دوللي

شَهِد ذلك الخريف بعضَ النقاش حول الانتحار، عن انتحارنا أنا وفرانكلين. ولما كان فرانكلين في عامه الثالث والثمانين، وكنتُ أنا في عامي الحادي والسبعين، خطَّطْنا كما اقتضَتِ العادة لجنازتنا (حيث قرَّرْنا ألَّا تُقام لنا جنازة)، ولدفننا (الذي رأينا أن يتم مباشَرةً بعد موتنا)، وذلك في قطعة أرض اشتريناها بالفعل. وقرَّرْنا ألَّا تُحرَق جُثَّتَانا، على الرغم من شيوع هذا بين أصدقائنا. وكانت الطريقة الفعلية للانتحار هي فقط الأمر الذي لم نفكِّر فيه أو تركناه للصدفة.

في أحد الأيام كنا نقود السيارةَ متجوِّلَيْن في الريف في مكانٍ ليس ببعيدٍ عن مسكننا، ثم وجدنا طريقًا لم نرتَدْه من قبلُ. بَدَا أن الأشجار هناك، أشجار القيقب والبلوط وغيرهما، قد نمَتْ من جديدٍ، وإنْ كان على نحوٍ كثيفٍ بحيث وصلت إلى حجمٍ كبيرٍ؛ ممَّا يشير إلى أن المنطقة أُخْلِيَتْ قبل ذلك واقْتُلِعَتْ أشجارها، وأنها احتوَتْ فيما مضى على مزارع ومروج ومنازل وحظائر، ولكن لم يَبْقَ أثرٌ لأيٍّ من هذا. أما الطريق، فكان غيرَ مرصوفٍ، إلا أنه كان مطروقًا؛ فقد بدا أنه ربما كان يشهد القليلَ من المركبات كلَّ يوم، ويُرجَّح أن تكون شاحناتٍ متخذةً إياه كطريقٍ مختصَرٍ.

قال فرانكلين إن هذا الطريق كان مثاليًّا؛ فلم يكن واردًا أن نرغب في أن نبقى هناك لمدة يومٍ أو يومين أو حتى أسبوع، دون أن يمر بنا أحد، ولا أن نترك السيارة خالية، ويكون على الشرطة اجتياز الأشجار للبحث عمَّا قد تبقَّى منَّا بعد هجوم ذئاب البراري علينا.

كذلك، يجب ألَّا يكون اليومُ الذي سننتحر فيه هناك كئيبًا للغاية؛ فيجب ألَّا تكون هناك أمطارٌ أو ثلوجٌ. أما الأوراق، فيجب أن تكون قد انحنَتْ ولكنْ لم يسقط منها الكثير، ويجب أن تبدو وكأنها مكسوَّةٌ بطبقةٍ من الذهب، كما كان الحال في ذلك اليوم. لكنْ ربما يجب ألَّا تكون الشمس ساطعةً، حتى لا يُشعِرنا هذا اللونُ الذهبي وسِحْرُ اليومِ بأننا مدلَّلان.

اختلفنا بشأن ترْكِ خبرٍ عن رحيلنا؛ أيْ إنْ كان واجبًا علينا أن نُعلِم الآخَرين بالأمر أم لا. كنتُ أرى أن معارفنا يستحِقُّون منَّا تفسيرًا لما سنقوم به؛ حيث ينبغي أن يعلموا أنها ليسَتْ مسألةَ مرضٍ مُمِيت، أو بدايةَ إحساسٍ بالألم منَعَ احتمالَ عيشنا لحياةٍ كريمة. يجب أن يكونوا متأكدين أنه كان قرارًا جاء بصفاء ذهنٍ، ويمكن القول أيضًا إنه كان قرارًا مُبهِجًا.

أن نرحل حين يكون الرحيلُ الخيارَ الأفضل.

ردَّ فرانكلين: لا. أعترض على ذلك؛ فهذه وقاحةٌ وإهانةٌ.

رأى فرانكلين أن تقديم أي تفسيرٍ — مهما كان — يُعَدُّ إهانةً، ليس للآخَرين، ولكن لنا، لنا نحن؛ فحياتنا مِلْكٌ لنا وحدنا، وأيُّ تفسيرٍ سنقدِّمه كان سيجعله ينتحب.

أدركْتُ ما كان يقصده، ولكنْ كنتُ لا أزال أميل للاختلاف معه.

وتلك المسألة — مسألة خلافنا — بَدَا أنها جعلَتْه يستبعد احتمال قيامنا بالأمر من رأسه.

قال إن الأمر كله لا قيمةَ له، وإنه لا بأسَ بالنسبة إليه، ولكني ما زلتُ صغيرةً جدًّا، وإنه يمكننا أن نتحدَّث مرةً أخرى عن الأمر عندما أصل إلى الخامسة والسبعين من العمر.

قلتُ إنَّ الشيء الوحيد الذي أزعَجَني، قليلًا، كان الافتراض بأنه لن يحدث شيءٌ أكثر ممَّا حدث في حياتنا، وأنه لا شيءَ مهمٌّ بالنسبة إلينا، ولا شيءَ يمكن أن ننجح فيه بعدَ الآن.

قال إننا قد دخلنا في جدالٍ للتوِّ، فماذا عساي أن أرغب في أكثر من ذلك؟

قلتُ له إنَّ هذا لطفٌ كبيرٌ منه.

•••

لم أشعر يومًا بأنني أصغر سنًّا من فرانكلين، ربما باستثناء النقاش الذي كان يأتي فيه ذِكْرُ الحرب — أعني هنا الحرب العالمية الثانية — وذلك قلَّمَا يحدث في الوقت الحاضر. يرجع هذا لسببٍ واحدٍ، وهو أنه كان يقوم بمجهودٍ بدني أكبر كثيرًا مني؛ فلبعض الوقت كان يُشرِف على إسطبل؛ أعني أحد الإسطبلات حيث يُربِّي الناس خيولَ الركوب، وليس خيول السباق. إنه لا يزال يذهب هناك مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيًّا، ويركب حصانه، ويتحدَّث مع الرجل المسئول هناك الذي يطلب نصيحتَه من آنٍ لآخَر، هذا على الرغم من أنه في معظم الوقت يقول إنه يحاول تجنُّب ذلك.

إنه في واقع الأمر شاعرٌ؛ شاعر حقيقي ومُدرِّب خيول بارع. وقد عمل لمدة فصلٍ دراسيٍّ واحد في كليات مختلفة، ولكن لم يعمل يومًا في مناطق بعيدة جدًّا بحيث تنقطع صلته بالإسطبلات. كما أنه يعترف بقراءة شعره على الناس، ولكن — كما يقول — كان هذا يحدث على نحوٍ نادر جدًّا؛ فهو لا يركز على العمل في مجال الشعر. وأحيانًا أنزعج من هذا الموقف — أُرجِع هذا لشخصيته الخجولة — ولكن أستطيع أن أتفهَّم وجهةَ نظره؛ فعندما تنشغل بالخيول، فإن الانشغال سيبدو عليك بالفعل، ولكن عندما تنشغل بكتابة قصيدة، فستبدو كما لو كنتَ في حالةٍ من الكسل، وستشعر بشيءٍ من الغرابة أو الإحراج بحيث يكون عليك تفسير ما يحدث.

