العاشقة الروسية

١

كان كثير من المدعوين جالسين قرب منتصف الليل حول مائدة وضعت فوقها أقداح الشاي، وهم يتحدثون ويتسامرون منذ الساعة التاسعة في منزل الكونتس أرتوف.

وليست الكونتس أرتوف إلا تلك التائبة الحسناء التي كانت تدعى باكارا قبل أن يطهر الحب الصحيح نفسها من أدران الفساد، فتابت توبة صادقة وباتت ضالة الفقراء ومحط رجاء كل بائس مسكين.

إلى أن أراد الله مكافأتها عن توبتها الصادقة فلقيها الكونت أرتوف وهي في نضارة الشباب، وقد بلغ من الثروة والنبل ما لم يبلغه سواه فتزوج بها وذلك منذ أحد عشر عامًا كما يذكر قراء الأجزاء السابقة.

ولكن ما لقيته باكارا مع زوجها من الهناء والنعيم زاد نضارة شبابها، ومد في عمر جمالها، فكان من يراها يحسب أنها في الثامنة والعشرين من عمرها وهي قد بلغت الأربعين.

فكانت تفتح قاعاتها لفتيات باريس الحسان، وهي لا تخشى أن تكسف تلك النجوم شمس جمالها الباهر فإن الجميلات كن يحشرن تحت لوائها.

وكان جالسًا بجانبها تلك الليلة فتاة جميلة شقراء، وهي الكونتس فاسيليكا وأسرنوف؛ تلك المرأة المنتقمة الجبارة التي انقلب حبها لابن عمها إيفان بونتيف إلى بغض شديد وحقد عجيب بحيث باتت لا يهنأ لها بال إلا بعد أن تدرك بغيتها من الانتقام.

وفي جملة الذين كانوا حاضرين في تلك الحفلة على كثرتهم الكونت كوروف وهو الذي وعدته فاسيليكا بالزواج بعد يأسها من إيفان، ثم ثلاثة أو أربعة من أصدقاء باكارا القدماء بينهم الفيكونت فابيان دي أسمول زوج بلانش دي شمري تلك الفتاة الطاهرة التي كان يدعوها روكامبول زمنًا بعيدًا أخته، حين كان يلقب نفسه المركيز دي شمري كما تقدم في روايتي الغادة الإسبانية وانتقام باكارا.

كان الحديث دائرًا عن إيفان بونتيف …

قالت فاسيليكا: إنه مجنون وا أسفاه وهو وحيد أبيه ولا يزال في مقتبل الشباب.

فقالت باكارا: أأنت واثقة من جنونه؟

– كل الثقة، ولم يبق مجال للريب فإن تلك الفتاة التي يهواها ويدعوها مدلين لا وجود لها إلا في مخيلته.

فنظرت باكارا إليها نظرة شك وقالت: ألا تظنين أنك منخدعة؟

ثم أسرعت بالاستطراد قبل أن تدع لها وقتًا للجواب، فقالت: وهذا البارون دي مورليكس الذي لم يكن يفارق ابن عمك عندما عاد به إلى فرنسا، فإني لم أره منذ حين.

– وأنا أيضًا لم أره منذ عهد بعيد.

ثم نظرت فاسيليكا إلى باكارا نظرة خفية ملؤها الضغينة؛ لأنها خشيت أن تكون أدركت شيئًا من أسرار قلبها.

وعند ذلك انقطع الحديث عن إيفان الذي كان لا يزال سجينًا في منزل الدكتور أليوت طبيب المجانين؛ لأن الأنظار قد اتجهت إلى زائر جديد دخل إلى القاعة فقطع ذلك الحديث القديم.

