حياتي العزيزة

حينما كنتُ صغيرة، كنتُ أعيش في نهاية طريق طويل، أو طريقٍ بَدَا لي طويلًا. وكان يوجد خلفي، وأنا عائدة لمنزلي سَيْرًا على الأقدام من المدرسة الابتدائية ثم المدرسة الثانوية بعد ذلك، المدينة الحقيقية بنشاطها وأرصفتها وأعمدة إنارة شوارعها التي كانت تُضاء بعد حلول الظلام. وكان ما يميِّز نهاية المدينة وجود جسرين فوق نهر ميتلاند، أحدهما كان جسرًا حديديًّا ضيقًا كانت تحدث فيه أحيانًا مشاجراتٌ بين قائدي السيارات حول أيٍّ من السيارات يجب أن تنتظر حتى تمر السيارات الأخرى. وكان هناك ممشًى خشبي حيث تجد من آنٍ لآخَر أحدَ ألواحه مفقودًا، بحيث يكون بمقدورك أن تنظر لأسفل مباشَرةً نحو المياه الجارية البراقة. أحببتُ ذلك، لكن كان دائمًا ما يأتي أحدهم ويضع لوحًا جديدًا مكان اللوح المفقود.

وكان هناك وادٍ صغيرٌ، به منزلان آيلان للسقوط تغمرهما المياه كلَّ ربيع، لكنْ دائمًا كان هناك أناسٌ — أناسٌ مختلفون — يأتون ويعيشون فيهما على أية حال. وبعد ذلك، كان هناك الجسر الآخَر، المقام فوق قناة الساقية، التي كانت ضيقة لكنها عميقة بما يكفي بحيث يمكن أن تغرق فيها. بعد ذلك كان ينقسم الطريق، جزءٌ منه يتجه نحو الجنوب فوق أحد التلال وفوق النهر ثانيةً حتى يصبح طريقًا سريعًا، والجزء الآخَر يمتد حول ساحة السوق القديمة ثم ينعطف نحو الغرب.

كان هذا الطريق المتجه نحو الغرب هو طريقي.

كان هناك أيضًا طريق يتجه نحو الشمال، وكان به رصيف قصير لكنه حقيقي، وعدة منازل بعضُها قريبٌ من بعضٍ، كما لو كانت في المدينة. وكان أحدها عليه لافتة على الجزء العلوي الزجاجي من بابه، مكتوب عليها «شاي سالادا»؛ وهو دليل على أن منتجات البقالة كانت تُباع هناك في وقتٍ من الأوقات. ثم كانت هناك مدرسة درستُ بها لمدة عامين في حياتي وتمنيتُ ألَّا أراها ثانيةً، وبعد هذين العامين، دفعت أمي أبي إلى شراء سقيفة قديمة في المدينة؛ حتى يكون خاضعًا للضرائب الخاصة بالمدينة وأستطيع أن أذهب إلى مدرسة المدينة. واتضح أنها لم تكن بحاجةٍ إلى ذلك لأنه في نفس السنة وذات الشهر الذي بدأتُ فيه الدراسةَ في مدرسة المدينة، أُعلِنت الحرب ضد ألمانيا، وعلى نحوٍ مفاجِئٍ هدأ الحال في المدرسة القديمة، المدرسة التي كان ينتزع مني زملائي المتنمِّرون عليَّ طعامَ الغداء ويهدِّدون بضربي، والتي لم يتعلَّم بها أحدٌ أيَّ شيء وسط الفوضى التي كانت تعلوها. وسرعان ما أصبح بها حجرة واحدة ومعلم واحد فقط ربما لم يكن حتى يُغلِق الأبواب في أوقات الراحة. وبدا أن نفس الصِّبْية الذين طالما سألوني على نحوٍ مؤثر ومزعج إنْ كنت أريد أن أضاجعهم؛ كانوا شغوفين لأنْ يحصلوا على وظائف مع انضمام إخوانهم الأكبر سنًّا للجيش.

لا أدري إنْ كانت حمَّامات المدارس قد تحسَّنَتْ حالتها بحلول ذلك الوقت أم لا، لكنها كانت أسوأ شيءٍ بها على الإطلاق؛ هذا لا يعني أننا لم نكن نقضي حاجتنا في حمام خارجي داخل المنزل، لكنه كان نظيفًا وأرضيته من المشمع. وفي تلك المدرسة، وبدافعٍ من الازدراء أو أيًّا ما كانت الدوافع، بَدَا أنه لم يكن أحدٌ يهتم بقضاء حاجته في الحفرة المخصَّصة لذلك بالحمام، ولعدة أسباب لم يكن هذا الأمر سهلًا عليَّ في مدرسة المدينة أيضًا؛ لأن الطلبة الآخرين كانوا معًا منذ الصف الأول، وكان هناك العديد من الأشياء التي لم أتعلَّمها بعدُ، لكنَّ رؤيتي لمقاعد الحمام النظيفة وسماعي لصوت المراحيض الدافقة المتحضرة كانا شيئين باعثَيْن على راحتي.

خلال وجودي في مدرستي الأولى، كانت لديَّ صديقة واحدة. وقد التحقت هذه الفتاة التي سأناديها ديان بمدرستي بعد أن مضَتْ فترةٌ من عامي الثاني هناك. كانت في مثل عمري تقريبًا، وكانت تعيش في واحدٍ من تلك المنازل التي كان لها رصيف. سألَتْني ذات يومٍ إنْ كنتُ أعرف الرقصَ الشعبي الاسكتلندي، وعندما أجبتُ عليها بالنفي عرضَتْ عليَّ أن تعلِّمني إياه؛ ومن هذا المنطلق، ذهبنا إلى منزلها بعد المدرسة. كانت والدتها قد تُوفِّيت، وذهبَتْ هي للعيش مع جدها وجدتها. أخبرتني أنه لكي أتمكَّن من أداء هذا النوع من الرقص، فأنا بحاجةٍ إلى حذاءٍ يُصدِر صوتًا، وهو ما لم أكن أملكه بالطبع وكانت تملكه هي، لكن أقدامنا كان لها نفس المقاس تقريبًا؛ لذا كان من الممكن أن نتبادل أحذيتنا بينما تحاوِل هي أن تعلِّمني. شعرنا بالعطش في نهاية المطاف، فأحضرَتْ لنا جدتها بعض الماء، لكنه كان ماءً فظيعًا آتيًا من بئرٍ محفورة يدويًّا، تمامًا مثل ماء المدرسة. أخبرتهما بأمر الماء الرائع الذي كنا نحصل عليه من أحد الآبار المحفورة بالآلات بالمنزل، وقالت الجدة، دون أن تشعر بأيِّ نوعٍ من الإهانة، إنها تتمنَّى لو حصلَتْ على مثل هذا الماء أيضًا.

