أمندسون

جلستُ على المقعد المتواجد خارج المحطة ورحت أنتظر. كانت أبواب المحطة مفتوحة عندما وصل القطار، لكنها أُغلِقت الآن. جلست إحدى السيدات على الطرف الآخر من المقعد، ووضعت بين ركبتَيْها حقيبةً شبكية مليئة ببعض الأشياء المغلفة بالورق المزيت. كانت قطعًا من اللحم؛ اللحم النيِّئ. فبمقدورك شم رائحتها جيدًا.

وفوق القضبان وقف القطار الكهربائي خاليًا، منتظرًا ركَّابه.

لم يظهر أحد من الركاب الآخرين، وبعد فترة قصيرة أخرج ناظر المحطة رأسه ونادى قائلًا: «سان.» ظننتُه في البداية ينادي على اسم شخصٍ يُدعَى سام. (لكنه كان يقصد المصحة العلاجية الخاصة بالأطفال المصابين بالسل.) وقد ظهر عند نهاية المبنى رجل آخَر يرتدي نوعًا من الملابس الرسمية، عبَرَ القضبانَ وصعد إلى القطار. نهضَتِ المرأةُ التي تحمل الحقيبةَ المليئة بقِطَع اللحم وتبعته، وفعلتُ أنا نفسَ الشيء. تعالَتْ بعض الصيحات الآتية من ناحية الشارع، وفُتِحت أبواب مبنًى مُظلِم مغطًّى سقفه المستوي بألواح الخشب، ودخل منه عدد من الرجال الذين يضعون قبعات على رءوسهم، ويحملون أوعيةَ طعامِ الغداء التي كانت ترتطم بأفخاذهم أثناء سَيْرهم. وقد يُهَيَّأ إليك من الضوضاء التي يُحدِثونها أن القطار سينطلق بسرعةٍ في أية لحظة دون أن يركبوا فيه، لكن عندما صعدوا إليه، لم يحدث شيء. ظل القطار ثابتًا في مكانه بينما كانوا يَعُدون أنفسَهم، وقالوا إن هناك فردًا ناقصًا، وأخبروا السائق بأنه ليس بإمكانه التحرُّك الآن. ثم تذكَّرَ أحدهم أنه يومُ عطلةِ الشخصِ غير الموجود؛ حينها شرع القطار في التحرُّك بالرغم من أنك لا تستطيع أن تعرف إنْ كان السائق قد سمع أيًّا مما حدث أو أعاره أيَّ اهتمامٍ.

نزل جميع الرجال عند مصنع نشر الأخشاب في الغابة — ولم تكن المسافة لتستغرق أكثر من عشر دقائق سَيْرًا على الأقدام للوصول إليه — وبعد فترة قصيرة ظهرت البحيرة أمامنا وكانت مغطَّاة بالثلوج، وكان يوجد قبالتها مبنًى خشبي عالٍ أبيض اللون. عدلت المرأة من وضع لفافات اللحم التي كانت تُمسِك بها، ونهضت من مكانها وهكذا فعلَتْ. نادى السائق مرةً أخرى قائلًا: «سان.» وفُتِحت أبواب القطار. وقفَتِ امرأتان تنتظران الصعود، وحيَّتَا المرأة التي تُمسِك باللحم فردت التحية وقالت لهما إن اليوم شديد البرودة.

تحاشى الجميع النظر إليَّ بينما كنتُ أهبط من القطار خلف المرأة التي تحمل اللحم.

كان من الواضح أنه لم يكن هناك أحدٌ آخَر ينتظر عند نهاية ذلك الخط، وأُغلِقت الأبواب بقوة مُحدِثةً ضجيجًا عاليًا، واستعَدَّ القطار للرجوع مرةً أخرى.

كان الصمت يلفُّ المكان، والهواء في برودة الثلوج، وكان يوجد بعض أشجار البتولا الضعيفة التي تحمل بعض العلامات السوداء على لحائها الأبيض، بجانب بعض الأشجار الصغيرة الدائمة الخضرة المهمَلة التي تتجمَّع كأنها دِبَبَة نائمة. لم يكن سطح البحيرة المتجمدة مستويًا، لكنه بدا في شكل كومةٍ بطولِ الشاطئ، كما لو أن الأمواج قد تحوَّلت إلى ثلوج أثناء اندفاعها وهبوطها. والمبنى الواقف قبالة البحيرة يضم صفوفًا منتظمةً من النوافذ وشرفة زجاجية في كلا جانبيه. كان كل شيء يبدو قاتمًا، كما هي سمة ذلك الجزء الشمالي حيث يغلب اللونان الأبيض والأسود على كل شيء يتواجد أسفل السماء الممتلئة بالسحب.

لكنك لا ترى لحاءَ أشجار البتولا أبيضَ اللون كلما دنوت منه أكثر، بل تراه باللون الأصفر المائل للرمادي، ثم الأزرق المائل للرمادي، ثم اللون الرمادي.

كان كل شيء ساكنًا، ورائعًا، وشديد السحر.

قالت لي المرأة التي تحمل حقيبة اللحم: «إلى أين أنتِ ذاهبة؟ فأوقات الزيارة تنتهي في الثالثة.»

قلت لها: «لستُ بزائرة. فأنا المعلمة.»

قالت المرأة ببعض الارتياح: «حسنًا، إنهم لن يَدَعوكِ تدخلين من الباب الأمامي على أية حال؛ لذا من الأفضل أن تأتي معي. ألم تُحضري معكِ أية حقائب؟»

«قال ناظر المحطة إنه سيحضرها فيما بعدُ.»

«إن الطريقة التي كنت تقفين بها هناك توحي بأنك قد ضللتِ الطريقَ.»

قلت لها إني توقفت لأن المنظر كان شديد الجمال.

«قد يرى البعض أن الأمر كذلك، إلا إنْ كانوا يشعرون بإعياء شديد أو كانوا منشغلين بشدة.»

لم نزد شيئًا في حوارنا عن ذلك حتى دلفنا إلى المطبخ في أحد جوانب المبنى، لقد كنت في حاجة ماسة بالفعل للدفء الموجود بداخله. لم تُتَحْ لي فرصة التجول بنظري بين أرجائه؛ فقد كانت المرأة تنظر نحو حذائي العالي الرقبة.

قالت: «من الأفضل أن تخلعي هذا الحذاء قبل أن يخلف أثرًا على الأرض.»

خلعت الحذاء بصعوبة شديدة، ولم يكن هناك أي مقعد للجلوس، وقد وضعته فوق البساط حيث تركت المرأة حذاءها.

«أمسكي به وأحضريه معك؛ فلست أدري أين سيجعلونك تقيمين. ومن الأفضل أيضًا أن تظلي مرتدية معطفك؛ فليس هناك أي نوع من التدفئة في غرفة إيداع الملابس.»

لم يكن هناك أي نوع من التدفئة أو الإضاءة، فيما عدا ما يأتي من خلال نافذة صغيرة لم يكن بإمكاني الوصول إليها. كان الأمر يبدو وكأنني أتلقَّى عقابًا في المدرسة؛ فقد تم إرسالي إلى غرفة إيداع المعاطف والملابس. نعم. إنها نفس رائحة ملابس الشتاء التي لا تجف مطلقًا، والأحذية العالية الرقبة التي تفوح منها رائحة الجوارب القذرة والأرجل التي لا يتم غسلها وتنظيفها.

صعدتُ على أحد المقاعد لكني ما زلت لا أتبين ما بالخارج. وعلى الرف الملقى فوقه بعض الأوشحة والقبعات وجدتُ حقيبةً بها بعض التين والبلح. لا بد أن أحدهم سرقها وأخفاها هنا ليأخذها معه حينما يرحل. وفجأةً، انتابني شعور بالجوع. لم أتناول شيئًا منذ الصباح، فيما عدا سندوتش جبن جافة أكلتُه في إحدى محطات خط أونتاريو نورثلاند. رحتُ أفكِّر في الجانب الأخلاقي لفكرة السرقة من سارق، لكن التين كان سيعلق بأسناني، موشيًا بأمري.

نزلت من فوق المقعد في الوقت المناسب؛ فقد كان هناك أحد يدلف إلى الغرفة، لم يكن شخصًا من العاملين في المطبخ، بل فتاة من المدرسة ترتدي معطفًا شتويًّا ثقيلًا، وتضع وشاحًا فوق شعرها. دَلَفَتْ في سرعة شديدة، وألقتِ الكتب فوق المقعد فسقطت وتناثرت على الأرض، وجذبت الوشاح فبرز شعرها أشعث، وفي نفس الوقت دفعت بفردتَيْ حذائها الواحدة تلو الأخرى فتطايرتا فوق أرضية الغرفة. من الواضح أنه لم يرها أحد ليمسك بها ويجعلها تقوم بخلعهما عند باب المطبخ.

قالت الفتاة: «مرحبًا، لم أقصد أن أوذيك، لكن الغرفة هنا شديدة الظلام خاصة بعد الإضاءة المتواجدة بالخارج؛ فالمرء لا يرى ما يفعله. أَلَا تتجمدين من شدة البرودة؟ هل تنتظرين حتى ينتهي أحدهم من عمله؟»

«أنا بانتظار الطبيب فوكس.»

«إذن فليس عليك أن تنتظري طويلًا، لقد جئت لتوي من البلدة في رفقته. إنك لستِ بمريضة، أليس كذلك؟ إنْ كنتِ مريضة، فيجب ألَّا تأتي إلى هنا، بل يجب أن تذهبي إليه في البلدة.»

«أنا المعلمة.»

«حقًّا؟ هل أتيتِ من تورونتو؟»

«نعم.»

سادت فترة من الصمت ربما كانت نابعة من الاحترام.

لكنها لم تكن كذلك، بل كانت من أجل إلقاء نظرة متفحصة على معطفي.

«إنه حقًّا معطف رائع. ما نوع هذا الفراء الذي يغطي ياقته؟»

«فراء حمل فارسي. إنه تقليدٌ في واقع الأمر.»

«كدتُ أُخدَع وأظنه أصليًّا. لا أدري لِمَ أحضروكِ إلى هنا، فالطقس شديد البرودة هنا. معذرةً، هل تودين رؤيةَ الطبيب؟ فبإمكاني اصطحابك إليه، أنا أعرف مكان كل شيء هنا؛ فلقد عشتُ في هذا المكان منذ مولدي، وأمي تدير المطبخ. اسمي ماري، وأنتِ ما اسمك؟»

«فيفي. فيفيان.»

«إنْ كنتِ معلمة، ألا ينبغي أن أدعوكِ بالآنسة؟ الآنسة ماذا؟»

«الآنسة هايد.»

قالت مازِحةً لاعِبةً على معنى لقبها هايد بالإنجليزية الذي يعني «جلد»: «ادبغي جلدك. آسفة لأن هذا قد خطر على ذهني. كنتُ أود أن تكوني معلمتي لكن ينبغي عليَّ الذهاب إلى المدرسة في البلدة. إنها تلك القوانين الغبية؛ فعليَّ الذهاب إلى هناك لأنني لم أُصَب بمرض السل.»

بينما نتحدَّث معًا قادتني حتى الباب الموجود في نهاية الغرفة، ثم عبر ردهة مستشفًى نظامي حيث الأرضيات المغطاة بالمشمَّع، والطلاء الأخضر الباهت، ورائحة المطهر التي تفوح من المكان.

«والآن بما أنك قد وصلتِ إلى هنا، يمكنني أن أجعل ريدي يحل محلي في قيادتك.»

«مَن هو ريدي؟»

«ريدي فوكس. إنه يبدو وكأنه آتٍ من داخل كتاب. لقد بدأتُ أنا وأنابل لتوِّنا نطلق عليه ذلك.»

«مَن هي أنابل؟»

«إنها لا تُعَدُّ موجودة الآن، لقد ماتت.»

«أوه، أنا آسفة.»

«لا عليك، إنه ليس خطأك، فهذا الأمر يحدث هنا دومًا. لقد التحقتُ بالمدرسة الثانوية هذا العام. لم تذهب أنابل للمدرسة مطلقًا، وحينما كنت أنا في المدرسة الإعدادية كان ريدي يجعل معلمة البلدة تتركني لأمكث فترات طويلة في البيت، وذلك حتى أكون في رفقتها.»

توقفَتْ أمامَ أحد الأبواب الذي كان مواربًا، وأطلقَتْ صفيرًا.