وكان هذا الزائر شابًّا يبلغ الثامنة والعشرين من عمره وهو من رجال المحاماة، ولكنه كان يمتهن هذه الحرفة لشغفه بها لا للكسب منها؛ لأنه كان من الأغنياء، فكان يدافع عن كل ما يسأل الدفاع دون أجرة، وفي الليل يزور منازل أصحابه فيروي لهم جميع ما يراه في نهاره من غرائب الدعاوى فيعجبون بأحاديثه لفصاحة لهجته وزلاقة لسانه.

فلما دخل إلى القاعة واتجهت إليه الأنظار قال لهم: أتعلمون ماذا حدث؟ وقال بعض الحاضرين وقد بدت عليهم ملامح الاهتمام: ماذا جرى؟

– لقد قبضوا على روكامبول.

فاضطربت باكارا ونظرت نظرة أسف إلى الفيكونت فابيان.

وسألت فاسيليكا قائلة: من هو روكامبول هذا؟

فأجابها المحامي: إنه رجل تكتنفه الأسرار وقد كثر الحديث عنه منذ بضعة أعوام، فإنه كان رئيس عصابة شديدة فعلت كثيرًا من المنكرات في باريس.

– ولكن اسمه جميل.

– وهو جميل أيضًا، وقد ظهر أنه أقام في سجن طولون ستة أعوام ثم يظهر أنه احتاج يومًا إلى الهواء الطلق فترك السجن.

وقالت فاسيليكا: إذن قص علينا حكاية هذا الرجل فإنها لطيفة كما يبدو من مقدماتها.

– إني سأقصها عليك بملء الرضى.

وقد قال ذلك وهو لا يدري أنه سيتكلم عن رجل عرفه كثير من الحاضرين حق العرفان.

أما فاسيليكا فقد سرها من جميع ذلك الحديث عن روكامبول أنه أراحها من عناء الحديث عن ابن عمها إيفان.

وعاد المحامي إلى الحديث فتدفق في كلامه تدفق السيل، وجعل يقص على الحاضرين حكاية روكامبول كما يعرفها: أي كما هي شائعة على الألسن.

ولكن الذي لم يعرفه من أمره ولم تكن تعرفه المحاكم أن رئيس تلك العصابة الهائلة القديمة، وذلك الهارب من سجن طولون، كان يدعى في باريس قبل سجنه، المركيز دي شمري.

وتنفست باكارا وفابيان تنفس المتفرج بعد أن فرغ المحامي من حكايته، وعلما أنه لا يعلم شيئًا من حقيقة أمر روكامبول، ونظر كلاهما إلى الآخر نظرة تشف عن الاطمئنان.

وعادت فاسيليكا إلى سؤال المحامي وقالت: أحقًّا أن هذا الرجل هرب من السجن؟

– ذلك لا ريب فيه فإنه هرب بطريقة عجيبة، ثم قص على الحاضرين كيف هرب روكامبول على ما قرأه في جريدة المحاكم منذ ثمانية أشهر.

ولما انتهى من رواية الجريدة قال: أما هذا الرجل فإنه لم يفر وحده بل هرب معه ثلاثة، ولم يهرب بطريق البر كما يفعل سواه من المسجونين، بل إنه بطريق البحر على سفينة استولى عليها.

وكان البحر هائجًا هياجًا عظيمًا حين فراره في تلك الليلة المدلهمة، حتى إنه أشيع في اليوم الثاني أن المجرمين هربوا من السجن فغرقوا بالبحر، وظل هذا الاعتقاد سائدًا على الناس ستة أشهر.

– وبعد هذه المدة، ألعلهم وقفوا على آثار روكامبول؟

– نعم يا سيدتي.

– وكيف ذلك؟

– ذلك أنه منذ ستة أسابيع حدثت سرقة مائة ألف فرنك في منزل تعرفون صاحبه جميعكم.

– من هو هذا الرجل؟

– الفيكونت كارل دي مورليكس.

فابتسمت باكارا ابتسام الاحتقار.

وقالت فاسيليكا: ومن الذي اتهم بهذه السرقة؟ أليس هو روكامبول؟

– هو بعينه.

