القطار

إنه لقطار بطيء على أية حال، وقد ازداد بطئًا عند المنعطف. كان جاكسون هو الراكب الوحيد المتبقي، وكانت المحطة التالية، وهي كلوفر، تبعد نحو عشرين ميلًا، وكان يعقبها ريبلي، ثم كينكاردين، ثم البحيرة. إنها كانت فرصته وعليه ألَّا يضيعها. أخذ كعب تذكرته بالفعل من المكان المخصَّص لها بأعلى ظهر المقعد.

ألقى بحقيبته ورآها وهي تستقر بين القضبان تمامًا. ليس ثمة خيار الآن؛ فالقطار لن يهدِّئ من سرعته أكثر من ذلك.

لذا انتهَزَ الفرصة. كان شابًّا ذا بِنْية قوية، خفيف الحركة كعهده دائمًا، لكن القفزة — سقوطه على الأرض — أحبطَتْه؛ لقد كانت أصلبَ ممَّا تخيَّل، فقد جعله ثباته يندفع إلى الأمام، واستقرت راحتاه بقسوةٍ على الحصب الموجود بين العوارض، ممَّا أدى إلى خدْشِ جلده. كان هذا بسبب شعوره بالقلق.

غاب القطار عن الأنظار الآن، وترامى إلى مسامعه صوتُه وقد زاد من سرعته قليلًا بعدما تجاوَزَ المنعطف. بصق على يدَيْه المخدوشتين وراح يزيل الحصب بعيدًا عنهما، ثم رفع حقيبته وشرع في أن يعود أدراجه في نفس الاتجاه الذي كان قد قطعه لتوِّه بالقطار. لو كان قد تعقَّبَ القطار لَوصَلَ إلى محطة كلوفر تمامًا بعد حلول الظلام. لا يزال قادرًا على التبرم من أنه قد غطَّ في النوم واستيقَظَ مشوَّشَ الذهن معتقِدًا أن النوم غلبه أثناء محطته، بينما لم يفعل. قفز وهو مرتبكٌ تمامَ الارتباك، ثم كان عليه أن يسير.

كان سيعتقد هذا لأن العودة من مسافة بعيدة جدًّا، العودة للوطن من الحرب، كفيلةٌ بأن تجعل الأمورَ مشوَّشةً في ذهنه. لكن الوقت لم يتأخَّر بعدُ؛ فقد كان سيصل إلى المكان الذي من المفترض أن يذهب إليه قبل منتصف الليل.

لكنه كان يسير في الاتجاه الخاطئ طوالَ الوقت الذي فكَّرَ فيه على هذا النحو.

لم يكن يعرف العديد من أسماء الأشجار؛ هناك أشجار القيقب التي يعرفها الجميع، وأشجار الصنوبر، وليس هناك المزيد. اعتقَدَ أن المكان الذي قفَزَ به هو إحدى الغابات لكنه لم يكن كذلك. كانت الأشجار تمتد بطول الطريق فحسب وتزداد كثافتها عند الجسر، لكنْ كان بمقدوره أن يلمح وميضَ الحقول من ورائها، وكان لون الحقول أخضر أو أحمر مائلًا للَّوْن الأصفر أو أصفر؛ فقد كانت مراعيَ أو محاصيلَ، أو بقايا زرعٍ بعد الحصاد. لم يكن يعرف سوى هذا فقط، وقد كان لا يزال في شهر أغسطس.

بمجرد أن تلاشى ضجيج القطار أدرَكَ أن المكان لا يسوده ذلك الهدوء الأمثل الذي كان يمكن توقُّعه؛ فهناك الكثير من الإزعاج هنا وهناك؛ صوت أوراق أغسطس الجافة وهي تهتزُّ لكنْ ليس بفعل الرياح، وضجيج بعض الطيور التي لم يكن يراها، ذاك الضجيج الذي بَدَا وكأنه يعاقبه.

من المفترض أن يكون القفز من القطار لحظةَ انفصالٍ؛ فأنت تحرِّك جسدك، وتهيِّئ ركبتَيْك، لكي تدخل في كتلة مختلفة من الهواء؛ إنك تتطلَّع إلى الخواء. لكن ماذا تحصل بدلًا من ذلك؟ تحصل على بعضٍ من الأجواء المحيطة الجديدة التي تأتيك على عجلٍ وتحاول جذْبَ انتباهك بطريقةٍ لم تفعلها حينما كنتَ جالسًا في القطار وتتطلَّع فقط خارج النافذة. ماذا تفعل هنا؟ إلى أين أنت ذاهب؟ شعورٌ بأنك مراقَب من أشياء لا تعرف عنها شيئًا، شعورٌ بأنك مصدرُ إزعاجٍ. وتأتي الحياة من حولك ببعض الاستنتاجات عنك من خلال نقاط مراقَبة ليس بمقدورك أن تراها.

بَدَا أن الأشخاص الذين التَقَى بهم في السنوات القليلة الماضية كانوا يعتقدون أنه ما لم يكن المرء من المدينة، فهو من الريف. وهذا ليس صحيحًا؛ فهناك بعض الفروق التي يمكن أن تفوتك بين الريف والمدينة إنْ لم تكن قد عشتَ في الريف؛ فجاكسون نفسه كان ابنًا لسباك، ولم يخطُ داخلَ إسطبل طوال حياته، أو قام برعي الأبقار، أو تجميع حِزَم الحبوب، أو وجَدَ نفسه كما هو الآن يمشي بخطًى متثاقلةٍ عبر قضبان السكك الحديدية التي بَدَتْ وكأنما حادَتْ عن هدفها الطبيعي المتمثِّل في نقل الأفراد والبضائع، لكي تصبح منطقةً تغطِّيها أشجارُ التفاح البرية وشجيراتُ التوت الشائكة وعناقيد العنب المتدلية والغربانُ — لقد كان يعرف اسمَ هذا النوع من الطيور على الأقل — التي تنعق من أماكن عالية لا تستطيع رؤيتها. والآن ثمة واحدة من أفاعي الغرطر التي تزحف بين القضبان، والتي كانت على ثقةٍ تامة من أنه لن يكون بالسرعة الكافية التي تمكِّنه من السير فوقَها وقتْلِها. كان لديه من المعرفة ما يمكِّنه من إدراك أنها لا تضرُّ، لكنَّ تلك الثقة أثارَتْه.

•••

كانت البقرة الجيرزي الصغيرة، التي تُدعَى مارجريت روز، تأتي عادةً عند باب الحظيرة لكي تُحلَب مرتين في اليوم؛ صباحًا ومساءً. وفي الغالب لم تكن بيل بحاجةٍ إلى إحضارها، لكنْ في هذا الصباح كان هناك شيءٌ ما يثير اهتمامها بشدة أسفلَ منحدرٍ عند حقول المرعى أو في الأشجار التي تُخفِي قضبان السكك الحديدية على الجانب الآخر من السياج. لقد سمعَتْ صفيرَ بيل ثم نداءَها وشرعَتْ في السير نحوها مُرغَمةً، لكنها قرَّرَتْ بعد ذلك أن تعود لكي تُلقِي نظرةً أخرى.

وضعت بيل الدلْوَ والمقعد الصغير وشرعت في السير عبر حشائش الصباح المبتلَّة.

«ماذا بعدُ، يا صغيرتي؟ ماذا بعدُ؟»

قالت ذلك بنبرة يشوبها الاستمالة والتوبيخ في نفس الوقت. كان هناك شيء يتحرَّك وسط الأشجار؛ صوت رجل يقول إن كل شيء على ما يرام.

بالطبع، كان كل شيء على ما يرام. هل دار بخلده أنها كانت تخشاه؟ من الأحرى به أن يخاف هو من البقرة التي كانت لا تزال تمتلك قرنين.

عندما تسلَّقَ سياجَ السكك الحديدية، لوَّحَ بأسلوبٍ ربما اعتقَدَ أنه مطَمْئِن.

كان هذا بالشيء الكثير بالنسبة إلى مارجريت روز؛ لذا كان لزامًا عليها أن تستعرض بعضًا من قدراتها. قفزت للأمام، ثم للخلف، ثم راحت تهزُّ قرنَيْها الصغيرين الحادين، ولا شيءَ أكثر من هذا، لكن أبقار الجيرزي دائمًا ما تُفاجِئُك بطريقةٍ غير سارة، بسرعتها وبالتغيُّر المفاجئ في حالتها المزاجية. صاحت بيل لتنهرها ولتطمئنه.

«إنها لن تؤذيك. عليك فقط ألَّا تتحرَّك. إنها فقط تشعر بالقلق.»

لاحظَتِ الآن الحقيبةَ التي كان يحملها، وهذا هو ما تسبَّبَ في تلك المشكلة. اعتقدَتْ أنه كان يسير بالخارج فحسب على القضبان، لكنه كان يتجه لمكانٍ ما.

«إنها منزعجةٌ من حقيبتك. هل يمكن أن تضعها على الأرض للحظاتٍ؟ على أن أُعِيدَها إلى الحظيرة لحَلْبِها.»

نفَّذَ ما طلبَتْه، ووقف يرقب ما يحدث وهو لا يرغب في التحرُّك قيدَ أنملة.

أعادت مارجريت روز إلى حيث يوجد الدلو والمقعد الصغير عند ذلك الجانب من الحظيرة.

قالت له: «بإمكانك أن تحملها الآن.» وتحدَّثَتْ إليه بلطفٍ وهو يقترب منها قائلةً: «ما دمتَ لا تحرِّكها نحْوَها، فستبقى هادئةً. إنك جندي، أليس كذلك؟ إنِ انتظرتَ حتى أنتهي من حلبها، فبمقدوري أن أعدَّ لك بعضًا من طعام الإفطار. مارجريت روز، يا له من اسم سخيف عليك أن تناديها به!»

كانت امرأةً قصيرةَ القامة، قويةَ البنية، ذات شعرٍ مسترسل رمادي اللون ممتزجٍ بما تبقَّى من شعرها الأشقر، الذي اتَّخَذَتْ مقدمتُه مظهرًا طفوليًّا جميلًا.

قالت وهي تستوي على مقعدها: «أنا المسئولة ها هنا. أنا أؤيد الملكية أو اعتدتُ أن أكون كذلك. أصنع بعضًا من العصيدة خلف الموقد، ولن يستغرق حلب البقرة وقتًا طويلًا. إنْ لم يكن لديك مانعٌ، خُذْ جولةً حول الحظيرة وانتظر حيث لا يمكنها رؤيتك. إنه لشيءٌ سيئٌ ألَّا أستطيع أن أقدِّم لك بيضةً. لقد كنا نربي دجاجًا، لكنَّ الثعالب أخذت تنقضُّ عليها وتأكلها حتى مللنا تربيتها.»

اعتدنا، اعتدنا أن نربي دجاجًا. كان هذا يعني أن هناك رجلًا في مكانٍ ما هنا.

«تكفي العصيدة. ويسرني أن أدفع مقابلها.»

«لا داعيَ لذلك. عليك فقط أن تبتعد قليلًا. إنها منتبهة بدرجةٍ تمنع نزول اللبن.»

غادَرَ المكان ليتجوَّل حول الحظيرة. كانت في حالة سيئة. اختلَسَ النظرَ بين الألواح الخشبية ليرى نوعَ السيارة التي كانت تقتنيها، لكن كان كلُّ ما رآه هو عربة صغيرة قديمة وبقايا لبعض الآلات الأخرى المتحطمة.

كان المكان ينمُّ عن بعض الترتيب، وفي المنزل كان كل الطلاء الأبيض مقشرًا وأخذ يحيل للون الرمادي، وكانت هناك نافذة مثبت عليها ألواح خشبية لا بد أنها وُضِعت مكانَ لوحِ زجاجٍ محطَّم. وها هي حظيرة الدجاج المتهدمة التي ذكرَتْ أن الثعالب كانت تنقضُّ على ما فيها من دجاج. وكانت هناك كومة من الألواح الخشبية الصغيرة.

إنْ كان هناك رجلٌ في المكان، فلا بد أنه مُقعَد، أو أن ما يعجزه هو الكسل.

كان هناك طريق يمتد بطول المنزل؛ حقل صغير محاط بسياج أمام المنزل، طريق قذر. وبداخل الحقل يقف حصان مُرَقَّط ذو مظهر مسالم. كان يمكنه أن يرى أسباب الاحتفاظ بالبقرة، لكن ماذا عن الحصان؟ إن الناس في المزارع حتى قبل الحرب كانوا يتخلَّصون من الخيول؛ فالجرارات كانت هي البديل. ولم تكن هي من ذلك النوع الذي يمكنه أن يتنزه فوق ظهر أحد الخيول من أجل المتعة.

ثم جالت بذهنه صورة العربة الصغيرة المتواجدة في الحظيرة؛ إنها لم تكن أثرًا قديمًا، بل هي كل ما تملكه.

أخذ يترامى إلى مسامعه الآن لفترة قليلة صوتٌ غريبٌ. كان الطريق يرتفع عبر تل، ومن فوق ذلك التل كانت هناك أصوات تشبه صوت الخيول، ويختلط بها القليل من الجلجلة أو الصفير.

