حفرة الحصى

كنا نعيش في ذلك الوقت بجوار حفرة من حصًى. لم تكن حفرة عميقة خلَّفَتْها إحدى الآلات الضخمة، وإنما مجرد حفرة صغيرة لا بد أن أحد الفلاحين قد جنى من ورائها بعضَ المال منذ سنوات مضت؛ إنها في الواقع كانت ضحلة بدرجةٍ تجعلك تعتقد أنه ربما كان هناك غرضٌ آخَر من ورائها؛ كأساسات لمنزلٍ، ربما، لم يُسْتَكمل قطُّ.

كانت أمي هي مَن تصرُّ على جذب الانتباه إليها؛ فكانت تقول للناس: «نحن نعيش بالقرب من حفرة الحصى القديمة، بعيدًا عن الطريق الذي توجد به محطة الوقود.» وتضحك من فرط السعادة لأنها خلفت وراءها كلَّ شيء يتعلَّق بالبيت، والشارع، والزوج، والحياة التي كانت تعيشها من قبلُ.

أما أنا فبالكاد أتذكَّر تلك الحياة؛ أيْ إنني أتذكَّر جوانبَ منها بوضوحٍ، لكنْ دون الروابط التي يحتاجها المرء لكي يكوِّن عنها صورةً متكاملة؛ فكل ما أتذكَّره عن منزل البلدة كان ورقَ الحائط الموجود في غرفتي القديمة، الذي كانت عليه صورُ الدبِّ تيدي. أما في ذلك المنزل الجديد، الذي كان منزلًا متنقلًا في حقيقة الأمر، فلم يكن لديَّ أنا وكارو أختي، سوى سريرين صغيرين كلٌّ منهما موضوعٌ فوق الآخَر. عندما انتقلنا إلى هناك لأول مرة، كانت كارو تحدِّثني كثيرًا عن منزلنا القديم في محاولةٍ منها لتذكيري ببعض الأشياء. كانت تتحدَّث عن ذلك الأمر عندما كنَّا نأوي إلى الفراش، وبوجهٍ عام كان ينتهي الحديث بعدم مقدرتي على التذكُّر وشعورها هي بالغضب نتيجةً لذلك. وفي بعض الأحيان كنتُ أعتقد أنني تذكَّرْتُ بالفعل، ولكني بدافعٍ من معارضتها فحسب أو خوفي من عدم فهمي الصحيح للأشياء، كنتُ أتظاهر بخلاف ذلك.

كان الصيف قد حلَّ عندما انتقلنا إلى المنزل المتنقل، واصطحبنا كلبتنا معنا، وكان اسمها بليتزي. كانت أمي تقول: «إن بليتزي تحب المكان هنا.» وكان ذلك صحيحًا؛ فأي كلبة تلك التي لا تريد أن تستبدل بشارع في بلدة، حتى إنْ كان يضم مُرُوجًا واسعةً ومنازل ضخمة، ذلك الريفَ الرحب؟ راحت تنبح عند مرور أي سيارة كما لو أنها ملكت الشارع، وكانت تُحضِر إلى المنزل بين الحين والآخَر سنجابًا أو مرموط خنزير أرض قتلَتْه. في البداية، كانت كارو تتضايق جدًّا من ذلك الأمر، وكان نيل يتحدَّث إليها شارحًا لها طبيعةَ الكلب ودورةَ الحياة التي يُضطر فيها بعضُ الأشياء أن يأكل أشياء أخرى.

جادلَتْه كارو قائلةً: «ولكنها تحصل على طعامها.»، لكن نيل قال لها: «ولكن افترِضِي أنها لم تحصل عليه. تخيَّلِي أننا تركناها جميعًا في أحد الأيام وكان عليها أن تعتمد على نفسها.»

قالت كارو: «لن أفعل ذلك. فأنا لن أتركها، وسأظل أعتني بها دائمًا.»

قال نيل: «هل تعتقدين ذلك؟» وتدخلت أمي كي تجعله يُغَيِّر مجرى الحوار. كان نيل على استعداد دائمًا كي يتحدَّث عن موضوع الأمريكيين والقنبلة الذرية، وكانت أمي تعتقد أننا غير مؤهلتين لسماع ذلك بعدُ، ولم تكن تعلم أنه حينما كان يثير ذلك الموضوع كنتُ أظنه يتحدث عن نوعٍ من الكعك. كنت أدري أن هناك خطأً ما في ذلك التفسير، لكني لم أكن على استعدادٍ لأنْ أطرح أيَّ أسئلةٍ فيسخروا مني بعدها.

كان نيل ممثلًا، وكان يوجد في البلدة مسرح صيفي احترافي، وهو شيء كان جديدًا في ذلك الوقت، وقد تحمَّسَ له البعض، وشعر آخَرون بالقلق حياله خشيةَ أن يجذب إليه الدهماءَ. ولكن أبي وأمي كانا من بين مَن أيَّدوا فكرةَ وجوده، وكانت أمي أكثر انخراطًا في هذا الشأن؛ لأنها كانت تملك متسعًا من الوقت؛ فقد كان أبي وكيلَ تأمينٍ، وكان يسافر كثيرًا. سعت أمي بشتى الطرق لجمع تبرعات من أجل المسرح، وتبرَّعَتْ هي بخدماتها وعملت داخلَه بوظيفة مرشدٍ للمقاعد. كانت حسنةَ المظهر وصغيرةَ السن بدرجةٍ تجعل البعض يظن خطأً أنها إحدى الممثلات. وقد بدأت ترتدي كالممثلات أيضًا، فقد كانت تضع الأوشحة، وترتدى التنانير الطويلة والقلادات المتدلية، وكانت تترك شعرها مسترسلًا، وتوقَّفَتْ عن وضع مساحيق التجميل. بالطبع لم أفهم أو حتى ألاحظ تلك التغييرات بوجهٍ خاصٍّ في ذلك الوقت؛ فأمي بالنسبة إليَّ هي أمي لم يتغَيَّر بها شيء، لكن كارو لاحَظَ ذلك بلا شك، وبالقطع فعل أبي. ومع ذلك، ومن خلال فهمي لطبيعته ومشاعره حيال أمي، فإني أعتقد أنه ربما كان فخورًا وهو يرى كَمْ كانت أمي جميلةً في أنماط اللبس المتحررة تلك، وكيف أنها كانت تماثِل مَن يعملْنَ في المسرح. وعندما تحدَّثَ عن ذلك الوقت، فيما بعدُ، قال إنه كان دائمًا يشجِّع الفنون. يمكن أن أتخيَّل الآن كيف كانت سترتبك أمي وهي تتوارى وتضحك كي تُخفِي إحساسها بالحَرَج، إنْ كان قد قال هذا أمام أصدقائها بالمسرح.