لكن سرعان ما كانت أمي بالخارج؛ فقد ذهبت إلى المدرسة وعرفت مكان تواجدي، وراحت تطلق نفير السيارة لكي تستدعيني، ولم تَرُدَّ حتى على تلويحِ الجدة الذي كان ينمُّ عن الودِّ. كانت أمي لا تقود السيارة في العادة، وحينما كانت تفعل تكون هناك جديةٌ يشوبها التوتر تغلِّف ذلك الحدث، وطلبت مني ونحن في طريقنا إلى المنزل ألَّا أدخل ذلك المنزل مرةً أخرى. (لم يكن في ذلك أيُّ صعوبةٍ؛ لأن ديان توقَّفَتْ عن المجيء إلى المدرسة بعدَها بأيام قلائل؛ فلقد أُرسِلت إلى مكانٍ ما.) قلتُ لأمي إن والدة ديان متوفَّاة، فردَّتْ عليَّ بأنها تعلم ذلك. أخبرتها بأمر الرقص الشعبي الاسكتلندي، فقالت إنني يمكنني أنْ أتعلَّمه في وقتٍ من الأوقات، لكنْ ليس في ذلك المنزل.

لم أكتشف حينها — ولم أفهم الأمر حينما اكتشفتُ — أن أم ديان كانت عاهرةً، وأنها تُوفِّيت بسببِ مرضٍ ما بدا أن العاهرات قد أُصِبْنَ به. أرادَتْ أم ديان أن تُدفَن في منزلها، وقام قس كنيستنا بمراسم الدفن. كان هناك جدل حول نص الإنجيل الذي استخدَمَه؛ اعتقد البعض أنه كان يجب عليه ألَّا يذكر ذلك الجزء، لكن أمي اعتقدَتْ أنه فعل الشيء الصواب.

إن جزاء الخطيئة هو الموت.

قالت أمي لي ذلك بعدها بفترة طويلة، أو ما بَدَا أنه فترة طويلة لاحقًا، حينما وصلتُ لمرحلةٍ كنتُ أكره خلالها العديد من الأشياء التي كانت تقولها، وخاصةً حينما كانت تستخدم هذا الصوت المقنع المرتعش المبتهج.

كنتُ أزور الجدة بين الحين والآخَر، ولطالما كانت تستقبلني بابتسامتها الصغيرة. وقالت إنه من الرائع أنني لا أزال أذهب إلى المدرسة، وذكرَتْ أن ديان استمرت هي الأخرى في الذهاب إلى المدرسة لوقتٍ لا بأسَ به، في المكان الذي كانت تعيش فيه، لكنه لم يكن طويلًا كالوقت الذي أمضيتُه أنا. ووفقًا لما قالته جدتها، فقد حصلَتْ ديان بعد ذلك على وظيفةٍ في أحد المطاعم في تورونتو حيث كانت ترتدي زيًّا مزينًا بالترتر. وكنتُ قد كبرتُ بما يكفي حينَها، وأصبحتُ شريرةً بما يكفي لكي أفترض أنها ربما ذهبَتْ إلى مكانٍ يخلع فيه المرءُ الزيَّ المزين بالترتر.

لم تكن جدة ديان هي الوحيدة التي كانت ترى أنني قد أمضيتُ وقتًا طويلًا بالمدرسة؛ فبطول الطريق الذي كنتُ أقطعه، كان هناك عددٌ من المنازل التي يصطف بعضها مبتعدًا عن بعض، بدرجة أكبر من تلك المتواجِدة في المدينة، لكن مع ذلك لم يكن لها الكثير من الملحقات. وكان أحد هذه المنازل، الواقع فوق أحد التلال الصغيرة، يمتلكه ويتي ستريتس، وهو محارب من المحاربين القدامى فقَدَ إحدى ذراعَيْه أثناء مشاركته في الحرب العالمية الأولى. كان يربي بعض الخراف، وكان لديه زوجة لم أَرَها سوى مرة واحدة فقط طوال تلك السنوات، حينما كانت تملأ دلوَ الشرب من المضخة. كان ويتي يحب أن يمزح بشأن الوقت الطويل الذي أمضيتُه في المدرسة، وكم هو شيء باعث على الرثاء أنني لم أستطع مطلقًا أن أجتاز اختباراتي وأنتهي من دراستي. وكنتُ أردُّ على مزاحه متظاهرةً بأن ذلك صحيح. لم أكن واثقةً ممَّا كان يعتقد بالفعل؛ كان هذا هو الأسلوب الذي تتعرَّف به على الأشخاص على الطريق ويتعرَّفون عليك من خلاله؛ فإنك تبدأ بتحيتهم وهم يردون عليك التحية، ثم يقولون بعد ذلك شيئًا عن أحوال الطقس، وإنْ كانت لدى أحدهم سيارةٌ وشاهَدَك تسير على قدمَيْك فإنه يذهب بك إلى المكان الذي تريده. إن المكان لم يكن يشبه الريف الحقيقي حيث كان الناس يعرف بعضهم دواخِلَ منازل بعضٍ، ويشترك الجميع بطريقة أو بأخرى في نفس الوسيلة التي يكسبون بها قوتَ يومهم.

لم أستغرق وقتًا في إكمال دراستي الثانوية أطول ممَّا استغرَقَه أيُّ فردٍ أنهى صفوفَه الخمسة بالكامل، لكنَّ عدد الطلاب الذين فعلوا ذلك كان قليلًا، ولم يتوقع أحد في تلك الأيام أن نفس العدد الذي التحَقَ بالمدرسة الثانوية في الصف التاسع سيخرج منها، ذاخِرًا بالمعرفة وقواعد النحو الصحيحة، في نهاية الصف الثالث عشر؛ فقد كان هناك بعض الأشخاص الذين يحصلون على وظائف بدوامٍ جزئيٍّ وتدريجيًّا يحصلون على وظائف بدوامٍ كامل. أما الفتيات، فكنَّ يتزوَّجْنَ وينجبْنَ أطفالًا، بهذا الترتيب أو بعكسه. وفي الصف الثالث عشر، حيث لم يتبقَّ سوى ربعِ عدد طلاب الفصل الأصلي، كان هناك إحساسٌ باتساعِ المعرفة، بالإنجاز الحقيقي، أو ربما هو مجرد نوعٍ خاص من الشعور بالمثالية، بغضِّ النظر عمَّا سيحدث لك فيما بعدُ.

شعرتُ كما لو أنني قد ابتعدتُ فترةً طويلة جدًّا عن معظم الناس الذين عرفتهم في الصف التاسع، فضلًا عمَّن عرفتهم في مدرستي الأولى.

