننا بسهولة؛ فبالنسبة إلى الشخص غير المحبوب، يكون الشخص الذي يصادقه ويحبه شخصًا لا يمكن نسيانه بسهولة، لا يمكنه نسيانك بقدر ما لا يمكنك نسيان الشخص الذي قطع عليك حارة القيادة بسيارته هذا الصباح.

نميل عند الاختيار إلى اختيار الذين نحبهم والذين يشبهوننا؛ فعلى سبيل المثال: عند اتخاذ قرار صعب بشأن الاختيار من بين الموردين، ستفضِّل اختيارَ الشخص الذي تحبه على شخصٍ لم تشعر تجاهَه بأي شيء على الإطلاق.

إننا نحب الأشخاص الذين يشبهوننا؛ لذا تأكَّدْ من التركيز على القواسم المشتركة من أجل رفع مستوى علاقة الصداقة المتبادلة. سارِعْ إلى مدِّ يدِ العون متى استطعتَ. قدِّمِ النصيحةَ أو المعلومات التي لا تكون متوافرةً بخلاف ذلك. تعرَّفْ على هوايات شخصيةٍ معينةٍ أو مواطن شغف وتحدَّثْ عنها. أرسِلْ رسالةً بمقال إخباري عن شيء تناقَشْتُما بشأنه.

سنتحدَّث بمزيد من الاستفاضة في موضوع العطاء من أجل الأخذ عمَّا قريب، لكنني أريد الآن أن أُطلِعك على أحد أسراري غير المعروفة؛ فكل معرض تجاري أذهب إليه يكون مليئًا بشخصيات شهيرة توقِّع على شيءٍ ما. أحصل أنا على أي شيء يوقِّعون عليه (أحيانًا أحصل على قطعتين أو ثلاثٍ منه. لا تخجلْ من هذا). لا يهمني نوع الشيء الذي يوقِّعون عليه؛ والسببُ وراء ذلك أن لديَّ خزانةً مليئةً بالهدايا الرائعة التي تجعلني شخصًا محبوبًا.

تخيَّلْ ما يحدث إذا اعترفتَ بأنك من أشد المعجَبين بالمصارِع المحترف جولدبيرج، وبعد يومين أُرسِلُ إليك صورةً ٨ × ١٠ ملوَّنة عليها توقيعه. ستحبني على الفور … وربما كثيرًا. إذا نظرتَ إلى مجموعتي حاليًّا، فستجدها تحتوي على كرات قدم وبيسبول، وكرات سلة، وكرات قدم صغيرة، وقمصان رياضية، وصور من كل حجم ونوع، وكتب ومجلات، ومناشف، وكرات جولف، وزجاجات بيرة، ومستحضرات تجميل، وفعليًّا عشرات الأشياء الأخرى؛ كل هذه الأشياء موقَّعة من أشخاصٍ بدايةً من سيلفستر ستالون حتى قائدات فريق مشجِّعات فريق سان فرانسيسكو فورتي ناينرز، ولم يكلِّفْني أيٌّ منها فلسًا واحدًا. وعليك أن ترى كلَّ هؤلاء الأشخاص الذين يعتقدون أني شخصٌ رائع الآن، بعد أن تلقَّوْا جميعًا مثلَ هذه الهدايا الشخصية مني.

(٦) أَعْطِ حتى تأخذ

بالإضافة إلى التمتع بحب الناس، فإن العطاء يطلق أحد أكثر مبادئنا المتأصِّلة قوةً؛ فإذا أعطانا شخصٌ شيئًا، نشعر بأنه يجب علينا إعطاؤه شيئًا في المقابل. يُطلِق سيالديني على هذه العملية قانون التبادُل. يشرح القانونُ الفكرةَ، أما مبدأ أن تعطي مقابلَ أن تأخذ فيصف العمليةَ التي يتحقَّق بها هذا.

يقدِّم كثير من الشركات هدايا كوسيلةٍ «لنشر اسمها في السوق». تكون هذه الهدايا عادةً أقلام حبر أو أشكالًا تُثبَّت بالمغناطيس أو قمصانًا أو أكوابًا، أو غيرها من الأشياء الصغيرة التي يعتبرها عادةً الحاصِلون عليها أشياءَ يمكن التخلُّص منها. أنا عادةً لا أعتبر معظمُ المنتجات التي تُوزَّع على العملاء بهدف الدعاية وتكلف أقلَّ من بضعة دولارات؛ أشياءَ مميزة بما يكفي لتحفيز عملية العطاء في مقابل الأخذ لدى معظم الناس بقوة. مع ذلك، كلما زاد تميُّز الهدية وزادَتْ صعوبةُ الحصول عليها، زاد الشعور بتفرُّدها وزادَتِ الرغبة في الحصول عليها. عندما تُوجِد هذه الحصرية وتُعطِي الهدية، قد يكون لهذا تأثيرٌ قوي للغاية. وخيرُ مثالٍ على العطاء من أجل الأخذ هو المثال السابق الذي تحدَّثْتُ فيه عن توزيع السلع الموقَّعة، التي حصلتُ عليها مجانًا من المعارض التجارية؛ فهذه الهدايا تحمل طابعًا شخصيًّا؛ إذ إنها مقتصرة على الشخص الذي أعطيها له، وتوجد رغبة شديدة في الحصول على هذا المنتج.