وبعدها قَدِمتْ من فوق التل عربةٌ صغيرة تسير على عجلٍ يجرها حصانان صغيران للغاية؛ لقد كانا أصغر من ذلك الموجود في الحقل لكنهما كانا يفوقانه حيويةً. وكان يجلس في العربة ستة أو نحو ذلك من الرجال القصار القامة؛ كانوا جميعهم يتَّشِحون بالسواد ويرتدون فوق رءوسهم قبعات سوداء تلائم ما يرتدونه.

كان هناك صوت يصدر عنهم؛ لقد كان صوتَ غناء، وكانت أصواتهم بسيطة وعالية ورصينة، عذبة بقدر المستطاع. لم ينظروا باتجاهه مطلقًا وهم يمرون من جانبه.

أصابه ذلك بالانزعاج؛ فلم تكن العربة الصغيرة في الحظيرة ولا الحصان في الحقل يمثِّلان شيئًا عند المقارنة بتلك العربة.

كان لا يزال واقفًا ينظر هنا وهناك حينما سمعها تناديه قائلةً: «لقد انتهيتُ.» كانت تقف بجوار المنزل.

قالت عن الباب الخلفي: «من هنا تستطيع أن تلج وتخرج؛ فالباب الأمامي عالقٌ منذ الشتاء الماضي، ونعجز عن فتحه. يمكن أن يعتقد المرء أنه لا يزال متجمدًا.»

سارا فوق بعض الألواح الخشبية الموضوعة فوق أرضية متسخة غير مستوية، وفي عتمة تسبَّبَتْ فيها الألواح الخشبية التي تغطي النافذة. كان المكان باردًا هناك مثله مثل الحفرة التي كان ينام فيها؛ فقد كان يستيقظ مرات ومرات وهو يحاول أن يجعل نفسه في موضعٍ يستشعر معه بعضَ الدفء. لم تكن المرأة ترتجف هناك؛ بل كانت تنبعث منها رائحة النشاط الذي ينمُّ عن الصحة وما يشبه رائحةَ جلد البقرة.

صبَّتِ اللبن الطازج في وعاء خزفي وغطت الوعاء بقطعة من القماش الجُبني كانت تحتفظ بها بجانبه، ثم قادته نحو الجزء الرئيسي من المنزل. لم تكن هناك ستائر فوق النوافذ، ولذا كان الضوء يتسلَّل منها، وكانت المدفأة التي تعمل بالحطب أيضًا مشتعلة. كان هناك حوضٌ بمضخة يدوية، ومنضدةٌ مغطَّاة بغطاءٍ من المشمع كانت بعض جوانبه باليةً وممزَّقةً، وأريكةٌ عليها لحاف قديم مُرقَّع.

وكانت هناك أيضًا وسادةٌ برز منها بعض بطانتها.

إلى الآن لا يبدو الأمر سيئًا، بالرغم من أن كل شيء كان قديمًا وباليًا. هناك فائدة لكل شيء يمكن أن تقع عليه عيناك، ولكن عندما ترفع عينَيْك لأعلى سترى فوق الأرفف أكوامًا متراكمةُ من المجلات أو الصحف، أو ربما مجرد نوعٍ ما من الأوراق التي تكاد تصل إلى السقف.

كان عليه أن يسألها إنْ كانت لا تخشي النيران؛ نيران الموقد الذي يعمل بالحطب، على سبيل المثال.

«أوه، إنني أتواجد هنا دومًا؛ أعني أنني أنام هنا. ليس هناك مكان آخَر يمكن أن أحتفظ فيه بهذه الأوراق، ولكني أتخذ حذري؛ إنني حتى لا أمتلك مدخنة. لقد حدث مرتين أن ازداد لهيب النيران مما جعلني أُلقِي بعضًا من مسحوق الخبيز عليها، وهذا أمره هيِّن.»

وأضافت: «كان ينبغي أن تتواجد أمي هنا على أية حال. لم يكن ثمة مكانٌ آخَر يمكن أن تشعر بالراحة فيه غير هذا المكان، وقد كنت أضع فراشها هنا. أنا أراقب كل شيء هنا. ولقد فكرتُ بالفعل أن أنقل كلَّ الأوراق إلى الغرفة الأمامية لكنها شديدة الرطوبة وستتلف جميعها.»

ثم ذكرتُ أنَّ عليها أنْ توضِّح الأمور، فقالت: «إن أمي متوفاة. لقد تُوفِّيت في شهر مايو عندما تحسَّنَتْ حالة الطقس. لقد كانت على قيد الحياة عندما انتهت الحرب وسمعت هذا الخبر في الراديو. لقد كانت تَعِي ذلك جيدًا. صحيح أنها فقدت القدرة على الكلام منذ فترة طويلة، لكن كان بمقدورها أن تَعِي ما يجري حولها. لقد اعتدتُ على عدم حديثها لدرجة أنه يُخَيَّل إليَّ في بعض الأوقات أنها موجودة هنا، لكنها بالطبع ليست كذلك.»

شعر جاكسون أنه يجب عليه أنْ يعبِّر عن أسفه.

«أوه، لا بأس. إنه أمر حتمي، ومن حسن الحظ أنه لم يحدث في فصل الشتاء.»

قدَّمَتْ له عصيدة الشوفان، وصبَّتْ له بعضًا من الشاي.

«هل تريده ثقيلًا؟ أعني الشاي.»

هزَّ رأسَه بالموافقة وفمه ممتلئٌ بالطعام.

«إنني لا أقتصد على الإطلاق عند وضع الشاي. إن كان الاقتصاد في ذلك، فلِمَ لا نحتسي الماء المغلي إذن؟ لقد نفد أو توقَّف كلُّ شيء بالفعل لدينا عندما ساءَتْ أحوالُ الطقس في الشتاء الماضي؛ فلقد نفَدَ الماء وتعطَّلَ الراديو، ونضب الشاي. لقد كان لديَّ حبلٌ عند الباب الخلفي لكي أتشبَّث به عندما أخرج للحَلْب، وكنتُ سأصطحب مارجريت روز إلى المطبخ الخلفي، لكني أدركتُ أنها قد تشعر بالانزعاج الشديد من جرَّاء العاصفة ولم أكن لأقوى على الإمساك بها. على أية حال، لقد تخطَّتِ الأمر، وتخطَّيْناه جميعًا.»

سألها عندما وجد مساحة للحديث: هل هناك أي أقزام في الجوار؟

«لم ألحظ ذلك.»

«الأشخاص القصار الذين كانوا يركبون عربة صغيرة؟»

«أوه، هل كانوا يغنون؟ لا بد أنهم أولاد المينوناتيين الصغار. إنهم يقودون عربتهم إلى الكنيسة وينشدون طوال الطريق، أما الفتيات فعليهن أن يذهبْنَ في عربات أخرى مع آبائهن الذين يَدَعون الصِّبْيةَ يستقلُّون العربةَ الصغيرة.»

«لقد بَدَوْا وكأنهم لم يروني مطلقًا.»

«إنهم لم يفعلوا. لقد اعتدتُ أن أقول لأمي إننا نحيا على الطريق القويم لأننا كنا مثل المينوناتيين تمامًا؛ الحصان والعربة القديمة وشرب اللبن غير مُبَسْتَر. والاختلاف الوحيد هو أنه لا أحدَ منَّا يمكنه الغناء.»

وأضافَتْ: «عندما تُوفِّيت أمي أحضروا الكثيرَ من الطعام الذي ظللتُ أتناوله لأسابيع. لا بد أنهم اعتقدوا أنه ستكون هناك حفلة تأبين قبل الدفن أو نحو ذلك. إنني محظوظة لأنهم يعيشون بجواري، لكني حدَّثْتُ نفسي قائلةً إنهم أيضًا محظوظون لأنه من المفترض أنهم يمارسون العمل الخيري، وها أنا ذا تقريبًا أقطن بالقرب من عتبة دارهم وسبب للعمل الخيري.»

عرض أن يدفع لها حينما ينتهي من الأكل، ولكنها رفضَتْ أن تأخذ نقوده.

لكنها قالت إنها تطلب منه شيئًا واحدًا، وهو إنْ كان بمقدوره أن يصلح لها حاويةَ علف الحصان قبل أن يمضي.

كان هذا في الواقع يعني صنع حاوية جديدة، ومن أجل أن يفعل ذلك كان عليه أن يبحث عن المواد أو الأدوات التي كان يحتاجها ويمكن أن يجدها. وقد استغرق ذلك اليوم بأكمله، وقدَّمَتْ هي له على العشاء بعضَ الفطائر المحلَّاة وشراب القيقب الذي أعَدَّه المينوناتيون. وأخبرته أنه لو قَدِم بعد أسبوعٍ فقط فقد تقدِّم له بعضًا من المربى الطازجة؛ فلقد قطفَتْ عناقيد من التوت البري الذي كان ينمو على امتداد السكة الحديدية.

جلسا على كرسيَّي المطبخ خارج الباب الخلفي إلى ما بعد غروب الشمس. كانت تقصُّ له شيئًا عن كيفية قدومها إلى المكان، وكان ينصت لها، لكنه لم يكن يُعِيرها كاملَ اهتمامه؛ لأنه كان يتفحَّص المكان حوله، ويرى أن المكان في حالة مزرية، لكنه ليس ميئوسًا منه على الإطلاق إذا أراد المرء الاستقرارَ فيه وإصلاحَ الأشياء الموجودة فيه. لقد كان يحتاج إلى استثمار بعض المال فيه لإصلاحه، لكنَّ قدر الوقت والطاقة المطلوب استثماره فيه كان أكثر. قد يكون الأمر نوعًا من التحدي. كان على وشك الشعور بالندم لأنه كان سيرحل.

والسبب الآخَر في أنه لم يُعِر كاملَ اهتمامه لما كانت تخبره به بيل — ذلك كان اسمها — هو أنها كانت تتحدَّث عن حياتها التي لم يمكن بمقدوره تخيُّلها جيدًا.

قالت له إن والدها — الذي كانت تناديه بأبي — قد اشترى ذلك المكان فقط من أجل قضاء الصيف فيه، ثم قرَّرَ أنه من الممكن أن يُقِيموا أيضًا فيه طوال العام. لقد كان بإمكانه العمل في أي مكانٍ؛ لأنه كان يكسب عيشه من خلال كتابة عمودٍ في صحيفة «تورونتو إيفننج تليجرام»، وكان رجلُ البريد يأخذ ما يكتب ثم يُرسَل عن طريق القطار. لقد كتب عن كل الأشياء التي وقعَتْ حولنا، بل إنه حتى ذكَرَ بيل في مقالاته، مشيرًا إليها بالقطة بوسي. وقد كان يذكر أيضًا أم بيل بين الحين والآخَر، لكنه كان يطلق عليها الأميرة كاساماسيما، وهو اسم مستقًى من كتابٍ لم يَعُد اسمه يعني شيئًا على الإطلاق، كما قالت أمها. ربما كانت أمها السبب في بقائهم في هذا المكان طوال العام؛ فلقد أُصِيبت بوباء الإنفلونزا الرهيب الذي انتشر عام ١٩١٨ وتُوفِّي بسببه العديد من الأشخاص، وعندما تعافت أضحت غريبةً. لكنها لم تكن بكماء تمامًا؛ لأنه كان بإمكانها إنتاج بعض الكلمات، لكنها فقدت العديد منها، أو بالأحرى الكلمات هي التي فقدَتْها. لقد كان عليها أن تتعلَّم من جديدٍ كيف تُطعِم نفسها وتذهب إلى الحمام. وبجانب الكلمات كان عليها أيضًا أن تتعلَّم عدم خلع ملابسها في الطقس الحار؛ فأنت لا تريدها أن تكون مجرد شخصٍ هائم يصبح أضحوكةً في شوارع المدينة.

كانت بيل تذهب في الشتاء إلى المدرسة. كان اسم المَدرسة الأسقف ستراون، وقد اندهشت لأنه لم يسمع بها مطلقًا من قبلُ؛ فراحَتْ توضِّح له تهجئةَ الاسم. لقد كانت تلك المدرسة في تورونتو، وكانت مليئةً بالفتيات الثريات، لكنها كانت تضمُّ فتياتٍ مثلها ممَّن كنَّ يتلقَّيْنَ إعاناتٍ من الأقارب أو يُذْكَرن في وصايا من أجل الذهاب إلى هناك. قالت إنها علَّمَتْها أن تكون متغطرسةً بعض الشيء، ولم تساعدها في معرفة ما تفعله من أجل كسب العيش.

لكن الحادث تولَّى أمرَ ذلك كله؛ فقد صدم القطارُ والدَها وهو يسير بجانب السكة الحديدية كما كان يحب أن يفعل في الغالب في أمسيات الصيف. وكانت هي وأمها قد خلدتا إلى فراشهما قبل أن يحدث ذلك، وقد اعتقدت بيل أنه حيوان هارب من أحد المزارع عند السكك الحديدية، لكن أمها كانت تَئِنُّ بنحوٍ فظيعٍ، وبَدَتْ وكأنها عرفَتِ الأمر قبل أن يعلمه أحدٌ.