•••

كان هناك شيء في أحد أركان غرفة الطعام لطالما أثار دهشتي قليلًا، وذلك حينما كنتُ أُحضِر المكنسةَ الكهربائية التي من طراز إلكترولكس كي أنظِّف الأرضية. كنت أعرف ما هو هذا الشيء؛ حقيبة جولف حديثة تحوي مضارب وكرات جولف. تساءلتُ فقط عمَّا كانت تفعله في منزلنا؛ إنني بالكاد أعرف القليل عن هذه اللعبة، لكنْ كانت لديَّ تصوُّرات عن نوعية الأشخاص الذين كانوا يمارسونها؛ لم يكونوا من أولئك الأشخاص الذين يرتدون أردية العمل، مثل والدي، بالرغم من أنه كان يرتدي بنطال العمل الأكثر أناقةً حينما كان يذهب إلى وسط المدينة. كان يمكنني، إلى حدٍّ ما، تخيُّل أمي وهي ترتدي ذلك النوع من الملابس الرياضية التي ينبغي ارتداؤها لهذه اللعبة، رابطةً وشاحًا حول شعرها الناعم المتطاير، لكنْ لم يكن يمكنني تخيُّلها وهي تضرب الكرة لتسقط في حفرةٍ في الملعب. إنها بالتأكيد كانت أبعد ما يكون عن فعْلِ تفاهةٍ كهذه.

لا بد أنها قد فكرت بطريقة مختلفة في وقتٍ من الأوقات، لا بد أنها قد اعتقدَتْ أنه يمكنها هي وأبي أن يحوِّلا نفسيهما لنوعٍ مختلفٍ من الأشخاص؛ أشخاصٍ يستمتعون بقدرٍ من الرفاهية؛ لعب الجولف، وحفلات العشاء. ربما أقنعَتْ نفسها بأن بعض الحدود لم تَعُدْ موجودةً. لقد استطاعَتْ أن تبتعد عن مزرعةٍ في منطقة الدرع الكندي الجرداء — مزرعة أسوأ كثيرًا من تلك التي قَدِم منها أبي — وأصبحت معلمةً تتحدَّث بأسلوبٍ جعل أقاربها لا يشعرون بالارتياح تجاهَها. ربما اعتقدَتْ أنها، بعد كلِّ هذا الكفاح، ستكون من المرحب بهم في أي مكان.

أما أبي، فكانت لديه رؤًى أخرى. لم يكن الأمر أنه اعتقد أن الناس في المدينة أو أي مكان آخَر أفضل منه، لكنه ربما كان يعتقد أن ذلك هو ما كانوا يؤمنون به بالفعل؛ وعليه، فضَّلَ ألَّا يمنحهم أبدًا الفرصةَ لأنْ يُظهِروا ذلك.

بالنسبة إلى مسألة الجولف، بَدَا أن أبي هو المنتصر.

بدا وكأنه لم يكن راضيًا بالعيش بالأسلوب الذي توقَّعَ أبواه أن يعيشه، بإدارة مزرعتهم اللائقة؛ فحينما ترك هو وأمي أهلَهما، واشتريا قطعةَ الأرض هذه الموجودة في نهاية طريقٍ يقع بالقرب من مدينةٍ لم يعلما عنها شيئًا، كانت كلُّ فكرتهما تنحصر بالتأكيد في الاغتناء من تربية الثعالب الفضية، ولاحقًا حيوانات المنك. وكصبيٍّ، وجَدَ أبي نفسه يشعر بسعادة وهو ينصُبُ الشِّرَاك للحيوانات أكبر من قيامه بالمساعدة في المزرعة أو الذهاب إلى المدرسة الثانوية — واعتقد أنه سيصبح أغنى أيضًا من أيِّ وقتٍ مضى — وراودَتْه تلك الفكرة واستمرَّ في تنفيذها طوال حياته. لقد وضع كلَّ ما يملكه من نقودٍ لتنفيذ هذا الأمر، وساهَمَتْ أمي بما كانت تدَّخِره من وراء عملها في مجال التدريس، وبنى كلَّ الحظائر والعشش التي كانت ستعيش بها الحيوانات، وكذلك الجدران السلكية التي كانت ستُحبَس وراءَها. كان حجم قطعة الأرض الذي بلغ ١٢ فدانًا هو الحجم المناسب لهذا الأمر، بجانب وجود حقلِ قشٍّ ومرعًى كافٍ لبقرتنا وللخيول العجائز التي كانت بانتظار القتل لتكون طعامًا للثعالب. وكان المرعى يمتد حتى النهر، ويحتوي على ١٢ شجرة دردار تظلِّله.

عندما أفكِّر في الأمر الآن، أجد أنه كان هناك الكثير من عمليات قتل الحيوانات في المزرعة؛ فكان يجب أن تُقتَل الخيول العجائز لتكون طعامًا للثعالب، وكذلك الحال كلَّ خريفٍ بالنسبة إلى الحيوانات الحاملة للفراء، التي لم يكن يُترَك منها سوى ما كان يُستخدَم في الاستيلاد. لكني اعتدتُ على ذلك، وكان من اليسير أن أتجاهله بالكامل، راسمةً لنفسي مشهدًا نقيًّا يشبه شيئًا نابعًا من الكتب التي أحببتُها مثل كتاب «آن في المرتفعات الخضراء»، أو «بات التي من سيلفر بوش». كان يساعدني في ذلك أشجار الدردار التي كانت تظلل المرعى، والنهر المتلألئ، والينبوع الذي كان يندفع فجأةً من الضفة التي تعلو المرعى، موفِّرًا الماء للخيول المحكوم عليها بالموت، وللبقرة ولي أيضًا، وذلك من خلال قدح من الصفيح كنتُ أضعه هناك. كان السماد الحيواني الطازج موجودًا دومًا في كافة الأنحاء هناك، لكني كنتُ أتجاهله مثل آن التي لا بد وأنها كانت تفعل ذلك في المرتفعات الخضراء.

كان عليَّ في تلك الأيام أن أساعد أبي في بعض الأحيان لأن أخي لم يكن قد كبر بدرجةٍ كافيةٍ. كنت أضخُّ الماء النقي، وكنتُ أتنقَّل جيئةً وذهابًا بين الحظائر لأنظِّف العلب الصفيح التي يشرب منها الحيوانات وأُعِيدُ ملْأَها؛ وكنت أستمتع بذلك. وكان ما أحبه هو أهمية العمل والعزلة المتكررة فقط؛ ولاحقًا كان عليَّ أن أمكث بالبيت لأساعد أمي، وكان يملؤني حينَها الاستياءُ وأردُّ عليها بعدوانيةٍ؛ وكان يُطلَق على هذا «الرد بوقاحة». حينَها كانت أمي تقول إنني جرحتُ مشاعرها، وكانت النتيجة أنها كانت تذهب إلى الحظائر لتشكوني لأبي، والذي كان عليه حينَها أن يقطع عمله لكي يضربني بحزامه. (كان هذا عقابًا معتادًا في تلك الأيام.) وبعدها كنت أرتمي على الفراش وأنا أبكي، وأضع خططًا للهروب. لكني تخطَّيْتُ تلك المرحلة أيضًا وأصبحت في مرحلة المراهَقة ليِّنةَ الجانب، بل أصبحت حتى مَرِحةً، ومعروفةً بإعادة سردي المسلِّي للأشياء، سواء أكانت الأشياء التي سمعتُ عنها في المدينة أم تلك التي وقعَتْ في المدرسة.

