هلاك آل بندراجون

لم يكن الأبُ براون في حالةٍ مزاجية ملائمةٍ لخوض مغامراتٍ جديدة؛ إذ كان يمرُّ بوعكةٍ صحية مؤخرًا بسبب إرهاق العمل الزائد، وحين بدأ يتعافى، اصطحبه صديقه فلامبو في رحلةٍ بحرية على متن يختٍ صغير مع السير سيسيل فانشو، الذي كان إقطاعيًّا كورنيًّا شابًّا، وأحد أشدِّ المُعجبين بالمناظر الطبيعية في ساحل مُقاطعة كورنوال. لكنَّ براون كان لا يزال واهنًا نوعًا ما؛ فهو لم يكن من مُحبِّي الرحلات البحرية. ومع أنَّه لم يكن من النوع الذي يتذمَّر أو ينفعل قَط، لم تُتِح له حالته المزاجية سوى الصبر والكياسة والمُلاطفة؛ فحين أبدى الرجلان الآخران إعجابهما بمنظر غروب الشمس البنفسجي المترامي الأطراف أو الصخور البركانية المُثلَّمَة، اتفق معهما. وحين أشار فلامبو إلى صخرةٍ قائلًا: إنَّها تُشبه التنين. نظر إليها وأكَّد أنَّها تُشبه التنين جدًّا. وعندما أشار فانشو بحماسٍ أكبر إلى صخرةٍ أخرى قائلًا: إنَّها تُشبه الساحر ميرلين. نظر إليها براون وأشار بالموافقة. وحين تساءل فلامبو عمَّا إذا كان هذا المَدْخل الصخري للنهر الملتوي هو مَدْخل أرض الجِنِّيات، قال براون: «نعم.» كان يسمع أهم الأشياء وأتفهَها بالإدراك الفاتر نفسه، فسَمِعَ أنَّ الساحل مقبرةٌ للجميع باستثناء البحَّارة الحَذرين، وأنَّ قطة السفينة نائمة، وأنَّ فانشو لا يستطيع العثور على حامِل سيجاره في أيِّ مكان، وسَمِع الرُّبَّان وهو يُردِّد نبوءة الأوراكل: «ما دامت العينان يلمعُ فيهما الضوءُ، فأنت على الدَّرب الصحيح، أمَّا إنْ غابَ الضوءُ عن إحداهما برهةً، فإلى الغرقِ سيكونُ مصيرُك.» وسمع فلامبو يشرح لفانشو أنَّ هذه المقولة تعني بالتأكيد أنَّ الرُّبَّان يجب أن يظل منتبهًا ومتيقظًا، ثم سمع فانشو يقول لفلامبو: إنَّ المقولة، وللغرابة الشديدة، لا تعني ذلك، بل تعني أنَّهم يُبحِرون في المسار الصحيح ما داموا يرون ضوءَيْن من أضواء الساحل؛ أحدهما قريب والآخر بعيد، جنبًا إلى جنب بالضبط، أمَّا إذا اختفى أحدهما خلف الآخر، فهذا يعني أنَّهم سيصطدمون بالصخور. وسَمِع فانشو يُضيف أنَّ بلاده كانت مليئة بمثل هذه الأساطير والأمثال العجيبة، وأنَّها الموطن الأصلي للرومانسية، وأنَّه حرَّض ذلك الجزء من مقاطعة كورنوال على مُقاطعة ديفونشير، بدعوى أنَّهم أصحاب أمجاد البحرية الإليزابيثية. وحسبما قاله فانشو، كان هناك ربابنةٌ بين هذه الخلجان والجُزُر الصغيرة لم يكن فرانسيس دريك يفقه شيئًا عن الإبحار مُقارنةً بهم. وسَمِع فلامبو يتساءل ضاحكًا عمَّا إذا كان اسم «ويستوارد هو!» (وتعني «إلى الغرب!») الذي تحمله قريةٌ في ديفونشير يعني أنَّ جميع سكان ديفونشير يتمنَّون العيشَ في كورنوال. وسَمِع فانشو يطلب من فلامبو الكَفَّ عن السخرية، وأنَّ المآثر البطولية لربابنة كورنوال لا تقتصر على الماضي، بل تمتد إلى الحاضر كذلك؛ وأنه بالقرب من هذه المنطقة نفسها، كان هناك أدميرال سابق، أصبح متقاعدًا الآن، أُصيبَ بنُدوبٍ من جرَّاء خوض رحلاتٍ بحرية مثيرة مليئة بالمغامرات، وهو مَن اكتشف، في شبابه، آخر مجموعةٍ من جزر المحيط الهادئ الثمانية أُضيفت إلى خريطة العالم. كان سيسيل فانشو، على المستوى الشخصي، من ذلك النوع الذي عادةً ما يستحثُّ ذلك الحماس الممتع رغم سذاجته؛ كان شابًّا صغيرًا أشقر ذا وجهٍ متورِّد وملامحَ حماسيةٍ مندفعة ولديه روحٌ صبيانية تتظاهر بالجُرأة، ولكن برهافةٍ شبه أنثوية طباعًا وشكلًا؛ فيما كان فلامبو ذو الكتفَين العريضتَين والحاجبَين الأسودَين وخُيلاء الفرسان الفرنسيِّين وهم على صهوة خيولهم السوداء على النقيض من ذلك تمامًا.

سمعَ براون كلَّ هذه التفاهات ورآها، لكنَّه سمعها كرَجُلٍ متوعِّكٍ يُنصِت إلى نغمةٍ رتيبة في صوت عجلات القطارات، أو رآها كرَجُلٍ مريض يتفحَّص النقشَ المطبوع على ورق الحائط في منزله. لا يُمكِن لأحدٍ أن يحسب عدد التغيُّرات المزاجية في فترة النقاهة، ولكن لا شكَّ في أنَّ اكتئاب الأبِ براون كان له علاقةٌ كبيرة بعدم اعتياده الرحلات البحرية؛ فحين ضاقَ مصب النهر مثل عنق زجاجة، وأصبحت حركة المياه أهدأ وصار الهواء أدفأ وأشبه بهواء البر، بدا أنَّ براون بدأ يستفيق وينتبه كطفلٍ رضيع. وقد وصلوا إلى هذه المرحلة بعد غروب الشمس مباشرة، حين بدا الماء والسماء ساطعَين، بينما كانت الأرض بجميع نباتاتها وأشجارها النامية تبدو شبه مُعتِمة. ولكن كان ثَمَّةَ شيءٌ استثنائي في هذا المساء بالذات؛ إذ شَهِد واحدًا من تلك الأجواء النادرة التي يبدو فيها أنَّ لوحًا من الزجاج المُعتِم ينزلق حائلًا بيننا وبين الطبيعة، لدرجة أنَّ الألوان الداكنة نفسها في ذلك اليوم بدت أجمل من الألوان الفاتحة في الأيام الأشدِّ غيمًا. ولم تكن الأرض المنهرسة لضفتي النهر ولا التربة الخِثِيَّة في بِرَك المياه تبدو رماديةً باهتة بل بُنِّية مُحمَرة زاهية، ولم تكن غصون الأشجار الداكنة التي تتمايل مع هبَّاتِ النسيم تبدو زرقاءَ باهتة من بعيد كالمعتاد، بل كانت أشبه بمجموعاتٍ من زهور البنفسج الزاهية تتراقص مع الرياح. ويبدو أنَّ شيئًا ما رومانسيًّا، بل وسرِّيًّا، في شكل الطبيعة نفسه، قد فَرَضَ هذا الوضوح وهذه الشدَّة الساحريْن الكامنَين في الألوان فرضًا على حواس براون التي كانت تسترد عافيتَها ببطء.

كان النهرُ لا يزال واسعًا وعميقًا بما يكفي لاستيعاب قاربٍ ترفيهي صغير مثل قاربهم، لكنَّ منحنيات ضفَّتَيه الريفيتين كانت تشير إلى أنَّ إحداهما تقترب من الأخرى، فيما بدا أنَّ الأشجار تبذل محاولاتٍ خاطفة ومنقوصة لبناء جسر فوق النهر، وبدا القارب كما لو كان ينتقل من الأجواء الرومانسية لوادٍ، إلى نظيرتها في غَور، ثم إلى نظيرتها الأكثر بروزًا في نفَق. أما فيما وراء هذه المناظر البسيطة، فلم يكن ثمة الكثيرُ ليتغذَّى عليه خيالُ براون الذي كان في سبيله إلى التعافي؛ إذ لم يرَ أيَّ إنسانٍ، باستثناء بعض الغجر المتسكعين على ضفة النهر حاملين حُزَمًا من الحطب وأغصان صفصاف السلال التي قطعوها من أشجار الغابة، ومشهدًا آخر لم يعُد غريبًا، لكنَّه ما زال غير مألوفٍ في مثل هذه الأماكن النائية؛ سيدةٌ مكشوفة الرأس ذات شعرٍ داكن تُجدِّف في زورقها. لو أنَّ الأبَ براون قد أعطى أيًّا من هذين المشهدَين أهميةً من قبل، فمن المؤكَّد أنَّه قد نسيهما في المنعطف التالي من النهر الذي قاده إلى رؤية شيءٍ فريدٍ من نوعه.