– إذن فهو لم يسرق؟

– كلا، وقد ثبت أنه هو السارق.

– فاعترضته باكارا وقالت: إني أعجب أيها الصديق كيف تتحدث بمثل هذه الخرافات.

– أية خرافات تعنين؟

– هذه السرقة التي تنسبها لروكامبول.

– ولكن اسمه قد ذكر في المحكمة.

– إنك لو كنت تعرف روكامبول حق المعرفة لما صدقت أمر هذه السرقة، فإنه لا يتدانى إلى سرقة مثل هذا المبلغ الحقير بالقياس إلى علو نفسه وشدة مطامعه.

– إذن أنت تعرفينه؟

– ربما، بل إني قد أستطيع أن أحدثكم عنه بأمور كثيرة، والآن أرجوك أن تتم حديثك عنه فإننا مصغون إليك.

٢

وعاد المحامي إلى تتمة حديثه فقال: سواء أخطأوا أو أصابوا، فإنهم كانوا يتهمونه بهذه السرقة في ذلك العهد، وجعل البوليس يبحث عن روكامبول في كل مكان فلا يجده.

فقالت باكارا: إن الأمر بسيط وهو غرق دون شك حين محاولته الفرار من السجن.

– ليس الأمر كما تظنين فاسمعي بقية الحديث، إنهم بعد أن بحثوا عنه ستة أسابيع قبضوا على رجل محتال كان يدعو نفسه الماجور أفاتار، وكان هذا الماجور صديقًا للمركيز ب فعرفه نبلاء باريس، وكان يشهد فيه خير شهادة ومع ذلك فإن البوليس قبض عليه.

فاضطربت باكارا وقالت: وبعد ذلك؟

– إنه حين مثل هذا الماجور أمام قاضي التحقيق اعترف أنه متنكر وأنه نفس روكامبول؟

فزاد اضطراب باكارا وقالت: أحقيقة ما تقول؟

– نعم يا سيدتي، غير أن هذا البوليس الذي افتخر بالقبض على روكامبول لم يدم سروره؛ لأنه نجا أيضًا من السجن.

فانذهل الجميع وصاحوا بصوت واحد: كيف هرب؟

– إنه هرب في صباح هذا اليوم حين جاءوا به إلى قاضي التحقيق.

فقال واحد من الحاضرين: إن الفرار على هذا الشكل صعب.

– بل هو مستحيل ولكنه هرب.

– كيف فعل؟

– لا يعلمون، فإنه أدخل إلى قاعة الانتظار مع جندي كان يتولى حراسته وكان هناك جندي آخر.

ولما حان دور التحقيق بأمره جعل القاضي يقرع الجرس قرعًا عنيفًا، فلم يجبه أحد فدخلوا إلى قاعة الانتظار فوجدوا الجنديين نائمين يغطان ولم يجدوا روكامبول.

– ألعله نومهما؟

– نومًا يشبه الموت؛ لأنهم بذلوا كل جهد في إيقاظهما فلم يستفيقا حتى جاءوا بطبيب، فأثبت أنهما أعطيا مخدر شديد التأثير.

وقالت فاسيليكا: الحق أنه رجل شديد الذكاء يستحق الإعجاب.

أما باكارا فلم تجب ولكنها نظرت إلى فابيان نظرة ملؤها القلق والاضطراب.

ودقت الساعة عند ذلك مشيرة إلى انتصاف الليل وهو موعد انصراف المدعوين فبدءوا يتفرقون.

وكان أول من انصرف الكونتس فدخلت فاسيليكا إلى مخدعها؛ لأنها كانت في ضيافة باكارا ثم انصرف بعدها جميع المدعوين، مودعين باكارا حتى إذا انتهى الدور إلى الفيكونت فابيان استوقفته وقالت له: ابق قليلًا فقد وردتني أخبار الكونت أرتوف الذي لا يزال في روسيا وهو سيعود منها في الأسبوع القادم.