كان منزلنا ذا حجم معقول، ولا ندري متي شُيِّد، لكن لا بد أن عمره يقل عن القرن؛ لأن عام ١٨٥٨ كان العام الذي توقَّفَ فيه أول مُستوطِن في مكانٍ يُطلَق عليه بودمين — وهو مكان اختفى الآن — وبنى لنفسه طوفًا وعبر النهر لقطع الأشجار من الأرض التي أصبحَتْ فيما بعدُ قريةً كاملة؛ وسرعان ما أصبح بتلك القرية البدائية مصنعٌ لنشر الأخشاب، وفندقٌ، وثلاثُ كنائس، ومدرسةٌ، وهي نفس المدرسة التي كانت مدرستي الأولى والتي كانت تُشعِرني بخوف شديد. ثم شُيِّد جسر عبر النهر، ثم بدأ الناس يدركون أنه من الأحرى العيش على الناحية الأخرى، على أرضٍ أعلى، وتقلَّصَتِ المستوطنة الأصلية حتى أضحَتْ أشبه بالقرية الحقيرة التي تحدَّثْتُ عنها، والتي كانت غريبةً حينَها فقط.

لا يمكن أن يكون منزلنا ضمن تلك المنازل الأولى التي شُيِّدت في هذه المستوطنة البدائية؛ لأنه كان مبنيًّا من الطوب، وكانت جميعًا من الخشب، لكنْ من المحتمل أنه أُقِيم بعدَها بفترة ليسَتْ بالطويلة؛ فقد كان ظهره يواجِه القرية، كان يطلُّ على ناحيةِ الغرب عبر حقولٍ تنحدر قليلًا نحو المنحنى المختفي حيث صنع النهرُ ما كان يُطلَق عليه منطقةُ بيج بيند. وفيما وراء النهر كانت هناك مجموعةٌ من الأشجار الدائمة الخضرة الداكنة اللون، ويحتمل أنها كانت أشجار أرز، لكنها كانت تقع على مسافةٍ كبيرة يصعب معها تحديد نوعها بدقةٍ. وهناك على مسافةٍ أبعد على منحدرِ تلٍّ آخَر، كان يوجد منزل آخَر مواجِه لمنزلنا حجمُه متناهي الصِّغَر من هذا البُعْد، لدرجةٍ جعلَتْنا لم نَزُرْه مطلقًا أو نعرف عنه شيئًا، وكان بالنسبة إليَّ بمنزلة منزل أحد الأقزام في إحدى القصص. لكننا كنَّا نعرف اسم الرجل الذي كان يقطنه أو الذي كان يعيش هناك في وقتٍ من الأوقات؛ لأنه ربما يكون قد تُوفِّي في الوقت الحاضر. كان اسمه رولي جرين، وهو لا دورَ له فيما أكتبه الآن بالرغم من اسمه الخرافي؛ لأن هذه ليسَتْ قصةً، وإنما سردٌ لجانب من حياتي.

•••

تعرَّضَتْ أمي للإجهاض مرتين قبل أن تلدني؛ لذا عندما وُلِدت في عام ١٩٣١، لا بد أنه كان هناك شعور ببعض الرضا، لكن الأوضاع أخذَتْ تسوء شيئًا فشيئًا بمرور الوقت. الحقيقة أن أبي دخل مجالَ تجارة الفراء متأخِّرًا بعض الشيء، والنجاحُ الذي كان يأمل في تحقيقه كان من الأرجح أن يحدث في منتصف العشرينيات عندما كان الفراء شائعًا وقتَها منذ فترة قصيرة، وكان الناس تمتلك الأموال، لكنه لم يكن قد بدأ عمله وقتَها. لكننا استطعنا الاستمرارَ في المجال، قبل اندلاع الحرب وخلالها، بل حتى بنهايتها لا بد أنه كانت هناك زيادة مشجِّعة في حركة البيع؛ لأن هذا الأمر كان في فصل الصيف الذي أصلح أبي المنزل خلاله؛ حيث أضاف طبقةً من الطلاء البني فوق الطوب الأحمر القديم. لقد كانت هناك مشكلةٌ ما في الطريقة التي وُضِع بها الطوب والألواح؛ فهما لم يمنعا دخولَ البرد كما من المفترض أن يفعلا؛ لذا رأينا أن طبقة الطلاء ستساعد في هذا الأمر، بالرغم من أني لا أتذكر أنها فعلَتْ ذلك على الإطلاق. وبنينا حمَّامًا، وتحوَّل مصعد نقل الطعام غير المستخدَم إلى خزانات مطبخ، وأضحَتْ غرفةُ الطعام الضخمة ذات السلم المفتوح غرفةً عاديةً ذات سلم مغلق. أَشْعَرَني ذلك التغييرُ بالراحة بصورةٍ غير ملحوظة؛ لأن ضرب أبي لي كان يتم في تلك الغرفة القديمة مع رغبتي في الموت من جرَّاء ما كان يسبِّبه ذلك من شعورٍ بالبؤس والخزي. أما الآن فذلك التغيير في المكان جعل من الصعب حتى تخيُّل حدوثِ شيءٍ كهذا بالأساس. كنت في المدرسة الثانوية وكان يتحسَّن أدائي كلَّ عام، مع التخلِّي عن أنشطةٍ مثل التطريز والكتابة بأقلام عادية، وتحوُّل مادة الدراسات الاجتماعية إلى مادة التاريخ، وكان بمقدور المرء تعلُّم اللغة اللاتينية.

لكن بعد التفاؤل الذي أضفاه موسم إعادة تزيين المنزل هذا، تراجَعَ عملنا ثانيةً، لكنْ في هذه المرة لم يرجع إلى سابق عهده ثانيةً. لقد سلخ أبي جلودَ كل الثعالب، ثم حيوانات المنك وحصل من ورائها على قدرٍ ضئيل من النقود أصابه بالصدمة. ثم أصبح يعمل بالنهار في هدم الحظائر التي وُلِد فيها مشروعُه ومات، قبل أن يذهب لتسلُّم دوامِ حراسةِ المسبك الذي يبدأ في الساعة الخامسة مساءً، ولم يكن يعود إلى المنزل إلا بحلول منتصف الليل.

وبمجرد عودتي من المدرسة كنت أذهب لأعدَّ طعامَ الغداء لأبي؛ فكنت أقلي شريحتين من لحم الخنزير وأضع الكثير من الكاتشب فوقهما، وكنتُ أملأ ترمسه بالشاي الأسود الثقيل، وأجهِّز له مافنًا من النخالة وأضع بعض المربى فوقه أو قطعةً كبيرة من فطيرة مُعَدَّة بالمنزل. في بعض الأحيان في أيام السبت كنتُ أعدُّ فطيرةً، وفي أحيان أخرى كانت تعدُّها أمي بالرغم من أن مهارتها في الخبز كانت تقلُّ مع الوقت.