بدا أنَّ عرض النهر يزداد، وينقسم إلى مسارَين عند وَتَدٍ برِّيٍّ داكنٍ متفرع من جزيرةٍ صغيرة مليئة بالأشجار على شكل سمكة. وفي ظل السرعة التي كانوا يُبحِرون بها، بدت الجزيرة وكأنها تسبح نحوهم كسفينة؛ سفينةٍ ذات مُقدِّمة شاهقة، أو بالأحرى مَدخنةٍ شاهقة؛ فعند أعلى وأقرب نقطةٍ لهم، كان ثَمَّةَ مبنًى غريب الشكل مختلفٌ عن أيِّ شيء استطاعوا تذكُّره أو ربطه بأيِّ غرض. لم يكن المبنى مرتفعًا في حد ذاته، لكنَّه كان مرتفعًا أكثر من اللازم بالنسبة إلى عرضه، لدرجة أنَّه لم يكن من الممكن أن يُوصَف بخلاف أنَّه بُرج. ومع ذلك، كان يبدو مبنيًّا بالكامل من الخشب بطريقةٍ غير منتظمة وغير متجانسة على الإطلاق؛ فقد كانت بعض الألواح والعوارض مصنوعةً من أخشاب شجر البلوط المُجفَّفة الجيدة، بدا بعضها مقطوعًا من الأشجار مؤخرًا دون تشذيب، وكان بعضها من خشب الصنوبر الأبيض، بينما كانت ثَمَّةَ كميةٌ كبيرة من أخشاب من النوع نفسه مطلية بالقطران الأسود. كانت هذه العوارض السوداء منصوبةً بوضعياتٍ ملتوية أو متقاطعة بزوايا مختلفة، ممَّا أضفى على المبنى كُلِّه شكلًا غير متجانس ومُحيِّرًا للغاية. وكانت هناك نافذةٌ، أو اثنتان، بدت ملوَّنة ومُعشَّقة بقُضبان الرصاص على طرازٍ قديم لكنَّه أكثر تعقيدًا. نَظَر المسافرون إلى المبنى بذلك الشعور المتناقض الذي ينتابنا حين يُذكِّرُنا شيءٌ ما بشيءٍ آخر، لكنَّنا على يقين من أنَّه شيءٌ مختلف تمامًا.

كان الأبُ براون، حتى حين يكون مُتحيِّرًا، ذكيًّا في تحليل حيرته. ووجد نفسه يُفكِّر في أنَّ عنصر الغرابة الأساسي يكمن في وجود شكلٍ مُعيَّن مصنوع من مادةٍ غير متجانسة مع بقية المواد المحيطة بها، كما لو أنَّك ترى أمامك قُبَّعةً رسمية مصنوعة من الصفيح، أو معطفًا رسميًّا مصنوعًا من صوف الطرطان. كان متيقنًا من أنَّه رأى أخشابًا ذات ألوانٍ مختلفة مُرتَّبةً بهذه الطريقة في مكانٍ ما، ولكن ليس بمثل تلك النِّسَبِ المعمارية على الإطلاق. وبعد ذلك بلحظةٍ واحدة، أخبرته نظرةٌ خاطفة عبر الأشجار الداكنة بكل ما أراد معرفته، ما جعله يضحك؛ فمن خلال فجوةٍ بين أوراق الأشجار، ظَهَر لبُرهةٍ واحدٌ من تلك المنازل الخشبية القديمة المكسوة بعوارضَ سوداء، والتي ما زالت موجودة في بعض الأماكن في إنجلترا؛ لكنَّ معظمنا لا يرى إلَّا نماذج مُحاكيةً لها في بعض المعارض مثل معرض «لندن القديمة» أو معرض «إنجلترا في عصر شكسبير». وقد ظلَّ المنزل في مرمى البصر طويلًا، ما أتاح للقسِّ أن يرى أنَّه منزلٌ ريفي مُريح ومُعتنًى به جيدًا، مع أنَّه ذو طرازٍ قديم، وأمامه حديقة بها أحواضُ زهور. لم تَبدُ عليه أيٌّ من ملامح المنظر المُرقَّط الجنوني للبرج، الذي بدا مصنوعًا من نفاياته.

قال فلامبو الذي كان لا يزال يُحدِّق في البرج: «ما هذا بحقِّ السماء؟»

حينئذٍ، لمعت عينا فانشو وقال بنبرةِ انتصار: «أها! أظنُّ أنَّك لم ترَ مكانًا كهذا من قبل؛ لذا أحضرتك إلى هنا يا صديقي. الآن ستكتشف بنفسك ما إذا كُنت أبالِغ في كلامي عن بحَّارة كورنوال. إنَّ هذا المكان تعود ملكيته إلى بحَّارٍ قديم من آل بندراجون، نُسمِّيه الأدميرال، مع أنَّه تقاعد قبل الحصول على هذه الرُّتبة. إنَّ روح والتر رالي وجون هوكينز تُمثِّل ذكرى لدى أهل ديفونشير، لكنَّها حقيقةٌ معاصرة حيَّة بين آل بندراجون. لو بُعِثَت الملكة إليزابيث من قبرها وخاضت رحلةً في هذا النهر على متن سفينةٍ مطلية بالذهب، لاستضافها الأدميرال في منزلٍ مماثل تمامًا للمنازل التي اعتادتها، في كلِّ رُكنٍ وكلِّ نافذة، وكلِّ لوحةٍ مُعلَّقة على الحائط أو كلِّ طبقٍ موضوع على الطاولة. ولَوَجدتْ رُبَّانًا إنجليزيًّا لا يزال يتحدث بحماسٍ شديد عن أراضٍ جديدة يُمكن اكتشافها عبر رحلاتٍ على متن سُفُنٍ صغيرة، كما لو كانتْ تتناول العشاء مع فرانسيس دريك.»

قال الأبُ براون: «ولَوَجدتْ شيئًا غريبًا في الحديقة ما كان لِيَسُرَّ عينيها اللتين اعتادتا مشاهد عصر النهضة. صحيحٌ أنَّ العمارة المحلية على الطراز الإليزابيثي لها جاذبيتها الخاصة، لكنَّ انتشار الأبراج على هذا النحو مُنافٍ لطبيعتها تمامًا.»

ردَّ فانشو: «ومع ذلك، فهذا المبنى هو الجزء الأكثر رومانسيةً والأكثر صلةً بالطراز الإليزابيثي في القصة كلِّها. لقد شيَّده آل بندراجون في أيام الحروب الإنجليزية الإسبانية، ومع أنَّه كان بحاجةٍ إلى الترميم أو إعادة البناء لسببٍ آخر، كان دائمًا ما يُعاد بناؤه بالطريقة القديمة. تقول القصة إنَّ زوجة السير بيتر بندراجون شيَّدته في هذا المكان وبهذا الارتفاع؛ لأنَّ المرءَ يُمكِن أن يرى من قمته الزاوية التي تنعطف فيها السفن إلى مصبِّ النهر، وكانت تريد أن تكون أوَّل مَن يرى سفينة زوجها، وهو عائدٌ إلى دياره من البرِّ الرئيسي الإسباني.»

سأله الأبُ براون: «وماذا تقصد بالسبب الآخر الذي كان يحتاج إلى إعادة البناء من أجله؟»

قال الإقطاعيُّ الشاب بتلذُّذٍ: «أوه، ثَمَّةَ قصةٌ غريبة بشأن هذا أيضًا. أنت حقًّا في أرضٍ مليئة بالقصص الغريبة؛ فكما كان الملك آرثر هنا، ومن قبله ميرلين والجِنِّيات، تقول القصة إنَّ السير بيتر بندراجون، الذي (وللأسف) ارتكب بعض أخطاء القراصنة مثلما كان يتمتع بفضائل البحَّارة، كان عائدًا إلى الوطن ومعه ثلاثة أسرى إسبانٍ مأسورين أسرًا شريفًا، وكان يعتزم مرافقتهم إلى بلاط قصر إليزابيث. لكنَّه كان رجلًا ذا مزاجٍ شرس سريع الغضب، ودخل في مشادةٍ لفظية حامية مع أحد الأسرى، فأمسكه من حَلقه وألقى به، سواءٌ عن قصدٍ أو غير قصد، في البحر. وسرعان ما استلَّ الإسباني الثاني، الذي كان شقيق الأول، سيفَه وهَجَم على بندراجون، وبعد قتالٍ قصير، لكنَّه محتدم، أُصيبَ فيه كلٌّ منهما بثلاثة جروح في دقائقَ معدودة، غرسَ بندراجون نَصل سيفه في جسد الإسباني، فأرداه قتيلًا. وفي أثناء ذلك، كانت السفينة قد انعطفَت بالفعل داخل مصبِّ النهر، وكانت قريبةً من مياهٍ ضحلة نسبيًّا، فقفز الإسباني الثالث من فوق جانب السفينة، ثم اتجه نحو الشاطئ وسرعان ما اقترب منه لدرجة أنَّ مستوى الماء أصبح في مستوى خصره وهو واقفٌ على قدمَيه. التفتَ مرةً أخرى إلى السفينة، ورَفَع ذراعَيه نحو السماء — كنبيٍّ يدعو ربَّه بإنزال الهلاك على بلدة فاسدة — وصاح مُناديًا بندراجون بصوتٍ ثاقب مُرعب ليُخبِره بأنَّه ما زال على قيد الحياة الآن على الأقل، وأنَّه سيظل حيًّا الآن وإلى الأبد، وأنَّ الأجيال المتعاقبة من آل بندراجون لن يرَوه ولن يرَوا أيَّ شيءٍ أو شخصٍ مرتبط به، لكنَّهم سيعرفون من علاماتٍ مؤكَّدة للغاية أنَّه ما زال حيًّا وأن انتقامه سيظل يطاردهم، ثم غاصَ تحت الأمواج، فإمَّا غَرِق وإمَّا ظلَّ يسبح تحت الماء لفترةٍ طويلة جدًّا لدرجة أنَّ شعر رأسه لم يُرَ بعد ذلك.»