لكنْ حدَثَ تطوُّرٌ لم يكن ممكنًا لأي أحد أنْ يتوقَّعه، وربما قد توقَّعَه البعض فيما عدا أبي، ولا أدري إنْ كان قد حدث لأيٍّ من المتطوعين الآخرين غير أمي. إنني أعلم — بَيْدَ أنني لا أتذكَّر — أنَّ أبي كان يبكي وظلَّ طوالَ يومٍ كامل يتتبَّع أمي في المنزل ولا يجعلها تغيب عن عينه، ورفض أن يصدِّقها فيما تقول، وبدلًا من أن تخبره بشيء يجعله في حالةٍ أفضل، أخبرَتْه بما زاد حالته سوءًا.

فقد قالَتْ له إن الطفل هو ابن نيل.

هل كانت واثقة؟

بالقطع؛ فقد كانت تتابع الأمر جيدًا.

وماذا حدث بعد ذلك؟

توقَّفَ أبي عن البكاء، وكان عليه أن يعود لعمله، وحزمَتْ أمي أمتعتَنا واصطحبتنا معها للعيش مع نيل في المنزل المتنقل الذي عثر عليه، وذلك بعيدًا في الريف، وقد أخبرتنا فيما بعدُ أنها قد بكَتْ هي الأخرى لما حدث. لكنها قالت إنها شعرَتْ أيضًا بأنها على قيد الحياة، وربما لأول مرة في حياتها وجدَتْ نفسها تحيا بحقٍّ. شعرَتْ كما لو أنها قد مُنِحت فرصةً أخرى؛ لقد بدأت حياتها من جديد، وتخلَّتْ عن أشيائها الفضية وتلك المصنوعة من الخزف، وديكورات منزلها، وحديقتها المزدانة بالزهور، وحتى الكتب الموجودة في الخزانة الخاصة بها؛ فهي كانت ستحيا الآن ولن تقرأ. لقد تركَتْ ملابسها معلَّقةً في الخزانة، وأحذيتها ذات الكعب العالي في قوالبها، وتركت أيضًا خاتمها الماسي وخاتم الزفاف فوق التسريحة، وكذلك ملابس نومها الحريرية في الدرج الخاص بها. كانت تبغي التجوُّل عاريةً على الأقل لبعض الوقت في الريف، ما دام الجو دافئًا.

لكن ذلك لم يفلح؛ لأنها حينما حاولَتْ أن تجرِّب ذلك، ذهبت كارو واختبأت في فراشها، وحتى نيل قال إنه لا يتحمَّس لتلك الفكرة.

•••

لكن ماذا كان رأي نيل في كل ذلك؟ كانت فلسفته، كما أوضَحَها لاحقًا، هي الترحاب بأي شيء يحدث؛ فكلُّ شيء هو بمنزلة عطية، ونحن نأخذ ونعطي في المقابل.

أرتابُ من الأشخاص الذين يتحدثون على هذا النحو، لكني لا أستطيع الجزْمَ بأني على حقٍّ في ذلك.

لم يكن نيل ممثِّلًا بالأساس، ولكنه — كما قال — دخل مجال التمثيل بدافع التجربة، ليرى ما الذي يمكن أن يكتشفه في نفسه من قدرات؛ ففي الجامعة، وقبل أن يترك الدراسةَ فيها، اشترَكَ في مسرحية «أوديب ملكًا» كواحد من الجوقة، وقد راق له ذلك؛ فجميلٌ أن يندمج المرء تمامًا في العمل الذي يؤدِّيه، وأنْ يذوب كليةً مع الآخَرين. ثم حدث في يومٍ من الأيام، بينما كان يسير في أحد شوارع تورونتو، أنِ التقى بصديقٍ له كان في طريقه إلى الاختبار من أجل الالتحاق بوظيفةٍ صيفيةٍ مع فرقة مسرحية جديدة في بلدة صغيرة، فذهب معه؛ إذ لم يكن لديه عملٌ أفضل من هذا يمكن أن يؤدِّيه، والتحق بالوظيفة بينما أخفَقَ صديقه في ذلك. كان سيؤدِّي شخصية بانكو، وفي بعض الأحيان كانوا يجعلون شبحَ بانكو مرئيًّا، وفي أحايين أخرى ما كانوا يفعلون ذلك، لكنهم في تلك المرة كانوا يريدونه مرئيًّا في المسرحية، وكان حجمُ جسم نيل هو المناسب. حجم رائع، شبح قوي البنية.

كان يفكِّر في أن يمضي الشتاء في بلدتنا على أية حال، وذلك قبل أن تفجِّر أمي مفاجأتها. كان قد عثر على المنزل المتنقِّل بالفعل، وكانت لديه خبرةٌ كافية في أعمال النجارة تساعده في إعادة تجديد المسرح، وهو العمل الذي سيمكِّنه من سداد تكاليف معيشته حتى فترة الربيع. وكان هذا الحد هو ما كان يتطلع إليه في المستقبل كما اعتاد أن يفكِّر دائمًا.

لم تكن كارو بحاجةٍ لأنْ تغيِّر مدرستها؛ فقد كانت تستقل حافلةَ المدرسة عند نهاية الطريق القصير الذي يمر بمحاذاة حفرة الحصى، وكان عليها أن تكوِّن صداقاتٍ جديدةً مع أطفالِ الريف، وربما توضِّح بعض الأمور لأطفال البلدة الذين كانوا أصدقاءها في العام الماضي، ولكن إنْ كانت قد واجهت صعوباتٍ في ذلك، فهذا شيء لم أسمع به قطُّ.