هناك مشكلةٌ أخرى قد تتمثَّل في أنه على الرغم من كونه شخصًا متحفظًا، فإن القصيدة التي اشتُهِر بها في المنطقة هنا — أقصد المنطقة التي نشأ فيها — يمكن وصفها بأنها فجَّة؛ فجَّة بعضَ الشيء، وقد سمعتُه يقول عنها ذلك بنفسه، ليس بدافع الاعتذار ولكن ربما لدفع شخصٍ ما لعدم قراءتها. إنَّ لديه مراعاةً لمشاعر الناس الذين يعرفهم والذين قد ينزعجون من أمورٍ معينة، على الرغم من أنه يدافِع بشدة عن حريةِ التعبير بوجهٍ عام.

لا يعني هذا أنه لم تحدث تغيُّرات هنا بشأن ما يمكن قوله علنًا وما يمكن أن يُقرَأ في الأعمال المطبوعة. كانت الجوائز عاملًا مساعدًا في هذا الشأن، بالإضافة إلى تداوُل الأعمال في الصحف.

•••

خلال جميع السنوات التي قمتُ بالتدريس بها في مدرسة ثانوية لم أُدرِّس مادة الأدب، كما قد تتوقَّع، ولكن كنتُ أُدرِّس الرياضيات. لكن بعد مكوثي في المنزل، بدأتُ أشعر بالملل وحصلتُ على عملٍ جديد، تمثَّلَ في كتابةِ سِيَرٍ ذاتيةٍ جيدة ومشوِّقة — حسبما أتمنَّى — للروائيين الكنديين الذين أُهمِلوا دون أن يستحقوا هذا، أو الذين لم يَلْقَوْا قطُّ الاهتمامَ الملائم. أعتقد أني لم أكن لأحصل على هذا العمل لولا فرانكلين وخلفيتي الأدبية التي لم نكن نتحدَّث عنها؛ حيث وُلِدتُ في اسكتلندا، ولم أكن أعرف في واقع الأمر أي كُتَّاب كنديين.

أنا لا أرى على الإطلاق أن فرانكلين أو أي شاعِر آخَر يستحِقُّ التعاطُفَ الذي أمنَحَه للروائيين؛ أعني بسبب ضعف إنتاجهم أو حتى اختفائهم. وأنا لا أعرف لماذا أعتقد هذا على وجه التحديد؛ ربما لأني أعتقد أن نَظْمَ الشعر يميل أكثر إلى أنْ يكون غايةً في حدِّ ذاته.

أحببْتُ هذا العملَ واعتقدتُ أنه مهم، وبعد سنوات قضيتُها داخلَ الفصول الدراسية، كنتُ مسرورةً من قدرتي على التحكُّم في عملي والحصول على بعض الهدوء. وعلى الرغم من ذلك، ربما كان هناك وقتٌ — لنَقُلْ نحوَ الساعة الرابعة عصرًا — تراودني فيه الرغبة في الاسترخاء والحصول على بعض الصحبة.

•••

خلال تلك الفترة تقريبًا في يومٍ كئيبٍ مزدحِم، جاءت امرأةٌ تدقُّ على بابي وهي تحمل كميةً كبيرة من مستحضرات التجميل. في أيِّ وقتٍ آخَر ما كان لي أن أسعد لرؤيتها، لكني سررتُ حينَها. كان اسمها جوين، قالت إنها لم تحضر إلى هنا من قبلُ لأنَّ البعض أخبَرَها أنني لستُ ممَّن قد يهتمون بما تقدِّمه.

قالت: «لكني قررتُ أنْ آتي إلى منزلك أيًّا كان الأمر، وقلتُ في نفسي: لماذا أترك الآخَرين يتحدَّثون بالنيابة عنها؟ فكلُّ ما عليها هو أن ترفض دخولي، وتجعلني أغادر منزلها.»

فسألتُها إنْ كانت ترغب في الحصول على كوبٍ من القهوة كنتُ قد صنعْتُه للتوِّ، فلم تمانع.

ثم قالت إنها كانت تستعِدُّ للرحيل على أية حال. ثم وضعَتْ أغراضها على الأرض وهي تتأوَّه.

«أعتقد أنكِ لا تستخدمين مستحضرات التجميل. أنا أيضًا ما كنتُ لأستخدمها ما لم أكن في هذا المجال.»

إن لم تقل ذلك، لظننتُ أن وجهها خالٍ من مساحيق التجميل مثل وجهي؛ فوجهها كان خاليًا من مساحيق التجميل، وشاحبًا، وبه مجموعة غريبة من التجاعيد حول الفم. كما كانت ترتدي نظارةً أعطَتْ حجمًا أكبر لعينَيْها ذواتَي اللون الأزرق الفاتح. كان الشيء الوحيد اللافت في مظهرها هو الشعر الخفيف النحاسي اللون المتدلِّي على جبهتها.

ربما شعرت بعدم الارتياح لسماحي لها بالدخول؛ فراحَتْ تتفحَّص المكانَ بنظراتٍ قصيرة مضطربة.

ثم قالت: «الطقسُ شديدُ البرودة اليومَ.»

ثم أضافَتْ سريعًا: «أنا لا أرى أي منفضة سجائر هنا. أَلَا توجد واحدة؟»

وجدت واحدة في إحدى الخزانات وأحضرتها، فأخرجَتْ علبةَ سجائرها واستراحَتْ في جِلْستها شاعرةً ببعض الارتياح.

«أَلَا تدخنين؟»

«كنتُ أدخِّن في السابق.»

«ليس الجميع مثلك.»

صببتُ لها القهوة.

قالت: «من دون لبن.» ثم أضافت: «أوه، يبدو أنكِ تقومين بعملٍ كبيرٍ. آمل أنني لم أقاطِع ما كنتِ تفعلينه، هل كنتِ تكتبين رسائل؟»

وجدتُ نفسي أخبرها عن الكُتَّاب المهمَّشين، حتى إنني ذكرتُ لها اسمَ الكاتبة التي كنتُ أعمل على كتابةِ سيرتها الذاتية في ذلك الوقت؛ مارثا أوستنسو، التي ألَّفَتْ كتابًا بعنوان «الإوز البري» وحشدًا آخَر من الكتب التي أصبحَتْ كلها الآن طيَّ النسيان.

«هل تقصدين أن كل هذه الأشياء ستظهر في شكل مطبوع مثل الصحف؟»

رددتُ قائلةً إنها ستظهر في سلسلة كتب. زفرتُ بطريقةٍ متوترة بعض الشيء، وأدركتُ أنني كنتُ أرغب في إخبارها بشيء أكثر إثارةً للاهتمام.

«من المفترض أن زوجَ هذه الكاتبة كتب أجزاءً من هذا الكتاب، ولكنَّ الشيء الغريب هو أن اسمه لم يَرِد في أيِّ مكانٍ به.»

قالت: «ربما لم يرغب في أن يسخر منه الرجال.» ثم أضافَتْ: «كما تعلمين، كيف سينظرون للرجل الذي يؤلف كتبًا؟»

«لم أفكِّر في ذلك.»

قالت: «لكنه لم يكن سيمانع في أخذ المال؛ أنتِ تعرفين كيف يفكِّر الرجال.»

ثم بدأت تبتسم وتهزُّ رأسها، وقالت: «لا بد أنكِ شخصٌ حادُّ الذكاء. انتظري حتى أخبر مَن أسكن معهم أنني رأيتُ كتابًا وهو في مرحلةِ التأليف.»

