تأسيس (١)

«إذا أراد الله إنشاء دولةٍ خلق لها أمثال هؤلاء.» قالها «عبد المطلب بن هاشم» وهو يشير إلى أبنائه وحَفَدته، فبرغم التفكك القَبَلي في بيئة البداوة التي عاشتها جزيرة العرب، فإن هناك مَن استطاع أن يقرأ الظروف الموضوعية لمدينة مكة بوجه خاص، وأن يخرج من قراءته برؤية واضحة؛ هي إمكانُ قيامِ وَحْدةٍ سياسية بين عرب الجزيرة، تكون نواتها ومركزها «مكة» تحديدًا، برغم واقع الجزيرة المتشرذم آنذاك.

وكان هناك مَن هو على رأي عبد المطلب من ذوي النظر الثاقب، والفكر المنهجي المخطَّط، الذين استطاعوا أن يَصِلوا إلى النتيجة نفسها بعد قراءة واعية للخريطة السياسية، والظروف الاجتماعية والاقتصادية. لكنَّ الكثرةَ الغالبة لم تكن مع هذه الرؤى، حتى اليهود الذين كانوا يعيشون بين ظَهْرانَيِ العرب — كعرب — ما خطَرَ لهم هذا التوقُّع قط، وإنما كانوا يترفَّعون على سائر العرب، ويُفاخِرون بأن لهم من الأنبياء عددًا وعُدَّة، ومن الأسفار المقدسة كتابًا سماويَّ المصدر. ومن ثَمَّ أجاز الأستاذ العقاد لنفسه — وهو رجلٌ متَّزِن ومتوازِن — أن يجزم قاطعًا: «بأن شأن اليهودية في توضيح هذه الحقائق كان أعظمَ من كل شأن لها في جزيرة العرب.»١ وهذه الحقائق التي يَعْنيها الأستاذ العقاد هي أنه برغم عدم قراءتهم الصحيحة لإفرازات الواقع على الأقل بالنسبة لمكة؛ فإن حكاياتهم عن مغامرات أنبيائهم القُدَامى، وعن دولتهم الغابرة التي أنشأها الملك النبي داود، وما لحقها من تهويلات ومبالَغات، كانت وراء الحُلم الذي داعَبَ خيالَ سَراةِ العرب وأشرافهم؛ حتى بَدَا لكلٍّ منهم طيفُ زعامته للدولة الموحدة مشرقًا في الخيال، تدعمه ما بدأت تشهده الجزيرة في مناطق متعددة من محاولاتٍ لتوحيد القبائل سياسيًّا؛ سواء عن طريق التحالفات الجانبية التي شكَّلت نويات مَرْجوَّة لوَحْدة أكبر، أو عن طريق إخضاع قبيلةٍ لأخرى، أو التحالفات التي تتفق ومنطق البداوة، والتي كانت تتم بين القبائل المنتمية إلى سلف واحد؛ مما يجعل انتظامَها تحت إِمْرةِ زعيمٍ واحد أمرًا أيسر، خاصةً عند حدوث جَلَل طارئ أو خَطَر مشترك. ولا ننسَ المحاولات الأخرى المباشِرة التي اتخذَتْ صيغةَ الملك وصِبْغته؛ كمحاولة «زهير الجنابي» زعيم قضاعة تمليكَ نفسه على بكر وتغلب،٢ أو الممالك التي قامت فعلًا من زمنٍ سابق لكنْ في ظروف مختلفة — على حدود الإمبراطوريات الكبرى — مثل: مملكة الحيرة، ومملكة الغساسنة.
لكن بقية الناس — حتى داخل مكة — ممَّن كانوا يعتبرون أنفسهم عقلاءَ لم يكونوا مع هذا التفاؤل، ولا مع هذا الجموح في الآمال؛ فهذا «الأسود بن عبد العزى» يقدِّم الاعتراض البدهي والواضح والمباشر، قائلًا: «أَلَا إنَّ مكة لَقَاح لا تدين لملك.»٣ وهو اعتراض يستند إلى قراءة أخرى؛ فالعرب — أيًّا كان الظرف الاجتماعي — لا تقبل بفردٍ يملك عليهم ويسود؛ لأن معنى ذلك سيادة عشيرة على بقية العشائر، وقبيلة على بقية القبائل، وهو ما تأباه أَنَفة الكبرياء القبلي وتنفر منه. ولعل هذه القراءة تجد حجتها البالغة في تجربةِ رجلٍ مثل «النعمان بن المنذر»، الذي ورث المُلْك أبًا عن جَدٍّ في مملكة الحيرة، ومع ذلك وقف يُلقِي خطابه أمام كسرى الفرس، وفي حضرةِ وفودِ دولٍ عدة، مدافعًا عن عروبته بقوله:
فليست أمة من الأمم إلَّا وجهلَتْ آباءَها، وأصولَها، وكثيرًا من أوائلها، حتى إن أحدهم ليُسْأل عمَّن وراء أبيه دنيا، فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحدٌ من العرب إلا يسمِّي آباءَه أبًا فأبًا، حاطوا بذلك أحسابهم، وحفظوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يُدعَى لغير أبيه … وأمَّا تحارُبُهم وأكْلُ بعضِهم بعضًا، وترْكُهم الانقيادَ إلى رجلٍ يَسُوسهم ويجمعهم، فإنما يفعل ذلك مَن يفعله من الأمم، إذا أَنِستْ من نفسها ضَعْفًا، وتخوَّفت نهوضَ عدوِّها إليها بالزحف. وإنما يكون في المملكة العظيمة أهلُ بيتٍ واحد، يُعرَف فضْلُهم على سائر غيرهم، فيُلْقون إليهم أمورَهم، وينقادون لهم بأزِمَّتِهم. وأما العربُ فإنَّ ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكًا أجمعين.٤