كانت بليتزي دائمًا تنتظر قدومها إلى المنزل على قارعة الطريق.

لم أذهب إلى الحضانة لأنَّ أمي لم تكن تقتني سيارةً، لكني لم أشعر بالضيق لعدم وجود أطفال آخَرين ألعب معهم؛ إذ كانت كارو كافيةً بالنسبة إليَّ عندما تعود إلى المنزل. وفي أغلب الوقت، كانت أمي على استعدادٍ للهو معي؛ فبمجرد أن بدأت الثلوج تتساقط في هذا الشتاء، صنعت أنا وهي رجلَ ثلجٍ وسألتني قائلةً: «هل ندعوه نيل؟» ووافقتها في ذلك، وألصقنا به بعض الأشياء كي نجعله مُضحِكًا. ثم قرَّرْنا أنني سأندفع خارج المنزل حينما تأتي سيارة نيل وأقول: ها هو نيل، ها هو نيل! مشيرةً حينها إلى رجل الثلج، وهذا ما قمتُ به بالفعل، لكنَّ نيل نزل من سيارته غاضبًا، وراح يصيح بأنه كان من الممكن أن يصدمني بالسيارة.

كانت هذه واحدة من المرات القلائل التي رأيته يتصرَّف فيها كأب.

لا بد أن أيام الشتاء القصيرة هذه كانت تبدو غريبةً بالنسبة إلي؛ ففي البلدة، كانت الأضواء تُنار وقتَ الغسق. لكن الأطفال يعتادون التغيير سريعًا. كنت أتساءل في بعض الأحيان عن منزلنا الآخر، لكني لم أكن أفتقده في الواقع، أو أود العيش هناك مرةً أخرى، ولكني تساءلتُ فقط أين ذهب.

كانت أوقات أمي السعيدة مع نيل تبدأ في الليل؛ فإذا حدَثَ أنِ استيقظتُ وكنتُ أريد أن أذهب إلى الحمام، كنتُ أنادي عليها. كانت تأتيني بسعادةٍ وليس على عجل، وكانت تلف جسدها بقطعة من القماش أو بأحد الأوشحة، وتنبعث منها رائحةٌ كانت ترتبط في ذهني بضوء الشموع، والموسيقى، بل الحب أيضًا.

•••

وقع شيء غير مريح بالمرة، لكني لم أحاول أن أفهمه جيدًا في ذلك الوقت. لم تكن كلبتنا بليتزي ضخمةَ الحجم، لكنها أيضًا لم تكن صغيرةً بدرجةٍ يمكن معها إخفاؤها أسفل معطف كارو، ولا أدري كيف نجحت كارو في هذا، ليس لمرة واحدة بل لمرتين. لقد أخفت الكلبةَ تحت معطفها في حافلة المدرسة، وبدلًا من أن تذهب إلى المدرسة، ذهبت ببليتزي إلى منزلنا القديم في البلدة الذي كان يبعد بأقل من مربع سكني واحد. كان هذا هو المكان الذي وجد فيه أبي الكلبة، في الشرفة المغطَّاة، التي لم تكن محكمة الغلق، وذلك عندما عاد إلى المنزل لتناوُل غدائه وحيدًا. كانت مفاجأة كبيرة أن تصل إلى هناك، وأن تجد سبيلها إلى المنزل مثل الكلاب في القصص. أحدثت كارو ضجة كبيرة، وادَّعَتْ أنها لم تَرَ الكلبةَ طوال فترة الصباح، لكنها ارتكبت خطأً عند محاولتها الإقدام على ذلك مرةً أخرى، ربما بعد مرور أسبوع، ولكن هذه المرة، وبالرغم من أنها لم تُثِرْ شكوكَ أحدٍ في الحافلة أو في المدرسة، أثارَتْ شكوكَ أمي.

لا أستطيع أن أتذكَّر إنْ كان أبونا قد أعاد بليتزي إلينا أم لا؛ فلا أستطيع تخيُّلَه في المنزل المتنقل أو عند بابه، أو حتى في الطريق المؤدِّي إليه. ربما ذهب نيل إلى منزلنا في البلدة وأخذها، ولم يكن تخيُّل هذا أيضًا أسهلَ على أيِّ نحوٍ.

إذا ما جعلت الأمر يبدو كما لو أن كارو كانت حزينةً أو تصنع المكائد طوال الوقت، فليست هذه هي الحقيقة على الإطلاق. وكما ذكرتُ من قبلُ، كانت تدفعني للحديث عن بعض الأشياء عندما نأوي إلى فراشنا بالليل، لكنها لم تكن تُعَبِّر عن شكواها باستمرارٍ؛ فليست من طبيعتها أن تبدو متجهِّمةً؛ فقد كانت حريصةً كلَّ الحرص على أن تعطي للناس انطباعًا جيدًا عنها. فقد كانت تحب أن يحبها الآخرون، وتبغي دومًا أن تبعث في أي مكان جوًّا أشبه بالبهجة والمرح؛ فقد كانت تفكِّر في ذلك الأمر أكثر مما أفعل أنا.

وأعتقد الآن أنها كانت أكثر شبهًا بأمي مني.

ومن المؤكد أنه حدث نوعٌ من الاستجواب حول ما فعلَتْه بالكلبة، وأعتقد أنني يمكنني تذكُّر بعضه:

«لقد فعلتُ ذلك على سبيل المزاح.»

«هل تودين الذهاب والعيش مع والدك؟»

أعتقد أن هذا السؤال قد طُرِح، وأظن أنها أجابَتْ بالنفي.

أما أنا، فلم أسألها عن شيء؛ فما فعلَتْه لم يَبْدُ غريبًا بالنسبة إليَّ. وهذا عادةً هو حال الأطفال الأصغر سنًّا؛ فما يفعله الطفلُ الأكبر الذي يتمتَّع بقوة غريبة لا يبدو استثنائيًّا لمَن هو أصغر منه.