للابتعاد عن هذا الموضوع الذي بدأ في التسبُّب بشعوري بالإحراج، سألتُ عن هؤلاء الذين كانت تقيم معهم.

فذكرَتْ أُناسًا كثرًا لم أستطع استيعابهم كلهم، أو ربما لم أهتمَّ بذلك. ولم أكن متأكدةً من الترتيب الذي ذكرَتْهم به، باستثناء أنها ذكرت زوجها في النهاية وقالت إنه قد فارَقَ الحياة.

«في العام الماضي. إلا أنه لم يكن زوجي رسميًّا. أنتِ تدركين ما أعنيه.»

قلت: «إن زواجي لم يكن رسميًّا أيضًا؛ أعني ليس كذلك.»

«هل هذا صحيح؟ هناك كثيرون يفعلون ذلك الآن، أليس كذلك؟ كان رد الفعل تجاه هذا الأمر هو: يا إلهي! أليس هذا أمرًا مفزعًا؟ أما الآن، فأصبح: ولِمَ لا؟ وهناك مَن يعيشون معًا لفترة طويلة، وفي النهاية يتزوَّجون رسميًّا. حينها تتساءل لماذا يفعلون ذلك؛ هل من أجل الهدايا؟ أم من أجل فكرة تأنُّق العروس وارتدائها الثوبَ الأبيض. إن هذا يمكن أن يُضحِكك، لكنْ يمكن أن يجعلني أموت.»

ثم أضافَتْ أن لديها ابنةً مرَّتْ بعملية التفاخر والاحتفال بتلك الطريقة بالكامل، ولم يَعُدْ ذلك عليها بأي نفعٍ لأنها الآن في السجن بتهمة الاتجار غير المشروع. كم هي غبية! إن الرجل الذي ذهبَتْ وتزوَّجَتْه هو مَن ورَّطَها في هذا الأمر. والآن يجب عليها أن تبيع مستحضرات التجميل إلى جانب الاعتناء بابنتَيِ ابنتها الصغيرتين؛ فما من أحدٍ آخَر يمكن أن يعتني بهما.

طوال الوقت الذي كانت تخبرني فيه بقصة ابنتها، كانت تتمتع بروح دعابة مدهشة، ولم تصبح متردِّدةً ومنزعجةً بعض الشيء إلا عندما بدأَتْ تحدِّثني عن موضوعٍ آخَر يتعلَّق بابنةٍ أخرى لها كانت ناجحةً إلى حدٍّ بعيد وتعمل ممرضةً معتمدة، لكنها تقاعَدَتْ وذهبت لتعيش في فانكوفر.

هذه الابنة أرادَتْ منها أنْ تترك كلَّ مسئولياتها وتذهب للعيش معها.

«ولكني لا أحب فانكوفر. أعلم أن الجميع يحبها، لكني لا أحبها فحسب.»

إلا أن المشكلة الحقيقية كانت تتمثل في أنها إنْ ذهبَتْ للعيش مع ابنتها، فسيجب عليها الإقلاع عن التدخين. فلم يكن الأمر يتعلَّق بهذه المدينة، بل بالتخلِّي عن التدخين.

دفعتُ ثمنَ أحد مستحضرات التجميل الذي قد يُضفِي على بشرتي بعضَ الحيوية، ووعدَتْني هي بأنها ستُحضِره في المرة القادمة التي تأتي فيها إلى المنطقة.

•••

أخبرتُ فرانكلين بكل شيء عنها، وقلتُ له إن اسمها جوين.

وأضفتُ: «لكنها من عالم آخَر مختلِف استمتعتُ به بشدة.» ثم أحسستُ بأنَّ ما قلتُه لم يَرُقْ لي إلى حدٍّ بعيد.

فقال لي إنني ربما أكون بحاجةٍ إلى الخروج والتنزُّه على نحوٍ أكبر، وإنني يجب أن أسعى للعمل كمدرِّسة بديلة.

•••

اندهشتُ عندما جاءَتْ جوين بعد ذلك بفترة قصيرة جالِبةً معها مستحضرَ التجميل الذي كنتُ أريده. كنتُ قد دفعتُ ثمنَه بالفعل، ولم تحاوِل حتى أن تبيعني أيَّ شيءٍ آخَر، وبَدَتْ تقريبًا أكثرَ ارتياحًا لذلك، ولم يكن أمرًا مخططًا له من جانبها. قدَّمْتُ لها قهوةً مرةً أخرى وتحادَثْنا بكل أريحية واندفاعٍ كما في المرة السابقة. أعطيتُها نسخةَ كتاب «الإوز البري» التي كنتُ أستخدمها للكتابة عن مارثا أوستنسو، وقلتُ لها إنَّ باستطاعتها الاحتفاظَ بها لأنني سوف أحصل على نسخةٍ أخرى عندما تصدر السلسلة التي كنتُ أؤلِّفها.

فقالت إنها سوف تقرؤه، أيًّا كانت الظروف، وأضافَتْ أنها لا تتذكَّر آخِر مرة قرأَتْ فيها كتابًا لكونها مشغولةً للغاية، ولكنها وعدَتْني بأنْ تقرأ هذا الكتاب.

ثم استطردَتْ قائلةً إنها لم تَلْتَقِ قطُّ بشخصٍ مثلي يجمع ما بين التعليم الراقي والبساطة في التعامل. شعرتُ حينها بقليلٍ من الإطراء، والتحفُّظ في الوقت نفسه، تمامًا كما تشعر عندما تدرك أن أحد الطلاب معجَبٌ بشدةٍ بك. ثم شعرت بالإحراج لأنه لم يكن لديَّ الحقُّ في أن أشعر بأنني أعلى منزلةً منها.

حل الظلام عندما خرجَتْ من المنزل وبدأَتْ تدير سيارتها، ولكنها لم تتمكَّن من ذلك. حاولَتْ مرارًا وتكرارًا وأصدَرَ المحرك صوتًا مزعجًا، ثم توقَّفَ عن العمل تمامًا. عندما وصل فرانكلين إلى فناء المنزل ولم يستطع تجاوُزَه ودخولَ المنزل، ذهبْتُ لإخباره بالمشكلة؛ أما هي، فنزلت من السيارة عندما رأَتْه قادمًا نحوها، وشرعت في شرح الموقف قائلةً إن السيارة كانت تضعها في مواقفَ سيئةٍ للغاية خلال الآونة الأخيرة.

حاوَلَ هو أيضًا إدارتها، في حين وقفنا إلى جانب شاحنته، مُفسِحَتَيْن له المجال، ولكنه لم يستطع إدارتها كذلك، ودخل إلى المنزل ليتصل بورشة إصلاح السيارات الخاصة بالقرية؛ أما هي، فلم ترغب في الدخول إلى المنزل مرةً أخرى، على الرغم من أن الجو كان باردًا في الخارج. بَدَا أن وجود رجل المنزل جعلها متحفظةً؛ فانتظرتُ معها، ثم خرج فرانكلين إلينا لإخبارنا بأن الورشة مغلقة.

لم يَعُدْ هناك ما يمكن القيام به سوى أن أطلب إليها البقاء لتناوُل العشاء وقضاء الليلة معنا. قَدَّمَتِ اعتذاراتٍ كثيرة ثم أخذت تشعر براحةٍ أكبر عندما أدخلْتُها وجلست وأشعلت سيجارة جديدة. بدأتُ في إعداد الطعام، وذهب فرانكلين لتغيير ملابسه. سألتُها إنْ كانت تريد أن تهاتف أحدًا في منزلها.