قال فلامبو في سياقٍ آخر غير متصل بحديثهما؛ إذ كانت الفتيات الفاتنات دائمًا ما يُشتِّتن انتباهه عن أي موضوع: «انظرا إلى تلك الفتاة في الزورق مرةً أخرى. يبدو أنها منزعجة من هذا البرج الغريب مثلنا تمامًا.»

كانت الشابة ذات الشعر الأسود بالفعل تترك زورقها يطفو ببطء وفي صمتٍ بجوار الجزيرة الغريبة، وكانت تنظر بتمعُّن إلى البرج الغريب، بينما ظهرت لمعةُ فضول قويةٌ على وجهها البيضاوي ذي السمرة الخفيفة.

قال فانشو بنفادِ صبرٍ: «لا تهتمَّ بالفتيات أبدًا؛ فما أكثرهن في الدنيا، ولكن لا يُوجد الكثير من أمثال برج بندراجون.» ثم استأنفَ قصته قائلًا: «ومثلما قد تتصوَّر ببساطة، ظهرت الكثير من الخُرافات والفضائح في أعقاب لعنة الإسباني، وكما ستعتقد، أصبح أيُّ حادثٍ يُصيب هذه العائلة الكورنية ينُسَب إلى تلك اللعنة بلا شكٍّ بسبب سذاجة القرويين. لكنَّ الشيء الصحيح تمامًا أنَّ هذا البرج أُحرِق مرتين أو ثلاثًا، ولا يُمكن وصفُ العائلة بأنَّها محظوظة؛ وذلك لأنَّ أكثر من اثنين، على ما أظن، من أقرب أقرباء الأدميرال لقُوا حتفهم في حادثَي تَحَطُّم بين سفينتَين، وأحدهما على الأقل غَرِق في المكان نفسه تقريبًا الذي ألقى فيه السير بيتر الرجلَ الإسباني الأول في البحر، على حدِّ علمي.»

صاح فلامبو بحسرةٍ: «وا أسفاه! إنَّها راحلة.»

أمَّا الأبُ براون، فسأل فانشو: «ومتى أخبرك صديقك الأدميرال بتاريخ هذه العائلة؟» وفي تلك الأثناء كانت الفتاة في الزورق تُجدِّف مبتعدةً عن الجزيرة دون إظهار أدنى نِيَّةٍ لنقل اهتمامها من البرج إلى اليخت، الذي جعله فانشو يرسو بجوار الجزيرة.

فأجابَ فانشو: «منذ سنواتٍ عديدة؛ فهو لم يخرج في أي رحلةٍ بحرية منذ فترة، مع أنَّه ما زال مُولَعًا بها، مثلما كان دائمًا. أعتقد أنَّ السبب هو ميثاقٌ عائلي أو شيءٌ من هذا القبيل. حسنًا، ها هو رصيفُ الإرساء. لنهبط إلى الشاطئ ونلتقِ البحَّار القديم.»

تَبِعاه إلى الجزيرة، وساروا جميعًا تحت البرج مباشرةً، وبدا أنَّ نشاط الأبِ براون قد تحسَّن على نحوٍ غريب، إما لمجرَّد أنْ وطأت قدمه البَرَّ، وإما لاهتمامه بشيءٍ ما على الضفة الأخرى من النهر (التي ظلَّ يُحدِّق إليها بشدة لبضع ثوانٍ). دخلوا طريقًا مُشجَّرًا بين سياجَين من خشبٍ رقيقٍ مائل إلى الرمادي، مثل تلك الأسيجة التي عادةً ما تحيط بالمتنزهات أو الحدائق، بينما كانت أغصان الأشجار الداكنة تهتز جيئةً وذهابًا أعلى الطريق مثل ريشاتٍ سوداء وأرجوانية فوق عربة موتى تحمل جثمانَ عملاق. وبينما واصلوا السير تاركين البرج خلفهم، بدا أشدَّ غرابة؛ لأنَّ مثل هذه المداخل عادةً ما يحدُّها على الجانبين بُرجَان؛ لذا بدا هذا المَدْخل مائلًا، ولكن بسبب هذا، كان هذا الممر المُشجَّر يغلبُ عليه الشكل المعتاد لمَدْخل عِزبة أحد السادة، ولأنَّه كان منحنيًا للغاية لدرجة أنَّ المنزل توارى عن أنظارهم، بدا على نحوٍ ما كحديقةٍ أكبر بكثير ممَّا يمكن أن تكون عليه أيُّ مزرعةٍ في جزيرةٍ كهذه. ربما كان الأبُ براون يتوهم بعض الأشياء بسبب تعبه، لكنَّه كان يعتقد أنَّ المكان برمته ينمو ويتضخم حتمًا، مثلما تبدو الأشياء في الكوابيس. على أي حال، كانت الرتابة الغامضة هي الطابع الوحيد لمسيرتهم، حتى توقَّف فانشو فجأة، وأشار إلى شيءٍ بارز من خلال السياج الرمادي، شيءٍ بدا للوهلة الأولى مثل قَرنٍ حبيس لحيوانٍ ما، ولكن حين نظروا إليه عن كثب، تبيَّن أنَّه نصلٌ معدني مقوس قليلًا له لمعةٌ خافتة في الضوء المتلاشي تدريجيًّا.

انحنى فلامبو، الذي كان جنديًّا مثله مثل جميع الرجال الفرنسيين، نحوه وقال بصوتٍ مرتعب: «يا إلهي، إنَّه سيف! أعرفُ هذا النوع، إنَّه ثقيلٌ ومقوس، لكنَّه أقصر من سيوف سلاح الفرسان، عادةً ما كانوا يستخدمون هذا النوع في سلاح المدفعية واﻟ…»

وبينما كان يتكلم، انتُزِعَ النصل من الشق الذي كان قد أحدثه في السياج، ونَزَل مرةً أخرى بضربةٍ أشدَّ قوة، قاسمًا السياج القابل للانقسام بالفعل من أعلاه حتى أسفله مُحدِثًا صوت انشطارٍ قوي، ثم سُحِبَ مرةً أخرى، وارتفعَ لامعًا فوق السياج ببضع أقدام أكثر من المرة السابقة، وقسمه مرةً أخرى من أعلاه إلى منتصفه مع أول ضربة، وبعدما اهتزَّ قليلًا ليُخلِّص نفسه من السياج (مصحوبًا بألفاظٍ نابية في الظلام)، قَسَمه من منتصفه حتى أسفله بضربةٍ ثانية، ثم رُكِل المُربَّع الخشبي الرقيق المقطوع من السياج بركلةٍ شيطانية أطاحت به إلى الممر المُشجَّر، ونشأت فجوةٌ مُظلمة كبيرة في السياج ظهرت من خلالها أجمة من عدة شُجيراتٍ متقاربة.

حدَّق فانشو إلى الفتحة المظلمة وأطلَق صيحة ذهول، ثم صاح في دهشة: «عزيزي الأدميرال! هل … هل من عادتك أن تصنع بابًا أماميًّا جديدًا في السياج كُلَّما أردت الخروج للتمشية؟»

أطلق الصوت المنبعث من وسط الظلام ألفاظًا نابية مرةً أخرى، ثم ضحك ضحكةً مبتهجة. وقال: «لا، بل يجب أن أقطع هذا السياج بطريقةٍ أو بأخرى؛ فهو يدمر جميع النباتات، ولا يُمكن لأي شخصٍ آخر هنا قطعه، لكنني فقط سأقطع قطعةً أخرى من الباب الأمامي، ثم سأخرج وأرحِّب بكم.»

وكما هو متوقع، رَفَع سيفه مرةً أخرى، وهَوَى به على السياج بضربتَين، مُسقِطًا قطعةً أخرى من السياج مُشابهةً للأولى، ليُصبح عرض الفتحة الإجمالي حوالي أربع عشرة قدمًا. ثم خرج إليهم عَبْر هذه الفتحة الأوسع المؤدية إلى الغابة، ليظهر في ضوء الغسق وقد التصقَت رقاقةٌ من الخشب الرمادي بنَصل سيفه.

