الفصل الخامس والأربعون

الجَيش وقائده

لا نعتقد أن فاروقًا كان يعقل أن يضع لنفسه سياسة يحمي بها عرشه ويوطد عليها دعائم ملكه، ولكنني أرجح أنه تلقى من أبيه وصية مكتوبة أو محفوظة تلخص له قواعد السياسة التي يعتمد عليها لحماية العرش وتوطيد دعائم الملك، ومنها الاحتفاظ بولاء الجيش وولاء الأزهر، وقد كان أبوه يحاول الاحتفاظ بولائهما غاية ما وسعه، ولم يكن وسعه بالقليل.

هذه السياسة — ولا شك — أصح سياسة يوصي بها الملك من يخلفه على عرشه، فليس أنفع للعروش من ولاء القوة والعقيدة، وهما متمثلتان في رجال الجيش ورجال الدين.

ولكنها منفعة لا تتأتى إلا للملك النافع، فإن كان ملكًا غير نافع فأخطر الخطر عليه من حيث يقدر الحماية والأمان.

ولهذا كنت أقول وأكرر القول لصاحبي في السنوات الأخيرة على الخصوص: إذا خُلِع فاروق، فلن يتم خلعه بمعزل عن الجيش أو الأزهر، وقد يخلعانه متفقين.

إن الفاسد يفسد على نفسه كما يفسد على غيره، ولن يكون الملك فاسدًا حيث تصلح سياسته لكسب الأنصار والاحتفاظ بولاء أنصاره، فإذا فاته أن يكسب الأنصار المحافظين على ولائه فلا حماية له ولا لعرشه من أحد، وجاءته الرزايا من وجوه المطالب كما قال الشاعر الحكيم.

كل ما فهمه فاروق من الاحتفاظ بولاء الجيش وولاء الأزهر أن يفرض على كل منهما أعوانًا وأذنابًا يخدمونه ويخدمون مصالحهم في وقت واحد، ووقع في خلده أنهم يخشونه لا محالة ما دامت مصلحتهم مقرونة بمصلحته وما دامت مناصبهم موقوفة على مشيئته، فما زال على هذا الجهل حتى انتهى الأمر إلى موقف لا لبس فيه بينه وبين جيشه؛ إن هؤلاء الخدم الذين فرضهم على الجيش قد أصبحوا لازمين له لحمايته هو من الجيش، ولو وقف الأمر عند هذا لكان الخطب أعظم من أن يُستدرَك، ولكنه كان أخطر وأفدح من ذلك بكثير؛ كان هؤلاء الخدم يحتاجون إلى من يحميهم هم من الجيش أيضًا ولم يكن لهم تعويل على غير مرجع واحد، فمن هو هذا المرجع؟

فاروق!

لقد كانت السياسة الرشيدة أن يحتفظ الملك بولاء الجيش؛ لأن الأمة كلها تدين له بالولاء وتحميه بكل قوة وفي طليعتها القوة العسكرية.

فما زال به الجهل حتى أصبح أذنابه وأعوانه حِمى له من الجيش، وهم أعجز من أن يحموا أنفسهم، لو لم يعتمدوا عليه …!

وصل فاروق إلى هذا الموقف قبل حرب فلسطين، فلما تكشفت تلك الحرب عن فضائح السلاح «لم يبقَ في الجيش المصري ضابط، ولا جندي يضمر الولاء للملك المجرم الذي بلغت به الضعة — والعياذ بالله — أن يتجر بأرواح جنده وهم في ساحة القتال»، وشملت الريبة كل عامل في القوى العسكرية من المقربين إليه والمقصيين عنه على السواء، وغاية ما بينهما من الاختلاف أن أذنابه المقربين كانوا ينظرون إلى منافعهم ويخشون على مراكزهم، ويحسبون حساب العقاب، ولا يعرفون سبيلًا إلى المخرج من المأزق الذي انحصروا فيه … فيودون لو بقي فاروق حماية لهم، وهم على هذا متوجسون غير مطمئنين إليه.

ولقد وضح منذ سنوات أن دوام فاروق على العرش أمر مشكوك فيه، ولكنه كان شكًّا يقترن ببعض الأمل في الصلاح وبعض الحيرة في المصير، ثم أخذ هذا الأمل ينقطع شيئًا فشيئًا وأصبح السخط في القلوب غالبًا على كل حيرة في العقول، حتى إذا كانت الأسابيع الأخيرة من عهده المشئوم جرى ذكر الكوارث التي تتعاقب على الأمة في مجلس يضم أكثر من عشرين مصريًّا بين أديب وصحفي وأستاذ وطالب، فقال قائل: وما العمل؟ … قلت: إنها الثورة لا محيص لنا منها، وليكن ما يكون! والحمد لله … جاءت الثورة ولم يمضِ شهران.

وجاءت سليمة لم يُسفَك فيها دم ولم يضطرب فيها حبل الأمور، وقد كان الخلاص من عهد فاروق ضرورة لا تستكثر عليها أن تقدم الأمة في سبيلها على خسارة في الأرواح والأموال، واضطراب الأمور شهورًا أو أكثر من شهور، فلما تكفل الجيش للأمة بالثورة التي كانت مطلوبة منها عُوفِيت من جرائرها وأهوالها وانتظمت الأمور في سياقها، وانجلى ملك مكروه من عرشه بأيسر من جلاء عمدة في قرية صغيرة، ينصره أناس ويخذله آخرون.

وبحق أعلن الجيش أنه يحارب فساد فاروق، ولا يقصر حربه على شخص فاروق.

وبحق أعلن كذلك أنه فساد في نظام الإقطاع كله، فلا يتأتى القضاء عليه إذا انقضى فاروق وترك وراءه ألوفًا من الفواريق الصغار.