والخطاب هنا — سواء صحَّتْ نسبته للنعمان بن المنذر أو لم تصح — لصاحبِ رؤيةٍ سياسية فذة، حاوَلَ أن يوضح — بإيجاز — الظرفَ الاجتماعي العربي، الذي حال حتى هذا الوقت دون قيام وَحْدةٍ سياسية كبرى لعرب الجزيرة؛ ذلك الظرف المتمثِّل في «نظام قبلي»، و«عصبية عشائرية» كانت من لزوم ما يلزم عن شكل المجتمع البدوي غير المستقر، للإبقاء على دوامِ وجودِ القبيلة؛ باعتبارها وَحْدةً عسكرية مقاتِلة يلزمها التماسُك اللَّزِج دومًا، والذي كانت مادتُه اللاصقة: رابطةَ الدمِ التي اكتسبتْ قدسيةً مفرطة، وهو ما يفسِّر الشكل الديمقراطي البدائي الذي تمتعت به القبيلة؛ بحيث وقف جميع الأفراد داخلها على قدم وساق، بمساواة تامة، وبمعيار الانتساب لأبٍ واحد، وذلك وَحْده كان كفيلًا بإلغاءِ أيِّ تمايز، إضافة لظرفٍ آخَر دعَمَ هذه المساواة؛ وهو مواجَهتهم جميعًا لذات المصير دومًا، كمقاتلين.

والخطاب يوضح أيضًا — بشكل وضاء — الأسبابَ التي لم تؤدِّ بالنظام البدوي إلى إفراز مؤسسات سياسية (ملكية) متوارَثة؛ لأن القبيلة وَحْدة عسكرية طارئة، و«زعامتها بدورها أمر طارئ» متغيِّر، تبعًا لمقتضيات الصراع الناشئ وظروفه؛ تلك المقتضيات التي تحدِّد سمات الزعيم المطلوب آنيًّا؛ وعليه فالزعامةُ كانت تُمنَح منحًا لصاحب القدرات التي تناسب الظرف ومقتضياته، وهي صفات مكتسَبة لا تنتقل بالوراثة؛ على حين ينضوي الجميع في الظروف الاعتيادية تحت لواء الأحكم، الأكبر، الأكثر درايةً والأكثر قدرةً على المنح والعطاء. وفي كلا الحالين «تظل المساواة حاضرة»؛ مما جعل البدوي واعيًا تمامًا لفرديته، مُصِرًّا على الاعتداد بنفسه؛ بإسراف تمثُّله دواوين العرب في الحماسة، والفخر، والاعتزاز بالفرد أو بالقبيلة أو بالنسب.