في بعض الأحيان كانت تراسلها إحدى صديقاتها بالمدرسة لتسألها عمَّا يمكن أن تفعله في هذا المكان، ولكنهن لم يعلمْنَ إلا القليل عن الأمر؛ فهناك الحلْبُ والطهْيُ والعنايةُ بأمها، كما كان لديها أيضًا الدجاج آنذاك. ولقد تعلَّمَتْ أنْ تقطع البطاطس بحيث يكون لكلِّ جزءٍ عينٌ أو برعمٌ، ثم تزرعها وتجمعها الصيفَ التالي. لم تتعلَّم القيادة، وعندما اندلعَتِ الحرب باعَتْ عربةَ أبيها. لقد جعلها المينوناتيون تقتني حصانًا لم يَعُدْ يصلح لعمل الحقل، وعلَّمَها أحدُهم كيف تَسُوسه وتقوده.

جاءت إحدى صديقاتها القدامى — تُدعَى روبين — لزيارتها، وكانت تعتقد أن أسلوب الحياة الذي كانت تعيشه مثيرٌ للضحك، وكانت تريدها أن تعاوِد إلى تورونتو، لكنْ ماذا عن أمها؟ لقد أصبحَتْ أمها أكثر هدوءًا الآن، وكانت لا تخلع ملابسها، كما أنها كانت تستمتع أيضًا بالاستماع إلى الراديو؛ حفلات الأوبرا في أوقات ما بعد ظهيرة أيام السبت. يمكنها أن تفعل ذلك بالطبع في تورونتو، لكن بيل لم تكن تبغي أن تقتلعها من المكان. قالت روبين إنها تتحدَّث عن نفسها هي؛ فهي كانت تخشى أن تقتلع نفسها من المكان الذي كانت تعيش فيه، لكنها ذهبت وانضمَّتْ إلى ما كانوا يُطلِقون عليه جيشَ النساء.

•••

كان أول شيء عليه أن يفعله هو أن يجعل بعض الغرف بخلاف المطبخ ملائمةً للنوم فيها؛ فالطقس البارد كان يقترب. وكان هناك بعض الفئران التي توجَّبَ عليه أن يتخلَّص منها، بل من بعض الجرذان أيضًا، التي كانت تأتي الآن هربًا من الطقس البارد. سألها لماذا لم تشترِ قطةً من قبلُ، وسمع جزءًا من منطقها الغريب في هذا الشأن؛ إذ قالت إن القطة دائمًا ما ستقتل بعضَ الأشياء ثم تجلبها إليها لكي تريها إياها، وهو شيء لا تريد أن تفعله. راح ينصت باهتمامٍ لأصوات المصايد، ثم تخلَّصَ منها قبلَ أن تَعِي ما حدث. ثم حظَّرَها بشأن الأوراق التي تملأ المطبخ، ومشكلة التعرُّض للحريق، ووافقَتْ على نقلها إذا ما أصبحَتِ الغرفةُ الأمامية خاليةً من الرطوبة. وأصبحت تلك مهمته الأساسية؛ فقد اشترى مدفأة، وأصلح الجدران، وأقنَعَها بأن تمضي القسمَ الأكبر من الشهر في الصعود وإحضار الأوراق، وإعادة قراءتها وترتيبها ورصها في الأرفف التي صنعها.

أخبرَتْه حينها أن الأوراق تحتوي على كتاب والدها، وكانت تطلق عليه رواية في بعض الأحيان. لم يفكِّر في أن يسألها عن تلك الرواية، لكنها أخبرَتْه ذات يومٍ أنها عن شخصين يُدْعَيان ماتيلدا وستيفن، وأنها رواية تاريخية.

«هل تتذكر تاريخك؟»

لقد أنهى خمس سنوات من الدراسة الثانوية بدرجاتٍ مقبولة، وأداءٍ جيد جدًّا في علم حساب المثلثات والجغرافيا، لكنه لم يكن يتذكَّر الكثيرَ من التاريخ. وفي عامه الأخير، على أية حال، كان كل ما يمكنه تذكُّره هو أنه ذاهب للحرب.

قال: «ليس تمامًا.»

«كنتَ ستتذكَّره تمامًا إنْ كنتَ قد ذهبتَ إلى مدرسة الأسقف ستراون؛ إذ كنتَ ستُجبَر حينها على حفظه. إنه التاريخ الإنجليزي، على أية حال.»

قالت إن ستيفن كان بطلًا؛ كان رجلًا رفيعَ الأخلاق، شديدَ الصلاح مقارَنةً بمَنْ هم في عصره؛ فقد كان من الأشخاص النادرين الذين لا يكرِّسون حياتهم من أجل ذاتهم، ولا يخرقون عهدًا في الوقت الذي كان من المناسب فيه أن تفعل ذلك؛ ونتيجةً لذلك لم ينجح في حياته في النهاية.

ثم بعد ذلك ذكرت ماتيلدا. كانت تنحدر مباشَرةً من نسل ويليام الفاتح، وكانت تتَّسِم بالقسوة والغطرسة كما هو متوقَّع، بالرغم من أنه قد يكون هناك أشخاص أغبياء بدرجةٍ كافية بحيث يدافِعون عنها لأنها امرأة.

«لو أمكنه الانتهاء منها، لَأصبحَتْ روايةً رائعة جدًّا.»

كان جاكسون يعلم بالطبع أن الكتب تظهر للنور لأن هناك أشخاصًا يجلسون ويكتبونها؛ فهي لا تظهر من عدم. لكنَّ السؤال هو: لِمَ ذلك؟ كانت هناك كتب موجودة بالفعل، هناك الكثير منها، ومنها اثنان كان عليه أن يقرأهما أيام المدرسة؛ «قصة مدينتين» و«مغامرات هاكلبيري فين»، وكان كلٌّ منهما مكتوبًا بلغةٍ تُتعِبك على الرغم من اختلاف أسلوبهما في هذا الإطار. وكان ذلك شيئًا مفهومًا؛ فلقد كُتِبا في الماضي.

لكن الشيء الذي أثار حيرته، بالرغم من أنه لم يكن ينوي الإفصاحَ عنه، هو السبب وراء رغبةِ أيِّ شخصٍ في تأليف كتابٍ آخَر في الحاضر؛ أيْ في وقتنا هذا.

قالت بيل في خفة: المأساة. ولم يكن جاكسون يدري إنْ كانت تتحدَّث عن والدها أم عن أحد الأشخاص الموجودين في الكتاب الذي لم يكتمل.

على أية حال، والآن بعد أن أصبحَتْ هذه الغرفة ملائمةً للعيش، كان تفكيره يتجه نحو سقفها؛ فليس ثمة فائدة من إصلاح غرفةٍ وحالةُ سقفها تجعلها غير ملائمة للعيش ثانيةً في غضون سنة أو اثنتين. لقد نجح في ترميمه، وهكذا سيظل صالحًا لفصلَيْ شتاء آخَرين، لكنه لم يكن ليضمن لها أكثر من ذلك. وكان لا يزال عازمًا على الرحيل بحلول عيد الميلاد.

•••

كانت عائلات المينوناتيين في المزرعة المجاورة تعتمد على الفتيات الأكبر سنًّا؛ حيث إن الصِّبْية الأصغر سنًّا الذين رآهم لم يكونوا على درجة كافية من القوة تمكِّنهم من أداء المهام الأكثر صعوبةً. وقد استطاع جاكسون أن يحصل على عمل لديهم خلال فترة الحصاد في فصل الخريف، وقد تمَّتْ دعوته لتناول الطعام مع الآخَرين، ويا لدهشته حين وجد أن الفتيات كنَّ يتصرَّفْنَ بحماسٍ وهن يقدِّمْنَ له الطعام، ولاحَظَ أنهن لا يعانين من البكم، كما توقَّعَ. لاحَظَ أن الأمهات كانت تعتني بهن، وأن الآباء كانوا يراقبونه هو عن كثبٍ، وشعر بالسعادة لعلمه أنه كان بمقدوره إرضاء كلا الطرفين. ولقد لمسوا أنْ ليس ثمة ما يثير المشاكل بالنسبة إليه؛ فكل شيء كان على ما يرام.

وبالنسبة إلى بيل، فليس بالطبع ثمة شيءٌ يشوبها.

لقد كانت تكبره بستة عشر عامًا، وهذا هو ما اكتشفه. وذِكْرُ ذلك، وحتى المزاح بشأنه، كان سيفسد كلَّ شيء؛ فهي امرأة ذات طبيعة خاصة، وهو نوع خاص من الرجال.

•••

كانت البلدة التي كانا يذهبان إليها للتسوُّق، حينما كانا يحتاجان إلى ذلك، تُسمَّى أوريول. كانت تقع في الاتجاه المعاكس من البلدة التي نشأ بها. ربط الحصان في المكان المخصَّص لذلك والملحق بالكنيسة المتحدة، حيث لم تكن توجد بالطبع مرابط للحيوانات في الشارع الرئيسي. في البداية كان يشعر بالارتياب تجاه متجر الأدوات المعدنية وصالون الحلاقة، لكنه سرعان ما أدرك شيئًا عن البلدات الصغيرة، وهو شيء كان ينبغي أن يدركه من خلال نشأته في واحدة من تلك البلدات؛ فليس بينها أي علاقة، اللهم إنْ كانت هناك مباريات بين فِرَقها في ملاعب البيسبول أو ملاعب الهوكي؛ حيث يكون ثمة نوعٌ مصطنع ومحموم من العداء بينها. وحينما كانا بحاجةٍ إلى شراء شيءٍ لا توفِّره لهما المتاجر التي يتعاملان معها، كانا يذهبان إلى إحدى المدن. وكانا يفعلان ذلك بالمثل عندما يريدان استشارة طبيب بخلاف الأطباء الذين توفرهم لهما بلدتهما. ولم يكن يَلْتقِي بأي شخص يعرفه، ولم يُظهِر أحدٌ فضولًا نحوه، بالرغم من أنهم قد ينظرون باهتمامٍ نحو الحصان الذي كان معه. ولأن الطرق الخلفية في شهور الشتاء، أو غيرها، لم تكن تُجرَف، فقد كان يجب على الأشخاص الذين يأخذون ألبانَهم إلى متجر الألبان أو بيضَهم إلى متجر البقالة؛ الاستعانةُ بالخيول، مثلما كان يفعل هو وبيل.

كانت بيل دائمًا ما تتوقَّف لترى ما هي الأفلام المعروضة، بالرغم من أنها لم تكن تنوي الذهاب لمشاهدة أيٍّ منها. كانت معلوماتها عن الأفلام ونجومها غزيرة، ولكنها كانت مستقاةً منذ سنواتٍ مضَتْ؛ مثل رواية ستيفن وماتيلدا، فيمكنها على سبيل المثال أن تخبرك عن المرأة التي تزوَّجَها كلارك جيبل في الواقع قبل أن يمثِّل شخصيةَ ريت بتلر.

وسرعان ما أصبح جاكسون يحلق رأسه حينما يكون بحاجة إلى ذلك، ويشتري التبغ حينما ينفد ما لديه منه. وقد أصبح الآن يدخِّن مثله مثل أي مزارع؛ فقد كان يلفُّ سجائرَه ولا يشعلها مطلقًا داخل المنزل.

ظلت السيارات المستعملة غير متاحة لفترة، ولكن عندما أضحت متاحةً مع ظهور الأنواع الجديدة أخيرًا، ومع وجود مزارعين كسبوا نقودًا من خلال الحرب وكانوا على استعدادٍ للتخلِّي عن السيارات القديمة؛ كان عليه حينها أن يتحدَّث عن الأمر مع بيل؛ فالرب وحده كان يعلم كيف أصبح الحصان فريكلز عجوزًا وعنيدًا عند صعود أيِّ تلٍّ.

اكتشف أن تاجر السيارات كان يلاحظ وجودَه، بالرغم من عدم توقُّعه زيارته له.

قال تاجر السيارات: «لقد كنتُ أعتقد دائمًا أنك أنت وأختك من المينوناتيين، لكنكما ترتديان ملابس مختلفة.»

صدم هذا الكلام جاكسون قليلًا، لكنه على الأقل كان أفضلَ من وصفهما بأنهما زوج وزوجة، ولقد جعله ذلك يدرك أنه لا بد أن العمر قد تقدَّمَ به وشابَه التغييرُ عبر السنوات، وكيف أن الشخص الذي قفز من القطار، ذلك الجندي الهزيل المحطم الأعصاب، لم يَعُدْ ليعرفه أحدٌ وقد توارى خلف الرجل المتمثِّل الآن. هذا بخلاف بيل التي توقَّفَتْ، بقدر ما يراها الآن، عند نقطةٍ بعينها في الحياة حيث ظلَّتْ طفلةً كبيرة. وحديثها يرسِّخ ذلك الانطباعَ؛ فقد كانت تقفز للأمام والخلف، تقفز نحو الماضي وتخرج منه ثانيةً، بحيث كان يبدو الأمر وكأنها لا تفرِّق بين رحلتها الأخيرة للبلدة والفيلم الأخير الذي شاهدَتْه بصحبة والدها ووالدتها، أو الحادث الطريف الذي وجَّهَتْ فيه مارجريت روز — التي نفقت الآن — قرنَيْها نحو جاكسون القَلِق.