كان بَريدُنا يُوضَع في صندوقٍ من الصفيح مثبتٍ فوق أحد الأعمدة على جانب الطريق، وكنت أسير أنا وأمي إلى هناك كلَّ يوم، إلا في الأيام التي يكون فيها الجو عاصفًا بشدة، لنرى ما وصل إلينا من خطابات. وكنا نفعل ذلك بعدما أستيقظ من قيلولتي، وفي بعض الأحيان تكون هذه هي المرة الوحيدة التي نغادر خلالَها المنزلَ طوال اليوم. ففي الصباح، كنا نشاهد برامج الأطفال بالتليفزيون، أو كانت هي تقرأ بينما أشاهِد أنا تلك البرامج. (فلم تتوقَّف أمي عن القراءة لفترةٍ طويلة.) وكنا نسخن بعضًا من الحساء المعلب من أجل الغداء، ثم أخذت أنا قيلولتي، بينما كانت تشرع أمي في قراءة المزيد. لقد زاد حجمها على نحوٍ كبيرٍ الآن بسبب حملها، وكان الجنين يتحرك بالفعل في أحشائها، حتى إنني كنت أشعر بحركته، وكانا سيطلقان عليه اسم براندي — لقد أطلقا عليه بالفعل اسم براندي — سواء أكان ذكرًا أم أنثى.

وفي أحد الأيام وبينما كنا نسير عبر الطريق القصير كي نُحضِر البريد، ولم نكن في الواقع نبعد كثيرًا عن صندوق البريد، توقَّفَتْ أمي وظلت ساكنةً في مكانها بلا حراك.

ثم قالت لي: «التزمي الهدوء.» بالرغم من أني لم أنبس بكلمة، ولم أكن أجرُّ قدمَيَّ في الثلج بحذائي العالي الرقبة.

قلت: «أنا هادئة.»

«اصمتي، ودعينا نرجع.»

«لكننا لم نأتِ بالبريد.»

«لا يهم، سيري فقط.»

ثم لاحظتُ أنه لا أثرَ لبليتزي التي كانت تسير دومًا معنا سواء خلفنا أم أمامنا، بل كان هناك كلب آخَر على الجانب المقابل من الطريق على بُعْد أقدام قليلة من صندوق البريد.

هاتفَتْ أمي المسرح بمجرد عودتنا إلى المنزل وسمحت لبليتزي، التي كانت تنتظرنا، بالدخول إلى المنزل. لكن لم يجبها أحد. هاتفَتِ المدرسةَ وطلبَتْ ممَّن ردَّ عليها أن يطلب من سائق الحافلة إحضار كارو حتى باب المنزل، واتضح أن السائق لم يكن بإمكانه ذلك لأن الثلوج هطلت عقب آخِر مرة قام فيها نيل بجرْفِ الثلوج عن الطريق القصير، لكنَّ السائق راقَبَها حتى وصلَتْ إلى باب المنزل، ولم يَرَ أحدٌ أثرًا لأيِّ ذئبٍ بحلول ذلك الوقت.

وكان نيل يرى أنه لم يوجد من قبلُ أيُّ ذئبٍ في هذه المنطقة، وقال إنه إذا تصادَفَ أنْ كان هناك واحد بالفعل، فإنه لن يمثِّل أية خطورة بالنسبة إلينا لأنه سيكون ضعيفًا، ربما بسبب البيات الشتوي.

قالت كارو إن الذئاب لا تدخل في حالةِ بياتٍ شتوي، وأضافت: «هذا ما تعلَّمْناه عنها في المدرسة.»

وأرادت أمي أن يشتري نيل بندقية.

لكنه قال بهدوء: «هل تعتقدين أنني سأشتري بندقية وأذهب لأصوب النار على ذئبةٍ أمٍّ مسكينةٍ ربما لديها مجموعة من الصغار بالخلف في الدغل، وكل ما تفعله هو محاوَلة حمايتها، تمامًا مثلما تفعلين أنتِ مع صغارك.»

قالت كارو: «هما اثنان فقط؛ فهي تنجب اثنين في كل مرة.»

«حسنًا، حسنًا. إنني أتحدَّث إلى أمك.»

«لكنكَ لستَ متأكدًا من ذلك؛ فأنت لا تدري إنْ كان لديها صغار جائعون أو شيء من هذا القبيل.»

لم أتخيَّل مطلقًا أنها يمكنها أن تتحدَّث إليه على هذا النحو.

قال: «هوِّني عليك، هوِّني عليك. ولنفكِّرْ في الأمر قليلًا. إن البنادق أشياء مُفزِعة، وإذا ذهبتُ وحصلتُ على بندقية، فماذا عساي أن أقول إذن؟ أقول إن حرب فيتنام كانت خطوة صحيحة؟ وإنني ربما أذهب إلى فيتنام؟»

«إنكَ لست أمريكيًّا.»

«إنكِ بالطبع لا تريدين أن تُثِيري حفيظتي.»

هذا بالتقريب ما دار بينهما من حوار، وانتهى الأمر بعدم ذهاب نيل لشراء بندقيةٍ، ولم نَرَ الذئب قطُّ مرةً أخرى، هذا إنْ كان ذئبًا حقًّا، وأعتقد أن أمي توقَّفَتْ عن الذهاب لإحضار البريد، لكن ربما كان هذا بسبب زيادة حجمها بدرجةٍ لا تُشعِرها بالراحة في القيام بذلك على أية حال.

قلَّتِ الثلوج على نحو كبير، لكن الأشجار كانت لا تزال دون أوراق، وكانت أمي تأمر كارو بارتداء معطفها في الصباح، لكنها كانت تعود إلى المنزل بعد انتهاء اليوم الدراسي وهي تجره خلفها.

قالت أمي إنها ستضع توءمًا، لكن الطبيب قال إن هذا ليس صحيحًا.

قال نيل مؤيدًا فكرة التوءم: «إنه شيء رائع. رائع. الأطباء لا يعرفون شيئًا.»

امتلأَتِ الحفرة عن آخِرها بالثلج الذائب وماء الأمطار؛ لذا كان يتعيَّن على كارو أن تسير حولها بحذرٍ وهي في طريقها لتستقل حافلةَ المدرسة. لقد كانت تبدو كبحيرةٍ صغيرة ساكنة تتلألأ أسفل السماء الصافية، وتساءلت كارو — لكن دون الكثير من الأمل — إنْ كان يمكننا أن نلهو فيها.