وفي خطاب «النعمان» دعْمٌ آخَرُ لوجهة نظر «الأسود بن عبد العزى»؛ فهو يؤكد أن الأمم إنما تَقْبل الخضوعَ لملك فرد في وَحْدةٍ سياسية، إذا «تخوَّفت نهوضَ عدوِّها إليها بالزحف». وقد أثبَتَ الحجاز — ومكة بالذات — أنه بعيد المنال، ولا يتخوف نهوضَ عدوِّه إليه؛ فبينما كانت الممالك العربية قد وقعت تحت الاحتلال أو النفوذ الأجنبي — ففقدت اليمن استقلالَها منذ الربع الأول من القرن السادس الميلادي، وسقطت تحت حكم الأحباش ثم الفرس، وفقدت مملكة الحيرة استقلالَها وتحوَّلت إلى إمارةٍ يحكمها أمير فارسي، واضطربت أحوال المملكة الغسانية بعد أن قلب لها الرومان ظهرَ المِجَن — فإن منطقة الحجاز بمدينتَيْها الرائدتَيْن «مكة ويثرب»، كانت تتمتع باستقلالٍ نقي، هيَّأها له وضْعُها الجغرافي، ووعورة الطريق إليها؛ فكانت هي البيئة العربية الخالصة، البعيدة عن مجال الصراع الدولي، وعن التأثر بالحضارات الأجنبية، بدون أن تفقد التواصل معها. ولم تخضع لحاكم أجنبي، ومع ذلك فلم تكن فيها ممالك بالمعنى الحقيقي، «ولا وَحْدة سياسية كبيرة تنتظم أمر قبائل الحجاز جميعًا»؛ وهذا كله إنما هو دعم حقيقي لرأي «الأسود بن عبد العُزى»!

وإزاء كل هذه العوائق الواضحة، والمحبطات السافرة للحُلْم، وللأمل، وللتوقع، لم يجد الآخَرون سوى الاهتداء إلى أنه لا حلَّ سوى أن يكون مُنشِئُ الدولة المرتقَبة نبيًّا مثل داود، وعندما وصلوا إلى هذا، فشا الأمر بسرعة هائلة بين العرب؛ حتى اشتدَّ الإرهاص بالنبي المنتظر خلال فترة وجيزة، وآمَنَ هؤلاء بذلك، وأخذوا يسعَوْن للتوطئة للعظيم الآتي، وإنْ ظلت المشاعر القبلية داخل النفوس التي تهفو للوَحْدة، وظن كلٌّ منهم أن الآتي سيكون منهم، مثل «أمية بن عبد الله الثقفي» الذي راودَتْه نفسه بالنبوة والملك، فقام ينادي:

ألا نبي منا فيخبرنا ما
بعد غايتنا في رأس محيانا؟

لكن العجيب فعلًا ألَّا يمضي من السنين غير قليل، حتى تقوم في جزيرة العرب دولة واحدة، بل دولة قوية ومقتدرة، تطوي تحت جناحَيْها — وفي زمنٍ قياسي — ممالكَ الروم والعجم؛ بعد أن أعلن حفيد عبد المطلب بن هاشم: محمد بن عبد الله ، أنه النبي المنتظر!

١  عباس محمود العقاد: طوالع البعثة المحمدية، دار نهضة مصر، القاهرة، ١٩٧٧م، ص٧٣.
٢  ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ليدن، بريل، ١٨٨٦م، ج١، ص٢٠٦.
٣  عبد الملك بن هشام: السيرة النبوية، تحقيق طه عبد الرءوف سعد ومحمد محيي الدين عبد الحميد، شركة الطباعة الفنية المتحدة، القاهرة ١٩٧٤م، ج١، ص٢٠٦.
٤  ابن عبد ربه: العقد الفريد، تحقيق د. عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط٣، ١٩٨٧م، ص٢٧٧، ٢٧٨.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.