«مرحبًا، لقد أحضرتُ المعلمة.»

قال صوتُ رجلٍ: «حسنًا ماري. تكفي صحبتك ليوم واحد.»

«حسنًا. لقد سمعتُ ما تقول.»

انصرفَتْ وأخذَتْ تسير بخطًى بطيئة، وتركتني في مواجَهة رجل نحيف متوسط الطول، شعره الأصفر المائل للحمرة مقصوص على نحوٍ جعله قصيرًا للغاية، وكان يلمع في الضوء الصناعي الآتي من الردهة.

قال: «لقد التقيتُ بماري. إن لديها الكثير الذي يمكن أن تقوله عن نفسها، لكنها على أية حال لن تكون في الفصل الذي ستدرسين له؛ لذا لن يكون عليك تحمُّل ذلك كلَّ يوم، فالناس إما يحبون طريقتها وإما لا تستهويهم على الإطلاق.»

بدا لي أنه يكبرني بنحوٍ يقرب من عشرة أعوام إلى خمسة عشر عامًا، وكان يتحدَّث إليَّ في البداية بطريقة الرجل الأكبر سنًّا؛ كصاحب العمل المستقبلي المشغول الذهن دائمًا. سألني عن رحلتي، والترتيبات الخاصة بشأن إحضار حقيبتي. كان يريد أن يعرف شعوري بصدد العيش هنا في الغابة، وخاصةً أنني كنتُ أُقِيم في تورونتو، وسألني إنْ كنتُ سأشعر بالملل نتيجةً لذلك أم لا.

قلت له إنني لن أشعر بذلك على الإطلاق، وأضفتُ أن المكان جميل.

«يبدو الأمر … يبدو الأمر وكأنني داخل رواية روسية.»

نظر إليَّ باهتمامٍ للمرة الأولى.

«أحقًّا هو كذلك؟ فأي رواية روسية إذن؟»

كانت عيناه باللون الأزرق الفاتح اللامع المائل لِلَّون الرمادي، وقد رفع أحد حاجبَيْه الذي بَدَا وكأنه قبعة عسكرية صغيرة.

لم يكن الأمر أنني لم أقرأ روايات روسية على الإطلاق؛ بل إنني في الواقع قد قرأت بعضها بالكامل، في حين أنني قرأت أجزاء من البعض الآخَر. لكن بسبب ذلك الحاجب الذي رفعه، وتعبير وجهه الذي شابَهُ بعضُ اللطف والتحدي أيضًا، لم أستطع أن أتذكَّر أيًّا من عناوين تلك الروايات سوى رواية «الحرب والسلام»، ولم أكن أرغب في أن أذكر اسم تلك الرواية التي كان سيذكرها أيُّ شخصٍ آخَر كان في موقفي.

«الحرب والسلام.»

«حسنًا ما لدينا فقط هنا هو السلام، لكنْ إنْ كنتِ متلهفةً للحرب، فأعتقد أنه من الأحرى أن تنضمِّي لواحدة من تلك الوحدات النسائية وتسافري عبر البحار.»

شعرت بالغضب والإهانة لأنني لم أكن في الواقع أتباهى بذلك أو أتعمد ذلك؛ كل ما هنالك أنني أردتُ أن أعبِّر عن مدى تأثير ذلك المنظر الجميل في نفسي.

كان من الواضح أنه من أولئك الأشخاص الذين يعمدون طرْحَ أسئلة شبيهة بالفخاخ للإيقاع بك.

قال فيما يشبه الاعتذار: «كنت أتوقَّع أن تأتي إلى هنا معلمةٌ عجوز. يبدو الأمر كما لو أنه من حقِّ أيِّ فردٍ مؤهل بعض الشيء، وفي سن معقول، أن يعود إلى النظام هذه الأيام. إنك لم تدرسي كي تصبحي معلمة، أليس كذلك؟ ما الذي تخططين لعمله عند حصولك على البكالوريوس؟»

قلتُ في اقتضاب: «أعكف على تحضير رسالة ماجستير.»

«إذن، ما الذي جعلك تغيرين رأيك؟»

«أعتقد أنني بحاجةٍ لبعض المال.»

«تفكير سليم، بالرغم من أنني أخشى أنك لن تجني الكثير من المال هنا. آسف لتطفُّلي، لكنني فقط أردتُ أن أتأكَّد من أنك لن تغادري المكانَ فجأةً. هل تعتزمين الزواجَ قريبًا؟»

«لا.»

«حسنًا، حسنًا. إذن أنتِ ليس عليكِ أي التزامات الآن، هل أثبطتُ من عزمك؟»

أَشَحْتُ بوجهي.

«لا.»

«عليكِ الذهاب لمكتب رئيسة الممرضات في الردهة بالأسفل، وستخبرك بكل ما تحتاجين لمعرفته. ستتناولين طعامك مع الممرضات، وستخبرك أيضًا بالمكان الذي ستنامين فيه. حاولي فقط ألَّا تُصابي بالبرد. لا أعتقد أن لكِ أي تجربة مع مرض السل؟»

«حسنًا، لقد قرأتُ …»

«أعلم، أعلم. لقد قرأت رواية «الجبل السحري».»

إنه شَرَك آخَر، لكن بدا أنه قد تراجع، وقال: «لقد تغيرت الأمور وتقدَّمت بعض الشيء عن ذلك، آمل في ذلك. لديَّ أشياء قد كتبتُها بشأن الأطفال هنا ورأيي فيما يمكن أن تقومي به من دورٍ معهم. إنني في بعض الأحيان أفضِّلُ التعبيرَ عن نفسي من خلال الكتابة. ستعطيكِ رئيسة الممرضات كافة المعلومات الأساسية.»

•••

لم يمر أسبوع على تواجدي بالمكان حتى بَدَتْ كلُّ أحداث اليوم الأول متفردةً ولا يُحتمَل تكرارها مرةً أخرى؛ فالمطبخ وغرفة إيداع الملابس التابعة له حيث يحتفظ العمال بملابسهم ويخفون سرقاتهم؛ أضحيا مكانين لم أرهما ثانيةً، وكان من المحتمل ألَّا أَطَأهما فيما بعدُ. وبالمثل لم يكن من المسموح دخول حجرة الطبيب، وكانت حجرة رئيسة الممرضات هي المكان المناسب لتلقِّي كل الاستفسارات والشكاوى وإعادة تنظيم الأمور العادية. كانت رئيسة الممرضات قصيرة القامة ذات قوام ممتلئ، وبشرة وردية، وترتدي نظارة بلا إطار، وتتنفس بشيء من الصعوبة. وكان أيُّ شيء يطلبه المرء يثير دهشتها، ويسبِّب بعضَ الصعوبات من وجهة نظرها، لكنها في آخِر الأمر تقوم بالبتِّ فيه أو توفِّره. كانت في بعض الأحيان تتناول طعامَها في غرفة الطعام الخاصة بالممرضات حيث كان يُعَدُّ لها نوعٌ من الحلوى، وكانت عادةً ما تخلق جوًّا غيرَ مريح في المكان، ولكنها كانت تبقى معظم الوقت في غرفتها الخاصة.

كان يوجد إلى جانب رئيسة الممرضات ثلاث ممرضات أخريات مُعتمدات، ولم تكن أي واحدة منهن في الثلاثينيات من العمر مثلي. عُدْنَ للعمل بعدما تجاوزْنَ سنَّ التقاعد حتى يؤدين واجبهن أثناء فترة الحرب. وكان يوجد أيضًا ثلاث ممرضات مساعدات كنَّ يقارِبْنَني في العمر أو كنَّ حتى أصغر سنًّا، ومعظمهن متزوجات أو مخطوبات أو يسعين للخطبة بوجهٍ عام من رجال مجنَّدين في الجيش. كنَّ يتحدَّثْنَ طوال الوقت الذي لا توجد خلاله رئيسةُ الممرضات والممرضات، ولم يُبْدِين أدنى اهتمامٍ بي؛ فلم تكن لديهن الرغبة في معرفة أي شيء عن تورونتو، بالرغم من أن بعضهن يعرفن أشخاصًا ذهبوا إلى هناك لقضاء شهر العسل، ولم يهتممْنَ بمعرفة أي شيء يتعلق بطريقة تدريسي أو عملي قبل أن آتي إلى هذا المكان. لكن هذا لا يعني أنهنَّ كنَّ يتسمن بالوقاحة؛ فقد كنَّ يمرِّرْنَ الزبد إليَّ أثناء الطعام (كنَّ يُطلِقْنَ عليها زبدًا بينما هي في الواقع بعض من السمن النباتي المختلط بالبرتقال، وتُلَوَّن في المطبخ وذلك بحسب الطريقة الوحيدة المتعارَف عليها في تلك الأيام)، وقد حذَّرْنَني من تناول فطيرة الراعي حيث قالوا إنها تحوي لحم مرموط خنزير الأرض. كل ما في الأمر أنهن كن لا يهتممْنَ بكل ما يحدث في أماكن لا يعرفْنَها، أو لأشخاصٍ لا تربطهم بهنَّ أيُّ صلة، أو في أوقاتٍ لا يعرفْنَها؛ فهي أشياء قد تسبِّب ضيقهن أو تعترض طريقهن. كنَّ يغلقْنَ الراديو وقت إذاعة الأخبار كلما سنحت لهن الفرصة، ويحاولن سماع الموسيقى.

«أرقص مع فتاة جميلة ذات جورب مثقوب …»

كان الممرضات والممرضات المساعدات يبغضن سماع إذاعة سي بي سي، التي نشأتُ على الاعتقاد بأنها تنقل الثقافةَ والمعرفةَ للأماكن النائية. ومع ذلك فقد كنَّ يشعرْنَ بالإعجاب والتبجيل تجاه الطبيب فوكس، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أنه قد قرأ العديدَ من الكتب.

كما قلن إنه ليس هناك أحدٌ مثله يمكنه توجيه النقد بنحوٍ لاذعٍ إنْ أرادَ ذلك.

ولم أستطع أن أتبيَّن إنْ كنَّ يشعرْنَ أن هناك علاقةً تربط ما بين قراءتِه العديدَ من الكتب وتوجيهِ النقد والتعنيف للآخرين.

•••

«مفاهيم علم أصول التدريس الأساسية مفتقدة هنا. البعض من أولئك الأطفال سيُعاوِد دخوله للعالَم أو النظام من جديدٍ، بينما لن يدخل البعض الآخَر؛ لذا، من الأفضل ألَّا يُوضَعوا تحت ضغطٍ عصبيٍّ شديدٍ؛ بمعنى لا مزيدَ من الاختبارات والحفظ وتصنيف الأشياء وكل هذا الهراء.

لا يُولي أي اعتبار تمامًا لموضوع الصفوف والتقييم. فمَن كان بحاجةٍ إلى التقييم فمن الممكن أن يتم ذلك له فيما بعد أو يُغْفَل ذلك تمامًا بالنسبة له؛ فكل ما يحتاج إليه الأطفال في الواقع هو تعلُّم بعض المهارات البسيطة للغاية، ومجموعة من الحقائق، وما شابَهَ ذلك، تلك الأمور اللازمة للدخول في هذا العالَم. وماذا عن الأطفال الذين يُطلَق عليهم «الأطفال المتفوقون»؟ ذلك المصطلح الباعث على الاشمئزاز. إن كانوا يتمتعون ببعض الذكاء من الناحية الأكاديمية، فيمكنهم اللحاق بالطلاب الآخرين بسهولة.

عليكِ أن تنسي تمامًا أمر أنهار أمريكا الجنوبية، وبالمثل الميثاق العظيم للحريات.

لا بأسَ من تعليم الرسم والموسيقى، وقصِّ بعض الحكايات.

وممارسةُ الألعاب مسموحٌ بها، لكن حذارِ من شدة الانفعال أو المنافسة.

يكمن التحدي في الابتعاد عن الشعور بالملل، وفي نفس الوقت تلافِي الوقوع تحت ضغط عصبي؛ فالملل هو لعنة المستشفيات.

إنْ لم توفر لك رئيسةُ الممرضات الأشياءَ التي تحتاجينها، فستجدين في بعض الأحيان أن الحارس سيحضرها ويخفيها لك في مكانٍ ما.

رحلة سعيدة.»