بالرغم من كَوْن بعض الناس قد يستجيبون بأعداد كبيرة لعروض معينة عند إرسال هدايا عامة، يبدو أن هذه الأعداد في انخفاض؛ على سبيل المثال: ملصقات العناوين البريدية المجانية التي تحصل عليها من جمعية المحاربين الأمريكيين المعاقين، قد تشجِّعك على إرسال تبرُّع بسيط لأنهم قد وزَّعوها استباقًا، لكن معظم الناس إما سيستخدمونها وإما سيتخلصون منها دون استخدامها ودون منح تبرُّعات؛ ويتمثَّل السبب وراء ضعف تأثير هذا الأسلوب، في عدد الأشخاص الذين يسيئون استخدامَ هذا المفهوم، بالإضافة إلى كَمِّ البريد المباشِر الذي يتلقَّاه كلٌّ منَّا في وقتنا الحالي.

كذلك يفهم كثير من الناس حاليًّا مبدأ التبادل ومدى نجاحه؛ لذا يمنعون المشترين والموظفين من قبول هدايا من أي نوع؛ حتى إن كثيرًا من الدورات التدريبية عن التفاوض والشراء وصلت إلى حد شرح العملية وكيفية تطبيقها، وشرح السبب وراء ضرورة عكس هذه العملية وإعطاء هدايا لمَن يبيعون لهم دون قبول هدايا في المقابل.

إن من أكثر الطرق الفعالة التي يمكنك بها أن تعطي لكي تأخذ، أن تقدِّم عينةً من المنتجات أو عينةً من الخدمات للناس حتى يجرِّبوها. عادةً ما أخصِّص ساعةً من وقتي للعمل مع بائع متعثر في عمله في شركةٍ أريدُ أن أعمل معها على المدى الطويل. يشجِّع هذا العطاء الاستباقي البسيط بشدة الرغبةَ في إعطائي شيئًا في المقابل. ومن المثير للاهتمام البالغ أن العينات أصبحت شيئًا متوقَّعًا في مجتمعنا اليومَ؛ فلم تَعُدْ تبدو كهدايا، ومن ثَمَّ فإنها لا تلفت انتباهَ الأشخاص الذين يحصلون عليها.

أحد السُّبُل الأخرى للعطاء من أجل الأخذ هو تقديم تنازُلات؛ إنه أشبه بتلك الفكرة القديمة المتمثِّلة في تبادُل المعروف. إن تقديم تنازُلات في بداية عملية الإقناع يؤدِّي إلى كثيرٍ من النتائج الطيبة. حاوِلِ التعرُّفَ على الأمور التي تمثِّل نقاطًا شائكة ويمكنك بسهولة التنازُل عنها عند بدء العملية، وبعد قليل من المقاوَمة قدِّمِ التنازُلَ. مع هذا لا تقدِّمْ كثيرًا من التنازُلات، فكثيرًا ما يستمر الناس، خاصةً المشترين، في المطالَبة بمزيد ومزيد من التنازُلات. في الحالة المثلى، ستقدِّم تنازُلًا واحدًا أو تنازُلين حتى تدفع العملية إلى الأمام، عالِمًا أنك ستحصل على مردودٍ في وقت قريب. تذكَّرْ، بمجرد حصول الناس على تنازُلٍ، فإنهم نادرًا ما يريدون العودة إلى النظر في عروض أخرى مع شخصٍ آخَر، وحتى إن كانوا مستعدين للنظر في عروض أخرى، فإنهم عادةً لن يحصلوا على التنازُلات نفسها، وستبدو تنازُلاتك أكثر قيمةً لهم. قدِّمِ القليلَ كلما كان ذلك ملائِمًا.

(٧) تحمُّل المسئولية

من أوائل الدروس التي تعلَّمها معظمنا فكرةُ الوفاء بالوعد. فتحمُّلُ المسئولية شعورٌ قويٌّ للغاية لكلٍّ منَّا تقريبًا؛ فنحن نشعر بضرورة فعل كل شيء تقريبًا اتفقنا على فعله، بصرف النظر عن مدى تأثيره علينا فيما بعدُ. ونظرًا لمعرفتنا بقوة تحمُّل المسئولية، يدفع متخصِّص الإقناع الجيد جمهورَه إلى قِطْع التزامات على أنفسهم.