للوهلة الأولى، يبدو أنَّ مظهر الرجل يُثبِت صحة الحكاية التي سردها فانشو عن أدميرال قديم يحمل بعض سمات القراصنة، ولكن بدأت بعد ذلك التفاصيل التي جعلَته يبدو كذلك تتحلَّل إلى أشياءَ عادية عابرة؛ فعلى سبيل المثال، كان يعتمر قُبَّعةً ذات حافةٍ عريضة لحماية رأسه من الشمس، لكنَّ طرفها الأمامي كان مَثنيًّا إلى الأعلى باتجاه السماء، بينما كان جانباها يُغطيان الأذنَين؛ مما جعلها تبدو كهلالٍ على جبهته على غرار القبعة المطوية القديمة التي كان نيلسون يعتمرها. وكان يرتدي سُترةً زرقاء داكنة عادية ذات أزرار تبدو عادية أيضًا، لكنَّ ارتداءها مع سروالٍ من الكتَّان الأبيض أضفى عليه مَظهر البَحَّار بطريقةٍ ما. كان طويلًا مترهل الأطراف، ويسير بنوعٍ من التبختُر، صحيحٌ أنَّه لم يكن أشبه بتبختر البحَّارة، لكنَّه كان يوحي به بشكلٍ أو بآخر، وكان يحمل في يده سيفًا مقوَّسًا قصيرًا أشبه بالسيف القصير الثقيل المُستخدَم في سلاح البحرية، لكنَّه كان في ضِعفَي حجمه تقريبًا. كان وجهه الشبيه بوجه النسور يبدو متحمسًا أسفل حافة قبعته؛ وكان ذلك لأنَّه لم يكن حليق الوجه فحسب، ولكن كان بدون حاجبَين؛ فقد بدا كما لو أنَّ الشعرَ كُلَّه قد سَقَطَ عن وجهه بسبب إقحامه في فتحةٍ ضيقة وسط كومةٍ من الأشياء المتكدسة. كانت عيناه بارزتَين وثاقبتَين. وكان لون بشرته استوائيًّا إلى حدٍّ ما، لكنَّه كان يحمل جاذبيةً غريبة؛ إذ كان يُذكِّر مَن يراه بالبرتقال الأحمر لسببٍ غامض؛ فقد كان وجهه الدموي المحمر يحمل لونًا أصفر، لكنَّه لم يكن اصفرارًا ينمُّ عن مرض بأي حالٍ من الأحوال، بل بدا متوهجًا نوعًا ما مثل التفاح الذهبي في حدائق هيسبيريديس، حتى إن الأبَ براون اعتقد أنَّه لم يرَ في حياته شخصيةً مُعبِّرة للغاية عن جميع التفاصيل الرومانسية المتعلقة بالبلاد الحارة مثله.

وبينما كان فانشو يُقدِّم صديقَيه إلى مُضيفهم، تطرَّق في حديثه مرةً أخرى إلى نبرةٍ تسخر من ذلك الأخير بشأن تحطيمه السياج وتفوُّهِه الغاضب الواضح بألفاظٍ نابية. قلَّل الأدميرال في البداية من شأنِ ما كان يفعله، واصفًا إيَّاه بأنَّه عمل بستاني ضروري لكنَّه مُزعِج، لكن مع امتداد الحديث اكتست ضحكته مُجدَّدًا حيوية حقيقية، وصاحَ بمزيجٍ من نفاد الصبر والحسِّ الفكاهي، قائلًا:

«حسنًا، ربما أفعل ذلك بسرعةٍ بعض الشيء، وأشعر بمتعةٍ ما في تحطيم أيِّ شيء. وهذا ما كُنت ستفعله أيضًا لو كانت متعتك الوحيدة تكمن في خوض رحلةٍ بحرية استكشافية للعثور على بعض جُزُر آكلي لحوم البشر الجديدة، ثم وجدتَ نفسك مضطرًّا إلى البقاء في هذه الحديقة الصغيرة الوعرة المُوحِلة في مكانٍ أشبه بمستنقعٍ ريفي. حين أتذكر كيف أنني كنت أقطع ميلًا ونصف الميل وسط أدغالٍ خضراء خطرة بسيفٍ قصير قديم أقل حدَّة من هذا بكثير، ثم أتذكر أنني مضطرٌّ إلى البقاء هنا وتقطيع هذه الشظايا الخشبية بسبب اتفاقٍ قديم لعين مكتوبٍ بخطٍّ عشوائي ركيك في كتاب مواثيقَ عائليٍّ أشبه بالكتاب المُقدَّس، يا إلهي! إنني …»

ثم رفعَ سيفه الفولاذي الثقيل مرةً أخرى، وهَوَى به على السياج الخشبي قاسمًا إيَّاه من أعلاه إلى أسفله بضربةٍ واحدة هذه المرة.

وقال ضاحكًا بينما كان يطوِّح السيف بغضبٍ لبضع ياردات عبر الطريق: «إنني أستمتع بذلك. والآن هيا لنصعد إلى المنزل. يجب أن تتناولوا العشاء.»

كان المنزل أمامه مَرْجٌ على شكل نصف دائرةٍ يحتوي على ثلاثة أحواضٍ دائرية من الزهور المتنوعة؛ حوضٍ من زهور التوليب الحمراء، والثاني من زهور التوليب الصفراء، والثالث من زهورٍ بيضاء ذات مظهرٍ شمعي لم يكن الزائرون يعرفونها وافترضوا أنَّها مجلوبةٌ من منطقةٍ أخرى. كان هناك بُستانيٌّ بَدينٌ كثيف الشعر مُتجهِّم الوجه يُعلِّق لفَّةً ثقيلة من خرطوم الحديقة. كان البصيصُ الأخير المتبقي من ضوء الغروب الذي بدا وكأنَّه يتشبث بزوايا المنزل الخارجية يعطي لمحاتٍ متفرقة خاطفة عن ألوان بعض أحواض الزهور التي تقع على مسافةٍ أبعد، وفي مساحةٍ خالية من الأشجار على جانبٍ من جانبي المنزل كان مفتوحًا مباشرةً على النهر، كان هناك حاملٌ ثلاثي نحاسيٌّ مرتفع يحمل تلسكوبًا نحاسيًّا كبيرًا مائلًا. وخارج دَرَج الشرفة مباشرةً، كانت هناك طاولة حديقة خضراء مطلية طلاءً خفيفًا، وبَدَت كما لو كان شخصٌ ما قد احتسى الشاي عندها للتو. وعلى جانبي المَدْخل، كان هناك تمثالان حجريان غير مكتملَي الملامح بهما ثقوبٌ مُخصَّصة للعيون يُقال إنَّهما من الأصنام التي كان يعبدها سُكَّان منطقة بحر الجنوب، وعلى العارضة البُنِّية المصنوعة من خشب البلوط والمُعلَّقة بعرض المَدْخل من الأعلى، كانت هناك بعض النحوت المشوشة التي بدت شِبه بربرية.

عندما دخلوا المنزل، قفز القَسُّ الضئيل الجسم فجأةً فوق الطاولة، ووقف عليها مُحدِّقًا بثباتٍ عَبْر نظَّارته إلى الرموز المنحوتة على العارضة الخشبية. أبدى الأدميرال بندراجون دهشةً بالغة حيال تصرُّفه هذا، لكنَّه لم يكن منزعجًا منه، بينما كان فانشو مستمتعًا جدًّا بما بدا أشبه بفقرةٍ استعراضية يؤديها قِزمٌ على طاولةٍ صغيرة، لدرجة أنَّه لم يستطع كتم ضحكته، لكنَّ الأبَ براون لم يكن من الممكن أن يلاحظ ضحكة فانشو أو دهشة الأدميرال.

كان يُحدِّق باستغراقٍ في ثلاثة رموزٍ منحوتة بدا أنَّها تنقل معنًى مُعيَّنًا إليه، مع أنَّها متآكلة ومُبهمة للغاية؛ فقد بدا الرمز الأول وكأنَّه مُخططٌ لبُرجٍ ما أو مبنًى آخر مُتوَّج من الأعلى بما يُشبه شرائط زينةٍ مموَّجة. بينما بدا الثاني أوضح؛ إذ كان يرمز إلى قادسٍ إليزابيثيٍّ قديم يُبحِر فوق أمواجٍ، ولكن هناك صخرة مُسنَّنة غريبة تعترضه في منتصف الطريق، تُشير إمَّا إلى خَرقٍ في خشب القادس، وإما إلى رمزٍ تقليديٍّ ما يرمز إلى اختراق الماء له. أمَّا الرمز الثالث، فكان يُمثِّل النصف العلوي من جسد إنسان يقف في نهاية خطٍّ مموج يُشبه الأمواج، بينما كانت ملامح وجهه مطموسةً من جرَّاء حَكِّه بشيءٍ ما، وكانت كلتا ذراعَيه مرفوعةً بثباتٍ شديدٍ نحو السماء.

تمتم الأبُ براون وهو يرمش بعينَيه: «حسنًا، ها هي حكاية الإسباني الأسطورية واضحة أمامكم؛ فهنا يرفع ذراعيه متوعِّدًا وهو في البحر. وهنا اللَّعنتان اللتان أصابتا آل بندراجون؛ السفينةُ الغارقة، وحريقُ برج بندراجون.»

هزَّ بندراجون رأسه بنوعٍ من التندُّر الذي يغلب عليه الوقار، وقال: «وماذا عساها أيضًا أن تكون تلك الرموز؟ ألا تعرف أنَّ هذا النوع من الرموز التي تُظهِر نصفَ رجلٍ، مثل تلك التي تُظهِر نصفَ أسدٍ أو نصفَ ظبيٍ، شائعةٌ جدًّا في شعارات النبالة؟ أليس من الممكن أن يكون هذا الخط المار عَبْر القادس هو أحد تلك الخطوط التي تقسم شعارات النبالة إلى نصفَين، والتي يُسمونها الخطوط المُتعرجة، حسبما أظن؟ ومع أنَّ الرمز الثالث لا يبدو مرتبطًا ارتباطًا كبيرًا بشعارات النبالة، سيبدو أكثر ارتباطًا بها إذا افترضنا أنَّه برجٌ متوَّج بإكليلٍ من الغار وليس نيرانًا مشتعلة، وهو يبدو كذلك تمامًا.»