•••

تفاوتَتْ أعداد الأطفال الذين يأتون الفصل؛ فتارةً كان يأتي خمسة عشر طفلًا، وتارةً أجد أن عددهم انخفض ليصل إلى ستة. وكانوا يأتون في أوقات الصباح فقط؛ أيْ من التاسعة صباحًا حتى وقت الظهيرة، بما في ذلك أوقات الراحة. وكان الأطفال يُمنَعون من الحضور إنِ ارتفعَتْ درجةُ حرارتهم، أو إنْ كانوا يُجْرُون بعض التحاليل الطبية. كان يغلب عليهم الهدوء أثناء تواجُدهم في الفصل، وكان من السهل التعامُل معهم والسيطرة عليهم، بَيْدَ أنهم لم يُظهِروا أيَّ اهتمامٍ ملحوظ بما أقدِّمه لهم. لقد أيقنوا على الفور أنها مجرد مدرسة شكلية، وأنهم غير ملتزمين فيها بتعلُّم أيِّ شيء، تمامًا كما لم يكن مطلوبًا منهم تعلُّمُ كيفيةِ أداء العمليات الحسابية أو القيام بالمهام التي تعتمد على الحفظ والاستظهار. لكن تلك الحرية لم تُصعِّب السيطرة عليهم، كما أنها لم تترك داخلهم أي إحساس بالملل بصورة مزعجة؛ إنما جعلت منهم أشخاصًا حالمين منصاعين للأوامر. كانوا يردِّدون الأغاني بصوت هادئ، ويمارسون لعبة «إكس أو»، وكان هناك شبه شعور بالانكسار والإحباط داخل هذا الفصل الارتجالي الخالي من أشكال الدراسة الفعلية.

عزمتُ على تنفيذ نصائح الطبيب، أو على الأقل تنفيذ بعضها، وخاصة فيما يتعلَّق بأن الشعور بالملل هو العدو الأكبر.

كنتُ قد لمحتُ شكلًا مجسمًا للكرة الأرضية في حجرة الحارس الضيقة، وطلبتُ إحضارَها إلى الفصل. وبدأتُ تدريسَ بعض المعلومات الجغرافية البسيطة؛ أسماء المحيطات والقارات وأشكال المناخ. وسألت نفسي: لِمَ لا أعرض معلومات عن الرياح والتيارات الهوائية، والدول والمدن، ومدار السرطان ومدار الجدي؟ ولِمَ لا أذكر أنهار أمريكا الجنوبية؟ وعرضتُ لهم بالفعل تلك المعلومات.

كان يوجد بعض الأطفال الذين تعلَّموا تلك الأشياء من قبلُ، لكنهم بالكاد كانوا يتذكرونها؛ فلقد تلاشى من أذهانهم ذلك العالَمُ الذي يكمن خلف البحيرة والغابة. خُيِّلَ إليَّ أنهم شعروا بالبهجة، كما لو أنهم كانوا يُقِيمون علاقاتِ صداقةٍ مرةً أخرى مع الأشياء التي كانوا يعرفونها من قبلُ. لم أُغرِقهم بتلك المعلومات مرة واحدة بالطبع، وكان عليَّ أن أتمهَّل وأُبَسِّط الأشياء للأطفال الذين لم يتعلَّموا تلك الأشياء من قبلُ بسبب إصابتهم بالمرض في عمر مبكر.

لقد نجحتُ في هذه المهمة واستطعتُ توصيلَ المعلومات في شكلِ لعبةٍ يمارسونها؛ فقد قَسَّمتهم إلى فِرَق، وكنت أجعلهم يقولون أسماء الأشياء وأنا أحرِّك المؤشرَ هنا وهناك سريعًا على الشكل المجسم للكرة الأرضية. كنت أحرص على ألَّا يمتد شعورهم بالإثارة لفترة طويلة. لكن في أحد الأيام مرَّ الطبيب بجوار الفصل، وكان خارجًا لتوه من عملية جراحية كان يجريها في الصباح، وقد لمحني وأنا ألعب معهم هذه اللعبة. لم أستطع أن أتوقَّف مرةً واحدة وأوقف هذا الحماس، لكنني حاولتُ أن أهدِّئ من حدة المنافسة بين الأطفال. دخل وجلس بيننا، وكانت تبدو عليه أماراتُ التعب والاستسلام؛ فلم يُبْدِ أيَّ اعتراضٍ، وبعد عدة دقائق انضمَّ إلينا، فراح يردِّد إجاباتٍ مضحكةً، ولم تكن الإجابات خاطئة، بل خيالية. ثم راح شيئًا فشيئًا يُخفِض من صوته؛ فأخذ يتمتم في البداية، ثم تحدَّث بصوت هامس، ثم لم يَعُدْ هناك شيءٌ يمكن أن يُسمَع منه على الإطلاق. ومن خلال هذه الطريقة، وهذا الأسلوب العبثي المثير للضحك، تمكَّنَ من إحكام السيطرة على الفصل؛ وراح الأطفال جميعهم يقلِّدونه ويتحدثون بصوت خافت، وكانت أعينهم مثبتةً على شفتَيْه.

وفجأةً أطلق زمجرةً خفيفة جعلتهم جميعًا ينفجرون في الضحك.

«لماذا تحملقون فيَّ هكذا بحق الجحيم. أهذا ما علَّمَتْكم إياه معلمتُكم؟ أن تحدِّقوا هكذا في الأشخاص الذين لا يسبِّبون لأحدٍ أيَّ ضيق أو إزعاج؟»

ضحك معظم الأطفال، بينما لم يستطع البعض الآخر منع أنفسهم من النظر إليه وهو يقول ذلك. لقد كانوا متعطشين لمثل هذ الأشياء المثيرة للضحك.

«هيا، توقفوا عن هذا، وتصرفوا على هذا النحو السيئ في مكانٍ آخَر.»

راح يعتذر لي فيما بعدُ عن اقتحامه الفصل بهذا الشكل، بينما شرحتُ أنا له الأسباب في جعل هذا الدرس يبدو وكأنه يُعرَض في فصل حقيقي.

قلت في حماس: «بالرغم من أنني أتفق معك في شأن ضرورة تجنُّب الأشياء المسبِّبة للضغط العصبي … أنا أتفق تمامًا مع ما أمليتَه عليَّ من تعليمات، إلا أنني اعتقدتُ أنه …»

«أية تعليمات؟ أوه، إنها مجرد أفكارٍ جالَتْ بذهني، ولم أكن أقصد قطُّ أن تُنفَّذ كما هي حرفيًّا دون تغيير.»

«كنت أعني أنهم ما داموا لا يعانون من مرض شديد …»

«أنا واثق من أنك على حقٍّ، ولا أعتقد أن في ذلك ضررًا.»

«نعم وإلا بَدَا عليهم الفتور واللامبالاة.»

قال: «ليس ثمة داعٍ لكل تلك التفسيرات.» ثم استدار مبتعدًا.

ثم استدار نحوي مرةً أخرى فيما يشبه الاعتذار الفاتر.

وقال: «يمكننا التحدُّث بشأن هذا في وقت لاحق.»

كنت أعتقد أن هذا الوقت لن يأتي مطلقًا، وكان من الواضح أنه يراني شخصًا أحمق يثير الإزعاج.

ثم علمت فيما بعدُ من الممرضات المساعدات أثناء وقت الغداء أن هناك طفلًا تُوفي أثناء إجراء جراحةٍ له هذا الصباح؛ لذا اتضح لي أنه لم يكن لغضبي أي مبرِّر؛ ولهذا السبب شعرتُ أني كنتُ أتَّسِم حقًّا بالحماقة والغباء.

•••

لم أكن أؤدي أي عمل في فترة ما بعد الظهيرة كلَّ يوم، وكان تلاميذي يذهبون للنوم في تلك الفترة، وكنتُ أنا أميل لفعل نفس الشيء في بعض الأحيان. كانت حجرتي باردةً، بل بَدَا كل جزء في المبنى باردًا، أكثر برودةً من شقتي التي في طريق أفنيو، بالرغم من أن جدي وجدتي كانا يُشَغِّلان جهاز التدفئة على درجة أقل، بدافع التوفير من أجل إعلان المصلحة الوطنية. كانت الأغطية خفيفة؛ وبالقطع يحتاج مَن يعاني من مرض السل غطاءً ثقيلًا أكثر.

لكني لم أكن أعاني بالقطع من السل، ومن ثَمَّ كانوا يبخلون في تقديم الكثير من الأشياء لأناسٍ مثلي.

كان النعاس يغالبني لكني لم أستطع النوم؛ ففي الطابق الأعلى كنت أسمع الأصواتَ المزعجة للأَسِرَّة المتحركة وهم ينقلونها إلى الشرفات المفتوحة حتى يتعرَّض الأطفالُ لهواءِ فترة ما بعد الظهيرة البارد.

أما المبنى والأشجار والبحيرة فلم تَبْدُ لي ثانيةً كما رأيتُها في أول يومٍ لي في هذا المكان، حينما أَسَرَني غموضُها وخلَّفَتْ أثرًا بالغًا في نفسي حينها؛ ففي ذلك اليوم شعرتُ بأنني غيرُ مرئيةٍ، أما الآن فبَدَا لي أن الأمر لم يكن حقيقيًّا قطُّ.

«ها هي المعلمة. ما الذي تتطلَّع إليه؟»

«إنها تنظر صوبَ البحيرة.»

«لِمَ؟»

«لا يوجد شيء أفضل لتفعله.»

«بعض الأشخاص محظوظون.»

•••

ذات مرة أغفلتُ وجبةَ الغداء، بالرغم من أنها جزءٌ ممَّا أتقاضاه من راتبي. ذهبت إلى أمندسون، حيث تناولت الطعام في مقهًى هناك. كانت القهوة المقدَّمة بديل القهوة بوستم، وأفضل ما لديهم من سندوتشات هو السلمون المُعلَّب، إنْ تواجَدَ بالأساس، أما سلطةُ الدجاج فكان ينبغي تفحُّصها جيدًا خشيةَ أن يكون بها شيءٌ من الجلد والعظام، ومع هذا فقد شعرت براحةٍ أكبر في هذا المكان حيث لا يمكن لأحدٍ أن يعرف مَن أنا.

وربما كنتُ مخطئةً في هذا.

لم يكن بالمقهى حمَّامٌ للسيدات؛ لذا كان عليَّ الذهاب إلى الفندق المجاوِر والمرور أمام باب الحانة المفتوح، تلك الحانة التي عادةً ما تكون مظلمةً، وصاخبةً، وتنبعث منها رائحةُ الجعة والويسكي، والدخانُ الكثيف للسجائر والسيجار الذي يغمرك ويخنقك. ومع هذا شعرتُ بالراحة هناك أيضًا؛ فلن تجد الحطَّابين — أولئك الرجال الذين يعملون في مصنع نشر الأخشاب — يصرخون في وجهك كما يفعل الجنود والطيارون في تورونتو؛ لقد كانوا غارقين في عالَم الرجال، يقصون روايتهم بصوتٍ عالٍ، منهمِكين لا يبالون بالبحث عن امرأةٍ. ربما كانوا في الواقع أكثر حرصًا على الابتعاد عن صحبة النساء الآن أو إلى الأبد.

كانت لدى الطبيب عيادة في الشارع الرئيسي، وهي مبنًى من طابق واحد؛ لذا فلا بد أنه كان يقيم في مكان آخَر، وقد سمعت عن طريق الممرضات المساعدات أنه لم يكن متزوجًا. وفي الشارع الجانبي الوحيد وجدت المنزل الذي كان يُحتمَل أنه منزله؛ كان مغطًّى بزخارف الجص، ذا نافذة ناتئة تعلو الباب الأمامي، وكانت هناك مجموعة من الكتب المكدَّسة على حافة تلك النافذة. كانت بالمكان مسحةٌ من الكآبة، إلا أنه كان يبدو منظَّمًا، ممَّا يوفر قدرًا من الراحة قد يهفو إليه رجلٌ وحيد، بل رجل وحيد يتسم بالتنظيم الشديد.

كانت المَدْرسة التي تقع في نهاية ذلك الشارع السكني مكوَّنةً من طابقين، ويدرس بالطابق السفلي الطلاب حتى الصف الثامن، وبالطابق العلوي الطلاب حتى الصف الثاني عشر. لمحتُ ماري هناك فيما بعد ظهيرة أحد الأيام، وكانت تشارك في اللعب مع أقرانها بإلقاء كرات من الثلج بعضهم على بعض. كان من الواضح أنه فريق من الصبية ضد فريق من الفتيات. وحينما وقع بصرها عليَّ، صاحت قائلةً: «مرحى، أيها المعلمة.» ثم قذفَتْ بكرتَيِ الثلج اللتين كانتا في يديها بنحوٍ عشوائي، وهرولَتْ تعبر الطريق. قالت في إثارةٍ وهي تلتفت وراءَها: «أراكم في الغد.» بَدَا كلامها بنحوٍ أو بآخَر وكأنه نوعٌ من التحذير حتى لا يتبعها أحد.