ثم ألمَّ بنا شيء كان غير متوقَّع بشكل كبير، وكان أكثر تدميرًا من فقدان مصدر دَخْلنا الرئيسي بالرغم من أننا لم نكن قد عرفنا به بعدُ. كان ذلك هو بداية ظهور أعراض مرض الشلل الرعَّاش على أمي، التي أُصِيبت به حينما كانت في الأربعينيات من عمرها.

لم يكن الأمر سيئًا جدًّا في البداية؛ إذ لم يكن بإمكانها تحريك عينَيْها لأعلى في شرودٍ إلا نادرًا، وكان اللعاب الزائد الذي يتساقط من فمها مرئيًّا بالكاد حول شفتَيْها، وكانت تستطيع ارتداء ملابسها في الصباح مع بعض المساعدة، وكانت قادرةً على ممارسة المهام المنزلية المعتادة. كانت تستعين ببعض القوة الموجودة في داخلها لفترةٍ طويلةٍ على نحوٍ مدهشٍ.

قد يعتقد المرء أن هذا كان كثيرًا؛ فقد ذهب العملُ أدراجَ الرياح، وها هي صحةُ أمي آخِذة في التدهور. ما كان لهذا أن يحدث حتى في الأعمال الأدبية، لكنَّ الشيء الغريب هو أنني لا أتذكر أن هذه الأوقات كانت غير سعيدة؛ فلم تكن هناك حالةٌ من اليأس على وجه الخصوص تحيط بالمنزل؛ ربما لم نكن نَعِي حينَها أن حالة أمي لن تتحسَّن، بل ستزداد سوءًا. وبالنسبة إلى أبي، كان يتمتع بصحة جيدة واحتفَظَ بها لفترة طويلة. كان يحب الرجال الذين يعملون معه في المسبك إذ يشبهونه إلى حدٍّ بعيد، ويعانون من نوعٍ ما من التدهور الاقتصادي أو أُضِيف إلى أعبائهم الحياتية عبْءٌ إضافي. كان يحب العمل الشاق الذي يقوم به، إلى جانب عمله في الحراسة في أول الليل. كان هذا العمل يتضمَّن سكْبَ المعدن المنصهر في قوالب. كان المسبك يصنع مواقد قديمة الطراز كانت تباع في جميع أرجاء العالَم. كان عملًا خطيرًا، لكن الأمر يرجع إلى مدى حذر المرء، بحسب قول أبي، وكان يحصل على مقابل معقول، وكان أمرًا جديدًا بالنسبة إليه.

أعتقد أنه كان سعيدًا بالابتعاد عن المنزل، حتى لو كان الثمن أداءَ عملٍ شاقٍّ وخطير. كان سعيدًا بالابتعاد والبقاء في صحبة مجموعةٍ من الرجال لديهم مشاكلهم الخاصة لكنهم يتعايشون معها.

وبمجرد أن يغادر المنزل، كنتُ أشرع في إعداد طعام العشاء. كنتُ أصنع الأشياء التي أعتقد أنها غريبة مثل المكرونة السباجيتي أو البيض الأومليت، ما دامَتْ أشياء لا تُكلِّف الكثير. وبعد الانتهاء من غسل الأطباق، كان يجب على أختي أن تجفِّفها، وكان يجب عليَّ التشاجر مع أخي ليُلقِي مياه غسل الأطباق بالخارج في الحقل المظلم (كان بمقدوري أن أفعل ذلك بنفسي، لكني كنتُ أحبُّ إعطاءَ الأوامر). ثم كنتُ أجلس واضعةً قدمَيَّ في فرنِ التسخين الذي انخلع بابه، وأقرأ الروايات العظيمة التي كنتُ أستعيرها من مكتبة المدينة، مثل رواية «شعب مستقل» التي كانت عن الحياة في أيسلندا، والتي كانت أصعب من حياتنا بكثير، لكنْ كان بها قدرٌ من العظمة اليائسة؛ أو رواية «تذكر الأشياء الماضية» التي كانت عن شيءٍ لم أستطع فهمه على الإطلاق، لكن ليس لدرجةٍ تجعلني أُقْلِع عن قراءتها؛ أو رواية «الجبل السحري» التي كانت عن مرض الدرن، وتحوي مقابلةً عظيمةً بين ما بَدَا من ناحيةٍ كتصوُّرٍ مبهجٍ وتقدُّميٍّ للحياة، ويأسٍ مظلم ومثير بعض الشيء من الناحية الأخرى. كنت لا أؤدِّي واجباتٍ مدرسيةً على الإطلاق خلال ذلك الوقت الثمين، لكن حينما كان يقترب موعد الامتحانات كنتُ أذاكر بكدٍّ وأظلُّ مستيقظةً طوال الليل تقريبًا وأنا أحشو ذهني بكل ما كان يتعين عليَّ معرفته. كانت لديَّ ذاكرة قصيرة الأمد مُذهِلة، وكنتُ أستفيد من ذلك جيدًا لأحقِّق ما كان مطلوبًا مني.

بالرغم من وجود العديد من المشكلات، كنتُ أرى نفسي شخصيةً محظوظةً.

كنتُ أنا وأمي نتحدَّث معًا في بعض الأحيان، في الغالب عن أيام شبابها. حينَها، كنتُ نادرًا ما أعترض على نظرتها للأشياء.

ولمرات عدة حكَتْ لي قصةً تتعلَّق بذلك المنزل الذي كان يمتلكه حينَها المحارِبُ القديم الذي كان يُدعَى ويتي ستريتس، الرجل الذي اندهش من طول الوقت الذي أمضيتُه كي أُنهِي دراستي. لم تكن القصة تتعلَّق به لكنْ بشخصٍ عاش بهذا المنزل قبله بفترة طويلة، وهي امرأة عجوز مجنونة تُدعَى السيدة نيترفيلد. كانت السيدة نيترفيلد تتسلَّم بقالتها، كما كنا نفعل جميعًا، وذلك بعد أن تطلبها من خلال الهاتف؛ وفي أحد الأيام، كما قالت أمي، نسي البقال أن يُرسِل لها الزبد، أو نسيت هي أن تطلبه، وبينما كان صبي التوصيل يفتح باب الشاحنة الخلفي، لاحظَتِ الخطأَ الذي حدث وشعرت بالاستياء، وكانت مستعِدَّةً للتعامُل مع الأمر، بطريقةٍ أو بأخرى. لقد كان معها فأس رفعَتْه كما لو أنها كانت تريد عقابَ صبي التوصيل — بالرغم من أن هذا الأمر لم يكن خطأه بالطبع — فهرع هو نحو مقعد القيادة وانطلق دون أن يغلق الباب الخلفي للشاحنة.

كانت هناك بعض الأشياء المحيِّرة بشأن هذه القصة، بالرغم من أنني لم أفكِّر فيها حينها وكذلك لم تفعل أمي؛ إذ كيف تأكَّدَتِ السيدة العجوز أن الزبد لم يكن موجودًا بين باقي طلبات البقالة؟ ولماذا أتَتْ ومعها الفأس قبل أن تعرف أن هناك خطأ ستجده؟ وهل كانت تحمله معها طوال الوقت في حال وقوع أي شيء يثير حفيظتها بوجه عام؟

يقال إن السيدة نيترفيلد كانت سيدة رقيقة ذات سلوك مهذَّب حينما كانت أصغر عمرًا.