ولما خلا المكان بهما قالت: ما رأيك في هذه الحوادث؟

– أرى أنها قد تكون حقيقية.

– أتظن أن هذا الرجل روكامبول حقيقة؟

– بل أثق فإن هذا الفرار لا يقوى عليه سواه.

– إني قرأت في الصيف الماضي حين كنت في روسيا خبر فرار أربعة أشقياء من سجن طولون، فإذا كان روكامبول منهم وجب علينا الحذر الشديد.

– من أي شيء نحذر؟

– إنك تعلم حق العلم إن امرأتك لم تعرف حتى الآن أن روكامبول كان مختلسًا اسم أخيها وأنها إذا عرفت هذه الحقيقة كان الخطر شديدًا عليها.

– والخطر الذي أخشاه الآن أن هذه الحقيقة قد تظهر.

– كيف ذلك؟

– ذلك أن روكامبول قد يقع أيضًا في قبضة البوليس، فيفتضح الأمر وتتناقله الجرائد التي لا تكتم شيئًا وهي تباع بالملايين في هذه الأيام، فإذا جرت محاكمته في باريس فقد تفضي المحاكمة إلى إذاعة ذلك السر القديم؟

– على أن الذي أرتاح إليه بعض الارتياح إن ذكر روكامبول قد دار مرارًا على الألسن، فكانت الإشاعات عن عودته تقيم إدارة البوليس وتقعدها إلى أن يتحقق فساد هذه المزاعم، وقد تكون حادثة اليوم من قبيل الحوادث الماضية.

– إني أرجو أن يكون الأمر على ما ذكرت ولكن قلبي يحدثني أنك مخطئة فيما تتوهمين، فإني ذكرت الآن حادثًا غريبًا جرى لي منذ شهر ولم أكترث له إلا الآن.

– ما هو هذا الحادث؟

– تعلمين أن هذا القصر الذي فيه تكتنفه حديقة واسعة وإن ولدي يلعب كل يوم في هذه الحديقة، وإن أمه تصحبه إليها بعض الأحيان، ويوجد عند سور الحديقة منزل قد أعده أصحابه للأجرة تشرف نوافذه على الحديقة.

فبينما كنت يومًا ألاعب ولدي في الحديقة حانت مني التفاتة إلى نوافذ ذلك البيت فرأيت وراءها رجلًا أصفر الوجه ما لبث أن أصابه نظري حتى احتجب وتوارى عن عيني، فخيل لي أني رأيت روكامبول.

– وبعد ذلك؟

– لم أره أبدًا، فإني لبثت مدة طويلة أتربص له في الحديقة وأختبئ أحيانًا بين الأشجار وأنا أراقب النوافذ فلا أراه حتى مللت المراقبة، وأيقنت أنه شبه له، فلما سمعت اليوم ما سمعته من المحامي ولم يعد لدي ريب في صحة ما قال ولا شك أن روكامبول هو المتنكر باسم الماجور أفاتار.

ففكرت باكارا ثم قالت: لا بأس عد الآن إلى امرأتك وولدك، فسأنظر في هذا الأمر وارجع إلي أحب أن أراك.

– متى؟

– غدًا إذ يجب أن أعرف الحقيقة من غير هذا المحامي.

فذهب الكونت فابيان ودخلت باكارا إلى غرفتها المشرفة على الحديقة وهي مفكرة مهمومة فلبثت نحو ساعة جالسة قرب النار وهي غائصة في بحار التأملات.

وكان قلبها يحدثها بأن روكامبول عاد إلى الظهور فكانت تخشى أن يكدر صفو عيشها السعيد وحياتها الهادئة.

وفيما هي تفكر هذا التفكير إذ طرق مسامعها صوت وقت أقدام في الحديقة، فارتعشت ودنت من باب الغرفة ففتشته ولكن الظلام كان شديدًا فلم تر أحدًا وأصغت إصغاء تامًّا، فلم تسمع حسًّا فأقفلت ذلك الباب وعادت إلى ما كانت عليه من الهواجس والتفكير.

