الدولة

هذا ما بلغ إليه أمر مكة؛ المحطة الكبرى على طريق ترانزيت العالم، تلك التي تحوَّلت إلى حاضرة كبيرة، في وقتٍ تصاعَدَ فيه الشعور القومي العربي في بِطاح الجزيرة على اختلافها، وبلغ مداه في تضامُنٍ متأجج مع عرب قبائل شيبان وعجل وبكر بن وائل ضد الفرس العجم، والفرحِ الاحتفالي الهائل الذي امتدَّ شهورًا في بقاع الجزيرة بانتصار هذا الحِلْف على الفرس أو العجم، والذي ترك أثره في الفَهْم العربي الكلاسيكي الذي يُقسِّم الناسَ إلى عرب وعجم. والفرح الثاني الذي تمثَّلَ في هرع القبائل العربية جميعًا إلى الجنوب، تزفُّها البُشْرى ويدفعها الإحساس الفخري لتهنئ سيف بن ذي يزن بالاستقلال عن الأحباش؛ فقد كانت قبائل بكر وشيبان وعجل هي محطة المرور الأخيرة والكبرى على حدود فارس الغربية مع الجزيرة العربية، أما اليمن فكانت منذ القديم أخطرَ محطة تجارية على خطوط العالم القادمة من الصين والهند وشرقي أفريقيا، لتصبَّ في بحر رمال الجزيرة، لتحملها سُفن الصحارى إلى الشمال حيث إمبراطوريات ذلك الزمان؛ «فالأمر كان نزعة قومية واضحة ترتبط بمصالح اقتصادية أشد وضوحًا»، حتى إن القرآن الكريم نفسه عندما جاء بعد ذلك، أبدى تعاطُفَه الكريم مع أصحاب الأخدود في اليمن، وهم مسيحيون اضطُهِدوا من قِبَلِ ذي نواس اليهودي المعضَّد من عجم فارس. ثم أبدى تعاطُفَه مع الروم بحسبانهم امتدادًا طبيعيًّا للخط التجاري المكي؛ فإنه من وجهةِ نظرٍ دينية بحتة إنما عاضد الديانة المفترض أنها الأصح قبل ظهور الإسلام، وبحسبانها الديانة الناسخة للديانة اليهودية. وبرغم ذلك، فإن القومية تبرز بوضوحٍ جليٍّ في موقفه من أصحاب الفيل؛ عندما يصبح الصراع بين المسيحية (برغم كونها كانت الديانة الصادقة في المنظور الديني قبل ظهور الإسلام)، وبين مكةَ رمزِ العروبة والروح القومية (برغم كونها كانت حتى عام الفيل مركزًا من أخطر المراكز الوثنية في العالم)، وبالطبع مع اعتبار العامل الاقتصادي الذي دفع الحبشة لمحاولة احتلال مكة التي لم تَعُد في ذلك الوقت مجرد محطة تأخذ العشور والضرائب، وإنما تحوَّلَ أهلُها إلى امتلاك هذه التجارة، فكانوا يشترون تجارة اليمن والشام بأموالهم ويحقِّقون الفائضَ الذي يحدِّدونه هم أصلًا.