قال فلامبو: «ولكن يبدو من الغريب نوعًا ما أنَّه يؤكِّد الحكاية الأسطورية القديمة بالضبط.»

أجابَ بندراجون المتشكك: «نعم، لكنَّك لا تعرف كمَّ الأجزاء المُختلقَة من قبل القُدامى في هذه الحكاية الأسطورية القديمة. وفوق ذلك كله، فهي ليست بالحكاية الأسطورية القديمة الوحيدة. وها هو فانشو، المُولَع بمثل هذه الأشياء، بإمكانه أن يسرد لك رواياتٍ أخرى لهذه الحكاية، بل أفظع منها بكثير؛ فتقول إحدى هذه القصص إنَّ جَدِّي التعيس الحظ شَطَر الرجل الإسباني إلى نصفَين، وهذا يتلاءم أيضًا مع الرمز المنحوت الذي يُظهِر نصفَ رجلٍ. بينما تتكرَّمُ قصةٌ أخرى على عائلتنا بالإشارة إلى أنَّها كانت تمتلك بُرجًا مليئًا بالثعابين، وتُفسِّر تلك الأشياء الصغيرة المتموجة التي تظهر أعلى البُرج في الرمز المنحوت بناءً على ذلك. فيما تفترض نظريةٌ ثالثة أن الخطَّ المتعرج الذي يمر عَبْر القادس يُشير إلى صاعقةٍ تقليدية، لكنَّ هذه النظرية وحدها، إذا دُقِّق فيها بجدية، ستُظهِر كَم أنَّ تلك المُصادفات السيئة لا تُفسِّر شيئًا على الإطلاق.»

سأله فانشو: «يا إلهي، ماذا تقصد؟»

أجاب مضيفه ببرود أعصابٍ: «لقد تصادف أنه لم يكن هناك أيُّ رعدٍ أو برقٍ على الإطلاق عند وقوع حوادث تحطُّم السفينتَين أو الثلاث التي أعرفها في عائلتنا.»

فقال الأبُ براون وهو يقفز من فوق الطاولة الصغيرة إلى الأرض: «يا إلهي!»

حلَّت لحظةُ صمتٍ أخرى سمعوا فيها صوتَ الخرير المتواصل لمياه النهر، قبل أن يقول فانشو بنبرةٍ يشوبها الشكُّ وربما الإحباط: «أتعني أنَّك لا تؤمن إطلاقًا بصحة الحكايات التي تتحدث عن احتراق البُرج؟»

قال الأدميرال، وهو يَهُزُّ كتفيه: «ثمة حكاياتٌ بالطبع، ولا أنكِر أنَّ بعضها قائمٌ على أدلةٍ مُناسبةٍ بدرجةٍ تُضاهي تلك التي قد يحصل عليها المرءُ للتثبُّت من مثل هذه الحكايات. لا شكَّ في أنَّ أحدهم قد رأى نيرانًا متوهجة في هذه المنطقة بينما كان عائدًا إلى منزله عَبْر غابةٍ ما، وآخر كان يرعى الأغنام في السهول المرتفعة الداخلية اعتقدَ أنَّه رأى ألسنة اللَّهب تحوم فوق برج بندراجون، لكنني أعتقد أنَّ منطقةً مُوحِلة رطبة صغيرة مثل هذه الجزيرة اللعينة هي آخر مكان يمكن للمرءِ أن يُفكِّر في اندلاع حرائق به.»

تساءل الأبُ براون بنبرةٍ فُجائية لطيفة، مشيرًا إلى الغابة الواقعة على ضفة النهر اليسرى: «ما هذا الحريق المشتعل هناك؟» وفقدوا جميعًا توازنهم قليلًا، ووجد فانشو صاحب الخيال الأوسع بعض الصعوبة في استعادة توازنه، حين رأَوا لسانًا طويلًا رقيقًا من الدخان الأزرق يتصاعد في صمتٍ إلى السماء.

أطلق بندراجون ضحكة ازدراءٍ مرةً أخرى، وقال: «الغجر! إنَّهم يُخيِّمون هنا منذ حوالي أسبوع. أيُّها السادة، لعلَّكم تريدون تناوُل عَشائكم.» واستدار كأنما يدخل المنزل.

لكنَّ صدى الخرافة القديمة كان لا يزال يتردد في نفس فانشو، الذي قال في عُجالة: «ولكن، يا أدميرال، ما هذه الهسهسة الصادرة بالقرب من الجزيرة؟ إنها أشبه بصوت النيران.»

فقال الأدميرال ضاحكًا بينما كان يقودهم إلى داخل المنزل: «بل أشبه بماهيتها الحقيقية؛ إنه مجرد زورقٍ مارٍّ في المياه ليس إلَّا.»

وبينما كان يتحدث، ظهر كبير الخَدَم، وهو رجلٌ نحيل ذو ثيابٍ سوداء وشعرٍ حالِك السواد ووجهٍ أصفر طويل جدًّا، في مَدْخل المنزل، وأخبره بأنَّ العَشاء جاهزٌ على المائدة.

كانت غرفة الطعام أشبه بمقصورة سفينة، لكن كان يغلب عليها طابعُ مقصورة ربَّان مُعاصر لا رُبَّان إليزابيثي؛ فقد كان في الغرفة ثلاثة سيوف مُقوَّسة قصيرة قديمة مُعلَّقة على حاملٍ تذكاري فوق المَوقد، وخريطةٌ بُنِّية من القرن السادس عشر مرسومٌ عليها أشكالٌ لتريتون وسُفُن متناثرة عَبْر بحرٍ مموَّج. لكن هذه الأشياء كانت أقل بروزًا على الحوائط البيضاء من بعض خزانات العرض التي تحتوي على طيورٍ أمريكية جنوبية ذات ألوانٍ جذَّابة، وأصدافٍ رائعة من المحيط الهادئ محشوة بطريقةٍ علمية للغاية، والعديد من الأدوات البدائية الغريبة الشكل التي ربما كان آكلو لحوم البشر الوحشيون يستخدمونها إمَّا لقتل أعدائهم وإما لطهيهم، لكنَّ أغرب الألوان التي شاهدوها في الغرفة تَمثَّل في أنَّ الخادمَين الوحيدَين، إلى جانب كبير الخَدَم، كانا زنجيَّين، وكانا يرتديان زيًّا موحَّدًا ضيِّقًا أصفر اللون، وهو ما بدا غريبًا بعضَ الشيء. وهنا تجلَّت براعة الأبِ براون الفطرية في تحليل انطباعاته الخاصة، والتي أوحت إليه بأنَّ لون هذا الزيِّ والذيل القصير الأنيق المُتدلِّي منه يُشيران إلى كلمة «كناري»، وبذلك استطاع بتوريةٍ بسيطة أن يربط الخادمَين بالسفر جنوبًا. وعند اقتراب نهاية العَشاء، خرجا من الغرفة بملابسهما الصفراء ووجهَيهما الأسودَين، تاركَين كَبير الخَدم صاحبَ الثياب السوداء والوجه الأصفر في الغرفة.

قال فانشو للأدميرال: «أشعرُ ببعض الأسف لأنَّك تأخذ هذا الأمر بهذا القدْر من الاستخفاف. في الحقيقة، لقد جلبتُ صديقيَّ هذَين إلى هنا بعدما أقنعتُهما بفكرة مساعدتك؛ لأنَّهما على درايةٍ كبيرة بمثل هذه الأمور. ألا تؤمن حقًّا بقصة العائلة على الإطلاق؟»

أجاب بندراجون بسرعةٍ كبيرة وهو ينظر بعينٍ مُشرقةٍ صوب طائرٍ استوائيٍّ أحمر: «أنا لا أُومن بأي شيءٍ، إلَّا العِلم.»

دُهِش فلامبو نوعًا ما حين غيَّر صديقه القَسُّ، الذي بدا أنَّه أفاق تمامًا من وعكته، موضوعَ الحديث، وتحدَّث عن التاريخ الطبيعي مع مضيفه بفيضٍ من الكلمات والمعلومات غير المتوقعة، حتى وُضِعَت الحلوى ودوارق النبيذ، وخَرج آخر الخَدم من الغرفة. ثم قال براون دون أن يُغيِّر نبرته:

«رجاءً يا أدميرال بندراجون، لا تظنني وقِحًا بسبب السؤال الذي سأطرحه عليك الآن؛ فأنا لا أسأله بدافع الفضول، ولكن ليهدأ بالي وترتاح أنت. هل يجانبني الصوابُ إذا قُلتُ إنَّك لا تريد الحديثَ عن هذه الحكايات القديمة أمام كبيرِ الخَدَم؟»

وهنا رفعَ الأدميرال حاجبَيه الأملسَين المقوَّسَين، وصاح قائلًا: «حسنًا، لا أعرفُ ما الذي قادك إلى استنتاجٍ كهذا، لكنَّ الحقيقة هي أنني لا أُطيقه، ولكن ليس لديَّ عُذرٌ لطرد خادمٍ من خَدَم العائلة. ولعلَّ فانشو، الذي يُصدِّق الحكايات الخيالية، سيقول إنني أكِنُّ كراهيةً فطرية تجاه الرجال ذوي الشعر الأسود ذي المظهر الإسباني.»