قالت: «أنتِ في طريقك للعودة إلى المدرسة، أليس كذلك؟ وأنا كذلك. إنني عادةً ما أذهب في صحبة ريدي، لكنه يرجع في وقت متأخر جدًّا. وأنتِ؟ ماذا ستفعلين؟ هل ستستقلِّين الترام؟»

رددْتُ عليها بالإيجاب، فقالت ماري: «أوه، يمكن أن أُرِيك الطريق الآخَر، وهكذا توفرين نقودَك. إنه طريق الغابة.»

قادتني عبر طريقٍ يمكن المرور به بالرغم من ضيقه، يعلو عن البلدة ثم يقطع الغابة ويمر بمصنع نشر الأخشاب.

قالت: «هذا هو الطريق الذي يسلكه ريدي. قد يكون عاليًا لكنه يصير قصيرًا عندما تتجهين إلى الأسفل نحو المصحة.»

مررنا في طريقنا بمصنع نشر الأخشاب، وكان يوجد بأسفلنا بعضُ الأشجار المقطوعة على نحو عشوائي في الغابة، وعددٌ من الأكواخ الصغيرة التي بَدَا أنها مأهولة بالسكان، ويتضح ذلك من خلال أكوام الحطب، وأحبال الغسيل، والدخان المنبعث منها. وفجأةً، انطلق من أحدها كلبٌ كبير يشبه الذئب، وأخذ ينبح ويزمجر بصوتٍ عالٍ.

صاحت به ماري: «اسكت.» وصنعت على الفور كرةً من الثلج وألقَتْها نحوه، فأصابت ما بين عينَيْه؛ فاستدار سريعًا متقهقرًا للخلف، وأمسكَتْ بكرة أخرى من الثلج استعدادًا لإلقائها نحو ردفَيْه. ظهرت امرأةٌ ترتدي مئزرًا من داخل الكوخ وراحت تصيح قائلةً: «لقد كان من الممكن أن تقتليه.»

«يا ليته مات!»

«سأجعل زوجي الضخم يمسك بك.»

«هذا لن يحدث مطلقًا؛ فزوجك هذا لا يستطيع أن يضرب بعوضة.»

تبعهم الكلب لمسافةٍ ما، في شبهِ تهديدٍ لهم.

قالت ماري: «لا تقلقي أستطيع التعامُل مع أيِّ كلبٍ، بل أراهن أنني أستطيع مواجَهةَ دبٍّ إنْ صادفنا واحدًا ونحن في طريقنا.»

«أَلَا تكون الدِّبَبَة في بياتٍ شتويٍّ في هذا الوقت من العام؟»

كنت أشعر بفزعٍ شديد من ذلك الكلب، لكني تظاهرتُ باللامبالاة.

«بلى، لكنْ مَن يدري ماذا سيحدث. لقد ظهر أحدهم ذات مرة في الصباح الباكر، واختبأ وسط القمامة في المصحة. استدارَتْ أمي ووجدَتْه أمامها؛ فأحضر ريدي بندقيته وقتله.»

«كان ريدي يأخذني أنا وأنابل لنتنزه باستخدام المزلجة، وكان يأخذ في بعض الأحيان أطفالًا آخَرين. إن له صفيرًا خاصًّا كان يُطلِقه فتفزع منه الدِّبَبَة وتفر هاربةً. لقد كان صفيره عاليًا بدرجةٍ لا تحتملها الأذن البشرية.»

«حقًّا؟ أرأيتِ ذلك؟»

«لا، لم يكن من هذا النوع. أعني ذلك الصوت الذي يمكن أن يُصدِره من فمه.»

كنتُ أفكِّر في الأداء في الفصل.

«لا أدري، لربما كان ذلك حتى لا تفزع أنابل، لقد قال ذلك حينها. فلم تكن تستطيع التزلج، فكانت تجلس على المزلجة ويجرها هو. كنتُ أجلس عادةً خلفَها، وأحيانًا كنتُ أقفز على المزلجة، وكان يقول: ما الذي أصاب ذلك الشيء، إنه يزن طنًّا؟ ثم كان يحاوِل أن يستدير للخلف سريعًا ليمسك بي، لكنه لم يستطع قطُّ أن يفعل ذلك. ثم كان يسأل أنابل ما الذي جعل المزلجة ثقيلةَ الوزن هكذا، ويسألها عمَّا تناولته في وجبة الإفطار، لكنها لم تكن تخبره أبدًا. وكنت لا أفعل ذلك عندما يصطحب أطفالًا آخرين؛ فالأمر لا يكون لطيفًا إلا حينما نتواجد أنا وأنابل فقط. لقد كانت أفضل صديقة يمكن أن أعرفها في حياتي.»

«وماذا عن الفتيات الأخريات في المدرسة؟ ألسن صديقاتك؟»

«إنني فقط ألهو معهن حينما لا يكون هناك أحد أتحدَّث إليه. إنهن لا يعنين أيَّ شيءٍ لي.»

«كان عيد ميلادي أنا وأنابل في نفس الشهر؛ شهر يونيو. وفي عيد ميلادنا الحادي عشر اصطحَبَنا ريدي إلى البحيرة في أحد القوارب، وعلَّمَنا السباحةَ، أو بالأحرى كنتُ أنا مَن يتعلَّم؛ فقد كان عليه دائمًا أن يُمسِك بأنابل وهو يعلِّمها السباحة؛ حيث لم يكن بمقدورها السباحة بمفردها. وحين ذهب للسباحة بمفرده، ملأنا حذاءَه بالرمال. وفي عيد ميلادنا الثاني عشر لم نستطع أن نذهب لأي مكان كهذا، لكننا ذهبنا إلى منزله وصنع لنا كعكةً بهذه المناسبة. لم تستطِعْ هي أن تتناول ولو قطعةً صغيرةً منها؛ لذا أخَذَنا في سيارته وأَخَذْنا نُلقِي ببعض قِطَع الكعك من نوافذ السيارة لإطعام طيور النورس التي أخذت تتصارع وتصرخ بجنون. انفجرنا في نوبةٍ من الضحك الشديد، وكان عليه التوقُّف بالسيارة وحَمْل أنابل خشيةَ أن تصاب بنوبة نَزْف.»

وأضافت: «بعد ذلك، لم يَعُدْ من المسموح لي رؤيتها؛ فلم تكن أمي تريد أن أخالط ثانيةً أطفالًا مصابين بالسل، لكن ريدي تحدَّثَ معها في هذا الأمر وأخبرها أنه سيمنعني عندما تستدعي الحالة ذلك. وقد حدث هذا بالفعل فيما بعدُ وكدتُ أُجَنُّ، ولكن لم يكن باستطاعة أنابل أن تلهو ثانيةً حيث اشتدَّ بها المرض. سأجعلك ترين قبرَها، لكنْ ليس ثمة علاماتٌ فوقه تميِّزه. سنضع أنا وريدي علاماتٍ عليه فيما بعدُ حينما يتَّسِع وقته لذلك. لو كنا قد سرنا مباشَرةً في خط مستقيم عبر الطريق بدلًا من الانحراف للأسفل كما فعلنا، لَكنَّا قد ذهبنا للجبَّانة التي دُفِنت فيها، المخصَّصة لمَن ليس لديهم مَن يأتون ليأخذوهم ويدفنوهم حيث ينتمون.»

وفي تلك الأثناء هبطنا وسرنا على الأرض الممَهَّدة مقتربين من المصَحَّة.

قالت: «أوه، كدت أنسى.» وأخرجَتْ حفنةً من التذاكر.

«إنها من أجل عيد الحب. إننا سنمثِّل مسرحيةً بالمدرسة تحمل اسم «بينافور». عليَّ بيع كل تلك التذاكر التي بحوزتي، ويمكن أن تكوني أنتِ أول مَن يشتري مني. أنا سأمثِّل فيها.»

•••

كنتُ مُحِقَّة بشأن المنزل الذي رأيتُه في أمندسون؛ فقد كان منزل الطبيب بالفعل. لقد دعاني إلى هناك لتناوُل العشاء. لقد كانت الدعوة وليدةَ اللحظة، وذلك عندما التقى بي في الردهة. فربما لم يتذكر على نحوٍ غير مريح قوله بأنه علينا أن نلتقي للحديث بشأن بعض أفكار التدريس.

كان مساء اليوم الذي حدَّده لِلِّقاء هو نفس يومِ عرْضِ مسرحية «بينافور» التي اشتريتُ تذكرتَها من ماري، وأخبرتُه بذلك فقال: «في واقع الأمر، لقد ابتعتُ واحدةً أنا الآخَر. لكن هذا لا يعني أنه علينا الحضور.»

«لكني تقريبًا وعدتُها أنني سأذهب.»

«حسنًا، والآن يمكنك أن ترجعي في وعدك غير المؤكَّد هذا؛ فأنتِ لن تحتملي مشاهدتَها، صدِّقيني.»

فعلتُ كما قال بالرغم من أنني لم أرَ ماري لأخبرها. انتظرتُ حيث طلب مني، في الشرفة المفتوحة خارج الباب الأمامي. كنت أرتدي أفضل ثيابي، الذي كان لونه أخضر داكنًا، ومحاكًا من قماش الكريب، وأزراره تشبه حبات اللؤلؤ الصغيرة، وياقته مزيَّنة بالدانتيل. وحشرتُ قدمَيَّ في حذاءٍ ذي كعبٍ عالٍ من جلد سويدي داخل حذاء الثلج العالي الرقبة. انتظرت لفترةٍ بعد الوقت المحدد وأنا أشعر بالقلق؛ أولًا: كنت أخشى أن تخرج رئيسةُ الممرضات من حجرتها وتلمحني، وثانيًا: كنت أخشى أن يكون هو قد نسي موعدنا.

لكني لمحتُه يأتي من بعيد وهو يزرر معطفه، وحين اقترب، اعتذر عن التأخير.

قال: «دائمًا يجب عليَّ الانتهاء من بعض الأشياء القليلة قبل ذهابي للمنزل.» ثم قادني تحت ضوء النجوم الساطع، وسرنا حول المبنى حتى وصلنا إلى سيارته.

قال: «هل تستطيعين السَّيْر على نحوٍ جيد؟» وعندما رددتُ بالإيجاب، لم يمد ذراعه نحوي لمساعدتي، بالرغم من أني كنتُ أجد بعضَ الصعوبة في السَّيْر بهذا الحذاء ذي الجلد السويدي.

كانت سيارته قديمة وفي حالة سيئة، كما هو حال بالنسبة إلى معظم السيارات في تلك الأيام، ولم تكن بها وحدةٌ للتدفئة. وعندما أخبرني أننا سنذهب لمنزله شعرتُ بالارتياح؛ فلا أدري كيف كنَّا سنجلس وسطَ هذا الحشد من الناس الموجود في الفندق، وكنتُ قد تمنَّيْتُ ألَّا أتناول تلك السندوتشات التي تناولتُها من قبلُ في المقهى.

وعندما وصلنا إلى منزله طلب مني ألا أخلع معطفي حتى يدفأ المكان بعض الشيء، وانهمك على الفور في إشعال النيران في المدفأة التي تعمل بالخشب.

قال: «أنا اليومَ الحارسُ والطاهي والخادمُ لك.»

ثم أردف قائلًا: «سرعان ما ستجدين المكان باعثًا على الراحة، ولن يستغرق مني إعدادُ الطعام وقتًا طويلًا. لا داعي لعرض المساعدة؛ فأنا أفضِّل العملَ بمفردي. أين تفضِّلين الانتظارَ؟ بإمكانك إلقاء نظرةٍ على الكتب الموجودة في الغرفة الأمامية، إنْ كنتِ ترغبين في ذلك. سيكون المكان محتمَلًا هناك وأنتِ ترتدين معطفك. إنني أضع مدفأةً في كل مكان بالمنزل، لكني لا أُدفئ أي غرفة لا أستخدمها. ستجدين زرَّ الإضاءة بمجرد دخولك من الباب. أعتقد أنكِ لن تمانعي إنِ استمعتُ إلى الأخبار؟ إنها عادةٌ قديمةٌ لديَّ.»