قالت: نعم، من الأفضل أن أفعل ذلك.

اعتقدتُ أنه ربما يأتي أحدهم لاصطحابها للمنزل؛ فلم أكن أتطلَّع إلى الحديث طوال المساء مع وجود فرانكلين مستمِعًا لما أقوله. بالطبع كان من الممكن أن يذهب إلى غرفته الخاصة — التي ما كان يسمِّيها مكتبه — ولكن كنتُ سأشعر أن إقصاءَه بتلك الطريقة كان خطئي. كذلك، كنا نودُّ مشاهدةَ نشرة الأخبار، وكانت هي سترغب في التحدُّث خلالَها. فحتى أكثر صديقاتي ذكاءً كنَّ يفعلْنَ هذا، وكان هو يكره ذلك.

أو ربما كانت ستجلس صامتةً في استغرابٍ شديد، وكان ذلك سيكون أمرًا سيئًا كذلك.

بَدَا أن أحدًا لم يردَّ على مكالمتها، فاتصلَتْ بمنزل جيرانها حيث كانت الطفلتان الصغيرتان، وفي أثناء تلك المكالمة قدَّمَتْ قدرًا كبيرًا من الاعتذارات وهي تضحك، ثم تحدَّثَتْ إلى الطفلتين لحثِّهما على أن تسلكَا سلوكًا مهذبًا، ثم عادت للحديث مع الجيران مرةً أخرى مقدِّمةً لهم الشكرَ العميق والمزيدَ من التأكيدات على أن الطفلتين لن تُحدِثا الكثير من الجلبة. كان هذا على الرغم من أنه تبيَّنَ أن هؤلاء الجيران كانوا سيذهبون إلى مكانٍ ما في اليوم التالي، ومن ثَمَّ كان عليهم أخذ الطفلتين معهم، وهو الأمر الذي لم يكن ممكنًا في نهاية المطاف.

عاد فرانكلين إلى المطبخ تمامًا في الوقت الذي أنهَتْ فيه المكالمة؛ فالتفتَتْ هي إليَّ وقالت إن جيرانها للأسف خطَّطوا للخروج، وإنَّ ذلك كان طبعهم؛ حيث كانوا ينسون كلَّ المواقف التي وقفَتْ إلى جانبهم فيها عندما احتاجوا إليها.

وفجأةً ظهرَتْ علاماتُ الاندهاش على وجهَيْ فرانكلين وجوين في نفس الوقت.

صاحت جوين: «يا إلهي.»

قال فرانكلين «لا. إنه أنا.»

تسمَّرَا في مكانهما، وتساءلا كيف أنهما لم ينتبِهَا من قبلُ إلى الأمر. وأدركا، بحسب افتراضي، أنه لا يمكنهما أن يفتحا ذراعَيْهما ليتعانَقَا. بدلًا من ذلك، قاما ببعض الحركات الغريبة غير المترابطة، كما لو كان عليهما أن ينظرا في كل ما كان حولهما من أجل التأكد أنهما لا يحلُمان. كما كرَّرَ كلٌّ منهما اسمَ الآخَر بنبرةٍ تحمل بعض السخرية والارتباك، وعلى نحوٍ لم أكن لأتوقَّعه تمامًا.

«فرانك.»

«دوللي.»

بعد لحظاتٍ، أدركتُ أن اسم جوين، جويندولين، يمكن في الواقع أن يُختزَل إلى دوللي.

وأن أي شاب كان سيفضِّل أن يُدعَى فرانك بدلًا من فرانكلين.

لم ينسيا وجودي — أو لم يَنْسَ فرانكلين ذلك — إلا في تلك اللحظة.

«هل سمعتِني أذكر اسم دوللي؟»

أصرَّ صوتُه على العودة إلى الوضع الطبيعي، في حين أصرَّ صوتُ دوللي أو جوين على تضخيم المفارَقة الكبيرة أو حتى المذهلة المتعلِّقة بإيجاد كلٍّ منهما الآخَرَ.

«لا أستطيع أن أذكر لك آخِر مرةٍ نُودِيتُ فيها بهذا الاسم؛ فما من شخصٍ آخَر في العالَم أجمع يعرفني بهذا الاسم؛ دوللي.»

كان الشيءَ الغريب حينها أنني بدأتُ المشارَكة في جوِّ البهجة العام الذي كان يسود المكان؛ فالدهشة كانت تتغيَّر إلى بهجة أمام عينيَّ، هذا ما كان يحدث. كان على هذا الاكتشاف أن يجعل هذا التغيُّر سريعًا. وكم كنتُ حريصةً، على ما يبدو، على أداء دوري في الأمر، حتى إنني أحضرتُ زجاجةً من النبيذ.

كان فرانكلين قد أقلَعَ حينها عن شرب الكحول. لم يكن يشرب كثيرًا في الأساس وقد أقلَعَ عنه تمامًا في هدوءٍ؛ فكان الأمر متروكًا لي ولجوين للشرب والدردشة والإسهاب عن الاكتشاف الجديد، وذلك بمعنويات مرتفعة وللحديث عن دور الصدفة في الحياة.

قالت لي إنها كانت تعمل مربيةَ أطفال عندما عرفَتْ فرانكلين، وإنها كانت تعمل في تورونتو وترعى طفلين إنجليزيين أرسلهما والداهما إلى كندا لإبعادهما عن الحرب. كان هناك مساعدون آخَرون يعملون في المنزل، فكانت تقضي معظم أمسياتها بالخارج لقضاء بعض الوقت السعيد، كما تفعل أي فتاة شابة. والتقت فرانكلين عندما كان في إجازته الأخيرة قبل سفره للخارج، وقضيَا معًا وقتًا صاخبًا مجنونًا، وربما كتَبَ لها رسالةً أو رسالتين ولكنها كانت مشغولةً جدًّا بحيث لم تستطع الردَّ عليها. وعندما انتهَتِ الحرب انطلقَتْ على متن سفينةٍ في أقرب وقتٍ ممكن لإعادة الطفلين الإنجليزيين إلى بلدهما، والتقَتْ رجلًا على متنها وتزوَّجَتْه.

لكن هذا الزواج لم يستمر طويلًا؛ فإنجلترا كانت مكانًا موحشًا للغاية بعد الحرب، حتى إنها ظنَّتْ أنها ستموت هناك، فعجَّلَتْ بعودتها إلى كندا.

لم أكن أعرف شيئًا عن هذا الجانب من حياتها، ولكنني لمت بشأن الأسبوعين اللذين قضَتْهما مع فرانكلين، وهكذا — كما قلت — فعل الكثير غيري. على الأقل إنْ كانوا قد قرءوا شعره.

كانوا يدركون كَمْ كانَتْ معطاءةً في حبِّها له، لكن لم يعلم أحدٌ، مثلما علمتُ أنا، كيف أنها اعتقدَتْ أنها لا تستطيع الإنجابَ لأنها أحد توءمَيْن، وترتدي دلَّاية حول عنقها بها خُصَل من شَعْر توءمها المتوفَّاة. كانت تؤمن بكافة المعتقدات المماثلة، وقدَّمَتْ لفرانكلين سنًّا سحرية — لم تكن تعرف صاحبها — لحمايته عندما سافَرَ إلى خارج البلاد، لكنه فقَدَها بعد ذلك على الفور ولكن لم يفقد حياته.