فضربَ فلامبو الطاولة بقبضته الثقيلة، وصاح قائلًا: «يا إلهي! وهكذا كان شَعرُ تلك الفتاة!»

واصلَ الأدميرال حديثه: «آملُ أن ينتهي كلُّ شيءٍ الليلة، حين يعود ابن أخي سالِمًا من سفينته. تبدو متفاجئًا. أظنُّ أنَّك لن تفهم قصدي إلَّا إذا أخبرتك بالقصة. أصغِ إليَّ، كان لوالديَّ ولدان؛ ظللت أنا أعزب، لكنَّ أخي الأكبر تزوج، وأنجبَ ابنًا أصبح بحَّارًا مثلنا جميعًا، وسوف يرثُ الترِكة. كان والدي رجلًا غريبًا؛ إذ كان يجمع بين الإيمان بالخرافات مثل فانشو وقدرٍ كبير من نزعة الشكِّ الموجودة لديَّ، ودائمًا ما كان في صراعٍ داخلي بين هاتَين النزعتَين، وبعد رحلاتي البحرية الأولى، تفتَّق ذهنه عن فكرةٍ اعتقد أنَّها ستحسم ما إذا كانت اللعنة حقيقية أم محض هُراء؛ إذ ارتأى أنَّه لو أبحَرَ جميعُ أفراد آل بندراجون دفعةً واحدة تحت أي ظروف، فستكون هناك احتماليةٌ كبيرة جدًّا لوقوعِ كوارثَ طبيعية تُصيبهم، فيتعذَّر إثباتُ أيِّ شيءٍ، ولكن إذا أبحرنا فُرادى وفقًا لترتيب وَرَثة التركة على التوالي، فربما يتضح، في اعتقاده، ما إذا كان ثَمَّةَ مصيرٌ مرتبطٌ بالعائلة يُطارد أفرادها تحديدًا. وقد رأيتُ أنَّها فكرةٌ سخيفة، وتشاجرتُ مع والدي بشدة؛ لأنني كنت رجلًا طموحًا، وكان ترتيبي الأخير؛ أي القادم، في قائمة الوَرَثة بعد ابن أخي.»

قال القَسُّ بلُطفٍ شديد: «ووالدُك وشقيقُك لقيَا حتفهما في البحر، مع الأسف.»

فقال الأدميرال متأوهًا: «نعم؛ ففي واحدةٍ من تلك المُصادفات الوحشية التي بُنِيَت عليها جميعُ الأساطير الكاذبة التي اختلقها البشر، مات الاثنان في حادثَي تحطُّم سفينة؛ فقد لقيَ والدي، الذي قذفَته الأمواج من المحيط الأطلسي إلى هذا الساحل، حتْفَه بعدما جَرَفت المياه سفينته فوق هذه الصخور الكورنية، فيما غرقت سفينة أخي في مكانٍ مجهول حين كان عائدًا إلى الديار من تسمانيا، ولم يُعثَر على جثته قَط. وأؤكِّد لك أنَّ كليهما كان حادثًا طبيعيًّا تمامًا؛ فقد غرقَ الكثيرون من غير أبناءِ آل بندراجون، وكلتا الكارثتَين يتحدَّث عنها الملَّاحون بطريقةٍ طبيعية كأيِّ حادثٍ آخر، لكنَّ هذه المُصادفة بالطبع أشعلت فتيلَ هذه الخرافات العديدة المتشابكة، وأينما رأى الرجالُ نيرانًا، ظنُّوا أنَّ البرج يحترق؛ ولذا أقول: إنَّ كلَّ شيءٍ سيصير على ما يُرام حين يعود والتر. لقد كانت الفتاة التي خَطَبها قادمةً اليوم، لكنني كنت في غاية القلق من أن ترتعد خوفًا في حال تأخر تأخيرًا عارضًا في عودته، لدرجة أنني بعثتُ إليها ببرقيةٍ طالبًا منها عدم المجيء إلى أن تسمع خبرًا منِّي. ولكن من المؤكد أنَّه سيعود في وقتٍ ما من هذه الليلة، وحينئذٍ، سيتلاشى كلُّ ذلك كدخان التبغ. وسنحطم تلك الكذبة القديمة حين نفتح زجاجةً من هذا النبيذ احتفالًا بعودته.»

قال الأبُ براون وهو يرفع كأسه بجدية ووقار: «نبيذٌ ممتاز، لكنني سِكِّيرٌ سيئ للغاية كما ترى، أعتذر بشدة.» وكان اعتذاره هذا لأنَّه سكبَ قطرةً صغيرة من النبيذ على مِفرَش المائدة. كان الأبُ براون يشرب النبيذ ويضع الكأس على المائدة بوجهٍ هادئ، لكنَّ يده اهتزت حالما انتبه إلى وجهٍ ينظر إليهم عَبْر نافذة الحديقة خلف الأدميرال مباشرةً؛ كان وجه امرأةٍ ذات بشرةٍ داكنة وشَعرٍ وعينَين مثل شَعر الجنوبيين وعيونهم، وتبدو شابَّة، وإن بدا وجهها أشبه بقناعٍ حزين.

وبعدما سكتَ القسُّ لبُرهة، استأنفَ كلامه بنبرته اللطيفة، قائلًا: «أيُّها الأدميرال، هلَّا تُسدي إليَّ معروفًا، اسمح لي ولصديقيَّ، إذا أرادا، بأن نبيتَ في برجك ذاك الليلة فقط، ألا تعلم أنَّك تُعتَبَر في مهنتي مُعَوِّذًا طاردًا للأرواح الشريرة في المقام الأول؟»

انتفضَ بندراجون واقفًا وسار بخُطًا سريعة جيئةً وذهابًا أمام النافذة التي اختفى من ورائها الوجهُ الذي كان يراقبهم في الحال. وصاحَ قائلًا بنبرةٍ عنيفة مُدوِّية: «أؤكِّدُ لك أنَّ الأمر ليس فيه أيُّ مشكلة. ثَمَّةَ شيءٌ واحد أعرفه عن هذا الموضوع. يمكنك أن تصفني بأنني مُلحِد. نعم أنا مُلحِد.» ثم استدار بسرعةٍ إلى الجانب الآخر، ورمَقَ الأبَ براون بنظرةٍ تحديقية مُرعِبة، وقال: «هذا الأمر طبيعيٌّ تمامًا. ولا تُوجد فيه أيُّ لعنةٍ على الإطلاق.»

قال الأبُ براون بابتسامة: «ما دام الأمر كذلك، فلا يُمكن أن يكون لديك أيُّ اعتراضٍ على مَبيتي في منزلك الصيفي الرائع.»

ردَّ الأدميرال وهو يضربُ بيده بقوة على ظَهر كُرسيه: «هذه الفكرة سخيفةٌ تمامًا.»

فقال براون بأكثر نبراته تعاطفًا: «أرجوك أنْ تغفر لي كلَّ شيءٍ، بما في ذلك سكبُ النبيذ على المائدة، ولكن يبدو لي أنَّك لست متصالِحًا تمامًا مع حكاية البُرج المشتعل مثلما تحاول أن تبدو.»

جلسَ الأدميرال بندراجون بسرعةٍ كبيرة كالتي وقفَ بها، لكنَّه جَلَسَ ساكنًا تمامًا، وعندما تحدَّث مرةً أخرى كان صوته أكثر خفوتًا قائلًا: «ستفعلُ ذلك على مسئوليتك الشخصية، لكن أليس من الإلحادِ أن تتمكَّن من الحفاظ على سلامة عقلك وسطَ كلِّ هذه الأجواء الشيطانية؟»

بعد ذلك بثلاث ساعاتٍ، كان فانشو وفلامبو والقسُّ ما زالوا يتسكعون في الحديقة في جُنح الظلام، وبدأ يتضح لفانشو وفلامبو أنَّ الأبَ براون لم يكن ينوي الخلود إلى النوم، لا في البُرج ولا في المنزل.

قال براون بنبرةٍ حالِمة: «أعتقدُ أنَّ المَرج يحتاج إلى تقليمٍ لإزالة الأعشابِ الضارة منه. لو استطعتُ العثور على مِسحاةٍ صغيرة أو شيءٍ من هذا القبيل، فسأفعل ذلك بنفسي.»

فتَبِعاه ضاحكَين وشِبه معترضَين على كلامه، لكنَّه ردَّ بأقصى قَدرٍ من الجِديَّة، موضِّحًا لهما في خُطبةٍ قصيرةٍ مُزعجة أنَّ المرءَ بإمكانه دائمًا أن يجدَ عملًا بسيطًا يَشغَلُ وقته ويُفيدُ به الآخرين. لم يجد مِسحاةً، لكنَّه وجدَ مِكنسةً قديمة مصنوعة من الأغصان، فبدأ يكنس بها أوراقَ الشجر المتساقطة على العُشب بِهِمَّةٍ ونشاط.