•••

كانت تلك هي السيارة الثانية التي امتلكاها، وكانت مستعملةً بالطبع، وقد أقلَّتْهم لتورونتو في صيف عام ١٩٦٢. لم تكن هذه الرحلة في حسبانهما، وجاءت في وقتٍ حَرِج بالنسبة إلى جاكسون؛ فقد كان يبني إسطبل خيول جديدًا للمينوناتيين، الذين كانوا مشغولين بالمحاصيل، وهناك سببٌ آخَر وهو اقتراب موسم حصاد خضرواته التي كان يبيعها لمتجر البقالة في أوريول. لكنَّ بيل كان لديها ورمٌ، وقد أُقنِعت أخيرًا بأن تُعِيره بعض الاهتمام، وقد حُجِز موعدٌ لها لإجراء عملية في تورونتو.

ظلت بيل تقول: يا له من تغيير! هل أنت على يقينٍ من أننا ما زلنا في كندا؟

كان هذا قبل أن يمرا بكتشنر، وبمجرد أن وصلا إلى الطريق السريع الجديد، شعرت بالذعر بالفعل، وأخذت تستجديه أن يبحث عن طريقٍ جانبي، أو يلف ثانيةً ويعود أدراجه إلى المنزل. وجد نفسه يتكلَّم بحدة فيما يتعلَّق بهذا؛ فالمرور قد أثار دهشتَه هو الآخَر. ظلت هادئةً بعد ذلك طوال الطريق، ولم يكن يدري إنْ كانت أغلقت عَيْنَيْها لأنها قد استسلمَتْ للأمر، أم أنها كانت تصلي. لم يعرف عنها قطُّ أنها كانت تصلي.

حتى في هذا الصباح كانت تحاول أن تَثْنِيه عن رأيه بشأن الذهاب؛ فقالت إن الورم كان يقلُّ حجمُه ولا يزيد، وقالت إنه منذ أن أصبح هناك تأمينٌ صحي لكل فرد، أضحى كلُّ شخص لا يفعل شيئًا سوى أن يهرع إلى الطبيب، ويجعل من حياته دراما طويلة من المستشفيات والعمليات الجراحية التي لا تعود بشيء إلا بإطالة الفترة التي يكون فيها الشخص مصدرَ قلقٍ في نهاية الحياة.

هدأت وابتهجت عندما وصلا إلى الطريق الفرعي الذي يقصدانه وأصبحا بالفعل في المدينة، ووجدا نفسيهما في طريق أفنيو، وبالرغم من تعجُّبها من الكيفية التي قد تغَيَّر بها كل شيء، فقد كان بمقدورها عند كل بناية أن تتعرَّف على شيء كانت لها به معرفة مسبقة؛ فهناك عمارة كان يقطن بها أحدُ معلميها في مدرسة الأسقف ستراون، وأسفلَها كان هناك متجرٌ يمكنك أن تشتري منه اللبن والسجائر والصحف. قالت: ألن يكون غريبًا أن تدلف إليه فتجد صحيفة «تورونتو إيفننج تليجرام» التي لن يكون بها اسم والدها فحسب، وإنما أيضًا صورته غير الواضحة التي التُقِطت له عندما كان بشعره كاملًا.

ثم أطلقت صيحة خفيفة، وعند شارع جانبي رأت الكنيسة التي تزوج بها والداها؛ لقد كادت تُقسِم أنها ذات الكنيسة. لقد اصطحباها إلى هناك لكي يُرِياها إياها، بالرغم من أن هذا المكان لم يكن كنيسةً على الإطلاق؛ فهما لم يرتادا أية كنيسة قطُّ. لقد كانت مزحةً؛ فقد قال والدها إنهما تزوَّجَا في الطابق الأرضي بالكنيسة، لكن أمها قالت إنهما تزوَّجَا في غرفة الاجتماعات والصفوف الملحقة بالكنيسة.

لقد كانت أمها تتكلَّم بسهولةٍ وقتَذاك، فكانت مثلها مثل أي شخص عادي.

ربما كان هناك قانون في ذلك الوقت يُلزِمك بالزواج في الكنيسة وإلا فلن يُعَدَّ الزواجُ قانونيًّا.

وعند محطة إيجلنتون رأت علامةَ مترو الأنفاق.

«تخيَّلْ أنني لم أستقلَّ مترو الأنفاق مطلقًا من قبلُ.»

قالت ذلك بمزيجٍ من الألم والكبرياء.

«تخيَّلْ أن تظل بذلك الجهل.»

وفي المستشفى كانوا مستعدين لاستقبالها، واستمرت هي في حيويتها، مُخبِرةً إياهم بفزعها من المرور ومن التغيرات التي طرأت على كل شيء، مُتسائِلةً إنْ كان لا يزال هناك ذلك العرض الذي يُقام في عيد الميلاد بجوار متجر إيتون، وإنْ كان لا يزال أحدٌ يقرأ صحيفة «تورونتو إيفننج تليجرام».

قالت إحدى الممرضات: «كان عليك أن تزوري الحي الصيني؛ فقد أصبح الآن شيئًا آخَر.»

قالت: «أتطلَّع لرؤيته في طريق عودتي إلى المنزل.» ثم ضحكَتْ قائلةً: «هذا إنْ رجعتُ إلى المنزل.»

«لا تكوني سخيفةً.»

كانت هناك ممرضةً أخرى تتحدَّث مع جاكسون عن المكان الذي ركن به سيارته، وأخبرَتْه أين ينقلها حتى لا يحصل على مخالَفةٍ. وتأكدَتْ أيضًا من معرفته بكل شيء يتعلَّق بإقامة أقارب المرضى الذين يُقِيمون خارج المدينة، ومن أنها أقل تكلفةً ممَّا سيدفعونه إنْ أقاموا في أحد الفنادق.

قالوا إنه يجب على بيل أن تأوي إلى الفراش حالًا وسيأتي أحد الأطباء لفحصها، وبمقدور جاكسون أن يأتي لاحقًا لكي يودِّعها قبل النوم، لكنه قد يجدها شبه مخدَّرة في ذلك الوقت.

ترامى إلى مسامعها ما يقولون، وقالت إنها لم تكن في كامل وعيها طوال الوقت، وإنَّ كَوْنها شبه مخدرة ما كان ليدهشه، وقد ظلل المرحُ المكانَ بعضَ الشيء.

أخذته الممرضة لكي يوقِّع على شيءٍ قبل أن يغادر. تردَّدَ عندما طُلِب منه أن يكتب صلة القرابة، فكتب «صديق».

•••

عندما عاد في المساء، رأى بالفعل تغييرًا، بالرغم من أنه ما كان ليصف بيل وقتَها بأنها شبه مخدرة. لقد ألبسوها رداءً فضفاضًا أخضر اللون ترك عنقَها ومعظم ذراعيها عاريَيْن. نادرًا ما رآها عاريةً هكذا أو لاحَظَ تلك الحبال المشدودة الممتدة بين عظمة الترقوة والذقن.

كانت غاضبةً من أن فمها كان جافًّا.

«إنهم لا يسمحون لي بشيءٍ سوى رشفةٍ من الماء.»

كانت تريده أن يذهب ويأتي إليها بزجاجةِ ماء غازية، وهو شيء لم تشربه في حياتها من قبلُ على حدِّ علمه.

«هناك ماكينة في البهو بالأسفل؛ لا بد أن تكون هناك واحدة. لقد رأيتُ أناسًا يمرون بي وهم يحملون زجاجةَ ماء غازية في أيديهم، وقد جعلني هذا أشعر بعطش شديد.»

قال إنه لا يستطيع أن يخالف الأوامر.

رقرقت عيناها بالدموع وأشاحت وجهها في تذمُّر.

«أريد العودة إلى المنزل.»

«سرعان ما ستعاودين.»

«هل يمكنك أن تساعدني في العثور على ملابسي؟»

«لا يمكنني ذلك.»

«إنْ لم تفعل، فسأقوم بذلك بنفسي. وسأذهب إلى محطة القطار بمفردي.»

«لم يَعُدْ هناك أيُّ قطارِ ركَّابٍ يذهب لبلدتنا من هنا.»

وفجأةً بَدَا أنها تخلَّتْ عن خططها في الهرب، وفي غضون لحظات راحَتْ تسترجع المنزل وكل التحسينات التي أدخلاها، وبالأحرى التي أدخلها هو، عليه؛ الطلاء الأبيض الذي كان يتلألأ على واجهة المنزل، حتى المطبخ الخلفي الذي طُلِي بالجير وفُرِش بالألواح الخشبية، والسقف الذي أُعِيدت تغطيته بالخشب، والنوافذ التي استعادت طرازها القديم البسيط، وأعظم الأشياء كلها، أنابيب الماء التي كانت تمثِّل متعةً في أوقات الشتاء.

«لو لم تظهر أنتَ لَكنتُ سأحيا الآن في مكانٍ قَذِرٍ للغاية.»

لم يفصح عن رأيه بأنها كانت بالفعل تعيش في مكان كهذا.

قالت: «حينما أخرج من هنا سأكتب وصيةً؛ سيئول المنزل كله إليك. فلن يضيع جهدك هباءً.»

كان قد فكَّرَ في ذلك بالطبع، ومن المتوقَّع أن آمال التملُّك كانت ستجلب له شعورًا رصينًا بالرضا، بالرغم من أنه كان سَيُعَبِّر عن رغبة صادقة وودودة بألَّا يحدث شيءٌ من هذا القبيل في القريب العاجل. لكن ليس الآن. بَدَا أن الأمر لم يكن يعنيه كثيرًا؛ فقد كان من المبكر التفكير في هذا.

استعادت شعورها بالغضب مرة أخرى.

«أوه، أتمنَّى لو كنتُ هناك وليس هنا.»

«ستشعرين بأنك أفضل كثيرًا عندما تستفيقين بعد العملية.»

على الرغم من أن ذلك كان كذبةً كبيرةً، وذلك من خلال كل ما سمعه من الأطباء.

وفجأةً انتابه شعورٌ بتعب شديد.

•••

كان ما قاله أقرب إلى الحقيقة أكثر مما يمكن أن يتصوَّر. وبعد مرور يومين من استئصال الورم كانت بيل تجلس في حجرة منفصلة متلهفة لرؤيته، ولم يزعجها على الإطلاق التأوهات الصادرة عن السيدة التي كانت تقبع خلف الستارة على الفراش المجاور. كان ذلك تقريبًا هو حال بيل في اليوم السابق حينما لم يجعلها تفتح عينيها مطلقًا أو تلاحظ وجوده كلية.

قالت بيل: «لا تُعِرْها اهتمامًا؛ فهي فاقدة للوعي تمامًا، ومن المحتمل أنها لا تشعر بشيء. لكنها إما ستستعيد وعْيَها في الغد وتتحسن صحتها، وإما لن يحدث ذلك على الإطلاق.»

أظهرت سيطرة قوية وراضية بعض الشيء؛ شيئًا من صلابة المتمرسين. كانت تجلس على الفراش ترتشف بعضًا من عصير البرتقال اللامع باستخدام ماصة ملتوية بعناية. لقد بَدَتْ أصغر سنًّا بكثيرٍ من المرأة التي أحضَرَها إلى المستشفى منذ وقت قصير.

•••

أرادت أن تعرف هل كان يحصل على قسطٍ كافٍ من النوم، وهل عثر على مكان جيد يتناول فيه طعامه، وهل الطقس لم يكن دافئًا بدرجةٍ منعَتْه من المشي، وهل وجد الوقت الكافي لزيارة متحف أونتاريو الملكي، كما نصحته بحسب اعتقادها.

لكنها لم تكن قادرةً على التركيز في إجاباته. لقد بَدَا أنها في حالة من الدهشة؛ دهشة بمقدورها السيطرة عليها.

قالت وهي تقاطع تبريره لعدم الذهاب إلى المتحف: «أوه، عليَّ أن أخبرك بشيء. أوه لا تبدو منزعجًا هكذا، ستجعلني أضحك من تعبيرات وجهك، وذلك سوف يُفسِد الغُرَز. تُرَى لِمَ عليَّ أن أفكِّر في الضحك على أية حال؟ إنه شيء مؤلم بشدة في الواقع. إنها لمأساة. إنك تعرف أشياء عن والدي، ما أخبرتُك به عن والدي …»

الشيء الذي لاحظه هو أنها قالت «والدي» بدلًا من «أبي».

«لقد كان والدي ووالدتي …»

بدا أنه كان عليها أن تبحث عن الكلمات وتبدأ من جديد.