كانت لديها قاعدةٌ أخرى، وهي أنها إنْ نزلَتْ عن الرصيف مستخدِمةً القدمَ الخطأ، أصبح ذلك اليومُ يومًا سيئًا بالنسبة إليها، ويتعيَّن عليها وعلى فرانكلين العودة مرةً أخرى لهذا الرصيف والقيام بالأمر على النحو الصحيح. وكان فرانكلين مُعجَبًا بقواعدها تلك.

حقيقةً، لم أكن بنحوٍ شخصيٍّ مُعجَبةً بتلك الأمور عندما علمتُ بها.

تأمَّلْتُ كيف أن الرجال يُعجَبون بالأمور الغريبة فقط إذا صدرَتْ عن فتاةٍ حسناء. بالطبع لم يَعُدْ هذا معتادًا الآن أو على الأقل آمل أن يكون كذلك؛ كل هذا الإعجاب بالعقل الأنثوي الطفولي. (عندما بدأتُ العملَ في مهنة التدريس أخبروني أنه منذ وقتٍ غير بعيد كان النساء لا يقمن بتدريس مادة الرياضيات لأن مستوى ذكائهن المحدود حال دونَ ذلك.)

بالطبع تلك الفتاة الفاتنة، التي ألححتُ على أن يخبرني عنها، يمكن أن تكون بوجه عام صنيعة أحدهم. ولكنني لا أعتقد ذلك؛ فهي نتاج خياراتها الجريئة، كما أنها أحبَّتْ بشدةٍ نفسَها على ما هي عليها.

بطبيعة الحال لم أخبر أحدًا بما قاله لي أو ورد عنها في القصيدة. وكذلك، لم يكن فرانكلين يتحدَّث عن ذلك معظمَ الوقت، إلا ليذكر بعضَ الأشياء عن تورونتو، وكيف كانت في أيام الحرب الصاخبة هذه، وعن قوانين الخمور السخيفة أو مَهْزَلة مواكب الجنود وهي ذاهبةٌ للكنيسة. لو اعتقدتُ في تلك المرحلة أنه قد يجعلها ملهمةً لإحدى كتاباته، لَبَدَا لي أنني كنتُ مخطئةً.

أحسَّ بالتعب وذهب إلى النوم، بينما جهزتُ أنا وجوين أو دوللي الأريكةَ لتنام عليها، ثم جلسَتْ هي على جانبٍ منها وهي تُدخِّن سيجارتها الأخيرة، طالِبةً مني ألَّا أقلق؛ حيث إنها لن تتسبَّب في إحراق المنزل لأنها ما كان لها أن تنام حتى تنتهي من تدخين سيجارتها.

كانت غرفتنا باردةً، والنوافذ مفتوحةً أكثر من المعتاد. وكان فرانكلين نائمًا؛ كان كذلك بالفعل حيث كان بإمكاني دومًا تحديد ما إذا كان يتصنَّع النومَ أم لا.

كنتُ أكره النومَ مع علمي بوجود أطباق متَّسِخة على الطاولة، ولكنني شعرتُ فجأةً بتعبٍ شديد بحيث لم أستطع غسلها، مع علمي بأن جوين كانت ستساعدني في القيام بذلك. بَيْدَ أنني نويتُ الاستيقاظ مبكرًا في الصباح لغسلها وترتيب المكان.

لكنني استيقظتُ على ضوء الشمس وصوت جلبةٍ آتٍ من المطبخ، ورائحة الإفطار، وكذلك رائحة السجائر؛ هذا بالإضافة إلى صوتِ حديثٍ، وكان المتحدث هو فرانكلين، بينما كنتُ أتوقَّع أن تكون جوين. سمعتُها تضحك على كل ما يقوله؛ فنهضت على الفور وارتديتُ ملابسي وصففتُ شعري، وهو شيء لم أكن أهتمُّ بفعله عادةً في وقت مبكر كهذا.

تلاشى كلُّ ما أحسستُ به في المساء من بهجةٍ وأمانٍ، وأحدثتُ قدرًا كبيرًا من الجلبة وأنا أنزل درجات السلم.

وكانت جوين تقف أمام حوض الغسيل وبجانبها صفٌّ من الأوعية الزجاجية النظيفة البرَّاقة الموضوعة على لوح التجفيف.

«غسلتُ الأطباق كلها يدويًّا لأنني خشيتُ ألَّا أستطيع تشغيلَ غسَّالة الأطباق بطريقة صحيحة. ثم رأيتُ تلك الأوعية الموجودة هناك وظننتُ أنه يجب عليَّ أن أغسلها أيضًا بما أني بجانب حوض الغسيل.»

قلتُ لها: «إنها لم تُغسَل منذ فترة طويلة للغاية.»

«حقًّا؟ لم أعتقد ذلك.»

قال فرانكلين إنه خرج وحاوَلَ إدارةَ السيارة مرةً أخرى، لكنه فشل مجددًا، لكنه نجح في الاتصال بورشة إصلاح السيارات، وقالوا إن شخصًا قد يأتي ويُلقِي نظرةً على السيارة عصرَ ذلك اليوم. لكنه ظن أنه من الأفضل بدلًا من الانتظار جرُّ السيارة إلى الورشة، بحيث يمكن إصلاحها خلال هذا الصباح.

قلتُ: «إن هذا يعطي لجوين الفرصةَ لغسل ما تبقَّى من أشياء في المطبخ.» ولكن لم يهتم أيٌّ منهما بالمزحة التي قلتُها، ورفض هو ذلك وقال إنه من الأفضل لجوين أن تذهب معه لأنهم سيرغبون في الورشة في التحدُّث معها؛ نظرًا لأنها مالكة السيارة.

لاحظَتْ أنَّ ثمة صعوبة كانت لديه في ذِكْر اسم جوين، حيث كان عليه مقاوَمة ذِكْر اسم دوللي.

فقلتُ إنني كنتُ أمزح.

سألني إنْ كنتُ أرغب في أن يَعُدَّ إفطارًا لي، ورددتُ عليه بالرفض.

قالت جوين: «هذا هو سر حفاظها على قوامها.» وبطريقةٍ ما، تحوَّلَتْ هذه المجاملة إلى شيءٍ يمكن أن يضحكا عليه معًا.

لم تظهر عليهما أيُّ علامةٍ تدل على معرفتهما بما كنتُ أشعر به، على الرغم من أنه بَدَا لي أنني كنتُ أتصرَّف على نحوٍ غريب، وكانت كلُّ ملحوظةٍ تَصْدُر عني نوعًا من السخرية الهشة. اعتقدتُ أنهما كانا مزهوَّيْن بنفسيهما بشدة، وكان هذا تعبيرًا طرَأَ على ذهني دون أن أعلم مصدره. عندما خرج فرانكلين لتجهيز السيارة لجرِّها، تبعَتْه جوين على الفور كما لو أنها أرادَتْ ألَّا يغيب عن نظرها ولو حتى لِلَحظةٍ واحدة.

وبينما كانت تغادر تذكَّرَتْ أن تخبرني أنها لن تستطيع أن تَفِيني حقِّي من الشكر.

أطلق فرانكلين نفيرَ سيارته ليودعني، وهو شيء لم يكن يفعله في العادة.

وددتُ أن ألحق بهما وأنْ أُقَطِّعَهما إربًا. رحتُ أسير في المكان في كل اتجاهٍ مع ازديادِ تمكُّن انفعالي الموجع هذا مني، ولم يَعُدْ لديَّ شكٌّ على الإطلاق فيما كان يجب عليَّ أن أفعله.