هناك قصة أخرى أكثر إثارةً عن السيدة نيترفيلد لأنني كنت جزءًا منها، وقد وقعَتْ أحداثُها في محيط منزلنا.

كان يومًا جميلًا من أيام الخريف، ووضعَتْني أمي في عربة الأطفال لكي أنام، وذلك على الرقعة الصغيرة للمرج الجديد. كان أبي بالخارج في فترة ما بعد الظهيرة — ربما لمساعدة أبيه في المزرعة القديمة، كما كان يفعل في بعض الأحيان — وكانت أمي تغسل بعض الملابس في حوض الغسيل. ولأنني كنت أول مولودٍ، فقد كان هناك كمٌّ كبيرٌ من ملابس التريكو والأشرطة، وهي أشياء يجب أن تُغسَل يدويًّا بحذرٍ بالماء البارد. لم تكن هناك نافذة أمام أمي وهي تغسل وتعصر الأشياء في حوض الغسيل. ولكي تُلقِي نظرةً على الخارج، كان يتعيَّن عليك أن تعبر الغرفةَ لتصل إلى النافذة الشمالية؛ وذلك يجعلك ترى الطريق الخاص التابع للمنزل الممتد من صندوق البريد حتى المنزل.

لماذا قررَتْ أمي أن تترك الغسيل والعصر لإلقاء نظرةٍ على الطريق، خاصةً أنها لم تكن تنتظر قدومَ أيِّ شخصٍ؟ لم يكن أبي متأخرًا؛ فربما طلبَتْ منه أن يُحضِر شيئًا من متجر البقالة؛ شيئًا احتاجَتْه لما كانت ستعدُّه لطعام العشاء، وكانت تتساءل إنْ كان سيعود للمنزل في وقت مناسب لها لتعدَّه. كانت طبَّاخةً مبذِّرةً بعضَ الشيء في تلك الأيام، بل في الحقيقة كان الأمر أكثر من اللازم، وذلك وفقًا لما تعتقده حماتها والنساء الأخريات في عائلة أبي، حيث كانوا يرون أنها تنفق كثيرًا في إعداد الطعام.

أو ربما لم يكن الأمر له علاقة بالعشاء، لكنْ تضمَّنَ نوعيةَ ملابس كان يريد شراءها، أو إحدى الخامات اللازمة لرداءٍ جديدٍ كانت تريد صنعه بنفسها.

لم تذكر أبدًا لاحقًا سببَ قيامها بذلك.

لم تكن الهواجس حول طبخ أمي هي المشكلة الوحيدة مع عائلة أبي، بل لا بد أنه كان هناك بعض الجدل حول ملابسها أيضًا. أتذكر كيف اعتادَتِ ارتداءَ فستانٍ لفترة ما بعد الظهيرة حتى لو كانت فقط ستغسل الملابس في حوض الغسيل. كانت تغفو لنصف ساعة بعد وجبة الظهيرة، ودائمًا ما كانت ترتدي فستانًا مختلفًا حينما تستيقظ، وحينما كنتُ أنظر إلى صورها فيما بعدُ، كنت أعتقد أن موضات اللبس في عصرها لم تكن تناسِبها أو تناسب أيِّ شخص. كانت الفساتين دون ملامح، ولم تكن قصة الشعر القصير تناسب وجه أمي الممتلئ الناعم. لكن هذا لم يكن وجهَ اعتراضِ أقارب أبي من النساء اللائي كنَّ يَعِشْنَ على مقربة منَّا بدرجةٍ تكفي لمراقبتها عن كثب؛ كان كل خطئها يكمن في أن شكلها لم يكن يشبه الشخصية التي من المفترض أن تكون عليها؛ فلم يكن يبدو عليها أنها نشأت في مزرعة، أو أنها نَوَتْ أن تظل في إحداها.

•••

لم تَرَ سيارة أبي وهي تقترب من المرج، لكنها رأت بدلًا منه السيدة العجوز، السيدة نيترفيلد. لا بد أن السيدة نيترفيلد أتَتْ إلينا سَيْرًا من منزلها، وهو نفس المنزل الذي كنتُ سأرى فيه فيما بعدُ الرجلَ ذا الذراع الواحدة الذي كان يغيظني، وامرأتَه ذات الشعر القصير التي صادفتُها مرةً واحدة فقط عند المضخة. كان ذلك هو المنزل الذي طاردَتْ فيه السيدة المجنونة صبيَّ التوصيل بفأسٍ بسبب الزبد، وحدَثَ ذلك قبل أن أعرف عنها أيَّ شيءٍ بفترة طويلة.

لا بد أن أمي شاهدَتِ السيدة نيترفيلد مراتٍ عدة قبل أن تراها وهي تسير عبر مرجنا. ربما لم يتحدَّثا معًا من قبلُ مطلقًا، ولكن من المحتمل أنهما قد فعلا. وربما رأت أمي أن هذا الأمر مهم، حتى لو كان أبي قد أخبرها أنه لم يكن ضروريًّا؛ فربما قال إنه قد يؤدِّي إلى حدوث مشكلةٍ ما. لكن أمي كانت تُبْدِي تعاطُفًا مع الأشخاص الذين هم على شاكلة السيدة نيترفيلد، ما داموا لطفاء.

لكنها الآن لم تكن تفكِّر في الصداقة أو اللطف؛ لقد هرعت خارج باب المطبخ لكي تنتزعني من عربة الأطفال، وتركَتِ الأغطيةَ والعربةَ في مكانهما وسارعَتْ عائدةً إلى المنزل، وهي تحاول أن تغلق بابَ المطبخ خلفها. لم تكن بحاجةٍ إلى القلق بخصوص الباب الأمامي لأنه كان دومًا محكم الغلق.

لكنْ كانت هناك مشكلةٌ في باب المطبخ؛ على حدِّ علمي، لم يكن به مزلاجٌ ملائم مطلقًا، لكنْ كانت هناك عادة نمارسها في المساء، وهي وَضْعُ أحد كراسي المطبخ خلف الباب وإمالته أسفل مقبض الباب بطريقةٍ تجعل مَن يحاول دفعه للدخول يُحدِث ضجةً فظيعةً. في رأيي هذا أسلوب عشوائي إلى حدٍّ ما في التأمين، ولا يتماشى أيضًا مع حقيقة امتلاك أبي لمسدسٍ في المنزل في أحد أدراج المكتب. كما أنه كان من الطبيعي في منزلِ رجلٍ كان كثيرًا ما يطلق النارَ على الخيول ليقدِّمها كطعامٍ للثعالب التي يربِّيها؛ أن تكون هناك بندقية وبندقيتا صيد، خالية من الرصاص بالطبع.