حذَّرَتْها أمي من أن تفقد صوابها، وقالت: «لا بد أنها على عمق عشرين قدمًا.»

قال نيل: «ربما عشر.»

قالت كارو: «لكنها لن تكون عميقة عند الأطراف.»

أخبرتها أمي بأنها كذلك. قالت: «إنها تتضاءل في الحجم فقط. تبًّا لهذا، إن الأمر لا يشبه الذهاب إلى الشاطئ. ابتعدي عنها فحسب.»

لقد بدأت تتفوَّه بكلمة «تبًّا» كثيرًا، ربما أكثر مما فعل نيل وبنبرة أكثر سخطًا.

سألته: «هل علينا أن نُبعِد الكلبة عنها أيضًا؟»

قال نيل إن هذا ليس بمشكلة، مُضِيفًا: «الكلاب بمقدورها السباحة.»

•••

وفي أحد أيام السبت، شاهدَتْ كارو معي برنامجَ الأطفال التليفزيوني «العملاق فريندلي»، وصدر عنها بعض التعليقات التي أفسدَتْ متعةَ المشاهدة. كان نيل مستلقيًا على الأريكة التي تُبسَط لتصبح فراشَه هو وأمي. كان يدخن النوع المفضَّل لديه من السجائر، الذي لم يكن مسموحًا بتدخينه أثناء العمل؛ لذا كان يدخِّن أكبر قدرٍ منه في عطلات نهاية الأسبوع. كانت كارو في بعض الأحيان تزعجه وتطلب منه أن تجرب واحدة، وذات مرة تركها تفعل لكنْ طلَبَ منها ألا تخبر أمها.

لكن كنت أنا هناك ورأيتُها وأخبرتُ أمي.

كان هناك تحذيرٌ لكنه لم يصل إلى حدِّ الشجار.

قالت أمي: «أنت تعلم أنه قد يأخذ الطفلتين من هنا في أي وقت. لا تفعل هذا ثانيةً.»

قال نيل بلطف: «لن أفعل هذا ثانيةً. لكن ماذا لو أطعمهما بواقي فاسدة من رقائق رايس كريسبيز.»

لم نكن نرى أبانا في بادئ الأمر على الإطلاق، وبعد انقضاء عيد الميلاد وضعنا خطةً لرؤيته في أيام السبت، ودائمًا ما كانت أمي تسألنا، بعد أن نزوره، إنْ كنا قد أمضينا وقتًا طيبًا معه أم لا، وكنتُ أرد بالإيجاب دائمًا، وكنت أعني ذلك حقًّا؛ لأنه في اعتقادي إذا ما ذهب المرء لمشاهدة أحد الأفلام، أو التطلُّع إلى بحيرة هورون، أو تناوُل طعامه في أحد المطاعم، فهذا كان يعني أنه قد أمضى وقتًا طيبًا بالفعل. وكانت كارو ترد بالإيجاب أيضًا، لكن بنبرة كانت توحي بأنه ليس من شأن أمي التدخُّل في ذلك. ثم حدث أن أمضى أبي عطلة الشتاء في كوبا (وقد علَّقَتْ أمي على ذلك ببعض الدهشة، وربما بعض الاستحسان)، لكنه عاد وهو يعاني من نوعٍ من الأنفلونزا يحتاج وقتًا طويلًا في الشفاء منه؛ ممَّا أدى إلى انقطاعِ زيارتنا له، وكان من المفترض أن نستأنفها في فصل الربيع، لكنْ لم يحدث ذلك حتى الآن.

وبعد أن أُغلِق التليفزيون، أرسلتني أمي أنا وكارو إلى الخارج كي نلهو قليلًا، كما تقول، ونتنسَّم بعضًا من الهواء العليل. وأخذنا معنا الكلبة.

وكان أول شيء فعلناه عندما خرجنا من المنزل هو حل تلك الأوشحة التي كانت تلفها أمي حول أعناقنا وسحبها خلفنا. (في الواقع، كانت أمي كلما تقدَّمَتْ في حملها، ازداد ميلها للتصرف كأم تقليدية، على الأقل عندما يتعلق الأمر بالأوشحة التي لا نحتاجها، أو بتناول وجباتنا بنحو منتظم، بالرغم من أننا ربما لم نكن نربط بين الأمرين؛ فلم يَعُدْ هناك ميلٌ كبير نحو التصرفات الغريبة كما كان الأمر في الخريف.) وسألتني كارو عما أريد أن أفعله، وأجبتُها بأني لا أدري. كان ذلك بمنزلة سؤال شكلي من جانبها، ولكنها كانت إجابة صادقة من جانبي. وعلى أية حال، جعلنا الكلبة تقودنا، وكان اقتراح بليتزي هو الذهاب وإلقاء نظرة على الحفرة. كانت الريح تجعل الماء تضطرب لتكون أمواجًا صغيرة، وسرعان ما شعرنا بالبرد؛ لذا أعدنا ربْطَ الأوشحة حول أعناقنا.

لا أدري كم مَرَّ من الوقت ونحن نتجوَّل حول حافة الماء، ونحن نعلم أنه لن يكون بإمكانِ أحدٍ أن يرانا من منزلنا المتنقِّل، وبعد فترةٍ أدركتُ أنني تلقَّيْتُ بعضَ الأوامر بهذا الشأن.

فكان عليَّ أنا أعود إلى المنزل المتنقل وأخبر أمي ونيل بشيء.

أخبرهما بأن الكلبة سقطت في الماء.

أن الكلبة سقطت في الماء، وأن كارو كانت تخشى أن تغرق.

بليتزي … تغرق.

تغرق.

لكن بليتزي لم تكن في الماء.

قد تكون. وكارو يمكن أن تقفز كي تنقذها.

أعتقد أني أخذت أجادلها فيما يتعلَّق بأنها لم تسقط في الماء، وأنها لم تُلْقِ بها، وأنه يمكن أن يحدث ذلك لكن الأمر ليس كذلك. كما تذكرتُ أيضًا أن نيل قال إن الكلاب لا تغرق.

أمرتني كارو أن أفعل ما أملَتْه عليَّ.

لماذا؟

ربما أكون قد قلت هذا، أو من الجائز أني وقفت في مكاني فقط ولم أُطِعْ أوامرها؛ في محاولةٍ مني كي أجادل معها ثانيةً.