وخلال وقتٍ قصيرٍ إلى حدٍّ ما، خرجتُ من المنزل وركبتُ سيارتي، بعد أن مرَّرْتُ مفتاحَ منزلي عبر الفتحة الموجودة في الباب الأمامي، ووضعتُ حقيبةَ السفر بجانبي على الرغم من أني بنحوٍ أو بآخَر نسيتُ ماذا وضعتُ بداخلها. كما أنني كتبتُ رسالةً مختصرةً تقول إنني ذهبتُ لأتحقَّق من بعض المعلومات عن مارثا أوستنسو، ثم بدأتُ في كتابة رسالةٍ أطول كنتُ أنوي توجيهها إلى فرانكلين دون أن تراها جوين عندما تعود معه مرةً أخرى إلى المنزل، وهو الأمر الذي كان سيحدث بالتأكيد. قلتُ في هذه الرسالة أنه حرٌّ في القيام بالشيء الذي يريده، وأن الشيء الوحيد الذي كان غير محتمَل بالنسبة إليَّ هو الخداع، أو ربما قصدتُ الخداع الذاتي؛ فلم يكن هناك داعٍ لما فعله، ولكنْ كان عليه فقط أن يعترف ويكشف عن رغبته. لقد كان شيئًا سخيفًا وقاسيًا منه أن يجعلني أرى ذلك المشهد؛ ولذلك وددتُ فقط أن أفسح لهما المجال.

أضَفْتُ أنه لا توجد أكاذيبُ، في نهاية المطاف، قويةٌ مثل تلك التي نُخبِر بها أنفسَنا، وللأسف نستمر في إخبار أنفسنا بها، حتى تستقر بداخلنا وتبدأ في القضاء علينا، وذلك كما سيكتشف في القريب العاجل. ظللتُ أوجِّه اللومَ له حتى لم تَعُدْ هناك مساحةٌ تكفي مع تكرار الأفكار وتخبُّطها دون إبداءِ أيِّ نوعٍ من الكياسة أو الاهتمام بكرامتي. ثم أدركتُ أنه سوف يتعيَّن عليَّ إعادة كتابة الرسالة قبل إعطائها إلى فرانكلين، فاضطررتُ لأخذها معي وإرسالها بالبريد بعد ذلك.

في نهاية الممر المؤدِّي إلى الطريق اتخذتُ الاتجاهَ الآخَر الذي لا يؤدِّي إلى القرية وورشة إصلاح السيارات، وخلال وقت قصير، كما بَدَا لي، كنتُ أتجه شرقًا على طريق سريع رئيسي. سألتُ نفسي إلى أين أنا ذاهبة.

فإذا لم يطرأ شيءٌ على خاطري بسرعة، فسوف أجد نفسي في تورونتو، وبَدَا لي أنه على الرغم من أنني قد أجد هناك مكانًا كي أختبئَ به، فقد أصادِف أُناسًا وأماكنَ تذكِّرني بفرانكلين والأوقات السعيدة التي قضيتُها معه.

ولتجنُّب حدوثِ هذا، استدرتُ بالسيارة وتوجَّهْتُ إلى كوبورج، البلدة التي لم نذهب إليها معًا قطُّ.

لم يكن وقتُ الظهر قد حان بعدُ عندما استأجرتُ غرفةً في نُزل في وسط البلدة. مررتُ بعاملات النظافة اللواتي كنَّ ينظِّفْنَ الغُرَفَ التي كانت مشغولةً في الليلة الماضية. أما غرفتي، فنظرًا لأنها لم تكن مشغولةً في الليلة السابقة، فقد كانت باردةً جدًّا. شغلتُ المدفأة ثم قررتُ الذهابَ للتمشية، وعندما حاولتُ فتحَ الباب لم أستطع حيث كنتُ أرتجف وأرتعش؛ فأوصدتُ الباب وذهبتُ للنوم وأنا مرتديةٌ ملابسي كاملةً، وكنتُ لا أزال أرتجف؛ لذا سحبت الغطاءَ حتى غطَّى أذنَيَّ.

استيقظتُ من نومي قبل الغروب بفترةٍ، وكانت ملابسي ملتصقةً بجسدي من العَرَق؛ فأغلقت المدفأة وأخرجتُ بعض الملابس من حقيبتي وارتديتُها ثم خرجت من الغرفة. مشيت بسرعةٍ شديدة. كنتُ جائعةً لكنني شعرتُ بأنه لا يمكنني أن أُبطِئ أبدًا من خطواتي، أو حتى أن أجلس لتناول الطعام.

اعتقدتُ أن ما حدث لي كان أمرًا مألوفًا، في الكتب وفي الحياة، وقد تكون — بل يجب أن تكون — هناك طريقة ما مجرَّبة يمكن التعامُل بها معه. والمشي على هذا النحو يُعَدُّ إحداها بكل تأكيد، ولكن كان يجب عليك أن تتوقَّف، حتى في بلدةٍ بهذا الحجم الصغير، للسماح بمرور السيارات وحين تكون إشارات المرور حمراء. كما كان هناك أيضًا أشخاصٌ يَجُوبون الطرقاتِ بطريقةٍ خرقاء، يقفون ثم يسيرون مرةً أخرى، بالإضافة إلى حشودٍ من تلاميذ المدارس مثل أولئك الذين اعتدتُ أن أجعلهم يلتزمون بالنظام. لماذا كان يوجد العديد منهم؛ الحمقى بصراخهم وصياحهم؟ ولماذا هذا التكرارُ في أفعالهم وعدمُ الضرورة الكاملة لوجودهم؟ كانت رؤيتهم في كل مكانٍ إهانةً في وجهك.

كما كانت أيضًا المتاجر ولافتاتها إهانةً، وكذلك ضوضاء السيارات مع توقُّفها وسَيْرها؛ كلُّ مكانٍ يعلن أن هذه هي مظاهر الحياة، كما لو كنَّا في حاجةٍ إلى المزيد منها.

بعدما انتهى أخيرًا صفُّ المتاجر، كانت توجد بعض الكبائن الخالية، المغطَّاة نوافذها بالألواح، التي كان من المنتظر هَدْمها. هذه الكبائن هي الأماكن التي اعتاد الناس البقاء فيها في رحلات العطلات البسيطة قبل ظهور الفنادق. ثم تذكرتُ أنني أيضًا أقمتُ هناك؛ نعم، في واحدة من تلك الكبائن عندما كان هناك تخفيضٌ في أسعار الإقامة بها — ربما لأنه لم يكن موسم العطلات — بحيث يذهب إليها الآثمون في فترةِ ما بعد الظهيرة، والذين كنتُ واحدةً منهم. كنتُ حينها أعمل بمهنة التدريس وأنا لا أزال طالبةً، وما كنتُ سأتذكَّر أنَّ ما حدث كان في هذه البلدة، لولا تلك الكبائن المغلقة بالألواح الآن. كان الرجل يعمل مدرسًا وكان أكبر سنًّا مني، وكانت زوجته ربةَ منزل، ومن دون شك كان لديهما أطفال، حياة أشخاص يتم العبث بها. كان يجب ألَّا تعرف؛ لأن ذلك كان سيكسر قلبها. وكنت لا أهتم بهذا على الإطلاق؛ فَلْينكسر قلبها.