اتجهتُ نحو الغرفة الأمامية، وشعرتُ أنني أنفِّذ الأوامر التي تُقال لي بطريقةٍ أو بأخرى، وتركتُ بابَ المطبخ مفتوحًا، فجاء من خلفي وأغلَقَه وهو يقول: «سأغلقه حتى يَسْرِي بعضُ الدفء في المطبخ.» ثم عاد يستمع إلى صوت المذيع بإذاعة سي بي سي الدرامي على نحوٍ متجهمٍ، والذي يحمل الكثير من الوقار وهو يعرض أخبارَ هذه السنة الفائتة من الحرب. لم أتمكَّن من سماع ذلك الصوت منذ غادرتُ شقة جدي وجدتي، وكنت أفضِّل المكوثَ في المطبخ. لكن كانت هناك أعداد كبيرة من الكتب التي يمكن الاطِّلاع عليها، ولم تكن الكتب مرصوصةً فقط فوق الأرفف، لكنها كانت أيضًا فوق المقاعد والمناضد وعلى حافة النافذة، بل كانت مكدَّسة فوق الأرض أيضًا. وبعد أن ألقيتُ نظرةً على العديد منها، توصَّلْتُ إلى أنه يفضِّل شراءَ كميات كبيرة من الكتب دفعة واحدة، وأنه ربما يكون منضمًّا للعديد من نوادي الكتب. وجدتُ كلاسيكيات هارفرد، والأعمال التاريخية لويل ديورانت وزوجته آريل؛ لقد كانت مشابهةً لمجموعة الكتب التي يمكن أن تجدها في مكتبة جدي. لم يكن هناك الكثير من كتب الشعر والأدب، بالرغم من تواجُد بعض الكلاسيكيات المبهرة الخاصة بالأطفال.

وقد وجدت كتبًا عن الحرب الأهلية الأمريكية، وحرب البوير الثانية، والحروب النابليونية، والحروب البيلوبونيزية، والحملات العسكرية ليوليوس قيصر، وكتب «استكشافات منطقة الأمازون والقطب الشمالي»، و«شاكلتون علق في الجليد»، و«مصير فرانكلين»، و«جماعة دونر»، و«القبائل المفقودة: المدن المدفونة في أفريقيا الوسطى»، و«نيوتن والخيمياء»، و«أسرار جبال الهندوكوش». كانت نوعيةُ الكتب تعكس شخصيةً تسعى وراء المعرفةِ وجَمْع الكثير من المعلومات في مختلف المجالات؛ ربما ليس شخصًا له أذواق محددة وثابتة لا تتغير في القراءة.

لذا عندما سألني: «أية رواية روسية؟» كان من المحتمل أنه ليست لديه ثقافة كبيرة كما توقَّعت.

وعندما نادى قائلًا: «الطعام جاهز.» وفتحتُ الباب، كنت قد تسلَّحْتُ حينها بتلك الشكوك الجديدة عن مدى معرفته ومعلوماته.

قلت له: «مع مَن تتفق نابهتا أم ستمبريني؟»

«ماذا تقولين؟»

«أعني في رواية «الجبل السحري» مَن كنتَ تهوى أكثر؛ شخصية نابهتا أم ستمبريني؟»

«لكي أكون أمينًا، أنا أعتقد أنهما اثنان من الثرثارين، وأنتِ؟»

«شخصية ستمبريني أكثر إنسانيةً، لكن شخصية نابهتا أكثر إمتاعًا وتشويقًا.»

«هل أخبروك بذلك في المدرسة؟»

قلتُ بثباتٍ: «لم أقرأها مطلقًا حين كنتُ في المدرسة.»

رمقني بنظرة سريعة ثم رفع حاجبه.

«اسمحي لي أن أقول لك إنه إنْ كان هناك ما يجذب اهتمامك في تلك الكتب، فلكِ مطلق الحرية في أن تأتي إلى هنا وقتما تشائين، وتقرئي ما يحلو لك وقتَ فراغك. وهناك مدفأة كهربائية يمكن أن أديرها لكِ؛ حيث إنني أعتقد أنه لا درايةَ لكِ بالمدفأة التي تعمل بالخشب. ما رأيك في هذا العرض؟ يمكن أن أصنع لك نسخةً إضافيةً من المفتاح.»

«شكرًا لك.»

كان طعام العشاء شرائح من لحم الخنزير، والبطاطس المهروسة، والبازلاء المعلَّبة. أما التحلية ففطيرة تفاح جلَبَها من عند الخباز، كانت ستصبح أشهى إنْ فكَّرَ في تسخينها.

راح يسألني عن حياتي في تورونتو، ودراستي الجامعية، وعن جدي وجدتي، وقال إنه يعتقد أنني نشأتُ على بعض القِيَم والأخلاقيات الصارمة.

«كان جدي رجلَ دينٍ متحرِّرًا، وكان متأثِّرًا بأفكار الفيلسوف الألماني بول تيليتش.»

«وماذا عنك؟ هل أنتِ الحفيدة الصغيرة المسيحية المتحرِّرة أيضًا؟»

«لا.»

«حسنًا، هل تعتقدين أنني وَقِح؟»

«هذا يعتمد على الصورة التي تحادثني بها؛ إنْ كنتَ تحادثني على أنك صاحب العمل، فأنت لستَ كذلك على الإطلاق.»

«إذن، سأستمر في طرح بعض الأسئلة. هل لديك رفيق؟»

«نعم.»

«إنه في الجيش بحسب ما أعتقد، أليس كذلك؟»

قلت له إنه في سلاح البحرية. أدهشني اختياري الجيد هذا؛ حيث إنني لم أعرف يومًا مكانَه، كما أنني لم أكن أتلقَّى منه خطاباتٍ بصورة منتظمة، لكني أعتقد أنه لم يستطع الحصولَ على إجازةٍ ليراني.

ذهب الطبيب وأحضر الشاي.

«على أي نوع من المراكب يوجد هو؟»

«الكورفيت.» كان هذا اختيارًا جيدًا أيضًا؛ فبعد قليل، كان من الممكن أن أقول له إن سفينته تعرَّضَتْ للقذف ونُسِفت، وذلك كما يحدث دومًا لهذا النوع من السفن.

«إنه لفتًى شجاعٌ. هل تريدين بعضًا من السكر أو اللبن؟»

«شكرًا، لا أريد أيًّا منهما.»

«هذا جيد لأنه ليس لديَّ أيٌّ منهما. أتدرين أن وجهك يفضحك تمامًا حينما تكذبين؛ حيث يتورَّد بشدةٍ ويشعُّ حرارةً؟»

إنْ لم يكن قد حدث ما يقوله من قبلُ في أثناء حوارنا، فقد حدث الآن؛ فقد شعرتُ بفورةٍ وحرارةٍ تنبعثان من قدمَيَّ وتسريان عبر جسمي، وتدفَّقَ العرقُ بشدةٍ أسفلَ الإبطين وتمنَّيْتُ ألَّا يتلف الثوب الذي ألبسه.

«إنني عادة ما أشعر بتلك الحرارة والفورة عندما أحتسي الشاي.»

«أوه، لاحظتُ ذلك.»

عزمتُ على مواجهته؛ فالأمور لن تزداد سوءًا عمَّا هي عليه. غَيَّرْتُ دفةَ الحوار وسألتُه عن إجرائه للعمليات؛ فهل استأصل حقًّا رئتين، كما سمعتُ؟

كان بمقدوره أن يجيب بسخرية واستعلاء أكثر، وهما ربما يمثِّلان مفهومه عن المشاكسة، ولكني أظن أنه لو حدث ذلك بالفعل لَارتديت معطفي وغادرت المنزل في ذلك البرد القارس. وربما فطن هو إلى ذلك؛ لذا راح يتحدث عن عمليات رأب الصدر، وكيف أنها ليست سهلةً على المريض مثل انكماش الرئة أو انخماصها وغير ذلك من الأمور المعروفة جميعها حتى لدى أبقراط. كما أن استئصال أحد فصوص الرئة أصبح أيضًا أمرًا معروفًا وشائعًا في الآونة الأخيرة.

قلت: «لكنْ أَلَا تفقد بعضًا منهم؟»

لا بد أنه اعتقد أن الوقت مناسب للمزاح ثانية.

قال: «بالطبع، إنهم يهربون ويختبئون وسط أشجار الغابة، ونحن لا ندري إلى أين يذهبون، أو إنْ كانوا يقفزون في البحيرة. أم أنكِ تقصدين أنَّ منهم مَن يُتوفَّى؟ هناك حالات لا تنجح. نعم.»

لكنه أضاف أننا في طريقنا لاكتشافات كبيرة؛ فالطريقة التي تُجرى بها العمليات ستصبح قديمةً كطريقة الفصد؛ فهناك عقار جديد في طريقه للظهور، وهو عقار الستربتوميسين، الذي كان في مرحلة التجربة. وكانت هناك بعض المشكلات التي يسبِّبها وهذا أمر طبيعي؛ فهو يؤدي إلى تسمُّم الجهاز العصبي. لكن بالقطع ستكون هناك طريقة لتلافي ذلك.

«سيفقد بعض الجراحين أمثالي وظائفَهم بسبب تلك الاكتشافات.»

غسَلَ الأطباق وجففتُها أنا، وقد وضَعَ مئزرًا حول خصري حتى لا يتسخ ثوبي، وعندما عَقَدَ طرفَيْ رباط المئزر جيدًا، وضع يدَه أعلى ظهري. شعرت بضغطة يده وملمس أصابعه المتفرقة؛ ربما كان يتفحَّص جسدي بطريقة ماهرة. وعندما أويت إلى الفراش في تلك الليلة، كنتُ لا أزال أستشعر ضغطةَ يده هذه، وشعرتُ كيف أن قوتها قد زادت بدءًا من إصبع الخنصر وحتى إصبع الإبهام. لقد استمتعت بذلك؛ كان ذلك بالنسبة إليَّ في واقع الأمر شيئًا أهم من تلك القبلة التي طبعها على جبيني فيما بعدُ، في اللحظة التي سبقَتْ مغادرتي لسيارته. كانت قبلةً جافةً سريعة ورسمية، أعطاني إياها على عجل.

•••

رأيت مفتاح منزله ملقًى على أرض غرفتي؛ فقد دسَّه من أسفل الباب عندما كنتُ خارج الغرفة، لكني لم أستطع استخدامه على أية حال. لو أن أحدًا آخَر قدَّمَ لي ذلك العرض، لَكنتُ قَبِلت تلك الفرصةَ على الفور، خاصةً إنْ كانت هناك مدفأة؛ لكنْ في تلك الحالة، فإن تعامُلَه السابق والمستقبلي سينزع كلَّ الشعور العادي بالارتياح من الموقف، ويستبدل به نوعًا من المتعة المحدودة والمُجهِدة للأعصاب بدلًا من أن تكون كبيرة؛ فلن أتوقَّف عن الارتعاد حتى عندما لا تكون هناك برودة، ولا أدرى إنْ كنت سأستطيع قراءةَ ولو كلمة واحدة من تلك الكتب.

•••

ظننتُ أن ماري قد تظهر كي توبِّخني بسبب عدم حضوري لمسرحية «بينافور»، وفكَّرتُ أن أقول لها إنني لم أكن على ما يرام، وإنني قد أُصِبت بنزلة برد، لكني سرعان ما تذكَّرْتُ أن نزلات البرد كانت بالأمر الخطير في هذا المكان؛ حيث يستوجب ذلك ارتداءَ الأقنعة واستخدام المطهرات والإقصاء. وسرعان ما أيقنتُ أنه لا فائدةَ من إخفاء زيارتي لمنزل الطبيب بأي حال من الأحوال؛ فلم تَخْفَ الزيارة على أحد، حتى بالطبع عن الممرضات اللائي لم يتفوَّهن بكلمة بشأنها، وذلك إما بسبب الغطرسة والتحفُّظ الشديدين من جانبهن، وإما لأن مثل هذه الأشياء لم تَعُدْ تثير اهتمامَهن، لكن الممرضات المساعدات تعمَّدْنَ إغاظتي.