ولكن ما لبثت هنيهة حتى سمعت ذلك الصوت قد اقترب منها، فأسرعت إلى المشرف مضطربة واجفة فرأت خيال رجال وراء الزجاج.

ثم رأت قبل أن تبلغ إلى المشرف أن الزجاج قد قلع بخاتم من الماس وأن يدًا قد مدت، ففتحت الباب ثم دخل رجل إلى الغرفة.

فصاحب باكارا صيحة ذعر؛ لأن هذا الرجل كان مسلحًا بخنجر وقد عرفته؛ لأنه كان روكامبول.

٣

سبق العهد بباكارا أنها شديدة جريئة لا تضطرب أمام مثل روكامبول، بل إن روكامبول وأمثاله يضطربون أمامها.

ولكنها قد مر على هذا العهد بها عشرة أعوام تغيرت في خلالها أحوالها، وضعفت عزيمتها السابقة بما توالى عليها من رخاء العيش وراحة الفؤاد وصفاء البال، فأصبح منظر عدوها القديم يهولها.

وكان أول ما خطر لها أن هذا العدو اللدود قد قذفته يد الخالق بعد أن كاد يبلغ ذروة المجد، فشوهت وجهه وألقته في السجن وعذبته أشد عذاب فلا بد أن يكون قد أعد لها انتقامًا هائلًا.

فلما رأته باكارا والخنجر مشهور بيده أيقنت أنها مائتة، فتراجعت منذعرة، وعزمت على أن تقرع جرسًا على الطاولة كي تستغيث به، ولكن روكامبول وثب إليها ومسك يدها، وقال لها: لا تستغيثي ولا تقرعي هذا الجرس فإني لا أريد لك شرًّا.

وقفت باكارا ضائعة الرشد ولكن هذا الرعب الذي كان قد تولاها ذهب عنها فجأة؛ لأنها شعرت أن لهجة روكامبول قد تغيرت ولم تعد تلك اللهجة التي عرفتها من قبل، وذهبت منه آثار التهكم الذي كان يدل على نفسه الوحشية، فكان يشير إلى حزن دفين؛ حتى إن وجهه لم تبق فيه تلك الملامح القديمة الدالة على الجرأة والميل إلى الفتك. وفي الجملة فقد رأت أن الفرق بين طباع روكامبول الأمس وروكامبول اليوم عظيم ولكن الرجلين واحد.

ثم قال لها روكامبول بلهجة المتوسل: سيدتي اطمأني فإني أقسم لك أنني لا أريد بك شرًّا.

– إذن ماذا تريد؟

– إني دخلت إليك متسلقًا جدار الحديقة بسلم من الحرير، ثم كسرت زجاج هذه النافذة ونحن الآن في الساعة الأولى من منتصف الليل.

فزاد انذهال باكارا من كلامه ومن خطته وقالت: ماذا تريد أن تقول؟

– أقصد أمرًا بسيطًا يا سيدتي، وهو أني أريد العودة إلى السجن ولكني سأقول لك السبب الذي أتيت من أجله، ومتى فرغت من حديثي تقرعين هذا الجرس وتدعين خدمك يقبضون علي ويرجعونني إلى السجن فلا أخرج منه في قيد الحياة.

– لماذا إذن خرجت من السجن إذا كنت تريد الرجوع إليه؟

فابتسم روكامبول ابتسام الحزين وقال: انظري إلي يا سيدتي ألا تجدين أني قد تغيرت؟

– أراك تجاوزت حد الصبى.

– أهذا كل ما ترينه بي من التغيير؟

– وأرى أيضًا أن صوتك قد تغير.

فأجاب بملء الكآبة: إن نفسي التي تغيرت يا سيدتي.