أستطيع أن أراها في ذهني وهي تحمل بليتزي وتقذفها في الماء، بالرغم من أن بليتزي كانت تحاول أن تتشبَّث بمعطفها. ثم رجعَتْ خطواتٍ للوراء، رجعَتْ للوراء لكي تجري مُسرِعةً صوبَ الماء. تجري، وتقفز، وعلى نحوٍ مفاجئ تُلقِي بنفسها في الماء. لكني لا أستطيع أن أتذكَّر صوتَ رذاذِ الماء وهو يتناثر إثرَ ارتطامها بها، لم أَدْرِ إنْ كانت دفقاتُ الماء قليلةً أم كبيرةً، ربما استدرتُ عائدةً نحو المنزل في ذلك الوقت؛ لا بد أني فعلتُ هذا.

عندما أحلم بذلك، أراني دائمًا أجري. وفي أحلامي أنا لا أجري نحو المنزل بل نحو حفرة الحصى. يمكنني أن أرى بليتزي وهي تصارع الماء وكارو تسبح نحوها، تسبح بقوة، وهي في طريقها لإنقاذها. أرى معطفها البني الفاتح ذا المربعات، ووشاحها المنقوش، ووجهها الذي تعلوه أمارات الانتصار والفخر، وشعرها المائل لِلَّوْن الأحمر وقد أضحت ضفائرُه داكنةَ اللون بفعل الماء. وكان كل ما عليَّ فعله في نهاية الأمر هو أن أنظر إلى ما يحدث في سعادةٍ، دون أن أكون مُطالَبةً بأي شيء آخَر.

لكن ما قمتُ به حينها بالفعل هو أنني اجتَزْتُ ذلك المنحدر الصغير وهرعتُ نحو المنزل المتنقل، وحينما وصلتُ إلى هناك جلستُ، كما لو أنه كان هناك مقعد أو شرفة، بالرغم من أن المنزل المتنقِّل لم يكن به أيٌّ من هذا. جلستُ وانتظرتُ ما كان سيحدث بعد ذلك.

أُدرِكُ ذلك لأنه حقيقة، ومع هذا فلا أدري ماذا كانت خطتي أو فيمَا كنتُ أفكِّر. ربما كنتُ أنتظر الحدثَ التالي في مسرحية كارو، أو بالأحرى مسرحية الكلبة.

لا أدري إنْ كنتُ قد مكثتُ هناك لمدة خمس دقائق، أم أكثر، أم أقل. ولم يكن الطقس باردًا جدًّا.

لقد ذهبتُ لأستشير إخصائية نفسية بشأن هذا وأقنعَتْني، لبعض الوقت، أنه لا بد أنني قد حاولتُ فتح باب المنزل ووجدتُه محكمَ الغلق؛ محكم الغلق لأن أمي ونيل كانا يتضاجعان وقد أغلقاه خشيةَ أن يزعجهما أحد، ولو حدَثَ أنْ قرعتُ البابَ بقوةٍ، لَكانا سيغضبان. شعرَتِ الإخصائية النفسية بالارتياح لأننا توصَّلنا لهذه النتيجة، وشعرتُ أنا أيضًا بهذا، لكنْ لفترة من الوقت؛ لأنني لم أَعُدْ أعتقد أن ذلك كان صحيحًا؛ فلا أظن أنهما قد أغلقا الباب لأنهما لم يفعلا ذلك ذات مرة عندما كانا يتضاجعان، ودلفت كارو إلى المنزل وراحا يضحكان من النظرة التي ارتسمت على وجهها.

ربما تذكَّرْتُ أن نيل قد قال ذات مرة بأن الكلاب لا تغرق، وهو ما يعني أن إنقاذ كارو لبلينزي لم يكن له داعٍ؛ لذا فهي في هذه الحالة لن تتمكَّن من الاستمرار في لعبتها. وهناك الكثير من الألعاب، مع كارو.

هل اعتقدتُ حينها أن بمقدورها السباحة؟ إن العديد من الأطفال يستطيعون السباحة في عمر التاسعة. وقد اتضح، في الواقع، أنها تلقَّتْ درسًا واحدًا في السباحة في الصيف الماضي، لكننا انتقلنا إلى منزلنا المتنقل فلم تتلقَّ هي المزيد. ربما اعتقدَتْ هي أن بمقدورها السباحة بنحو جيد، وربما اعتقدتُ أنا بالفعل أنَّ بمقدورها أنْ تفعل أيَّ شيء تريده.

لم تُشِرِ الإخصائية النفسية إلى أنني ربما أكون قد سئمتُ من تنفيذ أوامر كارو، لكن ذلك كان يَجُول بخاطري بالفعل، على الرغم من أنه ليس صحيحًا تمامًا. ربما قد يكون هذا شعوري لو كنتُ أكبر سنًّا؛ ففي ذلك الوقت كنتُ لا أزال أراها تملأ عالمي.

كم مَرَّ من الوقت وأنا أجلس هناك؟ من المرجح أنه لم يكن وقتًا طويلًا، ومن المحتمل أنني قد طرقت الباب بالفعل، بعد فترةٍ؛ ربما بعد دقيقة أو اثنتين. إن أمي تفتح الباب على أية حال في بعض الأحيان دون سبب، لقد كان هذا هاجسًا.

ما حدث بعد ذلك أنني دخلت المنزل، وكانت أمي تصيح في نيل وتحاول أن تجعله يفهم شيئًا. نهض من مكانه ووقف هناك وهو يتحدَّث إليها، ملامِسًا إياها في دعةٍ ورِقَّة ونوعٍ من التعزية، لكن أمي لم تكن تريد ذلك على الإطلاق، وابتعدَتْ بنفسها عنه وجرت مُسرِعةً خارج المنزل. هز رأسه ونظر لأسفل نحو قدمَيْه العاريتين، وأصابعهما الضخمة البائسة.

أعتقد أنه قال لي شيئًا بنبرة حزن رتيبة. لقد كان غريبًا.

وبخلاف ذلك ليس لديَّ أي تفاصيل أخرى.