«لقد كان المنزل في هيئةٍ أفضل من تلك التي رأيتَها عليها أولَ مرةٍ. لقد كنَّا نستخدم تلك الغرفة الكائنة أعلى الدَّرَج للاستحمام، وكان علينا بالطبع أن نحمل الماءَ النظيف لأعلى ثم نحمل الماء القَذِر لأسفل. ولم يحدث أن استخدمتُ، إلا مؤخرًا عندما أتيتَ أنت، لهذا الغرض الغرفةَ الموجودة في الطابق السفلي؛ المكان الذي كان يحتوي على الأرفف، والذي كان بمنزلة مخرن، أتتذكَّره؟»

كيف لم يتسنَّ لها أن تتذكَّر أنه هو الذي فكَّ الأرفف من تلك الغرفة التي حوَّلَها إلى حمام؟

قالت وكأنها تتعقَّب أفكاره: «أوه، حسنًا، فيمَ يهمُّ ذلك؟» ثم أضافت: «ذات مرة، سخنتُ بعض الماء وحملتُه لأعلى كي أستحم، وخلعت ملابسي. حسنًا، كنت أفعل. كانت هناك مرآة كبيرة فوق الحوض، لقد رأيتُ كيف كان هناك حوض وكأنه حمام حقيقي، وكان كلُّ ما على المرء فعله هو أن يجذب سدادةَ الماء، ثم يُصرِّف الماء في الدلو حينما ينتهي. أما المرحاض، فقد كان في مكان آخَر. هل تخيَّلْتَ المنظر؟ وهكذا شرعتُ في الاستحمام وكنتُ عاريةً تمامًا، بطبيعة الحال. لا بد أن الساعة كانت نحو التاسعة مساءً، حيث كان هناك قدرٌ من الضوء. وقد كنا في الصيف، أَلَمْ أقل ذلك؟ كانت تلك الغرفة الصغيرة تواجِه الغرب.»

ثم استمرَّتْ قائلةً: «ثم سمعتُ وقْعَ خطوات، وكانت خطوات أبي بالطبع. لا بد أنه كان قد انتهى من وضع أمي في فراشها، لقد سمعتُ وقْعَ خطواته وهو يصعد لأعلى، ولاحظتُ أنها بدَتْ ثقيلةً، ليست كالمعتاد بعض الشيء؛ كانت متمهلة جدًّا، أو ربما كان هذا انطباعي فيما بعدُ؛ فالمرء يميل لتهويل الأمور فيما بعدُ. توقَّفَتِ الخطوات خارج باب الحمام تمامًا، وإنْ كان قد دار بخلدي شيءٌ وقتَها، فهو أنه لا بد أنه كان يشعر بالتعب. لم يكن باب الحمام مغلقًا بالمزلاج؛ لأنه بالطبع لم يكن هناك مزلاج به، وكنا نفترض أن هناك أحدًا بداخل الحمام إنْ كان بابه مغلقًا.

وهكذا كان هو يقف بالخارج ولم أفكِّر أنا في شيءٍ، ثم فتح هو الباب ووقف في مكانه وراح يتطلع إليَّ. عليَّ أن أصرِّح بما أعنيه؛ كان يتطلَّع إلى كل جزءٍ في جسدي، ليس فقط وجهي. كان وجهي ينظر نحو المرآة وهو ينظر إليَّ في المرآة وأيضًا إلى ما كان خلفي ولا أستطيع أن أراه. لم تكن بنظرة طبيعية بأي حال من الأحوال.

سأخبرك بما اعتقدتُ وقتَها؛ لقد اعتقدتُ أنه يسير أثناء نومه. لم أَدْرِ ما أفعله لأنه ليس من المفترض أن تُفزِع شخصًا يسير أثناء النوم.

ثم قال بعد ذلك: «معذرة.» وأدركتُ حينها أنه لم يكن نائمًا، لكنه تحدَّثَ بصوتٍ حاوَلَ أن يبدو مَرِحًا، أعني أنه كان صوتًا غريبًا، غريبًا للغاية كما لو أنه كان يشعر نحوي بالاشمئزاز، أو أنه غاضب مني، لا أدري. ثم ترك الباب مفتوحًا وغادَرَ ونزل إلى البهو بالأسفل. جفَّفْتُ جسدي وارتديتُ رداءَ النوم وآويتُ إلى الفراش وخلدتُ إلى النوم على الفور، وحينما استيقظتُ في الصباح كانت لا تزال هناك المياه التي لم أصرفها، ولم أكن أريد أن أقترب منها، لكني فعلتُ.

بدا كل شيء طبيعيًّا، وكان قد استيقظ هو بالفعل وكان يكتب على الآلة الكاتبة بعيدًا. ألقى تحيةَ الصباح فقط وطلب مني تهجِّي كلمةٍ ما؛ وهو ما كان يفعله عادةً لأنني كنتُ أفضلَ في هجاء الكلمات. قلت له هجاء الكلمة التي كان يريدها، وأخبرتُه أنه يجب عليه أن يتعلَّم تهجئةَ الكلمات إنْ أراد أن يصير كاتبًا. كان يائسًا. لكن في وقت لاحق من اليوم عندما كنتُ أنظِّف بعضَ الأطباق أتى ووقف خلفي مباشَرةً وتسمَّرْتُ مكاني. قال: «إني آسف يا بيل.» وقلت في نفسي: أوه، أتمنَّى لو أنه لم يقل ذلك. لقد أرعبني. أعرف أنه كان آسِف بحقٍّ، لكنه أعلَنَها صراحةً بطريقة لم أستطع تجاهُلَها، وكل ما قلته هو: «لا عليك.» لكني لم أستطع أن أُجبِر نفسي على قول ذلك بصوت عادي، أو كأن الأمور بالفعل على ما يرام.

لم أستطع، كان عليَّ أن أجعله يفهم أنه قد غيَّرَ كلًّا منَّا. ذهبتُ لكي أُلقِي بمياه تنظيف الأطباق، وعدتُ ثانيةً للأشياء الأخرى التي كنتُ أفعلها ولم أتفوَّه بكلمةٍ. وفيما بعدُ، أيقظتُ أمي من قيلولتها وأعددتُ طعامَ العشاء وناديته، لكنه لم يأتِ. قلت لأمي لا بد أنه ذهب لكي يمشي لبعض الوقت؛ كان يفعل ذلك غالبًا عندما ينهمك في الكتابة. ساعدتُ أمي في تقطيع طعامها، لكني لم أمنع نفسي من التفكير في أشياء مقزِّزة، وبالأساس الضجيج الذي كنتُ أسمعه يأتي في بعض الأحيان من حجرتهما وكنتُ أتدثَّر حتى لا أسمعه. وتساءلت الآن بشأن أمي التي كانت تجلس هناك تتناول طعامها، وماذا كان اعتقادها آنذاك أو كانت تفهم من الأمر برمته.

لم أكن أعرف المكان الذي من الممكن أن يكون قد ذهب إليه. لقد وضعتُ أمي في فراشها وجهَّزْتُها للنوم على الرغم من أن هذه كانت مهمته هو. ثم سمعت صوتَ القطار يقترب، وفجأةً سمعت الهرج وذلك الصرير الذي صدر عن فرامل القطار، ولا بد أنني علمت بما حدث بالرغم من أنني لا أدري متى علمت بالفعل.

لقد أخبرتُك قبل ذلك أن القطار صدمه ممَّا أدى إلى وفاته.

لكني أخبرك بهذا، وليس هدفي أن أُفزِعك. في البداية لم أستطع تحمُّلَ ذلك، وظللتُ لفترة طويلة أقنع نفسي بأنه كان يسير على شريط السكك الحديدية وذهنه مشغول بعمله ولم يسمع صوت القطار. تلك هي القصة التي كنتُ أراها ملائمةً. لم أترك نفسي لتعتقد أن الأمر كان يتعلَّق بي أو حتى أفكِّر في الشيء الذي كان يتعلَّق به في المقام الأول.

الجنس.

لقد فهمت الآن، لقد فهمتُ حقيقةَ الأمر. إنه لم يكن خطأ أحد؛ إنه خطأ الجنس البشري في وضع مأساوي. نشأتي أنا هناك، وحالة أمي التي كانت عليها، وأبي والحالة التي كان من الطبيعي أن يكون عليها. إنها لم تكن غلطتي أو غلطته.

يجب أن يكون هناك إقرار بذلك، هذا كل ما أعنيه، يجب أن تكون هناك أماكن يمكن للأشخاص الذهاب إليها إنْ كانوا في وضعٍ صعب، ويجب ألَّا يشعروا بالخزي أو الذنب حيال ذلك. إنْ كنتَ تعتقد أنني أقصد بيوت الدعارة، فأنت على حقٍّ. وإنْ فكرتَ في العاهرات، فأنت محقٌّ أيضًا. هل تفهمني؟»

قال جاكسون نعم، وهو يتطلَّع فوق مستوى رأسها:

«أشعر بأني أزحتُ شيئًا عن كاهلي. لا يعني الأمر أنني لا أستشعر المأساة، لكن ما يعنيه هو أنني خرجتُ منها. إنها خطايا البشرية. لا تعتقد أنني لا أشعر بالشفقة لمجرد أنني أبتسم؛ إنني أشعر بالشفقة الشديدة. لكن يجب أن أقول إنني استرحتُ، أشعر إلى حدٍّ ما بالسعادة. إنك لا تشعر بالحَرَج لسماعك لكل هذا، أليس كذلك؟»

«بلى.»

«إنك تدرك أنني لستُ في حالة طبيعية. أعلم أنني كذلك بالفعل. لقد أضحى كل شيء واضحًا أمامي. إنني ممتنة جدًّا لذلك.»

لم تخفِّف المرأة التي تتمدَّد على الفراش المجاور من حدة أنينها المنتظم خلال كل ذلك. شعر جاكسون بأن ذلك الصوت الرتيب كان يتردَّد داخل رأسه.

سمع صوت حذاء الممرضة الخفيف في البهو، وتمنَّى لو تدلف إلى تلك الحجرة. وقد فعلَتْ.

قالت الممرضة إنها جاءت لتعطيها قرصًا منوِّمًا. خشي أن يُطلَب منه أن يمنحها قبلةً قبل أن يتركها ويخرج؛ فقد لاحَظَ تبادُل القبلات كثيرًا في المستشفى، وشعر بالسرور لأنه لم يأتِ ذِكْرُ ذلك عندما نهض.

«أراك غدًا.»

•••

استيقظ مبكرًا وقرَّرَ أن يمشي لبعض الوقت قبل تناول الإفطار. لقد أخذ قسطًا وافرًا من النوم، لكنه حدَّثَ نفسه بأنه يجب عليه أنْ يأخذ راحةً من جو المستشفى. لم يكن يشعر بقلقٍ شديدٍ بسبب التغيير الذي طرأ على بيل؛ فقد كان يعتقد أن من الممكن أو حتى من المحتمل أنها ستعود إلى حالتها الطبيعية خلال يوم أو خلال عدة أيام. إنها ربما حتى لن تتذكر القصة التي قصَّتْها على مسامعه، وتلك نعمة في حدِّ ذاتها.

كانت الشمس ساطعةً، كما يمكن أن يتوقَّع المرء في ذلك الوقت من العام، وكانت الحافلات وعربات الترام ممتلئةً بالفعل عن آخِرها. سار قليلًا باتجاه الجنوب، ثم اتجه نحو الغرب إلى شارع دانداس، وبعد فترة وجد نفسه في الحي الصيني الذي كان قد سمع به. كانت هناك أكوام من خضراوات معروفة، وأكوام أكثر من خضراوات غير معروفة تمامًا يتم نقلها إلى المتاجر، كما كانت هناك حيوانات صغيرة منزوعة الجلد بَدَتْ صالحةً للأكل معلَّقة ومعروضة للبيع. كانت الشوارع ممتلئة بالشاحنات التي ركنت بنحوٍ غير قانوني، وشذرات صاخبة من اللغة الصينية بَدَتْ يائسةً. اللغة الصينية. كل ذلك الصخب العالي بَدَا وكأن هناك حرب دائرة، لكن من المحتمل أن ذلك بالنسبة إليهم هو مجرد شيء اعتيادي يحدث كل يوم. ومع ذلك شعر أنه كان يرغب في الابتعاد عن كل هذا، فذهب إلى مطعمٍ يديره الصينيون لكنه كان يُعلِن عن إفطارٍ عادي مكوَّن من البيض ولحم الخنزير المقدَّد، وعندما غادَرَ المكانَ كان ينوي أن يستدير ويعود أدراجه من حيث أتى.

لكنه وجد نفسه يتجه أكثر نحو الجنوب، وسار في شارع سكني تصطفُّ فيه منازل عالية وضيقة بعض الشيء مصنوعة من الطوب. لا بد أنها بُنِيت قبل أن يستشعر الأشخاص في هذه المنطقة حاجتَهم إلى ممرات خاصة بالسيارات، أو ربما حتى قبل أن يقتنوا سياراتٍ بالأساس، أو حتى قبل أن تكون هناك تلك الأشياء المعروفة بالسيارات. سار حتى وجد لافتةً كُتِب عليها شارع كوين ستريت الذي سمع عنه. استدار متَّجِهًا نحو الغرب ثانيةً، وبعد عدة بنايات وجد أمامه عائقًا؛ فأمام متجر لبيع الكعك المحلَّى وجَدَ جَمْعًا صغيرًا من الناس.

كانت قد أوقفتهم سيارة إسعاف ركنَتْ مباشَرةً فوق رصيف المشاة بحيث لا يتمكَّن أحدٌ من المرور. كان بعضهم يتذمَّر من التأخير ويتساءل بصوتٍ عالٍ إنْ كان رَكْن سيارة الإسعاف فوق الرصيف تصرُّفًا قانونيًّا، بينما بَدَا البعض الآخَر هادئًا وهم يتحدَّثون عمَّا يمكن أن يكون كُنْه المشكلة. لقد أتى ذِكْرُ الموت، وتحدَّثَ بعض الناظرين عن الأشخاص الذين من المحتمل أنْ ماتوا، بينما قال البعض الآخَر إن الموت هو الذريعة القانونية الوحيدة لأن تتواجد المركبةُ في هذا المكان.