«هل استمتعتِ بطعام العشاء الليلةَ السابقة؟»

لكنْ كانت نبرةُ صوتهن ودودةً، وبَدَا أن الأمر يروق لهن، وكأنما اتَّحَدَ أسلوبي الغريب مع طريقة الطبيب الغريبة التي يألفونها، بل يكنون لها أيضًا كلَّ احترامٍ، وكان هذا شيئًا جيدًا ويصبُّ في مصلحتي. وارتفعت أسهمي في المكان؛ فقد أصبحتُ الآن — بغضِّ النظر عمَّا كنتُ قبلَ ذلك — امرأةً لها رجلٌ يهتمُّ بها.

لم تظهر ماري طوال الأسبوع.

•••

«موعدنا السبت القادم.» كانت تلك هي الكلمات التي قالها حتى قبل أن يشرع في تقبيلي، وهكذا انتظرتُ ثانيةً عند الشرفة الأمامية، لكنه لم يتأخَّر عن موعده هذه المرة. استقلَلْنا السيارةَ حتى منزله، واتجهتُ أنا صوبَ الغرفة الأمامية بينما كان يُشعل النيران في المدفأة، ولمحت هناك المدفأةَ الكهربائية التي علاها الغبار.

قال: «إنك لم تَقْبَلي عرضي. هل جال بخاطرك أنني لم أكن أعني ما أقول؟ إنني دائمًا أعني ما أقول.»

قلت له إنني لم أرغب في الذهاب إلى البلدة خشيةَ أن أقابل ماري.

«لأنني لم أحضر العرضَ المسرحي الذي قدَّمَتْه.»

قال: «هذا إذا كنتِ سترتبين حياتك وفقًا لما يناسب ماري.»

كانت قائمة الطعام هي تقريبًا نفس القائمة السابقة؛ قطع لحم خنزير، وبطاطس مهروسة، وذرة معلَّبة بدلًا من البازلاء المعلَّبة. وقد سمح لي هذه المرة أن أساعده في المطبخ، بل طلَبَ مني أيضًا أن أعدَّ المائدةَ.

قال: «بمقدورك أن تعرفي أماكن الأشياء أيضًا، وأعتقد أن كل الأشياء تقريبًا في أماكنها المنطقية.»

كان هذا يعني أنني يمكنني أن أراه وهو يعدُّ الطعامَ أمام الموقد. تولَّدَ بداخلي تتابُعٌ من الحرارة والبرودة وأنا أشاهِدُه وهو يعمل في سلاسةٍ وتركيزٍ ويتحرك بخطوات قليلة ومحددة.

لم نَكَدْ نبدأ في تناول الطعام حتى سمعنا قرعًا على الباب. نهض من مكانه وجذب مزلاجَ الباب، فوجدنا ماري تندفع إلى الداخل.

كانت تحمل صندوقًا من الكرتون وضعَتْه على المائدة، ثم خلعت معطفها وظهرت في رداءٍ يمزج بين اللونين الأحمر والأصفر.

قالت: «عيد حب سعيد، وإنْ كان متأخرًا. بما أنكَ لم تأتِ لحضور العرض، فقد أحضرت أنا العرض إليك. كما أحضرتُ لك هديةً في هذا الصندوق.»

ساعَدَها توازُنها الرائع على أن تقف على قدم واحدة، بينما ركلت إحدى فردتَيْ حذائها العالي الرقبة بالقدم الأخرى، وهكذا فعلت بالفردة الثانية؛ حيث غيَّرَتِ الوضعَ ووقفَتْ على القدم الأخرى. ثم أزاحتهما بعيدًا عن طريقها وراحت تثب وتدور برشاقةٍ حول المائدة، وتشدو في نفس الوقت بصوت يافع شجي، لكنه مليء بالحيوية، قائلةً:

يدعونني باتركاب الصغيرة،
باتركاب الصغيرة المسكينة،
بالرغم من أني لا أدري لِمَ يدعونني هكذا.
لكنهم لا يزالون يدعونني باتركاب
باتركاب الصغيرة المسكينة
عزيزتي باتركاب الصغيرة إنني …

نهض الطبيب من مكانه حتى قبْلَ أنْ تشرع ماري في الغناء. كان يقف أمام الموقد منهمكًا في تقليب شرائح اللحم الموضوعة داخل المقلاة.

صفقتُ لها قائلةً: «يا له من ثوب رائع!»

وكان حقًّا هكذا؛ فقد كانت ترتدي تنورةً حمراء وتنورةً تحتية ذات لون أصفر زاهٍ، ومئزرًا أبيض يهتزُّ مع حركته، وصدرية مطرزة.

«لقد صنعَتْه لي أمي.»

«وهل هي التي قامت بالتطريز أيضًا؟»

«بالطبع، لقد ظلَّتْ مستيقظةً حتى الرابعة صباحًا حتى تستطيع الانتهاء منه في الليلة السابقة على العرض.»

وراحت تقوم ثانيةً بحركات دائرية وتسير ببطء كي تعرضه أمامي. سمعتُ رنينَ صوت الأطباق وهو يجذبها من فوق الأرفف، وصفقتُ ثانيةً بحماس. ولم تكن كلتانا تريد سوى شيء واحد فقط؛ وهو أن يستدير الطبيب نحونا ويتوقف عن تجاهلنا. كنا نبغي أن يتفوَّه بكلمة واحدة لطيفة وإنْ كانت على مضض.

قالت ماري: «انظري ماذا هناك أيضًا من أجل عيد الحب.» ثم فتحت الصندوق الذي كان بداخله بعض كوكيز عيد الحب، التي كانت كلها على شكل قلوب صغيرة ومغطَّاة بطبقة سكرية كثيفة ذات لون أحمر.

قلت: «يا لروعتها!» وواصلَتْ ماري رقصاتها وهي تغني قائلةً:

أنا قبطان بينافور.
قبطان طيب حقًّا!
وَلْتعلموا أنكم طيبون بشدة،
فأنا أقود طاقمًا رائعًا جدًّا.

استدار الطبيب نحونا أخيرًا فحيته ماري.

قال: «حسنًا، هذا يكفي.»

لكنها تجاهلته وواصلت قائلةً:

ثم فَلْتهلِّلوا ثلاثًا، ثم مرة أخرى
من أجل قبطان بينافور الجسور …

«قلتُ كفى.»

«من أجل قبطان بينافور الباسل …»

«ماري نحن نتناول عشاءنا، وأنت لستِ بمدعوَّة، هل تفهمين ذلك؟ لستِ بمدعوَّة.»

هدأتْ أخيرًا، بَيْدَ أن ذلك الهدوء لم يستمر إلا للحظة واحدة.

«ما هذا السخف؟ أنت لست بشخصٍ لطيف على الإطلاق.»

«كما يمكنك أن تتخلي عن هذه الكوكيز؛ بل عليكِ أن تمتنعي عن تناول الكوكيز كليةً؛ فأنتِ في طريقك لأن تصبحي بدينةً مثل الخنزير الصغير.»

امتعَضَ وجهُ ماري بشدة وكانت على وشك البكاء، لكنها قالت بدلًا من ذلك: «انظروا مَن الذي يتحدَّث؛ فكلُّ عين من عينَيْك تنظر في اتجاهٍ مختلِف.»

«يكفي هذا.»

«هما هكذا بالفعل.»

التقط الطبيب حذاءها العالي الرقبة ووضعه أمامها.

«ارتدِ هذا.»

فعلَتْ ما قاله لها وكانت الدموع تملأ عينَيْها وراح أنفها يسيل، وأخذت تتنشَّق بقوة. أحضر لها معطفها، لكنه لم يعاوِنها على ارتدائه بينما مدَّتْ هي يدها ووجدت طريقها إلى أزراره.

«لقد نجحتِ في ارتدائه. والآن، كيف أتيتِ إلى هنا؟»

رفضَتِ الإجابة.

«لقد جئتِ سيرًا على الأقدام، أليس كذلك؟ أين أمك؟»

«تلعب اليوكر.»

«حسنًا، يمكن أن أصطحبك إلى المنزل بسيارتي، حتى لا يكون هناك احتمالُ أن تندفعي باتجاه كومة ثلجية وتسقطي وتتجمدي حتى الموت وأنت تشعرين بأنك ضحية.»

لم أتفوَّه بكلمة، ولم تنظر ماري نحوي ولو مرة واحدة؛ فقد كانت اللحظةُ صادمةً ولا تحتمِل أيَّ عباراتِ وداعٍ.

وعندما ترامى إلى مسامعي صوتُ السيارة وهي تدور، شرعت في رفع الأطباق عن المائدة. لم نتناول التحليةَ التي كانت فطيرة تفاح أيضًا. ربما لم يكن يعرف نوعًا آخَر من التحلية، أو ربما لم يكن لدى الخبَّاز سوى ذلك الصنف فقط.

أخذتُ واحدةً من الكوكيز التي على شكل قلب وتناولتُها، كانت الطبقة السكرية شديدةَ الحلاوة، ولم تكن لها نكهة الكريز أو التوت؛ مجرد سكر ولون أحمر صناعي. تناولتُ واحدةً تلو الأخرى.

كنت أعرف أنه كان يجب عليَّ أن أودِّعها على الأقل، كان ينبغي أن أشكرها، لكن لم يكن ذلك يمثِّل أهميةً. حدَّثْتُ نفسي قائلةً إن ذلك لم يكن ليمثِّل أهميةً في شيء، فالعرض الذي أدَّتْه لم يكن من أجلي على أية حال، أو بالأحرى، جزءٌ صغيرٌ منه فقط كان من أجلي.

لقد كان قاسيًا معها. لقد صدمتني قسوته الشديدة تلك، وخاصةً تجاهَ شخصٍ في شدة الاحتياج لمعامَلةٍ طيبةٍ، لكنه فعل ذلك لأجلي، حسبما أرى؛ وذلك حتى لا يقتطع أحدٌ جزءًا من الوقت الذي يمضيه معي. لقد أشبعَتْ تلك الفكرةُ غروري، وشعرتُ بالخجل إزاء شعوري هذا، ولم أكن أدري ماذا كنتُ سأقول له عند عودته.

لم يكن يريدني أن أتفوَّه بشيء، بل قادني نحو الفراش. هل كان هذا أمرًا أعَدَّ له مسبقًا، أم أنه وليد اللحظة وقد كان مفاجئًا له مثلما كان بالنسبة إلي؟ لم تَبْدُ عذريتي على الأقل مثارًا لدهشته على الإطلاق؛ فقد أحضَرَ منشفةً وواقيًا ذكريًّا، وعزم على أن تسير الأمور بسلاسةٍ قدرَ المستطاع. ربما كانت رغبتي المحمومة بمنزلة مفاجأة لكِلَيْنا؛ فقد اتضح أن الخيال قد يكون جيدًا ومهمًّا كاستعدادٍ، مثله مثل التجربة تمامًا.

قال: «إنني أنوي الزواجَ منك.»

قبل أن يصطحبني إلى المنزل ألقى كل الكوكيز؛ ألقى كلَّ تلك القلوب الحمراء وسطَ الثلوج من أجل إطعام الطيور في ذلك الشتاء القارس.

•••

وهكذا تم الاتفاق بيننا على الأمر؛ فأصبحت خطوبتنا المفاجئة، بالرغم من تحفُّظه بعضَ الشيء على تلك الكلمة، حقيقةً واقعةً يعرفها كلانا فقط، فلم يكن عليَّ أن أكتب لجدي وجدتي لأخبرهما بذلك. وكان الزفاف سيتم حالما يستطيع هو أن يأخذ راحة لمدة يومين متتاليَيْن، وقال إن حفل الزفاف سيكون بسيطًا خاليًا من أية بهرجة. وكان عليَّ أن أتفهَّم أن فكرة إقامة حفل زفاف هي فكرة لا تروق له وليس على استعدادٍ لقبولها؛ ذلك لأن الحفل كان سيقام في حضور بعض الأشخاص الذين لا تحظى أفكارُهم باحترامه، والذين كانوا سيتغامزون علينا ويتصنَّعون الضحك أمامنا.

ولم يكن يفضِّل أيضًا الخواتم الماسية، وأخبرتُه أنني لم أكن لأرغب في واحد منها على الإطلاق، وكنت كذلك بالفعل، لأنني لم أفكر فيه قطُّ من قبلُ. أخبرني أن هذا شيء جيد؛ فقد كان يعلم أنني لستُ من ذلك النوع من الفتيات التقليديات الحمقاوات.