إنَّ دفْعَ الشخص الذي تُقنِعه إلى الموافَقة على خطوات قادمة فعلية محدَّدة الوقت، لَهُوَ أفضل طريقةٍ على الإطلاق لبدء دَفْع الناس لتحمُّل المسئولية. فعليًّا في كل صفقة إقناع أنتهي منها أحصلُ على خطوات تالية محددة بصرف النظر عن مستوى الالتزام. والأهم من ذلك أن أتابع حتى أجعل جمهوري يعلم أنني أُولي اهتمامي لهذه الخطوات التالية وأتابعها. أحاول أيضًا أن أُلزِم نفسي بخطوة أو اثنتين على الأقل من الخطوات التالية أستطيع تنفيذهما حتى أُظهِر أني أتحمَّلُ المسئولية أيضًا. بوجود خطوات أستطيع تنفيذها، يكون لديَّ الحقُّ أيضًا في البقاء على اتصالٍ بالشخص من أجل مناقشة ما حدث مؤخرًا.

عندما كنتُ أعمل في البيع للشركات، جعلتني هذه الفكرة أفضل شخصٍ في مجالي أينما ذهبتُ. وبينما كانت اتصالات مندوبي المبيعات الآخرين لا تلقى جوابًا أو لا يعاوِدُ أحدٌ الاتصالَ بهم، كانت مكالماتي يُرَدُّ عليها بانتظام متوقَّع. كان الأشخاص الذين أعاوِدُ الاتصالَ بهم يتوقَّعون مكالماتي، وفي الواقع كانوا يُطالِبون بها تقريبًا في بعض الأحيان، لأنني التزمتُ بوعدي أمامهم.

عندما تبدأ جهودك في الإقناع في أخذ اتجاهٍ لا تريد منها السيرَ فيه، تستطيع في أكثر الأحيان أن تُعِيدها عن طريق الإشارة إلى الالتزامات التي نُفِّذَت. يحدث هذا على وجه الخصوص عندما لا ينفذ الشخص الآخَر دوره المتفق عليه. يمكنك عادةً الحديث في الأمر مرة أخرى بطريقة عملية مثل أن تقول: «لقد اتفقنا على أن أفعل هذا وأن تفعل أنت ذلك. وقد انتهيتُ من المهمة الموكلة إليَّ، فهل يوجد أي شيء يمنعك من تنفيذ ما التزمتَ به وأستطيع أن أساعدك فيه؟» وبذلك يعود الضغط من أجل التنفيذ على الفور.

إن أساليب الإقناع السريعة هي الأدوات التي ستستخدمها كلَّ يوم؛ ستطبقها في عدد من المواقف. استخدِمْ أدوات الإقناع السريعة كجزء من مجموعة من أساليب الإقناع بهدف دعم استراتيجية أكبر بكثير، وستحصل على نتائج أفضل. فكِّرْ في استخدامها مثلما يستخدم النحَّات الإزميل، من أجل التغلُّب على الاعتراضات. ومثل النحَّات أيضًا، ستحوِّل النقرةُ أو النقرتان الأخيرتان جهودَك الإقناعية إلى تحفة فنية.

ملخص الفصل

  • قد تكون أدوات الإقناع السريعة فعَّالة للغاية، لكنها عادةً ما تمثِّل أكثر محاولاتك لفتًا للانتباه إلى التأثير أو الإقناع، ومن الأفضل أن تستخدمها ضمن جهودٍ أكبر.

  • يُعتبَر العطاء من أجل الأخذ أوضحَ نوع من أساليب الإقناع السريعة، لكنَّ فُرَصَ نجاحك تصبح أكبرَ عندما تكون الهديةُ مقتصرةً على المتلقِّي فحسب. ركِّزْ جهودك.

  • إننا جميعًا نشعر بضرورة الوفاء بالالتزامات. احصلْ على وعودٍ وحمِّلِ الآخَر مسئوليةَ تنفيذِها. نفِّذْ جميعَ التزاماتك من أجل إلزام الطرف الآخَر بتنفيذ التزاماته.

أسئلة النجاح

  • أيٌّ من أدوات الإقناع السريعة أستطيع تطبيقها في أحد مشروعاتي التي أعمل عليها حاليًّا؟

  • مَن الذي يمكنني تحميله المسئولية ولم أفعل هذا بعدُ؟

  • كيف يمكنني أن أدفع الآخَرين إلى حالةٍ يكونون فيها أكثر قدرةً على التقمُّص العاطفي لموقفي؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