لم يكن الرجل الذي خرج محمولًا ومحزمًا إلى النقالة قد فارَقَ الحياة، وإلا فإنهم كانوا سيغطون وجهه؛ ومع هذا، كان فاقد الوعي، وكانت بشرته بلون الإسمنت الرمادي. لم يكن محمولًا من داخل متجر الكعك المحلَّى، كما توقَّعَ البعض وهم يتندرون — حيث كان هذا نوعًا من الانتقاد لجودة الكعك المقدَّم في هذا المتجر — إنما من داخل الباب الرئيسي للبناية. كانت بنايةً سكنيةً ذات مظهر مقبول، مصنوعة من الطوب ومكوَّنة من خمسة طوابق. وكان يقع في الطابق الرئيسي مغسلة تعمل بالعملة ومتجر الكعك المحلَّى. وكان الاسم المحفور فوق الباب الرئيسي يوحي بالكبرياء وببعضٍ من حُمْق الماضي.

بوني داندي.

وأخيرًا خرج من المبنى رجلٌ لا يرتدي زيَّ رجال الإسعاف، وقف ينظر في سخطٍ نحو الجمع الذي كان يفكِّر الآن في أن ينفضَّ. والشيء الأخير الذي يمكن انتظاره الآن هو صوت سيارة الإسعاف الهائل الذي يشبه العويل وهي تشق طريقها وتختفي بعيدًا.

كان جاكسون واحدًا من أولئك الذين لم يهتموا بالانصراف. لم يكن ليقل إنه كان ينتابه الفضول بشأن أيٍّ من هذا، أكثر من أنه كان ينتظر المنعطف الذي لا مفرَّ منه، والذي كان ينتظر أن يمر منه لكي يعود به من حيث أتى. سار نحوه الرجل الذي خرج من المبنى وسأله إنْ كان على عجلٍ.

«لا، ليس بوجه خاص.»

كان هذا الرجل مالكَ المبنى، أما الرجل الذي حملَتْه سيارةُ الإسعاف فهو الحارس والملاحظ.

«يجب أن أذهب إلى المستشفى لأعرف ما المكروه الذي وقع له. لقد كان على ما يرام بالأمس، ولم يشتكِ من شيء من قبلُ، وليس هناك شخصٌ قريب الصلة به يمكن أن أتصل به، بقدر علمي. والأسوأ من هذا أنني لا يمكنني إيجاد المفاتيح. لم تكن معه أو في المكان الذي يعتاد الاحتفاظ بها فيه؛ لذا عليَّ أن أعود إلى منزلي وأُحضِر النسخةَ الاحتياطية، وإنني أتساءل إنْ كان بمقدورك أن تحرس المكانَ في هذه الأثناء؟ عليَّ أن أذهب إلى المنزل والمستشفى أيضًا. بإمكاني أن أطلب ذلك من أحد المستأجرين، لكني أفضِّل ألَّا أفعل هذا، إنْ كنتَ تدري ما أقصد؛ فأنا لا أريد أن يزعجوني بالسؤال عمَّا حدث في حين أنني لا أعرف أكثر مما يعرفون.»

وسأل ثانيةً إنْ كان جاكسون لا يمانع، وأجاب جاكسون أنه لا بأسَ في هذا.

«عليك فقط أن تراقِب أيَّ شخص يدلف أو يغادر، ويطلب رؤية مفتاحه، وأخبره أنها مجرد حالة طوارئ ولن تستمر طويلًا.»

غادَرَ، ثم استدار مرةً أخرى.

«يمكنك أيضًا أن تجلس.»

كان هناك مقعد لم يَرَه جاكسون. كان قد طواه أحدهم وأزاحه عن الطريق حتى تستطيع سيارة الإسعاف أن تركن. كان أحدَ المقاعد المصنوعة من القماش، لكنه كان مريحًا بدرجةٍ كافية ومتينًا. وضعه جاكسون في مكانٍ لا يزاحم فيه المارة أو قاطني العقار، وذلك بعد أن شكره. لم يلاحظه أحدٌ. كان على وشك أن يذكر للرجل المستشفى، وأنه هو ذاته عليه أن يعود إلى هناك بعد فترة قصيرة، لكنَّ الرجلَ كان في عجلةٍ من أمره، وكان لديه بالفعل ما يكفي لينشغل به ذهنه، وقد أوضح أنه سيعود سريعًا بقدر ما يستطيع.

أدرك جاكسون، بمجرد أنْ جلس، طولَ الوقت الذي ظلَّ فيه واقفًا على قدمَيْه وهو يتجوَّل هنا وهناك.

كان الرجل قد أخبره أنه إذا رغب في بعض القهوة أو أي شيء ليتناوله، فعليه أن يطلبه من محل الكعك المحلَّى.

«فقط قُلْ لهم إنك من طرفي.» لكن جاكسون لم يكن يعرف هذا الرجل.

وحينما عاد المالك، اعتذر له عن تأخيره، والسبب أن الرجل الذي حملَتْه سيارة الإسعاف قد فارَقَ الحياة، ويجب إعداد بعض الترتيبات، وأضحى من الضروري أن تكون هناك مجموعة جديدة من المفاتيح، وها هي معه. سيكون هناك شكل من أشكال الجنازة يضمُّ الأشخاصَ الذين يقطنون بالمبنى منذ فترة طويلة، ونَشْر خبر وفاته في الجريدة قد يجلب المزيدَ من المعزِّين. ستكون فترةَ عملٍ مزعجةً حتى يتم ترتيب كل هذا.

إنْ كان في مقدور جاكسون أن يقوم بالحراسة، فهذا من شأنه أن يحلَّ المشكلة. مؤقتًا؛ سيكون الأمر بنحوٍ مؤقت فقط.

سمع جاكسون نفسَه وهو يعلن عن موافقته على العرض وأنه غير معترض.

وإنْ كان يودُّ أنْ يعمل لفترة قليلة، فيمكن تدبير ذلك الأمر. لقد سمع هذا الرجل — رئيسه الجديد — وهو يقول ذلك. بعد الجنازةِ مباشَرةً والتخلُّصِ من بعض الأغراض، يمكنه بعدها بأيامٍ قلائل أن يدبِّر أمورَه وينتقل إلى المكان.

قال جاكسون إن ذلك ليس ضروريًّا؛ فأموره مدبَّرة بالفعل وممتلكاته فوق ظهره.

كان من الطبيعي أن يثير ذلك بعض الشك. ولم يندهش جاكسون بعد أن علم بعد مرور يومين أن رئيسه الجديد قد ذهب إلى قسم الشرطة، لكن من الواضح أنه لم يكن هناك أي شيء عليه؛ فقد بَدَا أنه واحد من أولئك المحبين للانعزال الذين يمرون بظروف صعبة بطريقة أو بأخرى، لكنه ليس متهمًا بخرق القانون.

وبَدَا كما لو أن لا أحد يبحث عنه على أية حال.

•••

بوجه عام، كان جاكسون يفضِّل أن يضمَّ المبنى أشخاصًا عجائز؛ وبوجه عام، أشخاصًا عُزابًا. لكن ليس ممَّن يمكن أن يُوصَفوا بالتقليديين، لكن ممَّن لديهم اهتمامات خاصة، أو يمكن أن تقول في بعض الأحيان موهبة. تلك الموهبة التي يلاحظها المرء فيما مضى، ويكسب قوت عيشه من ورائها، لكنها لا تكفي للاعتماد عليها خلال الحياة. ها هو مذيع كان صوته مألوفًا في الراديو منذ سنواتٍ مضَتْ خلال الحرب، لكنَّ أحباله الصوتية قد تلفت الآن. معظم الناس اعتقدوا أنه مات، لكن ها هو ذا في شقته الصغيرة يتابع الأخبار ويشترك في صحيفة «ذا جلوب أند ميل» التي كان يعطيها لجاكسون في حالة ما إذا كان هناك شيء يثير اهتمامه فيها.

كان هناك ذات مرة شيء من هذا القبيل.

ماتت مارجوري إيزابيلا تريس، ابنة ويلارد تريس الذي ظلَّ يكتب عمودًا لفترة طويلة لصحيفة «تورونتو إيفننج تليجرام»، وزوجته هيلينا (أبوت)، التي كانت الصديقة الطويلة لروبين (شلنجهام) فورد، وذلك بعد معركة شجاعة مع السرطان. صحيفة أوريول، عدد ١٨ يوليو ١٩٦٥.

لم يُرِدْ ذِكْرَ المكان الذي كانت تعيش فيه؛ ربما كان ذلك في تورونتو بصحبة روبين الذي كان يعلم كلَّ شيء عنها. ربما عاشت أكثرَ مما هو متوقَّع، وربما كانت حتى تحيا في راحةٍ لا بأسَ بها وروحٍ معنوية عالية حتى قرب النهاية بالطبع. لقد أظهرَتْ قدرةً كبيرة على التكيُّف مع الظروف، ربما أكثر من تلك التي كان يمتلكها هو نفسه.

لم يكن يمضي وقته في تخيُّل الغرف التي شارَكَها فيها أو العمل الذي قام به في منزلها. لم يكن بحاجةٍ إلى ذلك؛ فتلك الأشياء عادةً ما كان يسترجعها في أحلامه، ويكون شعوره حينها أقرب إلى الغيظ منه إلى الحنين، كما لو أنه كان عليه العودة على الفور لاستئناف شيءٍ لم يكتمل بعدُ.

كان المستأجرون في مبنى بوني داندي يشعرون بالقلق بوجهٍ عامٍّ حيال أي شيء يمكن أن يُطلَق عليه تحسينات، معتقدين أن ذلك قد يؤدِّي لرفع قيمة الإيجار. كان ينجح في إقناعهم بأساليب لائقة وحسٍّ ماليٍّ جيد. أُدخِلت تحسينات على المكان وزاد الإقبال عليه لدرجةِ أنْ أصبحت هناك قائمةُ انتظارٍ للراغبين في الإقامة به. وكان المالك يشتكي من أنه قد يصبح مأوًى لغريبي الأطوار، لكن جاكسون أخبره بأنهم بوجه عام أكثر نظامًا من الناس العاديين، وأنهم ناضجون بدرجة كافية تمنعهم من سوء التصرف. هناك سيدة كانت تعزف في وقتٍ من الأوقات في الأوركسترا السيمفوني لتورونتو، ومخترع لم يستفِدْ بعدُ من مخترعاته لكنه ما زال متفائلًا، ولاجئ مجريٌّ مهنته التمثيل كانت لكنته عائقًا أمام نجاحه، لكن كان لا يزال هناك إعلان تجاري عنه في مكانٍ ما في العالم. كانوا جميعًا يتصرفون بنحو لائق، ويوفرون بعض النقود للذهاب إلى مطعم إيبكيور وقصِّ حكايتهم طوال فترة ما بعد الظهيرة. وكان لديهم أيضًا بعض الأصدقاء الذين كانوا حقًّا من المشاهير، والذين نادرًا ما كانوا يأتون لرؤيتهم، والشيء المثير للاهتمام أن مبنى بوني داندي كان يسكن به كاهن متنقل كان على خلاف مع الكنيسة، أيًّا كان طبيعته، لكنه كان دائمًا ما يرأس القداس حينما يتم استدعاؤه لذلك.

كان من عادة الأشخاص البقاء حتى يصبح الرحيل ضرورةً، ولكنَّ ذلك كان أفضلَ بكثيرٍ من التسلُّل والهروب.

والاستثناء الوحيد كان لزوجين شابين يُدْعَيان كانديس وكوينسي لم يصفِّيَا حسابهما وهربا في منتصف الليل، وتصادَفَ أن المالك كان هو المسئول حينما قَدِمَا للبحث عن غرفة، والتمَسَ العذْرَ لنفسه على اختياره السيئ بقوله إن الوجوه الشابة كان مطلوبًا تواجُدُها في المكان. بالطبع وجه كانديس وليس وجه صديقها؛ فصديقها كان أحمق.

•••

في يومٍ حار من أيام الصيف فتح جاكسون الأبوابَ الخلفية المزدوجة وأبواب التوصيل ليدخل أكبر قدرٍ من الهواء بينما كان منهمكًا في طلاء طاولة. كانت طاولةً جميلة حصل عليها دونَ مقابل لأن طلاءَها قد اختفى تمامًا، ورأى أنها ستبدو جميلة في المدخل عندما تُستخدَم لوضع البريد عليها.

ابتعَدَ عن المكان الذي كان يجلس فيه لأن المالك كان هناك يتفحص بعض الإيجارات.

كان هناك قرع خفيف على الباب الأمامي. كان جاكسون على استعدادٍ لكي يترك مكانه، وراح ينظِّف فرشاةَ الطلاء لأنه اعتقد أن المالك قد لا يرغب في المقاطعة وهو يقوم بحساب الأرقام. لكن لا بأسَ، فقد سمع الباب وهو يُفتَح وترامى إلى مسامعه صوتٌ نسائي. وبالرغم من أن الصوت كان على عتبة التعب، فإنه كان لا يزال يحتفظ بشيءٍ من سحره، وثقته المطلقة بأن أيًّا ما يقول فهو كفيلٌ بإقناع أي شخص يكون في محيط السمع.