وقال إن من الأفضل أن نتوقَّف عن تناول العشاء معًا؛ ليس فقط بسبب الأحاديث التي ستدور حولنا، لكن لأنه من الصعب الحصول على لحم يكفي فردَيْن من خلال بطاقة طعام واحدة. ولم تكن البطاقة الخاصة بي متاحةً؛ حيث سلَّمْتُها للمسئولين عن المطبخ — أيْ لوالدة ماري — بمجرد أن شرعتُ في تناوُل الطعام في المصحة.

فمن الأحرى ألَّا نجذب أنظارَ الآخرين إلينا.

•••

بالطبع ارتاب الجميع في وجود علاقةٍ بيننا؛ فلقد أصبحَتِ الممرضات الأكبر سنًّا يعامِلْنَني بودٍّ، حتى رئيسة الممرضات كانت تبتسم في وجهي ابتسامةً واهنة تعبِّر عن الامتعاض. وكنتُ أتأنَّق على نحوٍ بسيط دون أنْ أقصد شيئًا من وراء ذلك. وكنت أحيط نفسي بإطار من السكينة والهدوء، وأتحدث دومًا وأنا أخفض بصري. ولم يَجُلْ بخاطري مطلقًا أن أولئك الممرضات كنَّ ينتظرن ليريْنَ أي منعطف يمكن أن تأخذه تلك العلاقة، وأنهن كنَّ على استعدادٍ أن يَعُدْنَ إلى سابقِ عهدهن من التظاهُر بالورع إنْ قرَّرَ الطبيب أن يهجرني.

أما الممرضات المساعدات، فقد كنَّ في صفي بكل ما أوتين من قوة، وكنَّ يمزحْنَ بأنهن كنَّ يرين أجراسَ زفافٍ وهنَّ يتطلَّعْنَ إلى أوراق الشاي في قدحي؛ وذلك تيمُّنًا بزفافي.

كان شهر مارس شهرًا كئيبًا ومزدحمًا بكثير من العمل في المستشفى. كانت الممرضات المساعدات يقلن إنه دومًا أسوأ الشهور وتحدث خلاله المشاكل والمتاعب. ولأسباب عدة، كان الناس يعتقدون أنهم سيموتون فيه، وذلك على الرغم من أنهم استطاعوا تجاوُزَ أزماتهم الصحية في فصل الشتاء. ولو حدث أن تغيَّبَ أحد الأطفال في الفصل الدراسي، فلم أكن أدري حينها إنْ كان هذا معناه أن حالته قد ازدادَتْ سوءًا على نحوٍ مفاجئ، أم أنهم جعلوه يرتاح في سريره لأن هناك شكًّا في إصابته بنوبة برد. كانت لديَّ سبورة متنقلة أدوِّن على جوانبها أسماء الأطفال، ولم أَعُدِ الآنَ أضطر لمحو أسماء الأطفال الذين كان يطول غيابهم؛ إذ كان يقوم بذلك بعض الأطفال الآخَرين دون أن يخبروني؛ فقد كانوا يتفهمون جيدًا القواعدَ التي كان لا يزال عليَّ تعلُّمها.

وأخيرًا سنح الوقت للطبيب بأن يقوم ببعض ترتيبات الزفاف؛ فقد دسَّ رسالة قصيرة أسفل باب حجرتي يخبرني فيها بأنه عليَّ أن أستعِدَّ للزواج بحلول الأسبوع الأول من شهر أبريل؛ فقد كان بمقدوره أخذ يومين راحة، ما لم تطرأ أي أزمات ومشاكل حقيقية في المستشفى.

•••

سنتجه إلى هنتسفيل.

سنذهب إلى هنتسفيل، وهي المدينة التي ستشهد زفافنا.

بدأنا ذلك اليوم الذي أثق تمامًا أنني سأظل أذكره طوال حياتي. أرسلتُ ثوبي الأخضر المصنوع من قماش الكريب لكي يُنظَّف تنظيفًا جافًّا، ولففتُه بعناية ووضعته في حقيبة الرحلات القصيرة؛ فقد علَّمَتْني جدتي ذات يوم حيلةً للفِّ الثياب بعناية، وهي أفضل من طيِّها تلافيًا لتجعُّدها. وهكذا اعتقدتُ أنه كان عليَّ أن أغيِّر ملابسي في أي حمامٍ في مكانٍ ما. رحت أرقب الطريق لأرى إنْ كانت هناك بعض الزهور البرية التي ربما ظهرَتْ قبل أوانها، وذلك حتى أتمكَّن من قطف بعضها لأصنع منه باقة. هل كان سيوافق هو على أن أحمل باقة من الزهور؟ لكنْ على أية حال كان الوقت مبكرًا جدًّا حتى لنمو زهور أذريون الماء، ولم يكن المرء ليرى شيئًا على ذلك الطريق الخالي المتعرج سوى أشجار التنوب المارياني الرفيعة، ومساحات ممتدة من نبات العرعر وبعض المستنقعات. وتناثرت بصورة عشوائية عبر الطريق بعض الكتل الصخرية التي ألفتُ رؤيتَها هنا، والتي كانت أرصفة صخرية مائلة من الجرانيت ملطخة باللون الأحمر.

كان الراديو يذيع موسيقى حماسية؛ حيث كانت قوات الحلفاء تتقدَّم أكثر فأكثر نحو برلين. وقال الطبيب، الذي كان اسمه الأول أليستر، إنهم يتأخرون في تقدُّمهم حتى يسمحوا للروس أن يدخلوا أولًا. وأضاف أنهم سيندمون على ذلك.

والآن وبعد أن ابتعدنا كثيرًا عن أمندسون، كان بإمكاني أن أناديه بأليستر. كانت هذه هي أطول رحلة قطعناها معًا بالسيارة، وقد أثارني تجاهُله الذكوري لوجودي — الذي كنتُ أدري تمامًا بأنه سرعان ما كان سينقلب إلى النقيض — وراقَتْ لي مهارته الطارئة في القيادة. وأثارتني أيضًا حقيقة كونه جراحًا بالرغم من أنني لم أكن لأعترف بذلك، ولكني كنت أعتقد في تلك اللحظة أنني على استعدادٍ لأَنْ أسلِّم نفسي له في أي مستنقع، أو حتى في حفرة موحلة، أو أنْ أشعر باحتكاك عمودي الفقري بأيٍّ من الصخور المترامية على جانبَي الطريق، إنْ أراد هو مضاجعتي. كنت أدرك أيضًا أنه كان يجب عليَّ أن أحتفظ بتلك المشاعر لنفسي.

تحوَّلْتُ للتفكير في المستقبل. توقَّعْتُ بمجرد وصولنا إلى هنتسفيل أننا سنذهب إلى أحد القساوسة، ونقف حينها جنبًا إلى جنب في إحدى غرف المعيشة التي ستشبه في روعتها شقة جدي وجدتي، وأجمل غرف المعيشة التي عرفتُها طوال حياتي. إنني أتذكر تلك الأوقات التي كان يُستدعَى فيها جدي ليقوم بطقوس الزفاف حتى بعد تقاعده، وكيف كانت جدتي تضع بعضًا من البودرة الحمراء على وجنتيها، وترتدي سترتها المزينة بالدانتيل ذات اللون الأزرق الداكن التي تدَّخِرها لمثل هذه المناسبات.

لكنني اكتشفتُ أن هناك طرقًا أخرى للزواج، واكتشفتُ إحساسًا بالنفور تجاه عريسي لم أتبيَّن كُنْهَه؛ فهو لم يكن يريد أن يتم الزواج على يد أحد القساوسة، بل من المفترض أننا كنا سنملأ في مبنى بلدية هنتسفيل نموذجَيْن نتعهَّد فيهما أننا لسنا متزوِّجين، ونأخذ موعدًا للزواج على يد قاضي صلحٍ في وقت لاحق من نفس اليوم.

حلَّ موعد الغداء، وتوقف أليستر خارج مطعم يشبه تمامًا ذلك المقهى المتواجِد في أمندسون.

«هذا سيفي بالغرض.»

لكنَّ نظرةً واحدة إلى وجهي جعلَتْه يغيِّر رأيه على الفور.

قال: «أنتِ لا تريدين هذا، أليس كذلك؟ حسنًا.»

وانتهى بنا الأمر إلى تناول الغداء في الشرفة الأمامية الباردة لأحد المطاعم الأنيقة التي تعلن عن تقديم وجبات دجاج للعشاء. كان الطعام باردًا جدًّا، ولم يكن ثمة أحدٌ آخر يتناول عشاءَه سوانا، ولم يكن بالمكان أي صوت موسيقى آتٍ من الراديو؛ فلم يوجد سوى رنين أدوات المائدة وهي تصطَكُّ بعضها ببعض ونحن نحاول أن نقطع أجزاء الدجاج الجامدة العصية على المضغ. كنت أثق تمامًا بأنه كان يحدِّث نفسه بأن المطعم الأول الذي اقترَحَه كان أفضل حالًا بكثيرٍ من ذلك المكان.

ومع هذا كان لديَّ من الشجاعة ما جعلني أسأله عن مكان حمام السيدات، وهناك أخرجتُ ثوبي الأخضر وارتديته وسط ذلك الهواء البارد الذي كان يفوق في برودته هواءَ الشرفة الأمامية مما يثبط من عزم المرء، ووضعتُ طلاءَ شفاه مرةً أخرى، وأصلحتُ من هيئة شعري.

عندما عدت إلى الشرفة مرة أخرى نهض أليستر من مكانه لتحيتي وهو يبتسم ويمسك يدي بقوة ويخبرني بمدى جمالي.

اتجهنا بخطًى هادئة نحو السيارة مرةً أخرى، وكان كلٌّ منَّا يُمسِك بيدِ الآخَر. فتح لي باب السيارة وأدخلني وذهب نحو الباب الآخَر، ودلف للداخل واستقرَّ خلف عجلة القيادة ووضع المفتاح وأدار محرك السيارة، ثم ما لبث أن أوقفه ثانيةً.

كانت السيارة تقف أمام متجر الأدوات المعدنية. كانت هناك تخفيضات على مجارف إزالة الثلوج حيث كانت تباع بنصف الثمن، وكانت لا تزال هناك لافتة تقول إنه يمكن شَحْذ المزالج بداخل المتجر.

على الجانب الآخر من الطريق كان يوجد منزل خشبي مطلي بطلاء أصفر زيتي، كانت درجات سُلَّمه الأمامي متهالكةً وغيرَ آمنة للصعود، وقد ثُبِّتت في مكانها باستخدام لوحَيْن من الخشب موضوعَيْن على شكل حرف إكس.

كانت الشاحنة التي تقف أمام سيارة أليستر من طراز السيارات التي صُنِعت في فترة ما قبل الحرب، وكانت ذات دواسة جانبية، وقد علت رفارفَها طبقةٌ من الصدأ. غادَرَ المتجرَ رجلٌ كان يرتدي رداءَ عملٍ ودلف إلى الشاحنة، وبعد عدة محاولات ومقاوَمة من جانب المحرك أعقبَتْها بعض الأصوات والاهتزازات، انطلق بها بعيدًا. ظهرت الآن إحدى شاحنات التوصيل التي تحمل اسم المتجر، وحاولَتْ أن تقف في المكان الذي أصبح شاغرًا الآن. لم تكن هناك مساحة كافية تتسع لوقوفها، فغادَرَ السائق الشاحنةَ واتجه نحونا وأخذ يطرق زجاجَ سيارة أليستر. تفاجَأَ أليستر؛ ولو لم يكن يتحدَّث معي بجدية، لَكان قد لاحَظَ المشكلة من قبلُ. فتح زجاجَ السيارة وقال له الرجل إننا إذا كنا نركن في هذا المكان بغيةَ شراء شيء من المتجر، فلا مانع، وإن لم يكن الأمر كذلك، فهو يرجونا أن نترك المكان.

قال أليستر، ذلك الرجل الذي كان يجلس بجواري والذي كان يعتزم الزواج مني، أما الآن فلم يكن ينوي الإقدام على ذلك: «لقد كنا على وشك الرحيل.»

«كنا!» لقد قال «كنا.» وللحظة توقفت عند تلك الكلمة، ثم دار بخلدي أنها قد تكون المرة الأخيرة؛ المرة الأخيرة التي ستحتويني صيغة الجمع التي يتفوَّه بها.