وقد أتاح لمكة هذا الدورَ المتعاظم عاملٌ آخَر؛ هو الضَّعْف الذي طرأ على المدينة المنافِسة «يثرب»، برغم أنها كانت مهيَّأة قبل مكة لأخذ هذا الدور، لوجود اليهود كمركز سياسي واقتصادي عريق فيها، لكنَّ هذا الوجود ذاته كان عامل التدهور والضَّعْف، نتيجةَ عنصر صراع داخلي، تمثَّلَ في انقسامٍ طائفي بين الأوس والخزرج من ناحية، واليهود من ناحية أخرى. وقد رأى اليهود من جهتهم أن وجود هذا العنصر العربي يمكن أن يكتسب تعاطُفَ عرب الجزيرة معه؛ فكان أنْ حدثت الوقيعة بين القبيلتين، وأسهمت قريش بدورها في إشعال الحرب لضرب يثرب كمركز منافِس؛ فوقفت إلى جوار الأوس يومَيْ معبس ومضرس. «لكن توجُّهات البيت الهاشمي في مكة رأت من مصلحتها مُحالَفة الخزرج، وتوثيق هذا التحالف بعقد الزيجات المباركة»، لكن يثرب أخذت في الانهيار السريع أمام القوة المكية الطالعة؛ مما دفع بعقلائها إلى محاولة الإسراع في رأْبِ الصَّدع، بتوحيد المدينة في كتلة سياسية متوحدة تحت حكم ملك واحد يرضى عنه الجميع. وفي هذا الوقت، كان كل الرجال المفترض فيهم قدرات الرياسة، والأكثر قبولًا للترشيح للرياسة، وكانوا موضع التبجيل والاحترام وأصحاب كلمة نافذة، قد مات أكثرهم في وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ولم يبْقَ سوى الرؤساء الثانويين. ومع ذلك بدأ القوم إنقاذ ما يمكن إنقاذه بالاصطلاح على رجل منهم، هو «عبد الله بن أبي بن سلول»، ولكن الخزرج سرعان ما تراجعت إزاء التطورات الجديدة في مكة وأرسلوا وفودهم إلى ابن أختهم محمد في مكة، وقاموا بمحاولة إقناع الأوس بالأمر لِمَا له من وَجاهةٍ من عدة نواحٍ: الأولى أنه نبي مؤيَّد من الله وفي ذلك كفالة النصرة، والثانية أنه طرف محايد، فلا هو أوسي ولا هو خزرجي، أما الناحية الثالثة والأهم سياسيًّا واقتصاديًّا فهي أنه بخروجه من مكة إليهم يمكنهم بقيادته شنُّ الحرب على أهل مكة، بل قطع خطوطها التجارية مع الشام التي تمر على المدينة، وفي ذلك لا لوم ولا تثريب؛ فهم إنما يتبعون أمر السماء، ثم إن قائدهم إنما هو فرد مكي ومن أهل مكة أنفسهم. ثم إن اليهود كانوا في تمام الرضا عن هذا التوجه؛ حيث الآيات الكريمة تكرِّم أنبياء بني إسرائيل وتفضِّل النسل الإسرائيلي على العالمين، ثم إن هذا النبي الآتي يصلِّي إلى الشام قبلة اليهود، وأتباعه في المدينة يصلون إلى الشام، بل ويصومون الغفران، كما أنه يؤكد حرية الاعتقاد تمامًا، وتؤكد الآيات السماوية التي يحملها: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة: ٦٢). وإن الله يقول لنبيه في آياته الكريمة: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ (المائدة: ٤٣)، وإِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ (المائدة: ٤٤). وإن النبي محمدًا هو الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ (الأعراف: ١٥٧)، وإنه يخاطبهم بالموحى إليه إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ (الصف: ٦). ويلقي الدكتور أحمد الشريف الضوءَ على الأحداث الآتية بعد سنوات، فيقول: «ولقد عالج النبي موقفَ اليهود في براعة وقدرة … تَغْلب عليه حساسية الموقف التي كانت قائمة، بمحالفة اليهود مع بعض بطون الأوس والخزرج، وكانت هذه المحالفات لا يزال لها أثر في نفوس هذه البطون؛ فكان لا بد أن يعمل النبي حسابًا لهذا الشعور، فنرى النبي «يصانع اليهود مرة»، ويجادلهم مرةً أخرى، ويصبر عليهم حتى تحين الفرصة، فيُقلِّم أظفارهم، ثم يرى نفسه آخِر الأمر مضطرًّا إلى التخلص منهم نهائيًّا.»١ أما الأهم لأهل يثرب جميعًا فهو أن الرسول اتخذ من يثرب مركزًا وعاصمة، وقوَّى قدرتها على المنافسة مع مكة؛ فساوَى بينها وبين مكة من ناحية القدسية، فأعلنها مدينةً محرَّمةً حُرْمةَ مكة؛ وكما قال: «إن لكل نبي حَرَمًا، وإني حرمت المدينة، كما حرم إبراهيم مكة.»

المهم أن الأحداث تتابعت في مكة واستمرت المَنَعة الهاشمية للنبي الذي اتَّبَعَ خُطى جَدِّه — كما اتَّبَعَ خطواته إلى حراء من قبلُ — وأعلَنَ أنه نبي الفطرة الحنفية التي نادى بها الأولون السابقون، ونادى بها عبد المطلب. ومثلما أتى جَدَّه الرئي وغتَّه ثلاثًا ليحفر زمزم، فقد أتاه جبريل وغتَّه ثلاثًا، وكما اهتمَّ عبد المطلب بتأكيد التحالف مع الأخوال من أهل الحرب في يثرب، اهتمَّ حفيده أيضًا بالأمر؛ فكان يلقى أهلَ الحرب اليثاربة عند العقبة، إلى أن هيَّئُوا مدينتهم لاستقباله، بعد أن مات عمه أبو طالب، واشتدَّ ضغط الأحلاف على الهاشميين. وكان الحل أن يغادر إلى الأخوال ليرفع الضغط عن الأعمام، في الوقت الذي كان فيه لجده عبد المطلب مكانة خاصة، وأثرٌ لا يُمحَى من نفسه؛ تبرِّره حَمِيته القتالية عند المعارك التي كانت تدعوه لأن يهتف: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب.» كأني به ينادي طيفَ جده: أيْ جَدي، ها أنا ذا أحقِّق حلمك!