ربما ورثت ذلك من أبيها الكاهن. كان جاكسون يعتقد ذلك قبل أن يصيبه ذلك التأثير.

قالت إن ذلك كان آخِر عنوان لديها لابنتها. لقد كانت تبحث عن ابنتها؛ ابنتها كانديس، التي ربما كانت ترتحل مع صديق لها. وأضافت أنها جاءت من كولومبيا البريطانية، وتحديدًا من كيلونا حيث كانت تقيم هي ووالد الفتاة.

إنها إليان؛ لقد عرف جاكسون صوتها دون شك. تلك المرأة هي إليان.

سمعها وهي تطلب الإذن بالجلوس. فسحب المالك مقعدَه؛ مقعدَ جاكسون.

كانت تورونتو أكثر حرارةً مما توقَّعَتْ، بالرغم من أنها كانت تعرف أونتاريو حيث إنها قد نشأَتْ هناك.

وتساءلت إنْ كان من الممكن أن تحصل على كوب من الماء.

لا بد أنها وضعت رأسها بين يديها لأن صوتها أخذ يخفت. خرج المالك إلى المدخل وأسقَطَ فكة في الماكينة لكي يُخرِج لها علبة سفن أب. ربما اعتقد أنها أنسب للسيدات من الكوكاكولا.

ولمح جاكسون يقف في الركن يستمع إلى ما يدور، وأشار له بأن يتولَّى الأمر حيث إنه ربما أكثر تعوُّدًا منه على التعامل مع المستأجرين الذين يشوبهم الاضطراب. لكن جاكسون هزَّ رأسه بالنفي بشدةٍ.

لا.

ولم تَبْقَ مضطربة كثيرًا.

استماحت المالك عذرًا، فقال لها إن الحرارة قد تسبِّب مشاكل هذه الأيام.

والآن بالنسبة إلى كانديس، فقد غادرَتْ هي وصديقها المكان خلال الشهر الجاري؛ ربما منذ ثلاثة أسابيع، ولا يوجد عنوانٌ للمكان الجديد يمكن مراسلتها عليه.

«في هذه الحالات، غالبًا ما لا يكون هناك واحد.»

فهمَتْ ما كان يرمي إليه.

«أوه، بالطبع، بإمكاني أن أصفي حسابها …»

كان هناك بعض الهمهمات والأصوات الخافتة أثناء تسوية ذلك.

قالت بعدها: «أعتقد أنه لا يمكنك أن تجعلني أُلقِي نظرةً على المكان الذي كانا يعيشان فيه …»

«إن المستأجر غير متواجد الآن. وحتى إنْ كان هنا، فأنا لا أعتقد أنه سيوافق على ذلك.»

«بالطبع؛ فهذا أمر سخيف.»

«هل هناك شيء بعينه تهتمين بمعرفته؟»

«أوه، لا. شكرًا لسعة صدرك. لقد أخذتُ كثيرًا من وقتك.»

نهضت الآن، وتحرَّكَا إلى خارج المكتب، ثم أسفل السلالم المؤدية للباب الأمامي، ثم انفتح الباب وابتلعت ضوضاء الشارع كلمات الوداع إنْ كان هناك أيٌّ منها.

مهما كان قَدْر خيبة أملها، فستنجح في تخطِّي ذلك عن طيب نفس.

خرج جاكسون من مَخْبَئه أثناء عودة المالك للمكتب.

كل ما قاله المالك هو: «إنها لمفاجأة. لقد استردَدْنا أموالنا.»

كان رجل يتسم باللامبالاة في الأساس، على الأقل فيما يخص الأمور الشخصية. وهو شيء كان يكنُّ له جاكسون التقدير.

بالطبع كان جاكسون يرغب في رؤيتها. والآن وقد رحلت، بَدَا نادمًا على ضياع الفرصة. وبالطبع ما كان ليحطَّ من قدره ويسأل المالك إنْ كان شعرها لا يزال داكنًا؛ مائلًا إلى السواد، وهل يتسم جسمها بالطول والنحافة ولا يزال نهداها صغيرين. لم يتكوَّن لديه انطباعٌ عن الشكل من خلال ابنتها؛ كانت ذات شعر أشقر لكنه على الأرجح مصبوغ. كان عمرها لا يزيد على عشرين عامًا بالرغم من أنه من الصعب في بعض الأحيان التكهُّن بذلك في هذه الأيام. كانت واقعةً بشدة تحت سيطرة صديقها؛ الهروب من المنزل، والتهرُّب من سداد الفواتير، والتسبُّب في كسر قلب الوالدين، كل هذا من أجل أمرٍ كئيبٍ مثل الارتباط بصديقٍ.

أين تقع كيلونا؟ في مكانٍ ما بالغرب. ألبرتا، كولومبيا البريطانية. طريق طويل قطعَتْه للبحث عن ابنتها. بالطبع هذه الأم هي امرأة مثابرة، متفائلة. ربما ظلَّ هذا منطبقًا عليها. لقد تزوَّجَتْ، اللهم إنْ كانت تلك الفتاة وُلِدت خارج نطاق الزواج، ولكنْ طاف بذهنه أن ذلك غير محتمل تمامًا. ستكون واثقةً، واثقةً من نفسها أنه في المرة القادمة لن تتعرَّض لمأساةٍ، وهكذا الحال بالنسبة إلى الفتاة التي كانت ستعود إلى المنزل حينما يضيق بها الحال. وقد تعود وفي يدها طفل، لكنْ كان ذلك هو الحال في تلك الأيام.

•••

قبل عيد الميلاد بفترة قصيرة من عام ١٩٤٠ كانت هناك جلبة شديدة في المدرسة الثانوية، حتى إنها بلغت الطابق الثالث حيث كان ضجيج الآلات الكاتبة وآلات الجمع يحجب ضوضاء الطابق الأرضي. كانت الفتيات الأكبر سنًّا يتواجَدْنَ بالأعلى؛ وهنَّ الفتيات اللاتي كنَّ يدرسْنَ في السنة الأخيرة اللغةَ اللاتينية والأحياءَ والتاريخَ البريطاني، ويتعلَّمْنَ الآن النَّسْخَ على الآلة الكاتبة.

وكانت إليان بيشوب واحدةً من تلك الفتيات، والشيءُ الغريب أنها كانت ابنةً لأحد القساوسة، بالرغم من أنه لم يكن هناك أساقفة في كنيسة والدها التابعة للكنيسة المتحدة. قَدِمت إليان بيشوب مع أسرتها، وهي في الصف التاسع، وظلت لخمس سنوات تجلس خلفَ جاكسون آدامز، بسبب اتِّباع طريقةِ الترتيب الأبجدي في الجلوس. وفي ذلك الوقت كان خجَلُ جاكسون وصَمْتُه الشديدان قد أصبحا أمرًا يقبله الجميع غيرها في الفصل، لكنه كان أمرًا جديدًا بالنسبة إليها، وخلال الخمس سنوات التالية، ودون الاعتراف بذلك نجحَتْ في أن تولِّدَ بينهما نوعًا من الألفة. كانت تقترض منه الْمَماحي وأسنان الأقلام الحبر والأدوات الهندسية، ولم يكن ذلك لكسب صداقته بقدر ما كان سببه أنها كانت شخصية غير منظَّمة. وكان يتبادلان حلولَ بعض المسائل، وكانا يصحِّحان الاختبارات كلٌّ منهما للآخَر. وحينما كانا يلتقيان في الطريق، كانا يتبادلان التحية، وتحيته بالنسبة إليها كانت في الواقع همهمة غير واضحة. ولم يكن هناك أي شيء آخَر فيما وراء ذلك، فيما عدا أنهما كان يتبادلان بعض النكات. لم تكن إليان فتاة خجولة، لكنها كانت ذكية ومتحفظة ولم يكن لها الكثير من الأصدقاء، وربما كان هذا يناسبه.

ومن موقعها فوق الدَّرَج عندما ذهب الجميع لمشاهدة مصدر الجلبة، دهشَتْ إليان عندما علمت أن أحد الولدين المتسبِّبَيْن فيها هو جاكسون، والآخَر كان بيلي واتس. لقد تغيَّرَ الآن الأولاد الذين كانوا منذ عامٍ واحدٍ فقط يجلسون منكَبِّين فوق كتبهم وينتقلون على نحوٍ مطيعٍ من فصلٍ إلى آخَر؛ فبَدَوْا في زيِّ الجيش أكبرَ مرتين من حجمهم الأصلي، وكانت أحذيتهم العالية الرقبة تُحدِث جلبةً كبيرةً وهم يركضون بها. وكانوا يهتفون بأن الدراسة قد أُلغِيت في ذلك اليوم لأن الجميع يجب أن يذهب إلى الحرب. كانوا يوزِّعون السجائر في كل مكان، ويلقون بها على الأرض حيث يمكن أن يلتقطها الأولادُ الذين حتى لم يحلقوا أذقانهم من قبلُ.

كانوا جنودًا طائشين، مقاتلين متهورين. سكارى حتى الثمالة.

«أنا لا أهاب شيئًا.» كان هذا هو ما يهتفون به.

حاوَلَ مدير المدرسة تنظيمهم، لكنْ لأنَّ هذا كان في وقت مبكر من الحرب، وكان لا يزال هناك بعض التقدير والاحترام الخاص للأولاد الذين انضمُّوا للجيش، لم يستطِعْ إظهارَ القسوة التي أظهَرَها بعد ذلك بعام.

قال: «اهدءوا، اهدءوا.»

قال له بيلي واتس: «أنا لا أهاب شيئًا.»

همَّ جاكسون بفتح فمه ربما ليقول نفس الشيء، لكن في تلك اللحظة التقَتْ عيناه بعينَيْ إليان بيشوب وتبادَلَا خلالَها معلومةً ما.

أدركَتْ إليان بيشوب أن جاكسون كان ثَمِلًا بالفعل، لكنه لم يكن ثَمِلًا تمامًا، وهكذا فإن مظاهر السُّكْر الواضحة عليه كان يمكن السيطرة عليها. (بيلي واتس كان ثَمِلًا تمامًا بحيث لا يمكن السيطرة عليه.) ومع تفهُّم ذلك هبطَتْ إليان الدَّرَج وهي تبتسم، وقَبِلت سيجارةً قُدِّمت إليها وأمسكَتْ بها بين إصبعَيْها دون أن تشعلها. شَبَّكَتْ كلَّ ذراعٍ بذراعٍ لكلٍّ من البطلين، وسارت بهما خارج المدرسة.

وبمجرد أن أصبحوا في الخارج، أشعلوا السجائر.

كان هناك تضارُب في الآراء بشأن ذلك فيما بعدُ، بين رعايا كنيسة والدها؛ فقال البعض إن إليان لم تدخِّن سيجارتها، بل كانت تتظاهر فقط بذلك لكي تسترضي الولدَيْن، بينما قال البعض الآخَر إنها بالتأكيد دخَّنَتْ سيجارتها؛ ابنة قِسِّهم دخَّنَتْ سيجارتها.

طوَّقَ بيلي إليان بذراعَيْه وحاوَلَ تقبيلها، لكنه تعثَّرَ وجلس على دَرَج المدرسة وراح يصيح كالديك.

ومات خلال عامين.

في ذلك الوقت كان ينبغي أن تتم إعادته إلى منزله، فجذَبَه جاكسون حتى يضعا ذراعَيْه فوق كتفَيْهما ويجرَّانه لمنزله بطول الطريق. لحسن الحظ لم يكن المنزل بعيدًا عن المدرسة. تركاه هناك وهو غير واعٍ، عند الدَّرَج، ثم دخلا في حوار.

جاكسون لم يكن يرغب في العودة إلى منزله؟ لماذا؟ قال لأن زوجة أبيه كانت تقيم هناك، وهو كان يبغضها. لِمَ؟ دون سبب.

كانت إليان تعلم أن والدته تُوفِّيت في حادث سيارة حينما كان صغيرًا جدًّا؛ ربما كان ذلك يُذكَر أحيانًا لتفسير خجله. اعتقدَتْ أن الشراب ربما جعله يبالغ، لكنها لم تحاول أن تجعله يتحدَّث عن الأمر أكثر من هذا.

قالت: «لا بأسَ، يمكنك أن تُقِيم في منزلي.»

تصادَفَ أن والدة إليان كانت بعيدةً عن المنزل لأنها كانت تعتني بجدة إليان المريضة. كانت إليان في ذلك الوقت تدير المنزل لوالدَيْها وأخوَيْها الأصغر سنًّا بأسلوب عشوائي، وكان هذا أمرًا سيئًا في رأي البعض؛ ليس لأن أمها كانت ستُحدِث جلبةً بشأنه، ولكنْ لأنها كانت ستريد معرفة التفاصيل، ومَن عساه يكون ذلك الولد. على الأقل، كانت ستجعل إليان تذهب إلى المدرسة كالمعتاد.

جندي وفتاة، أصبحَا فجأةً قريبَيْن جدًّا كلٌّ منهما من الآخَر، بينما لم يكن بينهما شيءٌ طوال هذا الوقت سوى تبادُل المعلومات بشأن تصريف الأسماء واللوغاريتمات.