لكن لم تكن كلمة «كنا» هي ما يهم، ولم تكن هي التي خبرتني بالحقيقة، لكنها النبرة الذكورية التي كان يتحدث بها إلى السائق، بجانب اعتذاره الهادئ والمنطقي. كنت أتمنى الآن لو نعود إلى ما كان يقوله قبل ذلك، عندما لم يلاحظ حتى تلك الشاحنة وهي تحاول أن تركن؛ فما قاله حينها كان فظيعًا، لكنَّ إمساكَه المحكم بعجلة القيادة وشرودَه وصوتَه كانت جميعها أشياء تشي بما داخله من ألم. لم يكن يهمني ما قاله وما كان يعنيه؛ فقد كان حديثه نابعًا حينها من نفس المكان السحيق الذي تحدَّثَ منه عندما كان معي في الفراش، لكنه لم يكن هكذا الآن بعدما تحدَّثَ إلى رجل آخَر. أغلَقَ زجاج السيارة وأولى اهتمامه للسيارة كي يُخرِجها من تلك المساحة الضيقة وينقلها إلى مكانٍ لا تحتكُّ فيه بالشاحنة.

وبعد لحظةٍ شعرتُ أنني كنت سأسعد حتى بالعودة إلى ذلك الوقت الذي أدار خلاله عنقَه للخلف كي يرى ما وراءه؛ فذاك أفضل من القيادة، حيث إنه كان يقود الآن، عبر شارع هنتسفيل الرئيسي كما لو أنه لم يكن هناك المزيد ليقوله أو يقدِّمه.

قال حينها إنه لا يستطيع القيام بذلك.

أخبرني أنه لا يستطيع إتمام الأمر.

وليس بمقدوره شرح الأسباب.

إنه مجرد خطأ.

اعتقدت أنني لن أتمكن مطلقًا من النظرِ إلى أي أحرف متعرجة تشبه تلك الموجودة في اللافتة التي تشير إلى إمكانية شحذ المزالج بالمتجر، أو النظرِ إلى الألواح الخشبية القوية التي تُثبت على شكل حرف إكس كتلك المثبتة على درجات المنزل الأصفر المواجه للمتجر؛ دون أن أسمع صوته.

«سأصطحبك بالسيارة إلى المحطة الآن، وسأشتري لك تذكرةً إلى تورونتو، وإنني واثقٌ من أن هناك قطارًا متجهًا إلى تورونتو في وقت متأخر من بعد ظهيرة اليوم. وسأختلق قصةً مقبولةً جدًّا لأجعل أحدهم يحزم أشياءك، وَلْتعطيني عنوانك في تورونتو؛ فأنا لا أعتقد أنني قد احتفظتُ به. أوه، وسأكتب توصيةً عنك؛ فقد أدَّيْتِ عملًا جيدًا. صحيح أنك لم تُنْهِي الفصلَ الدراسي على أية حال، لكني لم أخبرك بعدُ بأن الأطفال سيُنقَلون؛ فكلُّ أنواع التغييرات الكبرى تتمُّ في وقتٍ واحد.»

تغيَّرَتْ نبرةُ صوته لنبرةٍ جديدة تعبِّر عن ثقةٍ في النفس؛ نبرةٍ قاسية من الارتياح. كان يحاول أن يكبح جماحَ ذلك ولا يعبِّر عن ارتياحه حتى أنصرف.

أخذت أتطلع إلى الشوارع، وكان الأمر أشبه بمَن يُساق إلى مكان إعدامه. لا ليس بعدُ، بعد فترة قليلة. ولم تكن هذه هي المرة الأخيرة التي أسمع صوته فيها. ليس بعد.

لم يكن بحاجةٍ لأنْ يسأل عن الطريق، وتساءلتُ بصوتٍ عالٍ إنْ كان قد اصطحَبَ العديدَ من الفتيات إلى محطة القطار من قبلُ.

قال: «لا تنظري للأمور على هذا النحو.»

بدا لي كل منعطف نمر به وكأنه يحطِّم ما تبقَّى من حياتي.

كان هناك قطار متجه إلى تورونتو في الخامسة مساءً. طلب مني أن أنتظر في السيارة بينما ذهب هو كي يتحقَّق من الموعد. عاد وهو يحمل التذكرة في يده وخُيل إليَّ أنه كان يخطو بخطوات أكثر خفةً، ولا بد أنه لاحَظَ ذلك؛ حيث أصبحت خطواته أكثر رصانةً حين أخذ يقترب من السيارة.

«إن الطقس لطيف ودافئ في المحطة، وهناك غرفة انتظار خاصة للسيدات.»

وفتح لي بعدها باب السيارة.

«أم تفضِّلين أن أنتظر وأودِّعك؟ ربما يكون هناك مكانٌ يمكننا أن نتناول فيه فطيرة تفاح شهية؛ فقد كان العشاء الذي تناولناه فظيعًا.»

أثارني حديثه هذا بعض الشيء، فغادرتُ السيارة وتقدَّمْتُه في السير نحو المحطة، وأشار إلى غرفة انتظار السيدات. تفاجأ بما فعلتُ وحاوَلَ أن يمزح معي للمرة الأخيرة.

«ربما في يومٍ من الأيام تعتبرين أن هذا اليوم هو واحدٌ من أكثر أيام حياتك حظًّا.»

•••

وقع اختياري في غرفة الانتظار على مقعد كان يواجه أبواب المحطة الأمامية؛ حتى يمكنني رؤيته إنْ عاد مرةً أخرى؛ فربما يعود ليخبرني أن ما فعله كان مجرد مزحة، أو هو نوع من الاختبار لي تمامًا كما يحدث في بعض المسرحيات التي تعود للقرون الوسطى.

أو ربما غيَّرَ رأيه بعدما قاد سيارته عبر الطريق السريع، ورأى ضوء شمس الربيع وهي تُلقِي بضوئها الخافت على الصخور التي كنا نشاهدها معًا منذ وقت قريب، وبمجرد أن أدرك مدى حماقته تراجَعَ في منتصف الطريق وعاد إليَّ مُسرِعًا.

مرت ساعة على الأقل قبل دخول قطار تورونتو إلى المحطة، لكنني بالكاد شعرت بما مر من وقت، وما زالت الخيالات تجتاح عقلي إلى الآن. صعدتُ على متن القطار كما لو أن هناك قيودًا تكبِّل كاحليَّ. ألصقتُ وجهي بالنافذة وأخذتُ أتطلَّع إلى رصيف المحطة حيث كانت الصافرة تُعلِن عن رحيل القطار. حتى في تلك اللحظة، قد لا يكون الأوان قد فات كي أقفز من القطار؛ أقفز بحرية وأهرول عبر المحطة إلى الشارع حيث ركن سيارته لتوِّه وراح يصعد الدَّرَج معتقِدًا هو الآخَر أن الوقت لم يَفُتْ، ويبتهل بألا يكون قد فات الأوان بالفعل.

وأركض كي ألتقي به، فلم يَفُتِ الأوان بعدُ.

ما كل هذا الهرج والصياح والصراخ الذي لم يكن صادرًا عن شخص واحد بل مجموعة من الأشخاص المتأخرين وهم يتخبطون بين المقاعد. كانوا مجموعة من فتيات المدرسة الثانوية في زيهن الرياضي، ولم يأبهن بما يسبِّبْنَه من إزعاج. شعر المحصل بالاستياء وحثَّهن على الإسراع بالجلوس بينما كنَّ يندفعْنَ نحو مقاعدهن.

كانت ماري واحدة منهن، وأغلب الظن أنها كانت أعلاهن صوتًا.

أَدَرْتُ رأسي ولم أنظر نحوهن ثانيةً.

لكنْ ها هي تناديني باسمي وتريد أن تعرف أين كنت.

أخبرتها بأنني كنت في زيارة لإحدى صديقاتي.

ألقَتْ بنفسها بجواري وأخبرتني بأنهن كنَّ يلعبْنَ مباراةً في كرة السلة ضد فريق هنتسفيل، وكانت المباراة ممتعة وقد خسرْنَها.

صاحت في سرور واضح: «لقد هُزِمنا، أليس كذلك؟» وهمهمت الفتيات في حزنٍ وبعدها انفجرْنَ في الضحك. ثم ذكرَتِ النتيجةَ التي كانت مخزيةً جدًّا بالفعل.

قالت: «إنك في كامل هيئتك.» لكنها لم تكترث كثيرًا بما قلته، وبَدَا أنها لم تُظهِر اهتمامًا حقيقيًّا بما قدَّمْتُه من أسباب.

وبالكاد لاحظت أنني قلتُ إني ذاهبة إلى تورونتو كي أزور جدي وجدتي، فقط لتشير إلى أنهما بالقطع طاعنان في السن. لم تتفوَّه بكلمةٍ عن أليستر، حتى ولو كلمة سيئة. إنها لم تكن لتنسى ما حدث، لكنها فقط طَوَتْ ذلك المشهد ووضعته في خزانة مع ما صادفَتْه في حياتها من قبلُ، أو ربما كانت من ذلك النوع من الأشخاص الذين بمقدورهم التعامُل بعدم اكتراثٍ مع أي مهانة.

إنني ممتنة لها الآن حتى لو لم يكن بمقدوري أنْ أشعر بذلك حينها. إذا كنتُ قد سافرت بمفردي، فماذا كان يمكن أن أفعل عندما نصل إلى أمندسون؟ ماذا لو قفزتُ وغادرتُ القطار وهرعتُ إلى منزله وطلبتُ أن أعرف لِمَ فعل ذلك، لِمَ! كان سيصير عارًا عليَّ إلى الأبد. أمهلَتِ المحطةُ الفتيات بالكاد وقتًا كافيًا كي يلملمن أنفسهن وينقرن على النوافذ كي ينبِّهْنَ مَن جاءوا لتوصيلهن لأماكن وجودهن، بينما حذَّرَهنَّ المحصلُ من أنه إذا لم يُسرِعْنَ فسيحملهن القطار نحو تورونتو.

•••

ظللتُ لسنوات أعتقد أنه ربما ألتقي به مصادفةً. لقد عشتُ وما زلت أعيش في تورونتو. كان يُخَيَّل إليَّ أن كل شخص ينتهي به المطاف في تورونتو حتى ولو لفترة قصيرة، لكنَّ ذلك كان يعني أنك سترى ذلك الشخص لو أنك ترغب في هذا بأي حالٍ من الأحوال.

وها هو قد حدث أخيرًا. كنتُ أعبر طريقًا مزدحمًا حيث لا يمكنك حتى أن تبطئ من خطاك، كنا نسير في اتجاهين معاكسين. وقد كانت النتيجة، في نفس اللحظة، صدمة قوية ارتسمت على وجهَيْنا اللذين حفر الزمان آثارَه عليهما بشدة.

رفع صوته قائلًا: «كيف حالك؟» فأجبته: «بخير.» ثم أضفتُ قائلةً: «وسعادة.»

في تلك اللحظة كان ذلك صحيحًا بوجه عام فقط؛ فقد أنهيتُ لتوي شجارًا مع زوجي بسبب سدادنا دَيْنًا تراكَمَ على واحدٍ من أبنائه، وقد ذهبتُ فيما بعد ظهيرة ذلك اليوم إلى عرضٍ في أحد المعارض الفنية حتى أكون في حالة مزاجية أفضل.

رفع صوته مرةً أخرى قائلًا: «عظيم.»

ما زال يبدو وكأن بمقدورنا أن نشق طريقنا خارج ذلك الزحام ونكون معًا في غضون لحظة، لكنْ من المؤكد أن كلًّا منا كان سيستأنف السير في الطريق الذي كان ذاهبًا إليه، وهكذا فعلنا. ليس ثمة بكاء لاهث، ولا يدٌ أشعرُ بها على كتفي عندما وصلتُ إلى الرصيف؛ لم يكن هناك سوى ذلك البريق الذي رأيته للحظةٍ عندما اتسعَتْ حدقة إحدى عينَيْه، وقد كانت عينه اليسرى، دائمًا هي العين اليسرى، حسبما أتذكر. كانت تبدو دائمًا غريبة جدًّا، يَقِظةً وتَشِي بالتساؤل، كما لو أن شيئًا مستحيلًا خطر بباله؛ شيئًا جعله على وشك الضحك.

أما أنا، فقد كنتُ أحمل شعورًا يماثل شعوري عندما غادرتُ أمندسون والقطار يحملني، وهو الشعور بالذهول وعدم التصديق التام.

حقًّا لم يتغيَّر شيء بشأن الحب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