ثم قال ببهجةٍ بلهاء: «دائمًا ما يُمكن فعلُ شيءٍ بسيط. وكما يقول جورج هربرت: «مَن يكنسُ حديقة أدميرال في كورنوال باسم الرَّب، فإنَّ الحديقة وعَمَله يصبحان طاهرَين».» ثم أضافَ وهو يرمي المِكنسة فجأة: «والآن، هيَّا لنذهب ونسقي الزهور.»

وبالمزيج نفسه من المشاعر المختلطة التي كانت تنتابُ فلامبو وفانشو، شاهداه يحُلُّ جزءًا كبيرًا من خرطوم الحديقة الكبير الملفوف، قائلًا بنبرةٍ من التمييز الحزين: «أعتقدُ أننا ينبغي أن نرويَ زهور التوليب الحمراء قبل الصفراء؛ فهي تبدو جافة قليلًا، ألا تعتقدان ذلك؟»

وأدار الصنبورَ الصغير المتصل بالخرطوم، فاندفعَ الماءُ مستقيمًا قويًّا كقضيبٍ طويل من الحديد الصُّلب.

صاحَ فلامبو: «انتبه يا شمشون. يا إلهي، لقد قطعت رءوس زهور التوليب.»

فوقف الأبُ براون مُتأمِّلًا الزهور المقطوعة الرءوس بأسفٍ.

ثم اعترفَ، وهو يَحُكُّ رأسه، قائلًا: «يبدو أنَّ طريقتي في ريِّ النباتات إمَّا تُعالِجها وإما تقتلها. أعتقد أنَّ من المُؤسِف أنني لم أجدِ المِسحاة. كان ينبغي أن تَرَياني وأنا أستخدم المِسحاة! وبمناسبة الحديث عن الأدوات، أليسَ معك هذا العُكَّاز ذو نَصل السيف الذي تحمله دائمًا يا فلامبو؟ نعم إنَّه معك، وأنت يا سير سيسيل بإمكانك العثور على ذلك السيف الذي رماه الأدميرال عند السياج هنا. يا للرمادية الطاغية على كلِّ شيء!»

فقال فلامبو الذي كان فاغرًا عينَيه: «إنَّه الضبابُ يتصاعدُ من النهر.»

وبينما كان يتحدَّث، ظَهَر البُستانيُّ الضخمُ الكثيفُ الشعرِ على حافةٍ أعلى للأرض العُشبية الخندقية المُتدرجة المستويات، مُناديًا إيَّاهم بصوتٍ مُرعِب ومُهدِّدًا إيَّاهم بمِجرفةٍ يلوِّح بها في يده: «اترك هذا الخرطوم. اترك هذا الخرطوم، واذهب إلى …»

فأجابَ السيدُ المُوقَّرُ بنبرةٍ واهنة: «إنني رجلٌ أخرق إلى حدٍّ مُخيف، أتعرِف، لقد سكبتُ بعض النبيذ على الطاولة أثناء تناوُل العشاء.» ثم استدارَ نصف استدارةٍ بجسدٍ متردد نحو البُستانيِّ ليعتذر، بينما كانت المياه لا تزال تندفع من الخرطوم في يده، فارتطمتِ المياه الباردة المندفعة من الخرطوم بوجه البستاني بكامل قوتها كقذيفةٍ مدفعية، فترنَّح وانزلق، وتمدَّد جسده على الأرض وحذاؤه الطويل في الهواء.

فقال الأبُ براون وهو ينظر حوله بنوعٍ من التعجُّب: «يا للرُّعب! يا إلهي، لقد آذيتُ رجلًا!»

ووقفَ مُشرئبًّا لبُرهةٍ كما لو كان ينظر أو يستمع إلى شيءٍ ما، ثم ركضَ مهرولًا نحو البُرج، وهو ما زال يَجرُّ الخرطوم خلفه. كان البُرج قريبًا جدًّا، لكنَّ هيكله الخارجي بدا مُعتِمًا على نحوٍ غريب.

ثم قال الأبُ براون: «الضبابُ الذي تُظنُّه قادمًا من النهر له رائحةٌ غريبة.»

فصاحَ فانشو الذي كان شاحبًا للغاية، قائلًا: «أقسم بربِّي أنَّ رائحته كذلك بالفعل، ولكن لا يُمكن أن يكون قصدُك …»

فقال الأبُ براون: «أقصدُ أنَّ إحدى النبوءات العلمية للأدميرال ستتحقق الليلة. هذه الحكاية الأسطورية ستتلاشى كالدُّخَان.»

وبينما كان يتحدَّث، ظَهَر ضوءٌ أحمر ورديٌّ غاية في الجمال بدا يتدفق مثل زهرةٍ ضخمة تتفتَّح، لكنَّه كان مصحوبًا بأصوات طقطقةٍ وخشخشةٍ تشبه ضحكَ الشياطين.

صاحَ السير سيسيل فانشو، قائلًا: «ربَّاه! ما هذا؟»

قال الأبُ براون: «علامة البُرجِ المُشتعِل»، وسلَّط الماءَ المندفِع من خرطومه على قَلب رُقعة اللَّهب الحمراء في البُرج.

ثم صاحَ فانشو قائلًا: «لحُسن الحظ أننا لم نخلُد إلى النوم! أعتقدُ أنَّ النيران لا يمكن أن تمتد إلى المنزل.»

فقال القسُّ بهدوء: «لعلكما تتذكران أنَّ السياجَ الخشبي الذي ربما كان سيجعلها تنتشر قد قُطِع.»

نظر فلامبو بعينَيه المُستثارتَين نحو صديقه، لكن لم يكن من فانشو إلا أن قال بشرودٍ نوعًا ما: «حسنًا، أصبح من المستحيل الآن أن يُقتَل أيُّ شخصٍ على أيِّ حال.»

قال الأبُ براون: «هذا نوعٌ غريبٌ من الأبراج؛ فحين يُحتاج إلى قَتل أحد، دائمًا ما يُقتل أناسٌ يُوجدون في مكانٍ آخر.»

وفي اللحظة نفسها، نَهَض البُستانيُّ بجسده الضخم المُخيف على قدمَيه مرةً أخرى على الحافة العُشبية العالية بينما كان الماءُ يَقطُر من لحيته، ولوَّح لأشخاصٍ آخرين كي ينضمُّوا إليه، لكنَّه لم يُلوِّح بالمِجرفة هذه المرة، بل بسيفٍ مقوَّسٍ قصير. وأتى من خلفه الخادمان الزنجيان حاملَين السيفَين المقوَّسَين القصيرَين اللذَين كانا مُعلَّقين على الحامِل التذكاري فوق المَوقد، لكنَّهما، في ظل الوهَج الدموي للنيران ووجهَيهما الأسودَين وثيابهما الصفراء، بدوَا وكأنهما شيطانان يحملان أدوات تعذيب. وفي الحديقة المُعتِمة خلفهم، سُمِعَ صوتٌ من بعيدٍ يُوجِّههم بتعليماتٍ سريعة. وحين سمع القَسُّ هذا الصوت، طرأ تغيُّرٌ رهيبٌ على وجهه.

لكنَّه ظلَّ هادئًا، ولم يصرف عينَيه قط عن رقعة اللَّهب التي كانت قد بدأت تنتشر، لكنَّها بدت الآن مُنحسِرةً قليلًا تحت قوة المياه المندفعة التي بدت أشبه برُمحٍ فضِّي طويل. وأبقى إصبعه على فوهة الخرطوم لضمان وصول المياه إلى الهدف المُراد إطفاؤه، ولم يهتم بأيِّ شيء آخر يدور حوله، ولم يُدرك الأحداثَ المثيرة التي بدأت تقع فجأةً في حديقة الجزيرة إلَّا بطرفِ عينه شِبه المنتبهة ومن صوت ضجيجها. وحينئذٍ أعطى صديقَيه توجيهَيْن سريعَين؛ أحدهما كان: «اقبضا على هؤلاء الرجال بأيِّ طريقةٍ وقيِّداهم أيًّا كانت هويتهم. يُوجد حبلٌ بالأسفل بجوار حزمِ العِصِيِّ هذه. إنهم يريدون انتزاع خرطوم المياه منِّي.» والآخر كان: «حالما تسنح لكما الفرصة، ناديا تلك الفتاة التي كانت تُجدِّف بالزورق، إنَّها على الضفة الأخرى مع الغجر. واسألاها عمَّا إذا كان بإمكانهم إحضارُ بعض الدلاء وملْؤها من النهر.» ثم سَكَت، وواصل رشَّ المياه على الزهور الحمراء الجديدة بشدةٍ كالتي رَشَّ بها المياه على زهور التوليب الحمراء؛ لإخماد نيرانها المشتعلة.