•••

لم تُلْقِ أمي بنفسها في الماء، ولم تَلِد مبكرًا بسبب الصدمة؛ فلم يُولَد أخي برينت إلا بعد مرور أسبوع أو عشرة أيام بعد الجنازة، وقد وُلِد في ميعاده، ولا أعلم شيئًا عن المكان الذي مكثَتْ به في انتظار ولادة الطفل؛ ربما أُودِعَتْ أحد المستشفيات وأعطوها مهدئاتٍ بما يتناسب مع حالتها.

إنني أتذكر يوم الجنازة جيدًا؛ لقد اصطحبَتْني سيدةٌ لطيفة ومريحة جدًّا لا أعرفها — اسمها جوسي — في رحلة قصيرة. ذهبنا إلى مكانٍ به بعض الأراجيح وما يشبه بيت الدمى الذي كان كبيرًا بما يكفي كي أدلف داخله، وتناولنا طعام الغداء الذي احتوى على أطعمتي المفضَّلة، لكنه لم يكن بالكثير بحيث أُصَاب بالتخمة. وأصبحت جوسي من الأشخاص الذين توثَّقَتْ صلتي بهم فيما بعدُ. لقد أقام أبي معها علاقةَ صداقةٍ عندما كان في كوبا، وبعد الطلاق أصبحَتْ زوجة أبي؛ أيْ زوجته الثانية.

تعافت أمي، وكان لزامًا عليها ذلك؛ فقد كان هناك برينت الذي يجب عليها أن تعتني به، وكذلك أنا لمعظم الوقت. أعتقد أني أقمتُ مع أبي وجوسي حالما تستقر هي في المنزل الذي عزمَتْ على الإقامة فيه لبقية حياتها، ولا أتذكَّر أني أقمتُ مع برينت حتى كبر بدرجةٍ تمكَّنَ فيها من الجلوس في كرسي الطعام العالي خاصته.

عادت أمي إلى ممارسة مهامها القديمة في المسرح، وربما كانت تؤدي نفس العمل الذي كانت تؤديه من قبلُ؛ وهو مرشدة مقاعد متطوعة، لكنْ بحلول الوقت الذي التحقتُ فيه بالمدرسة كانت لديها وظيفة بالفعل، بمرتب ثابت، ومسئوليات على مدار العام؛ لقد أصبحَتْ مديرةَ المسرح. واستمر المسرح، على الرغم من مروره بالعديد من التقلُّبات، ولا يزال مستمرًّا حتى الآن.

لم يكن نيل يؤمن بالجنازات؛ لذا لم يحضر جنازة كارو، ولم يَرَ برينت مطلقًا. ولقد ترك خطابًا — وقد علمتُ ذلك فيما بعدُ — يقول فيه إنه ما دام لا ينوي أن يتصرَّف كأب، فمن الأحرى أن ينسحب من البداية. ولم أذكر شيئًا عنه مطلقًا لبرينت؛ لأني كنتُ أعتقد أن ذلك الأمر سيُغضِب أمي، وكذلك لأن برينت لم يكن يشبه كثيرًا نيل، بل كان في الواقع يشبه أبي بصورةٍ أكبر، لدرجة أنني تساءلتُ عمَّا حدَثَ وقتما حملَتْ به أمي. ولم يذكر أبي شيئًا عن هذا مطلقًا ولن يفعل؛ إنه كان يعامِل برينت مثلما يعاملني تمامًا، لكنه كان من ذلك النوع من الرجال الذي كان سيفعل ذلك على أية حال.

لم يُرزَق هو وجوسي بأي أطفال، لكن في اعتقادي أن ذلك لم يسبِّب لهما أيَّ ضيق. كانت جوسي هي الوحيدة التي تتحدث عن كارو، لكنها لم تكن تفعل ذلك كثيرًا؛ كانت تقول إن أبي لا يحمِّل أمي مسئوليةَ ما حدث، لكنه قال أيضًا إنه لا بد أنه كان شخصًا تقليديًّا عندما أرادَتْ أمي بعض الإثارة في حياتها، وقد كان بحاجةٍ إلى صدمة قوية حتى يفيق، وها قد حدثَتْ. ولا داعي للشعور بالأسى حيالها، فلولا تلك الصدمة ما كان له أن يعثر على جوسي، وأن يحصل الاثنان على ذلك القدر من السعادة التي يعيشان فيها الآن.

كنت أقول له: «أي اثنين؟» لمجرد أن أخفِّف من حدة الكلام، وكان هو يقول في غضب: «جوسي، جوسي بالطبع.»

لم يكن يمكنني أنْ أجعل أمي تتذكَّر أيًّا من هذه الأوقات، ولم أَشَأْ أنْ أزعجها بذلك. أعلم أنها قد ذهبَتْ بسيارتها عبر الطريق القصير الذي كنا نعيش فيه، ووجدَتْه قد تغيَّرَ كثيرًا؛ حيث شُيِّدت المنازل العصرية التي تراها الآن فوق الأراضي غير المستغَلَّة، وقد ذكرَتْ هذا بشيء من الاحتقار الذي بعثَتْه تلك المنازلُ في داخلها. لقد ذهبتُ أنا بنفسي إلى ذلك المكان، لكني لم أُخبِر أحدًا بهذا؛ كنت أرى أن التقسيم الذي يحدث داخل العائلات هذه الأيام من جرَّاء ذلك لَهُو خطأٌ كبيرٌ.

حتى المكان الذي توجد به حفرة الحصى، قد شُيِّد فوقه منزلٌ الآن، وسُوِّيت الأرض تحته.

•••

لديَّ صديقة الآن تُدعَى روثان، وهي تصغرني لكني أعتقد أنها أكثر حكمةً مني بعض الشيء، أو على الأقل أكثر قدرةً على مواجَهة حالتي المزاجية المتقلِّبة، ولولا تشجيعها لي، ما كنتُ لأتواصَل مع نيل ثانيةً. بالطبع، ولفترة طويلة، لم تكن لديَّ وسيلةٌ للتواصُل معه، كما لم يكن لديَّ استعدادٌ لذلك، وظلَّ الوضع هكذا لفترة طويلة، حتى راسَلَني هو أخيرًا؛ فقد بعث برسالة قصيرة يُعرِب فيها عن تهانيه لي بعدما رأى صورتي في مجلة «ألوميني جازيت»، ولا أدري ما الذي جعله يتصفَّح تلك المجلة. فقد حصلتُ على إحدى الدرجات العلمية مع مرتبة الشرف، وهي مسألة كانت تُعَدُّ هامةً لكنْ وسطَ دائرة محددة، ولم تكن كذلك خارجَها.