هل فكَّرَتْ أمي في استخدامِ أيِّ سلاحٍ حينما انحشر مقبض الباب في مكانه؟ وهل حملت يومًا بندقيةً، أو حشَتْ واحدةً، طوال حياتها؟

هل طاف بذهنها أن السيدة العجوز ربما قَدِمت فقط للزيارة كأحد الجيران؟ لا أعتقد هذا. لا بد أنه كان ثمة اختلافٌ في طريقة مشيتها؛ تصميم واضح في طريقة مشي السيدة يَشِي بأنها ليسَتْ بزائرٍ قَدِم للزيارة عبر المرج، أو جاء بأسلوبٍ فيه ودٌّ عبر طريقنا.

من الممكن أن تكون أمي قد ابتهلَتْ حينَها للرب ليساعدها في هذا الموقف، لكنها لم تذكر ذلك قطُّ.

كانت تعرف أنه جرى تفقُّدٌ للأغطية الموجودة في عربة الأطفال؛ لأنها قبل أن تغلق ستارة باب المطبخ، رأَتْ واحدةً من تلك الأغطية تتطاير لتستقر بعدها على الأرض. لم تحاول بعدها أن تغلق ستارةَ أيِّ نافذة أخرى، لكنها جلست في مكانٍ لا يستطيع أحدٌ أن يلمحها منه وهي تمسك بي بين ذراعَيْها.

لم يكن ثمة طَرْقٌ هادئٌ على الباب، ولا أي محاولةِ دفْعٍ للمقعد أيضًا، ولم يكن هناك أيُّ ضجيج أو جلبة. كانت أمي تختبئ في مكانها بجوار مصعدِ نقْلِ الطعام ويراوِدها أملٌ يائس بأن الهدوء كان يعني أن السيدة غيَّرَتْ رأيها وعادت أدراجها إلى منزلها.

لم يكن الأمر كذلك؛ فقد راحَتْ تتجوَّل حول المنزل في تمهُّلٍ، وأخذَتْ تتوقَّف عند كل نافذة من نوافذ الطابق السفلي. ولم تكن النوافذ الواقية من العواصف مركَّبةً حينَها لأننا كنا في الصيف؛ فكان بإمكانها أن تضغط بوجهها عبر كل لوح من الألواح الزجاجية للنوافذ. وكانت الستائر كلها مفتوحة تمامًا؛ لأن طقس ذلك اليوم كان جميلًا. لم تكن السيدة العجوز طويلةً جدًّا، لكن لم يكن عليها أن تشبَّ لترى ما بداخل المنزل.

كيف عرفت أمي كل هذا؟ لم يكن الأمر أنها كانت تجري هنا وهناك وهي تحملني بين ذراعَيْها وتختبئ ما بين قِطَع الأثاث الواحدة تلو الأخرى، وهي تختلس النظر إلى الخارج، ويغمرها الفزع من أن تلتقي بالعيون المحدِّقة وربما بابتسامةٍ شريرةٍ.

كانت تجلس بالقرب من مصعد نقل الطعام؛ فماذا عساها أن تفعل غير ذلك؟

كان هناك القبو بالطبع، لكن النوافذ كانت صغيرةً بدرجةٍ يصعب معها أن يلج أحد خلالها. لكن لم يكن هناك خُطاف داخلي لباب القبو، وسيكون الأمر أكثر رعبًا إلى حدٍّ ما إذا حُبِست أمي هناك في الظلام ونجحت السيدة العجوز في نهاية المطاف في دخول المنزل والهبوط على دَرَج القبو.

كان هناك أيضًا بعض الغرف بالأعلى، لكن كي تصل أمي إليها، كان عليها المرور بالغرفة الرئيسية الكبيرة؛ تلك الغرفة التي سيضربني فيها أبي فيما بعدُ، والتي فقدَتْ وظيفتَها الشريرة عندما أُغلِق السلم.

لا أدري متى أخبرتني أمي لأول مرة بهذه القصة، لكن يبدو لي أن ذلك كان حيث توقَّفَتِ الروايات الأولى لها؛ بقيام السيدة نيترفيلد بالضغط بوجهها ويدَيْها على الزجاج بينما كانت أمي تختبئ. لكن في الروايات اللاحقة، كانت هناك نهاية لمجرد النظر للداخل؛ فقد نفد صبرها أو تملَّكَها الغضب، ثم أعقب ذلك الضجيج والجلبة. لم يكن هناك ذِكْرٌ لأيِّ صراخٍ؛ ربما لم تكن لدى السيدة العجوز القوة لتفعل ذلك، أو ربما نسيت ما كانت قد قَدِمت من أجله، بمجرد أن خارت قواها.

على أي حال، يئست السيدة نيترفيلد، وهذا هو كل ما فعلَتْه. وبعد أن أنهَتْ جولتَها حول كل الأبواب والنوافذ سارت مبتعِدةً. وأخيرًا واتت أمي الشجاعة لكي تُلقِي نظرةً وسطَ ذلك الصمت وتنتهي إلى أن السيدة نيترفيلد ذهبت إلى مكان آخَر.

لكنها لم تُزِحِ المقعد بعيدًا عن مقبض الباب حتى جاء أبي.

يجب ألَّا يُفهَم من كلامي أن أمي كانت تتحدَّث عن هذا الأمر كثيرًا؛ فلم يكن جزءًا من المخزون الذي علمته والذي كنتُ أجد جانبًا كبيرًا منه مشوِّقًا؛ ككفاحِها لتلتحق بالمدرسة الثانوية، والمدرسةِ التي تعلَّمَتْ فيها في مقاطعة ألبرتا، والتي كان الطلاب يصلون إليها على ظَهْر الخيول، وأصدقائِها في المعهد الذي درست به لكي تصبح معلمةً، والحِيَلِ البريئة التي كانوا يمارسونها.

كنتُ أستطيع دومًا تبيُّن ما كانت تقوله، بالرغم من أن الآخرين في العادة كانوا لا يستطيعون ذلك بعد أن اعتلَّ صوتها. كنت أنا مترجمتها، وفي بعض الأحيان كنت أشعر ببؤس شديد حينما يجب عليَّ أن أعيد عبارات طويلة أو ما كانت تعتقد أنه مزاح، وكنتُ أرى أن الناس اللطفاء الذين أوقفَتْهم كي تتحدَّث إليهم يتوقون بشدة للتملص منها.

لم يكن تفقُّد السيدة نيترفيلد لمنزلنا — كما كانت أمي تُطلِق على زيارتها لنا — بشيء من المفترض أن أتحدَّث عنه، لكن لا بد أني علمتُه منذ فترة طويلة. إني أتذكر أني سألتها في وقتٍ ما إنْ كانت تعرف ما حدث لهذه السيدة فيما بعدُ.

قالت: «لقد أخذوها. أوه، أعتقد هذا. فلم يكن ليتركوها تموت وحيدةً.»