لم يُعِرْهم والد إليان أيَّ اهتمام؛ لقد كان يهتمُّ بالحرب بصورةٍ أكبر مما يعتقد بعض أفراد رعيته أن يكون عليها قسٌّ، وجعله هذا يفتخر بأن لديه جنديًّا في منزله. لكنه كان أيضًا حزينًا لعدم تمكُّنه من إرسال ابنته إلى الجامعة، كان عليه أن يدَّخِر لكي يُرسِل أخوَيْها هناك في يومٍ ما؛ فعليهما أن يعملا كي يكسبا عيشهما. وجعله هذا يتساهل مع إليان في أي شيء تفعله.

لم يكن جاكسون وإليان يذهبان للسينما لمشاهدة الأفلام، ولا لصالة الرقص؛ كان يذهبان للتمشية، وذلك في أي طقسٍ، وعادةً ما يكون هذا بعد حلول الظلام. وفي بعض الأحيان كانا يذهبان إلى المطعم ويحتسيان القهوة، لكنهما لم يحاولا أن يتقربا لأي أحدٍ. ما خطبهما؟ أَوَقَعا في الحب؟ حينما كانا يسيران جنبًا إلى جنب، قد تتلامس أيديهما بالمصادفة، وقد عوَّدَ جاكسون نفسه على ذلك. وحينما غيَّرَتْ هي هذا الأمر العرضي إلى أمر متعمَّد، وجد أنَّ بمقدوره الاعتياد على ذلك أيضًا، متغلِّبًا على شعوره ببعض الارتباك.

أصبح أكثر هدوءًا، بل حتى أكثر استعدادًا أيضًا لتبادل القبلات معها.

•••

ذهبَتْ إليان بنفسها إلى منزل جاكسون لكي تحزم حقيبته. كشفَتْ زوجةُ أبيه عن أسنانها الصناعية اللامعة، وحاولت أن تبدو وكأنها مستعِدَّةٌ لبعض اللهو.

سألَتْها عمَّا كانا ينويان فعله.

فقالت لها: «من الأحرى الاهتمام بأشيائه.»

كانت مشهورة بسلاطة لسانها، وكانت ألفاظها قبيحةً بالفعل.

«اسأليه إنْ كان لا يزال يتذكَّر أني كنتُ أنظِّف مؤخرته.»

قالت إليان، وهي تبلغه بما حدث، إنها كانت تتعامل معها بأدبٍ جمٍّ وصَلَ إلى حدِّ الغطرسة؛ إذ لم يكن بإمكانها تحمُّل تلك المرأة.

لكن جاكسون شعر بالإحراج والقلق واليأس، وهي نفس المشاعر التي كانت تنتابه حينما كان يُلقَى عليه سؤالٌ بالمدرسة.

قالت إليان: «ما كان ينبغي عليَّ حتى أنْ أذكرها. ستعتاد على السخرية من الأشخاص بما أنك تحيا في بيت قس.»

قال لها إنه على ما يرام.

اتضح أن ذلك الوقت هو آخِر إجازة يمضيها جاكسون معها، وأخذا يتراسلان. كتبت له إليان عن انتهائها من دراسة الكتابة على الآلة الكاتبة والاختزال، وحصولها على وظيفةٍ في مكتب كاتب مجلس البلدة. كانت ساخرةً بشدة بشأن كل شيء بصورةٍ أكبر مما كانت عليه في المدرسة؛ ربما كان ذلك بسبب اعتقادها أن الشخص الذي يحارِب بحاجةٍ إلى المزاح، وكانت هي تُصِرُّ على أن تكون الشخص العالِم ببواطن الأمور؛ فحينما كان يجب ترتيب زيجات على عجلٍ في مكتب كاتب مجلس البلدة، كانت تشير إلى العروس بأنها العروس العذراء.

وحينما ذكرَتْ أن أحد القساوسة قد زار منزلهم ونام في الحجرة الإضافية، تساءَلَتْ إنْ كانت مرتبة الفراش تثير بداخله أحلامًا غريبة.

كتب لها يحدِّثها عن الحشود في منطقة إيل دو فرانس والتحرك بحذرٍ لتجنُّب الغواصات الحربية الألمانية، وأنه حينما ذهب إلى إنجلترا، اشترى درَّاجةً وأخبرها عن الأماكن التي زارها بالدرَّاجة، إذا كان مسموحًا بزيارتها.

وبالرغم من هذا كانت خطاباته أقل تشويقًا من خطابتها، فإنها كانت تُذيَّل دائمًا بعبارة «مع خالص حبي». وحينما حلَّتْ ساعةُ الصفر ووقت الهجوم، ساد ما وصفَتْه بالصمت المؤلم، لكنها كانت تتفهَّم سببَ ذلك، وحينما عاد لمراسلتها أخبرها أن كل شيء على ما يرام، بالرغم من أن التفاصيل لم يكن البوح بها مسموحًا.

تحدَّثَ في هذا الخطاب، مثلما كانت تفعل هي، عن الزواج.

وأخيرًا جاء يوم النصر والعودة إلى الوطن. وكما قال كانت تلمع فوق رأسه مجموعات من نجوم الصيف.

كانت إليان قد تعلَّمَتِ الحياكة، وكانت تصنع رداءً صيفيًّا جديدًا على شرف عودته إلى الوطن؛ كان رداءً من الحرير الصناعي ذا لون أخضر ليموني، وذا تنورة طويلة وأكمام قصيرة ويُلبَس مع حزام ضيق من الجلد الصناعي الذهبي اللون. وأرادَتْ أن تضع شريطًا من اللون الأخضر بنفس خامة الرداء حول مفرق قبعتها الصيفية.

«لقد وصفتُ لكَ كلَّ هذا حتى تلاحظني وتعرف أنه أنا التي تنتظرك، وذلك حتى لا تهرب مع امرأةٍ جميلةٍ أخرى يتصادف وجودها في محطة القطار.»

أرسَلَ لها خطابًا من مدينة هاليفاكس يخبرها بأنه سيستقلُّ القطارَ الذي سيصل في مساء يوم السبت، وقال إنه يتذكرها جيدًا، وليس ثمة احتمالٌ في أن يخلط بينها وبين امرأةٍ أخرى، حتى إنْ كانَتْ محطةُ القطار تعجُّ بالنساء الجميلات في ذلك المساء.

•••

وفي مسائهما الأخير معًا قبل أن يرحل، جلسا حتى وقت متأخر في مطبخ منزل القس حيث عُلِّقَتْ صورةُ الملك جورج السادس التي تراها في كل مكان هذا العام. وكانت الكلمات المكتوبة أسفلها كالتالي:

وقلت للرجل الذي كان يقف على أعتاب العام: «امنحني ضوءًا حتى أخطو في أمانٍ نحو المجهول.»

وردَّ قائلًا: «اخرجْ إلى الظلام وضَعْ يدَكَ في يدِكَ في يد الرب؛ هذا أفضل لك من الضوء وأكثر أمانًا من الخطو في طريق معلوم.»

ثم صعدا للطابق العلوي بهدوءٍ شديدٍ، وأوى إلى فراشه في الحجرة الإضافية. لا بد أن قدومها إليه كان باتفاقٍ مشترك بينهما، ولكن ربما لم يفهم تمامًا السببَ وراء ذلك.

لقد كانت بمنزلة كارثة؛ لكن الطريقة التي تصرَّفَتْ بها كانت تُنْبِئ بأنها ربما لم تكن تدرك هذا. وكلما ازدادَتْ أركان الكارثة واصلَتْ هي بطريقة محمومة. لم تكن ثمة طريقةٌ يستطيع أن يوقف بها محاولاتها أو أن يوضِّح لها. هل من الممكن أن فتاةً يمكن أن تعرف هذا القدر الضئيل عن الأمر؟ وافترقا أخيرًا كما لو أن الأمور سارت على ما يرام. وودَّعَ كلٌّ منهما الآخَرَ في صباح اليوم التالي في حضور والدها وأخوَيْها، وبدأ تبادُلُ الخطابات بينهما في غضون فترة وجيزة.

ذات مرة، ثمِلَ وحاوَلَ مرة أخرى في ساوثهامبتون، لكن المرأة التي حاوَلَ إقامةَ علاقةٍ معها قالت له: «يكفي هذا، يا صغيري، إنك ضعيف.»

كان الشيء الذي لا يهواه هو تأنُّق السيدات والفتيات؛ القفازات، والقبعات، والتنورات التي تُصدِر حفيفًا أثناء السير، وكل تلك الأشياء التي يطلبنها ويهتممن بها. لكن كيف كان لها أن تعرف هذا؟ اللون الأخضر الليموني. لم يكن واثقًا من أنه يعرف هذا اللون؛ لقد بَدَا وكأنه نوع من الأحماض.

ثم خطر على باله بسهولةٍ بأنها من الممكن ألَّا تأتي لاستقباله.

هل كانت ستحدِّث نفسها أو تحدِّث أيَّ شخصٍ آخَر بأنها لا بد أنها أخطأت في التاريخ؟ يمكنه أن يقنع نفسه بأنها ستعثر على كذبةٍ ما، بالطبع ستفعل. إنها واسعة الحيلة، على أية حال.

•••

والآن وقد خرجت إلى الطريق، شعر جاكسون بالفعل برغبةٍ في رؤيتها. لم يكن بإمكانه قطُّ أن يسأل المالك عن هيئتها؛ هل كان شعرها داكنًا أو تسلَّلَ إليه الشيب، وهل كانت لا تزال نحيفةً أم أضحَتْ بدينةً. إن صوتها حتى في لحظات الكرب لم يتغيَّر، وذلك على نحوٍ يثير الدهشة. فهو يرسم كلَّ الأهمية لنفسه، لطبقاته الموسيقية، وفي نفس الوقت يُصدِر نبراتِ الأسف الشديدة.

لقد قطعَتْ مسافةً طويلة، لكن بمقدورك أن تقول إنها امرأة مثابرة.

وستعود الابنة؛ فهي مدلَّلة بدرجةٍ تمنعها من الإقامة بعيدًا لفترة طويلة. أيُّ ابنة لإليان ستكون حتمًا مدلَّلة، ترتب العالَم والحقيقة لتلائِم ما تريد وكأنه ليس ثمة شيء يمكن أن يهزمها طويلًا.

لو كانت رأته، أكانت ستعرفه؟ اعتقد أنها كانت ستفعل، مهما كانت التغيرات التي طرأت عليه. وكانت ستسامحه، نعم، على الفور؛ كي تحافظ عن فكرتها عن ذاتها، على الدوام.

وفي اليوم التالي تلاشت أي راحة كان يشعر بها حيال خروج إليان من حياته. لقد عرفت ذلك المكان، وربما تعاود مرة أخرى. ربما تبقى هنا لفترة وتجوب الشوارع وهي تحاول أن تقتفي أثر ابنتها. كانت تطرح الاستفسارات على الناس بتواضع، لكنه ليس تواضُعًا في الواقع، بذلك الصوت الذي يحمل رنة التوسُّل ويَشُوبه الدلالُ في نفس الوقت. كان من الممكن أن يلتقي بها مصادَفةً خارج ذلك الباب؛ وحينها لن تصيبها الدهشة إلا لِلَحظةٍ، كما لو أنها كانت دائمًا تتوقع قدومه. لقد كانت تتوقع كل احتمالات الحياة، وهذا هو الأسلوب الذي كانت تعتقد أن بمقدورها دائمًا اتباعه.

يمكن إيقاف كل الأشياء، ولا يستلزم الأمر سوى بعض التصميم. حينما كان صغيرًا في السادسة أو السابعة من عمره، استطاع أن يوقف حماقات زوجة أبيه، ما كانت تطلق عليه هي حماقات أو مضايقات؛ فقد هرب إلى الشارع بعد حلول الظلام، واستطاعت إرجاعه، لكنها شعرت أن من الممكن أن يكون هناك هروب حقيقي من جانبه إنْ لم تتوقَّف عن مضايقته، فتوقَّفَتْ، وقالت إن ذلك ليس مزاحًا من جانبه؛ لأنها لا تستطيع أن تقول مطلقًا أن شخصًا ما يكرهها.

•••

أمضى ثلاث ليالٍ أخرى في المبنى الذي كان يُطلَق عليه بوني داندي. كتب للمالك بيانًا بما تدفعه كل شقة وموعد استحقاق مصاريف الصيانة وما تتضمنه من بنود. قال إنه تم استدعاؤه، وذلك دون الإشارة لجهة الاستدعاء والسبب. صرف كل الأموال الموجودة بحسابه المصرفي وحزم أشياءه القليلة، وفي المساء، في وقت متأخر من المساء استقلَّ القطار.

أخذ يغفو ويستيقظ أثناء الليل، وفي واحدة من تلك الغفوات القصيرة رأى أولاد المينوناتيين الصغار في عربتهم الصغيرة، وسمع أصواتهم الصغيرة وهم ينشدون.

وفي الصباح هبط في كابوسكايسينج، وتسلَّلَتْ إلى أنفه رائحةُ المصانع، وقد شجَّعَه الهواء البارد. سيعمل هناك، بالطبع سيعمل في بلدة مليئة بالغابات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