كان يقطن على بُعْد خمسين ميلًا تقريبًا من المكان الذي أعمل فيه بالتدريس، والذي تصادف أيضًا أنه كان مكان الجامعة التي كنت أدرس بها، وتساءلت في نفسي: هل كان هناك في ذلك الوقت؟ على مقربة كبيرة مني هكذا؟ هل أصبح أستاذًا؟

لم أكن أنوي في البداية أن أردَّ على رسالته، لكني أخبرتُ روثان بالأمر، وقالت إنه عليَّ أن أفكِّر في الرد عليه؛ وهكذا، كانت النتيجة أنني بعثتُ إليه برسالة إلكترونية، وحدَّدنا موعدًا للمقابلة. كان من المفترض أن أقابله في بلدته، في مكانٍ خالٍ من أي إزعاج بمطعم الجامعة، وحدَّثْتُ نفسي بأنه إذا بَدَا لي شخصًا غير محتمل — ولم أكن أدري تمامًا ما كنت أعنيه بذلك — فبإمكاني أن أتركه وأمضي.

وجدته أقصر قامةً مما كان عليه، وهكذا يبدو لنا البالغون في العادة بعدما نكبر. كان شعره خفيفًا، مصفَّفًا بعنايةٍ فوق رأسه. طلب لي قدحًا من الشاي، وكان هو يحتسي قدحًا من الشاي أيضًا.

ماذا كان يعمل لكسب عيشه؟

قال إنه كان يعطي دروسًا للطلبة من أجل تأهيلهم للامتحانات، كما أنه أيضًا كان يعاونهم في كتابة المقالات المطلوبة منهم، وبمقدورك أن تقول إنه أحيانًا كان يكتب تلك المقالات لهم، وبالطبع كان يأخذ مقابلَ ذلك.

«بمقدوري أن أقول لكِ إن هذا العمل ليس مُربِحًا على نحوٍ كبيرٍ.»

أخبرني أنه كان يعيش في أحد المنازل المتواضعة، أو شبه المتواضعة، وقد كان يروق له. وكان يحصل على بعض الملابس من منظمة جيش الخلاص الخيرية، ولم يكن هذا بالشيء السيئ أيضًا بالنسبة إليه.

«إن هذا يتناسب مع مبادئي.»

لم أهنِّئه على أيٍّ من هذا، ولكني، حقًّا، كنتُ أشك في أنه كان يتوقَّع مني ذلك.

«على أية حال، لا أعتقد أن أسلوبي في الحياة أسلوب مشوق جدًّا، وأعتقد أنك ربما تريدين أن تعرفي كيف وقع الأمر.»

لم أدرِ كيف أردُّ.

قال: «لقد كنتُ حينها واقعًا تحت تأثير المخدرات، وإضافةً إلى ذلك لم أكن أستطيع السباحة؛ فلم يكن هناك الكثير من المسابح في المكان الذي نشأتُ به، وكنتُ سأغرق أنا الآخَر لو حاولتُ إنقاذها. أهذا ما كنتِ تبغين معرفته؟»

قلت له إنه في الواقع لم يكن الشخص الذي كنت أتساءل بشأنه.

ثم أضحى ثالث شخص أسأله: «في اعتقادك ماذا كان يدور في ذهن كارو؟»

كانت الإخصائية النفسية قد قالت إنه ليس بمقدورنا أن نعرف ذلك، وأضافت: «من المرجح أنها هي نفسها لم تكن تعرف ما الذي تريده. أهو جذب الانتباه؟ لا أعتقد أنها كانت تريد أن تُغرِق نفسها. هل كانت محاولةً لجذب انتباهِ الآخَرين لمدى سوء حالتها النفسية؟»

وقد قالت روثان: «هل قصدت أن تدفع أمك لفعل ما كانت تريده هي، أم قصدت أن تدفعها لإعادة التفكير في حياتها وأن ترى ضرورة العودة إلى والدك؟»

قال نيل: «هذا لا يهم الآن. ربما اعتقدَتْ أنه يمكنها تحريك أطرافها بنحوٍ أفضل مما قامَتْ به، أو ربما لم تدرك كيف أن حجم ملابس الشتاء الثقيلة التي كانت ترتديها من الممكن أن يتسبِّب في غرقها، أو ربما لم يكن هناك أحد في وضْعٍ يسمح له بمساعدتها.»

قال لي: «لا تضيعي وقتك. إنك تفكرين فيما كان يمكن أن يحدث لو أسرعتِ وأخبرتنا، أليس كذلك؟ هل تحاولين أن تُلقِي باللائمة على نفسك؟» قلت له إنني فكرت فيما كان يقوله، لكن الأمر ليس كذلك.

قال: «المهم أن تكوني سعيدة، بغضِّ النظر عن أي شيء. عليكِ أن تحاولي فقط. إن بمقدورك ذلك، وسيصبح الأمر أخفَّ وطأةً؛ فنحن ليس بأيدينا أن نفعل شيئًا حيال الظروف. قد لا تعتقدين أن ما حدث خير. تقبَّلِي كلَّ شيء كما هو، وسيتلاشى شعورك بالمأساة، أو قد يقل، على أية حال، وها أنت هنا تشقين طريقك بسلاسة في هذا العالم.»

ثم ودَّعَني وذهب.

•••

فهمت ما كان يقصده، وهو حقًّا الشيء الصحيح الذي ينبغي عليَّ فعله. لكني ما زلتُ أرى كارو في ذهني وهي تجري صوبَ الماء وتقذف بنفسها فيه، كما لو أنها حقَّقَت انتصارًا، وما زلتُ أنا مشدوهةً، بانتظارِ أنْ تفسِّر لي ما حدَثَ، بانتظارِ دفقةِ الماء عند وقوعها فيها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