•••

بعدما تزوَّجْتُ وانتقلتُ إلى فانكوفر، كانت الصحيفة الأسبوعية، التي كانت تُنشَر بالمدينة التي نشأتُ بها، لا تزال تُرسَل إليَّ؛ أعتقد أن شخصًا ما، ربما أبي وزوجته الثانية، قد عمل لي اشتراكًا بها كي تصل إليَّ في منزلي. ونادرًا ما كنتُ أُلقِي نظرةً عليها، وحينما فعلتُ ذات مرة، رأيت اسم نيترفيلد. لم يكن اسم شخصٍ كان يعيش في المدينة في الوقت الحاضر، لكنْ على ما يبدو أنه كان لقبَ عائلة سيدة في بورتلاند، بأوريجون، كتبَتْ خطابًا إلى الصحيفة، وهذه السيدة كانت لا تزال مشترِكةً في جريدةِ مدينتها مثلي أنا، وقد كتبَتْ قصيدةً عن طفولتها هناك تقول فيها:

أعرف منحدرَ تلٍّ عشبي
فوق نهر رائق
إنه مكان يسوده الهدوء والبهجة
له ذكرى عزيزة جدًّا عليَّ …

كان هناك العديد من الأبيات، وبمجرد أن شرعتُ في قراءتها، بدأتُ أدرك أنها كانت تتحدَّث عن نفس سهول النهر التي اعتقدتُ أنني عشتُ بجوارها.

كتبَتْ تقول: «إن أبيات الشعر المرفَقة تتحدَّث عن ذكرياتي عند منحدر التل القديم هذا؛ فإنْ رأيتم أنها تستحق أن تشغل مساحة صغيرة في صحيفتكم المحترمة دومًا، فسأكون شاكرة لذلك.»

الشمس الساطعة فوق النهر
تتمايل أشعتها دون توقف
وفوق الضفة الأخرى
زهور برية ومبهجة …

تلك كانت ضفتنا؛ ضفتي. كان هناك بيت آخَر عن مجموعةٍ من أشجار القيقب، لكني أعتقد أنها أخطأَتْ في ذلك؛ لأني أتذكَّر أنها كانت أشجارَ دردار، ماتَتْ جميعها الآن بسبب مرض الدردار الهولندي.

أما باقي الخطاب، فقد جعل الأمور أوضح؛ إذ قالت المرأة إنَّ أباها — الذي كان اسمه نيترفيلد — قد اشترى قطعةَ أرضٍ من الحكومة عام ١٨٨٣ في مكانٍ أُطلِق عليه فيما بعدُ لوور تاون، وكانت تلك الأرض تنحدر نحو نهر ميتلاند.

عبر المجرى المحاط بزهور السوسن
يمتد ظل أشجار القيقب
وعلى الحقل الندي للنهر
تُطعَم أسراب الإوز الأبيض.

أغفلَتْ، كما كنتُ سأفعل أنا تمامًا، كيف أن نَبْع المياه كان يتعكر ويتلطخ بسبب حوافر الخيول. وبالطبع لم تذكر أيضًا الروثَ الذي كانَتْ تخلفه.

في الواقع لقد ألَّفْتُ ذات مرة بعض الأبيات التي كانت ذات طبيعة مشابهة جدًّا لتلك الأبيات، بالرغم من أنها قد فُقِدت كلها الآن، وربما لم أكن قد دوَّنْتُها مطلقًا بالأساس. كانت أبياتًا تُثنِي على الطبيعة التي كان من الصعب حينها بعض الشيء أن تتمَّها. ربما نظَمْتُها تقريبًا في الوقت الذي كنتُ فيه غير متسامحة مع أمي، وكان أبي يضربني بشدة لإخراج القسوة مني، أو لإخراج الجانب المظلم من داخلي، كما كان يقول الناس حينها.

قالت هذه المرأة إنها قد وُلِدت عام ١٨٧٦، وأمضَتْ شبابها، حتى تزوَّجَتْ، في بيت أبيها الذي كان موجودًا في آخِر حدود المدينة وبداية العراء، ويمكن أن ترى من خلاله منظر الغروب بوضوحٍ.

إن هذا هو منزلنا.

•••

هل من الممكن أن أمي لم تكن تعرف ذلك مطلقًا، لم تكن تعرف مطلقًا أن منزلنا عاشَتْ فيه عائلةُ نيترفيلد، وأنَّ السيدة العجوز كانت تنظر عبر نوافذ ما كان منزلها يومًا ما؟

من الممكن أن يكون الأمر كذلك؛ فحينما تقدَّمتُ في العمر، أصبح لديَّ شغفٌ جعلني أبحث في السجلات وأقوم بالعمل الممل المتعلِّق بالتنقيب عن بعض الأشياء، وقد وجدتُ أن هناك عدة عائلات مختلفة امتلكَتْ ذلك المنزل فيما بين الفترة التي باعَتْه فيها عائلةُ نيترفيلد والوقت الذي انتقل فيه والداي للعيش به. قد يتساءل المرء: لِمَ بِيعَ بالرغم من أن المرأة كانت لا تزال على قيد الحياة، وكانت بصحة جيدة تؤهلها للعيش لعدة سنوات أخرى؟ هل لأنها أصبحت أرملةً ولم يكن لديها ما يكفي من النقود؟ مَن عساه أن يعرف ذلك؟ ومَن عساه أن يكون ذلك الشخص الذي جاء ليأخذها، كما قالت أمي؟ ربما كانت ابنتها؛ نفس المرأة التي كتبَتِ القصيدة والتي عاشت في أوريجون. ربما كانت تلك الابنة، التي كبرَتِ الآن وأضحَتْ بعيدةً، هي التي كانت تبحث عنها السيدة العجوز في عربة الأطفال، وذلك بعد أن انتزعَتْني أمي، كما قالت، خوفًا على حياتي العزيزة عليها.

لم تكن الابنة تعيش بعيدًا عني كثيرًا لفترةٍ ما في حياتي البالغة. كان بإمكاني مراسلتها، أو ربما زيارتها، لكني كنتُ مشغولةً للغاية بعائلتي الصغيرة وكتاباتي التي كانت دومًا غير مرضية بالنسبة إليَّ. لكن الشخص الذي كنتُ أودُّ التحدُّث إليه حقًّا حينَها هو أمي التي كانت قد ماتَتْ حينها.

•••

لم أَعُدْ إلى منزلي في فترة مرض أمي الأخير أو لحضور جنازتها؛ لقد كان لديَّ طفلان صغيران، ولم يكن هناك أحد في فانكوفر يمكن أن أتركهما عنده، وكنا بالكاد نستطيع تدبيرَ نفقات الرحلة، وكان زوجي يزدري الرسميات، لكنْ لماذا أُلْقِي باللوم عليه في هذا الشأن؟ لقد كان لديَّ نفسُ الشعور. نحن نقول عن أشياء إنها لا يمكن أن تُغتفَر، أو إننا لن نسامح أنفسنا بسببها، لكننا نفعلها؛ نفعلها طوال الوقت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