كان من الممكن أن أتذكَّر أكثر من ذلك إذا حاولتُ، لكنه أمرٌ لم يكن يستحقُّ العناء. إلا أن هذا التذكُّر جعلني أُبطِئ من حركتي وأعود إلى وتيرة أكثر طبيعيةً، وألتفتُ وأعود إلى النُّزُل.

وهناك على التسريحة كانت توجد الرسالةُ التي كتبتُها، مختومة ولكنْ ينقصها طابعٌ؛ فخرجتُ مرةً أخرى وذهبتُ لمكتب البريد واشتريتُ طابعًا ووضعتُ الظرفَ في المكان المخصَّص لإرساله، دونَ أي تفكير أو تخوُّف. كان من الممكن أن أتركه على الطاولة هناك، فما جدوى الأمر في نهاية المطاف؟ فقد انتهى كل شيء.

وأثناء سيري كنت قد لاحظت مطعمًا يُنزَل إليه عبر بضع درجات. تمكَّنْتُ من الذهاب إليه مرةً أخرى، ونظرتُ إلى قائمة الطعام المعلقة.

لم يكن فرانكلين يفضِّل تناوُلَ الطعام خارجَ المنزل، بينما كنتُ أفضِّل ذلك. مشيتُ بعض خطوات أخرى، بوتيرة طبيعية هذه المرة، منتظرةً حتى يفتح المكان أبوابه. رأيتُ وشاحًا أعجَبَني في واجَهة متجرٍ، وارْتَأَيْتُ أن أدخل وأشتريه حيث ظننتُ أنه سيكون ملائمًا لي. ولكن عندما أمسكتُه تركتُه على الفور؛ فقد أصابني ملمسُه الحريري بالغثيان.

وفي المطعم شربتُ بعضَ النبيذ وانتظرتُ وقتًا طويلًا حتى وصل طعامي. كان هناك عدد قليل جدًّا من الأشخاص الذين كانوا منشغلين بإعداد المكان للفرقة الموسيقية التي كانت ستعزف هناك في المساء. ذهبتُ إلى الحمام، واندهشتُ من مدى التغيُّر الكبير الذي طرأ على مظهري، وتساءلتُ في نفسي هل كان من الممكن أن يفكِّر رجلٌ — رجل متقدِّم في السن — في التعرف عليَّ وإقامة علاقةٍ معي. لكن الفكرة كانت منفرةً بالنسبة إليَّ؛ ليس بسبب كِبَر سنِّه المحتمل، ولكنْ لأنني لم أكن لأفكِّر قطُّ في أيِّ رجلٍ غير فرانكلين.

بالكاد استطعتُ تناوُلَ بعض الطعام عندما وُضِع أمامي. لم يكن السبب أن الطعام كان سيئًا، ولكن غرابة جلوسي وتناولي للطعام بمفردي، والشعور الفظيع بالوحدة والذهول ممَّا كان يحدث لي.

فكرتُ في إحضار أقراص منوِّمة على الرغم من أنني لم أستخدمها إلا نادرًا. في الواقع كان لديَّ بعضها منذ فترة طويلة جدًّا، حتى إنني تساءلتُ إنْ كانت لا تزال صالحةً للاستخدام أم لا. إلا أنها كانت فعَّالة؛ إذ نمتُ حتى حوالي الساعة السادسة صباحًا، دونَ أن أستيقظ خلال نومي ولو لمرة واحدة.

كانت بعض الشاحنات الكبيرة تخرج بالفعل من أماكن انتظارها داخل النُّزُل.

كنت أعرف أين أنا، كما كنت أعرف أيضًا ما فعلتُه، وأدرك أنني ارتكبتُ خطأً فظيعًا؛ لذا، ارتديتُ ملابسي وفي أسرع وقتٍ ممكن وغادرتُ النُّزُل. وبالكاد استطعتُ تحمُّلَ المحادَثة الودية التي أجرَتْها معي موظفةُ الفندق؛ حيث أخبرَتْني أن الثلوج سوف تتساقط في وقتٍ لاحق، وأنَّ عليَّ الاعتناء بنفسي.

كان الزحام يشتدُّ بالفعل على الطريق السريع، كما كان هناك حادث أدَّى إلى بطء السَّيْر بصورة أكبر.

ظننتُ أن فرانكلين ربما خرج ليبحث عني، وأنه قد يتعرَّض لحادثٍ أيضًا، وأننا حينها قد لا يرى كلٌّ منَّا الآخَر مرةً أخرى.

لم أكن أفكِّر في جوين إلا باعتبارها الشخصَ الذي عطَّلَ سيْرَ حياتنا وخلق مشاكلَ سخيفةً، برجلَيْها البدينتين القصيرتين، وشعرها المضحك، وتجاعيد وجهها المتشابكة. يمكن أن تقول إنها كانت شخصيةً كاريكاتوريةً، شخصًا لا يمكن إلقاء اللوم عليه ولا يجب أبدًا أخذه على محمل الجد.

وصلتُ إلى المنزل، الذي لم يتغيَّر فيه شيء، وتوجَّهْتُ إلى الممر ورأيتُ سيارته، وحمدتُ الرب أنه كان موجودًا هناك.

لاحظتُ أن السيارة لم تكن متوقِّفةً في مكانها المعتاد.

وكان السبب أن سيارةً أخرى، سيارة جوين، كانت متوقِّفةً في مكانها.

لم أستطع استيعاب الأمر؛ فطوال تلك الرحلة، نظرتُ إليها — هذا إنْ كانت قد جالَتْ بخاطري على الإطلاق — كشخصٍ كان سيُنحَّى جانبًا، وأنها منذ الفراق الأول لا يمكن أن يكون لها دورٌ في حياتنا. كان الشعور بالراحة لا يزال يغمرني لعودتي إلى المنزل، ولكون فرانكلين أيضًا في المنزل سالِمًا. سرى الاطمئنان عبر كل أوصالي، حتى إن جسدي كان على استعدادٍ للخروج من السيارة والذهاب مُسرِعًا إلى المنزل. حتى إني أخذتُ أبحث عن مفتاح المنزل، ناسيةً ما فعلتُه به.

لم أكن أحتاجه على أي حال؛ كان فرانكلين قد فتح باب منزلنا، ولم تَبْدُ عليه المفاجأةُ أو الارتياحُ، حتى عندما نزلتُ من السيارة وأخذتُ أتجه نحوَه. نزل درجات المنزل بطريقةٍ متوازِنةٍ وأوقفَتْني كلماته قبل أن أصل إليه.

قال: «انتظري.»

انتظري. بالطبع، كانت هي موجودة بالداخل.

ثم أضاف: «عودي إلى السيارة مرةً أخرى. لا يمكننا أن نتحدَّث في الخارج هكذا؛ إن الجو بارد جدًّا.»

وعندما دخلنا إلى السيارة، قال: «إن الحياة لا يمكن أبدًا التنبُّؤ بأحداثها.»

كان صوته على غير المعتاد رقيقًا وحزينًا. لم يكن ينظر إليَّ، بل ينظر باتجاه الزجاج الأمامي للسيارة، ومنزلنا.

قال لي: «أعرف أنه لا جدوى من الاعتذار لكِ.»