وقد ظل دور بني هاشم قائمًا إلى ما بعد خروج النبي من مكة إلى يثرب، بل إنهم لم يتركوه يغادر إلا بعد أن استوثقوا لمَنَعة أخواله اليثاربة واطمأنوا إليها، ويظهر ذلك من ذهاب عمه العباس معه — وهو بعد على دين قومه — للقاء أهل الحرب، في بيعة العقبة الكبرى، ولم يذهب — فيما يقول الطبري — إلا لأنه أحبَّ أن يحضر أمرَ ابن أخيه ويستوثق له، وكان هو أول المتكلمين في هذا الاجتماع هائل الخطورة الذي شكَّلَ على وجه الزمان منعطفًا حادًّا، غيَّرَ وجْهَ التاريخ تمامًا، فقال:
يا معشر الخزرج، إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا؛ ممَّن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزةٍ في قومه، ومَنَعة في بلده، وقد أَبَى إلَّا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم تَرَوْن أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانِعوه ممَّن خالَفه؛ فأنتم ما تحمَّلْتُم ذلك، وإن كنتم مسلِّميه وخاذِلِيه بعد خروجه إليكم، فمن الآن دعوه؛ فإنه في عزةٍ في قومه ومَنَعة في بلده.٢
ويخبرنا البيهقي أن هذا الوفد العظيم الذي يتكوَّن من سبعين رجلًا، ممثلين لأهل المدينة، «لم يكن بينهم سوى ثلاثة نقباء من الأوس» وهم: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، وأبو الهيثم بن التيهان. وأنه عندما انتهى النبي من كلامه ووصل إلى القول: «أبايعكم على أن تمنعوني ما منعتم منه أبناءكم ونساءكم»؛ تناوَلَ البراء بن معرور — كبير القوم — يدَه وقال: نعم والذي بعثك بالحق نمنعك مما نمنع منه أزُرَنا؛ فبايِعْنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب والحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر. وهنا اعترض أبو الهيثم بن التيهان «الأوسي» الأمر، قائلًا: يا رسول الله، إن بيننا وبين أقوام حبالًا، وإنَّا قاطِعوها؛ فهل عسيت إنْ أظهَرَك الله، أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فقال رسول الله : «بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أسالم مَن سالمتم، وأحارب مَن حاربتم …» فأخذ البراء بن معرور بيد رسول الله فضرب عليها؛ وكان أول مَن بايع، وتتابع الناس فبايعوا.٣ ثم أخذ عليهم العباس بن عبد المطلب المواثيق لرسول الله بالوفاء، وعظم العباس الذي بينهم وبين رسول الله وذكر أن أم عبد المطلب، سلمى بنت عمر بن زيد بن عدي بن النجار.٤
وقبل أن ينصرفوا أراد أهل الحرب والحلقة استعراضَ قدراتهم القتالية وفنونهم الحربية للنبي ، فقال له ابن عبادة: إن شئتَ لنميلن غدًا على أهل مِنًى بأسيافنا. فأجَّلَ النبي الإمالةَ بالسيف إلى ما بعد الخروج من مكة بقوله: لم نُؤمَر بعدُ!٥
وكانت أهم المهام بعد الهجرة إلى يثرب هي تحريم المدينة، وعقد المعاهدة مع اليهود، ثم الخروج إلى طريق التجارة لقطعه تمامًا على أهل مكة، حتى إن عبد الله بن جحش استحلَّ فيه الشهر الحرام؛ إعلانًا لمكة بانهيارٍ مُقبِلٍ في هيكلها الاقتصادي، واستولى على تجارة لها، وأخذ أسيرين، وقتل عمرو بن الحضرمي؛ فقالت قريش: لقد استحلَّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا الرجال. وأكثر الناس في ذلك، فأنزل الله تعالى على رسوله : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ (البقرة: ٢١٧).٦
أما المهمة الجليلة والعظمى، فكانت قيام النبي بإنشاء نواة أول دولة عربية إسلامية في الجزيرة، محقِّقًا نبوءةَ جَدِّه: «إذا أراد الله إنشاء دولة، خلق لها أمثال هؤلاء.» وبهجرته خفَّتْ أثقال الاضطهاد عن كاهل الهاشميين؛ مما سمح لهم بالتظاهر بالحياد، ومجاملة بني عمومتهم أحيانًا، كخروج بعضهم مع قريش إلى بدر، في الوقت الذي كان فيه العباس يسرِّب لابن أخيه أخبار مكة أولًا بأول؛ لذلك كان الوفاء النبوي يجلجل في نداء النبي لرجاله، في غزوة بدر الكبرى، قبل هنيهة من الهجوم على أهل مكة: «إني قد عرفت أن رجالًا من بني هاشم وغيرهم، قد أُخرِجوا كَرْهًا لا حاجةَ لهم بقتالنا، فمَن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومَن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومَن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه خرج مستكرهًا.» وإنما نهى الرسول عن قتل أبي البختري بن هشام؛ لأنه كان أكف الناس عن رسول الله وهو بمكة، وكان لا يؤذيه، ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممَّن قام في نقض الصحيفة التي كُتِبت على بني هاشم وبني المطلب. فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا، ونترك العباس؟ والله لئن لقيتُه لَألحمنه السيف. فبلغت رسول الله مقالته، فقال لعمر بن الخطاب: «يا أبا حفص، أيُضرَب وجهُ عمِّ رسول الله بالسيف؟» فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق أبي حذيفة، والله لقد نافَقَ!» فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذٍ.٧
ويقول الأستاذ أحمد أمين إن النبي بعد النصر في بدر، ارتحل حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه وعلى مَن معه من المسلمين، فقال لهم سلمة بن سلامة: ما الذي تهنئوننا به؟! فوالله ما لقينا إلا عجائزًا صلعًا كالبدن المعقلة، فنحرناها! فتبسَّمَ رسول الله ثم قال: «يا ابن أخي، أولئك الملأ.»٨
نعم، هكذا انتهى أمر الملأ، أرستقراطية قريش ورجال الندوة وحَمَلة اللواء! وتهيَّأت الدولة لنشر جناحَيْها على أرض العرب، وعلى مكة ذاتها؛ الأمر الذي دفع العقاد للقول:
نكاد نقول: إن العرب أقبلت على الإسلام أفواجًا، حين صارت الكعبة إلى يديه وأصبحت عاصمة العروبة، عاصمة الدين الجديد، ولو لم تكن للعرب وحدة معروفة بينهم قبل البعثة الإسلامية، لَمَا اعتَزُّوا بالبيت الجامع لهم هذا الاعتزاز.٩