وقبل أن يسأل السائل: وما للجيوش ولهذه الشئون؟ عليه أن يسأل: كيف كان الخلاص لو لم تخلصنا حركة الجيش من فاروق؟

إن فاروقًا قد نزل عن العرش وهو في الثانية والثلاثين من عمره، فلو أنه بقي على العرش إلى نهاية أجله فلا يعلم إلا الله كم سنة تتعاقب على مصر وهي تنحدر من هاوية إلى هاوية، وتتقهقر من نكسة إلى نكسة، وتتهافت من خرابٍ على خراب، وتتلطخ بوصمة بعد وصمة من وصمات ذلك الفساد الذي جعلها مضغة في أفواه العالمين، وأسقط الثقة بها في حساب العروض والأعراض.

أما إذا قُدِّر له أن يخلع قبل نهاية أجله، فمن المستبعد جدًّا أن يتفق ملوك الإقطاع الصغار على خلع ملك الإقطاع الكبير، وإنما يجيء خلعه بقوة أجنبية، تعصف باستقلال البلد أو بثورة شيوعية تعصف بكل خير فيه وتسلمه إلى الفوضى التي لا يدري أحد متى تثوب إلى قرار.

فإذا كانت ثورة الجيش قد عصمت مصر من إحدى هذه العواقب وكلها شر لا خير، فمن حقه — بل من واجبه — أن يدفع غائلة النكسة عن هذا الوطن فلا يرجع إلى الهاوية التي لم يكد يخرج منها، ولن تُؤمَن هذه النكسة مع بقاء نظام الإقطاع على شره الذي عهدناه، ولو عقل الإقطاعيون لسبقوا غيرهم إلى حمد الله على هذه النتيجة، فإنها حماية لهم في آخر المطاف.

ومن التوفيقات الإلهية أن يتولى قيادة الجيش في هذه الثورة رجل من أصلح القادة لحرب الإقطاع، رجل لو قيل فيه إنه محصن الضمير ﺑ «مصل نفساني» مضاد لآفات الإقطاع لما اختلف تعبير المجاز وتعبير الحقيقة في وصفه، فإن آفات الإقطاع جميعًا تتلخص في الولع بالمظاهر والاستكثار من جمع المال بغير حاجة إليه، وكل من عرفوا ذلك القائد عن كثب، يعرفون عنه طبيعة النفور من المظاهر والميل إلى الاعتكاف والزهد في المال.

ومن التوفيقات الإلهية أيضًا أن يُبتَلى جشع فاروق بقناعة ذلك القائد الملهم، وأن يدخر القدر لثورة الجيش في حرب الإقطاع رجلًا من أصلح الناس أن يكون قدوة لمن يحاربون الإقطاع، ويعتصمون بنزاهة اليد والضمير من آفات الإقطاعيين وفتن الإقطاع.

ولم يكن كافيًا لتمام العمل التاريخي الذي لا يتكرر كل يوم أو كل جيل أن يزول فاروق ويبقى بعده ألف فاروق أو أكثر من ألف فاروق، فليست نهاية فاروق هي نهاية الحركة، ولكنها فاتحة عهد لا بد أن تستقر على أساس وطيد.

وليس المقصود بهذا أن عمل السياسة في مصر قد بطل، وأن القوة العسكرية مسئولة وحدها بعد اليوم عن تدبير معضلات السياسة والاجتماع والاقتصاد، وسائر ما ينتظم في جملة مهام الإصلاح.

إن كاتب هذه السطور آخر من يرى هذا الرأي أو يقول بهذا القول، وإنه لقول لا يقول به فيما نعتقد إلا متملق جاهل، والمتملق الجاهل يسيء إلى من يتملقه من حيث يحسب أنه يثني عليه.

فالعلم بالفنون العسكرية في هذا العصر أوسع من أن يحيط به رجل واحد؛ لأنه معرفة تتناول أسلحة الجو والبحر والبر وأبواب العلم الطبيعي والرياضي التي تدخل من قريب أو بعيد في هذه الفنون، وتحتاج مع هذا إلى الخبرة بالأطوار النفسية وأساليب الدعوة والاستطلاع، لا يحيط بها قائد فرد ولا يستغني فيها على أية حال عن مشورة الخبراء ممن يعلمون مثل علمه أو ينفردون بعلم لم يطلع عليه.

فليست القيادة العسكرية من السهولة بحيث ينهض بها قائد واحد، وينهض بغيرها من المهام الكبرى في وقت واحد.

وليس هذا — فيما نرى — هو المطلوب في مرحلة الإصلاح، فما هو المطلوب في هذه المرحلة بالإيجاز؟

إننا نعلم المطلوب إذا علمنا المحذور الذي اتقيناه ولا نزال نتقيه.

وهذا المحذور هو شعور الموظف الفاسد بحماية الفساد الأكبر له.

إنه يخالف الشرع والعرف والحياء ولا يبالي العاقبة؛ لأنه يخدم بالمخالفة سيدًا يغريه بها ويكافئه عليها، فإذا زال هذا السيد وزالت هذه الحماية فقد زال المحذور.

والذي نرجوه من حراسة الجيش لحركة الإصلاح أن يؤمن كل عامل بزوال حماية الفساد وقيام حماية في مكانها، تؤيد الصالح المصلح وتملأ سريرته بالطمأنينة إلى النجاح والتوفيق فيما يتوفر عليه ويصمد له من الخدمة العامة والجهد الشريف.

كانت حماية المفسدين أس الفساد.

فإذا زالت هذه الحماية المفسدة وقامت في مقامها الثقة بحماية العمل النافع والعاملين النافعين، فذلك هو أس الصلاح والإصلاح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