ثم تابَعَ: «كما تعلمين، لا يتعلَّق الأمر حتى بالشخص؛ إنه نوع من الهالة، أو السحر المرتبط به. لا شك أن الأمر يتعلَّق بالشخص، ولكنه يحيط بهذه الهالة والسحر ويجسِّدهما، أو هما مَن يجسدانه، لا أعرف الصواب على وجه التحديد. هل تفهمين قصدي؟ إنه أمر يحدث فجأةً ككسوف الشمس أو ما شابه.»

هزَّ رأسه المحني، في حيرةٍ كاملة.

كان بإمكانك أن تشعر أنه كان يتطلَّع للحديث عنها، ولكن تلك الطريقة المعسولة في الحديث كانت ستجعله يشعر بالغثيان في المعتاد؛ وهذا ما جعلني أفقد الأمل.

شعرتُ ببرودة شديدة تسري عبر جسدي. كنتُ سأسأله إنْ كان قد أخبَرَ الطرفَ الآخَر بهذا التحوُّل، ولكني ظننتُ أنه بالتأكيد فعل هذا، وأنها كانت هنا، في المطبخ مع الأشياء التي كانت تلمِّعها.

كان افتتانه حزينًا جدًّا، وكان مثل افتتان أيِّ شخصٍ آخَر، حزينًا.

فقلت: «توقَّفْ عن الكلام. لا تتكلَّم فحسب.»

التفَتَ ونظَرَ إليَّ للمرة الأولى، وتحدَّثَ دون أيٍّ من نبرات الحيرة الهادئة التي كانت في صوته.

قال: «يا إلهي! لقد كنتُ أمزح. اعتقدتُ أنكِ ستكتشفين الأمر. حسنًا، حسنًا. أوه، بالله عليكِ، اصمتي، واستمعي إليَّ.»

ففي أثناء ذلك، كنت أصرخ من الغضب والارتياح.

«حسنًا، لقد كنتُ غاضبًا منكِ بعض الشيء. قررتُ أن أجعلك تمرِّين ببعض الوقت العصيب عقابًا لكِ على ذلك. ماذا كان من المفترض أن أظنَّ عندما عدتِ إلى المنزل وقد رحلتِ عنه لتوِّك؟ حسنًا، أنا أحمق. كُفِّي عن هذا. كُفِّي عن هذا.»

لم أرغب في التوقُّف عن الصراخ. أدركتُ أنَّ كل شيء كان على ما يرام الآن، ولكنه كان من المريح لي أن أصرخ بتلك الطريقة. ثم وجدتُ أمرًا جديدًا ألومه عليه.

«ما الذي تفعله سيارتها هنا إذن؟»

«إنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا مع تلك السيارة؛ فهي مجرد خردة.»

«لكنْ لِمَ هذه السيارة موجودة هنا؟»

قال إنها موجودة هنا لأنَّ بها بعض الأجزاء الصالحة للعمل، وهي ليست كثيرة، وإنها أصبحتْ مِلْكَه أو مِلْكنا الآن.

لأنه قد اشترى لها سيارة.

«سيارة؟ جديدة؟»

سيارة جديدة بما يكفي لتعمل على نحوٍ أفضل من السيارة التي كانت تمتلكها.

«إنها تريد أن تذهب إلى مدينة نورث باي لأنَّ لديها هناك أقاربَ أو ما شابَهَ ذلك. وتلك المدينة هي المكان الذي أرادَتْ أن تتجه إليه عندما تستطيع الحصولَ على سيارةٍ تساعدها على القيام بذلك.»

«إن لديها أقاربَ هنا، في المكان الذي تعيش فيه. كما أن لديها طفلتَيْن في الثالثة من عمرهما يجب أن تعتني بهما.»

«حسنًا من الواضح أن أقاربها في نورث باي هم مَن يلائمونها الآن. إنها لم تخبرني عن أيِّ أطفالٍ في الثالثة من عمرهم. ربما ستأخذهما معها.»

«هل طلبَتْ منكَ أن تشتري لها سيارة؟»

«لم تطلب أي شيء.»

قلتُ: «إذن، أصبحَتْ هي الآن جزءًا من حياتنا.»

«إنها في نورث باي. لنذهب إلى داخل المنزل؛ إنني حتى لم أرتدِ معطفًا.»

ونحن في طريقنا، سألتُه ما إذا كان قد أخبرها عن قصيدته، أو ربما قرأها لها.

قال: «يا إلهي، لا. ولِمَ أفعل ذلك؟»

كان أولُ شيء رأيتُه داخلَ المطبخ لمعانَ الأوعية الزجاجية النظيفة. جذبتُ كرسيًّا ووقفتُ عليه وبدأتُ في وضع تلك الأوعية بأعلى الخِزانة.

قلتُ: «هل يمكنكَ مساعدتي؟» وأخذ يناولني إياها.

تساءلتُ في نفسي: هل من الممكن أن يكون قد كذب بشأن القصيدة؟ وهل من الممكن أن تكون قد استمعَتْ إليها منه؟ أو أعطاها لها وقرأَتْها هي بنفسها؟

إذا كان الأمر كذلك، فإن ردَّ فعلها لم يكن مُرْضِيًا، مهما كان.

فإذا افترضنا أن رأيها هو أن القصيدة جميلة، فإنه كان سيكره ذلك.

أو ربما أنها قد تساءلت كيف أنه لم يُحاسَب على فِعْلَتِه تلك؛ على الكلام البذيء الذي تحتويه. ربما كان هذا ما قالَتْه. كان سيكون هذا أفضل، ولكن ليس للدرجة التي قد تظنها.

فمَن يستطيع أن يخبر شاعرًا بالرأي المثالي بشأن قصائده؟ الرأي الذي لا يبالغ في الثناء عليه أو الانتقاص من حقه، ولكنْ يوضِّح الحقيقة كما هي.

وضَعَ ذراعَيْه حولي وأنزَلَني عن الكرسي.

قال: «إننا لم نَعُدْ نتحمَّل الشجارَ.»

هذا صحيح بالطبع؛ فقد نسيتُ تقدُّمَنا في العمر، نسيتُ كلَّ شيء، معتقِدةً أن هناك مزيدًا من الوقت للمعاناة والشكوى.

تمكَّنْتُ من رؤية المفتاح، ذلك المفتاح الذي أدخلتُه عبر فتحة الباب الأمامي. كان داخل شقٍّ بين ممسحة الأرجل البُنيَّة المزغبة وعتبة الباب.

كما كان يجب أن أكون حَذِرة من تلك الرسالة التي كتبتُها أيضًا وأمنعها من الوصول إليه.

ماذا لو مِتُ قبل وصولها؟ يمكنك أن تظن أنك في حالةٍ صحيةٍ جيدة، ثم يأتي الموت هكذا بكل بساطة؛ فهل يتعيَّن عليَّ أن أترك رسالةً بهذا الشأن لفرانكلين من باب الاحتياط؟

أقول له فيها: إنْ وصلَتْكَ رسالةٌ مني، فمزِّقها.

أعتقد أنه كان سيفعل ما طلبْتُه منه. أما أنا فلو كنت مكانه، لَمَا كنتُ لأفعل هذا؛ كنتُ سأفتحها، بغضِّ النظر عن كلِّ الوعود التي قطعتُها له في هذا الشأن.

أمَّا هو، فكان سيُطِيعني.

يا له من مزيجٍ من الغضب والإعجاب الذي كنتُ أحسُّ به لاعتقادي باستعداده للقيام بذلك؛ وكان هذا ينطبق على حياتنا بأكملها التي قضيناها معًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