وهكذا، قامت الدولة الإسلامية بجهود البيت الهاشمي، وفضلٍ لا يُنكَر لأهل الحرب والحلقة اليثاربة وخُئولتهم، لكن ذلك كله لم يَفُتَّ في عضد الحزب الأموي، فظلَّ هؤلاء يترقَّبون الفرص حتى ما بعد اتساع الدولة بالفتوحات، وعندما سنحت الفرصة اقتنصوها، واستولوا على الحكم استيلاءً صريحًا بعد أنْ كان ضمنيًّا باستبعادِ عليٍّ بعد وفاة الرسول ، وساعتَها تجلَّتْ مشاعرهم تجاه بني عمومتهم في المجازر الدموية التي راح ضحيتها كلُّ مَن أيَّدَ البيت الهاشمي، حتى امتدت يد الانتقام الحمقاء إلى حَفَدة المصطفى استئصالًا لهذا البيت وأهله، ووصل بهم حد الهوس إلى ضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق؛ مشاعر عبَّرَ عنها لسانُ يزيد بن معاوية الأموي (منسوبًا إليه عن قصيدة طويل لابن الزِّبَعْرى):

لعبتَ هاشم بالمُلْك فَلَا
خبرٌ جاءَ ولا وَحْيٌ نَزَل١٠

أو كما أورده ابن كثير:

لعبتَ هاشم بالمُلْك فَلَا
مُلْكٌ جاءَ ولا وَحْيٌ نَزَل١١
١  أحمد الشريف: مكة والمدينة، ص٤١٥.
٢  الطبري: التاريخ، ج٢، ص٣٦٥.
٣  البيهقي: دلائل النبوة، ج٢، ص٤٤٧ و٤٤٨.
٤  نفسه: ٤٥٤.
٥  الطبري: ج٢، ص٣٦٥.
٦  أحمد أمين: فجر الإسلام، ص٨.
٧  نفسه: ص٢٢.
٨  نفسه: ص٢٥.
٩  العقاد: طوالع البعثة المحمدية، ص٦٥.
١٠  محمد القزويني: فاجعة الطف، مطبعة الأهرام، كربلاء، ط٩، د.ت، ص٥.
١١  ابن كثير: البداية والنهاية، ج٨، ص٢٢٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