ولم يلتفت براون قَط لينظر إلى العِراك الغريب الذي تَلَا ذلك بين صديقَيه اللذَين يريدان إخمادَ النار الغامضة والرجال الثلاثة الذين يتمنَّون بقاءَها مشتعلةً. ويكاد يكون قد شَعَر بالهزَّة التي رجَّت الجزيرة حين اصطدم فلامبو بالبستاني الضخم، ولكنَّه اكتفى بتخيُّل الأرض وهي تَميدُ حولهما في أثناء عراكهما. ثم سمعَ صوت السقوط القوي، وشهقة الانتصار التي أطلقها صديقه وهو يُسدِّد ضربةً قاضية نحو الزنجي الأول، وصرخات الزنجيَّين الاثنَين بينما كان فلامبو وفانشو يُقيِّدانهما. كان لقوة فلامبو الهائلة الفضلُ في سدِّ النقص العددي لَرفيقَيِ الأبِ براون بل ترجيح كفَّتهما في هذا العراك؛ لا سيَّما وأنَّ الرجل الرابع كان لا يزال يحوم بالقرب من المنزل بظلِّه وصوته فقط. سَمِع براون أيضًا صوتَ مجاديف زورق تخترق مياه النهر، وصوتَ الفتاة تُملي أوامر على الغجر، وأصواتَ الغَجر وهُم يُلَبُّون أوامرها ويقتربون أكثر من الحديقة، وصوتَ تغطيس الدلاء الفارغة في النهر الجاري وملئها، وأخيرًا صوتَ أقدامٍ كثيرة حول النيران، لكنَّ كلَّ ذلك كان أقل أهميةً له من حقيقة أنَّ رُقعة النيران المشتعلة، التي كانت قد تأجَّجت مُجدَّدًا للتو، انحسرت قليلًا مرةً أخرى.

ثم جاءت صيحةٌ جعلته على وشك الالتفات؛ فقد كان فلامبو وفانشو، اللذان انضم إليهما بعضُ الغجر، يركضان وراءَ الرجل ذي الهوية الغامضة بالقرب من المنزل، وسَمِع براون صيحة الرعب والذهول التي أطلقها صديقه الفرنسي من الناحية الأخرى من الحديقة. كان صدى الصرخة أشبه بعُواءٍ رهيب لدرجة استحالة وصفها بأنَّها صرخةٌ بشرية، بينما نجحَ هذا الرجلُ الغامض في الإفلات من قبضتهم، وأخذَ يركض عَبْر الحديقة. شهدتِ المُطاردة الركض حول الجزيرة كُلِّها ثلاث مراتٍ على الأقل بطريقةٍ فظيعة كأنَّما يطاردون شخصًا مجنونًا، سواءٌ في صيحات الشخص المُطارَد أو الحبال التي كان مطارِدوه يحملونها، لكنَّها كانت أفظع؛ لأنَّها بَدَت بطريقةٍ أو بأخرى كإحدى ألعاب المطاردة التي يلعبها الأطفال في الحديقة. وبعدما ضيَّق المُطارِدون الخناق على طريدهم، قفز على إحدى ضفاف النهر العالية واختفى مع سماع صوت ارتطامٍ بمياه النهر المُظلِم الجاري.

قال براون بنبرةٍ هادئة مَشُوبةٍ بالألم: «مع الأسف لقد فعلتم كلَّ ما في وسعكم. لا شكَّ أنَّ المياه قد جرفَته الآن نحو الصخور، حيث أرسَلَ الكثيرَ من الأشخاص الآخرين إلى مصيرهم المحتوم. لقد عرفَ كيف يستغل قصةً أسطورية عن إحدى العائلات.»

صاحَ فلامبو بنفاد صبرٍ، قائلًا: «آه، لا تتكلَّم بمثل هذه الاستعارات الغامضة. ألا يمكنك أن تصوغ ما تريد قوله بكلماتٍ أبسط؟»

أجابَ براون وهو ينظر إلى الخرطوم: «بلى، ما دامت العينان يلمعُ فيهما الضوءُ، فأنت على الدَّربِ الصحيح، أمَّا إنْ غابَ الضوءُ عن إحداهما برهةً، فإلى الغرقِ سيكونُ مصيرُك.»

وفي هذه الأثناء، كانت النيران تُصدِر مزيدًا من أصوات الهسهسة والصراخ، كما لو كانت تختنق، بينما كانت تخمد أكثر فأكثر تحت فيضان مياه الخرطوم والدلاء، لكنَّ الأبَ براون ظلَّ يراقبها وهو يواصل الحديث، قائلًا:

«فكَّرتُ في أنْ أطلب من هذه الشابَّة، لو كانت شمسُ النهار لا تزال ساطعة، أنْ تنظر عبر ذلك التلسكوب نحو النهر ومصبِّه. ربما كانت سترى شيئًا يسترعي انتباهها؛ أقصدُ علامة السفينة، أو السيد والتر بندراجون عائدًا إلى المنزل، وربما كانت سترى حتى علامة نصف الرجُل؛ فعلى الرغم من أن السيد والتر صار آمنًا في الوقت الحالي بالتأكيد، فمن المُرجَّح أنَّه ظلَّ يخوض المياه حتى وصل إلى البَرِّ. لقد كان على أعتابِ الموت في حادث تحطُّم سفينةٍ آخر، وما كان له أن ينجو منه أبدًا، لو لم تشعر تلك الشابة بالشكِّ حيال البرقية التي أرسلها إليها الأدميرالُ المتقاعِد، وتأتي لمشاهدته. دعونا لا نتحدَّث عن الأدميرال المتقاعِد. ولا عن أي شيءٍ. يكفي القول إنَّه كلما أُضرِمَت نيرانٌ حقيقية في هذا البُرج، بخشبه المترابط بالصمغ والمطلي بالقطران، دائمًا ما تبدو شرارة النيران في الأفُق مثل ضوءَي منارة الساحل، فينخدع ربابنة السفُن ويظنون أنَّهم في المسار الصحيح.»

فقال فلامبو: «وهكذا مات والدُه وشقيقُه. لقد كان العَمُّ الشرِّير الذي استغلَّ الأساطير القديمة على وشكِ أن يرث التركة بعد رحيلهم جميعًا.»

لم يَرُد الأبُ براون، بل لم يتحدَّث مرةً أخرى، باستثناء إبداء بعض المُلاطفات، حتى أصبحوا جميعًا آمنين حول صندوق سيجار في مقصورة رُبَّان اليخت الذي أتَوا به. رأى النيران أُخمِدَت تمامًا، ثم رفضَ أن يبقى في الجزيرة أكثر من ذلك، مع أنَّه سَمعَ بالفعل سليل بندراجون الشاب يجوب ضفة النهر وسطَ حشدٍ مُتحمِّس سعيدٍ بعودته، وربما (لو دفعه الفضول الرومانسيُّ إلى البقاء في الجزيرة لمشاهدة هذه اللحظات) كان سيتلقَّى شُكرًا مزدوجًا من الرجل الذي نجا من تحطُّم السفينة والفتاة التي كانت تُجدِّف بالزورق، لكنَّ إرهاقه غَلَبه مرةً أخرى، ولم يستفق سوى مرةٍ واحدة، حين أخبره فلامبو فجأةً بأنَّه أسقَطَ بعضَ رَمَاد السيجار على سرواله.

فقال براون بكللٍ نوعًا ما: «هذا ليس رمادَ سيجارٍ. هذا من نيران الحريق، لكنَّك لم تظن ذلك لأنَّكم جميعًا تُدخِّنون السيجار. هكذا توقدت في نفسي شرارة الشك الأولى تجاه تلك الخريطة.»

فسأله فانشو: «أتقصدُ خريطة بندراجون الخاصة بالجُزُر التي اكتشفها في المحيط الهادئ؟»

أجابَ براون: «بل التي اعتقدتَ أنت أنَّها خريطةٌ لجُزُر المحيط الهادئ. إذا وضعتَ ريشةً بجوار إحدى البقايا الأُحفورية وقطعةٍ من الشعاب المرجانية، فسيعتقد الجميعُ أنَّها عيِّنةٌ من أحد الطيور. وإذا وضعتَ الريشة نفسها بجوار شريط زينة وزهرةٍ اصطناعية، فسيعتقد الجميعُ أنَّها ريشة قبعةٍ نسائية. وإذا وضعتَ الريشة نفسها بجوار زجاجة حبرٍ وكتابٍ ومجموعةٍ من ورق الكتابة، فسيُقسِم معظمُ الرجال أنَّهم رأوا ريشة كتابة؛ ولذا حين رأيتَ تلك الخريطة بين طيورٍ وأصدافٍ استوائية، اعتقدتَ أنَّها خريطةٌ لجُزر المحيط الهادئ، لكنَّها كانت خريطةً لهذا النهر الذي نُبحِر فيه.»

سأله فانشو: «ولكن كيف عرفتَ ذلك؟»

أجابَ براون: «رأيتُ الصخرةَ التي اعتقدتَ أنَّها تُشبه التنين، وتلك الصخرة التي اعتقدتَ أنَّها تُشبه ميرلين، و…»

وهنا صاح فانشو قائلًا: «يبدو أنَّك لاحظتَ الكثير في أثناء مجيئنا. كُنَّا نعتقد أنَّك مُغيَّب بعضَ الشيء.»

قال الأبُ براون ببساطة: «كنتُ مُصابًا بدوار البحر، وكانت حالتي المزاجية سيئة ليس إلَّا، لكنَّ الحالة المزاجية السيئة ليس لها علاقةٌ برؤية الأشياء.» وأغلقَ عينَيه.

سأله فلامبو: «هل تعتقد أنَّ معظم الرجال كانوا سيُلاحظون ذلك؟» لكنَّه لم يتلقَّ إجابةً؛ إذ كان الأبُ براون نائمًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