فرأت باكارا أن الحقيقة بادية في صوته فقالت له: ألعلك أصبحت من التائبين؟

فأطرق روكامبول برأسه إلى الأرض دون أن يجيب.

واستأنفت باكارا الحديث فقالت: لماذا عدت من السجن؟

– لأتمم أمرًا أراه فوق مقدرتي، فقد بدأت أشعر أني لا طاقة لي به.

فجلست باكارا على كرسي وجعلت تنظر إليه والخنجر لا يزال بيده وقالت: أوضح ما تقول.

فمشى روكامبول إلى طاولة رآها أمامه فوضع فوقها خنجره، ثم رجع فوقف بملء الاحترام أمام باكارا وقال: أتثقين بالتوبة والندم؟

فترددت هنيهة وهي تنظر إليه نظر الفاحص وقالت: ربما …

– سيدتي … إني كنت منذ ربع ساعة واقفًا في الشارع تجاه قصرك مختبئًا وراء باب الحديقة، فرأيت رجلًا خرج من منزلك وهذا الرجل أعرفه إنه فابيان.

– نعم، هو بعينه.

فقال لها بصوت خافت … وهي؟

وكان صوته يضطرب حين فاه بهذه الكلمة وقد اصفر وجهه اصفرارًا شديدًا.

فأخذت باكارا يده، وقالت: لقد عرفت الآن كل شيء …

فسقطت دمعة على وجه روكامبول وقال: ألم تعلم هي شيئًا؟

– كلا فقد بالغنا بالكتمان حرصًا عليها.

– أتعلمين اليوم الذي دخل فيه شعاع التوبة الصادقة إلى قلبي فطهره من أدران الإثم والفساد، إنه ذلك اليوم الذي زارت فيه مع زوجها سجن طولون ولم تعرفني حين رأتني، وقد بلغ من حبي لها أني بت أعتقد أنها حقيقة أختي.

ثم مسح تلك الدمعة التي كانت تنحدر ببطء على وجنته وقال: إني ما أتيت إليك إلا لأكلمك عنها.

فأشفقت باكارا على هذا الرجل الذي عرفت ماضيه وتبينت من لهجته وظواهر يأسه أنه صادق في توبته، فقالت له: اجلس أمامي ولنتحدث.

– كلا … إني لا أجسر على الجلوس أمامك.

ولبث واقفًا وعاد إلى حديثه وقال: إني أقمت في السجن عشرة أعوام لا يخطر لي الفرار منه في بال، إذ كان أقصى أماني أن أموت فيه؛ لأني وجدت الراحة الصحيحة بالموت.

ولكني لم أنقطع عن التفكير بتلك المرأة الطاهرة التي دعوتها أختي، وهي يجب عليها أن تكرهني وترتجف لذكر اسمي.

واتفق يومًا بأني علمت أن بلانش لم تعلم شيئًا من حادثة قاديس بفضلك وبفضل مادموازيل سالاندريرا.

وخطر لي عند ذلك الفرار، وقلت في نفسي: إني سأنجو من السجن فأعود إلى باريس وأختبئ في منزل يجاور منزلها، فأراها حين دخولها وخروجها كل يوم.

ومنذ ذلك الحين بدأت تتنازعني العوامل فكان عامل الفرار يتغلب علي رجاء أن أنقلب إلى الخير، وأكفر بالأعمال الصالحات عن سيئاتي الماضية.

فقطاعته باكارا وقالت: وأخيرًا نجوت.

– اصغي إلي يا سيدتي، لقد كان لي في السجن رفيق كنت مقيدًا وإياه بقيد واحد، وكان هذا الرجل خادمًا في أحد المنازل وقد ألقته في السجن يد أثيمة على براءته لإتمام عمل منكر، فكان يبكي وهو معي أثناء الليل وأطراف النهار ويناجي أولاده.

ولقد حسبت في بدء الأمر أنه متزوج وله بنون ولكنه أخبرني بحكايته، وعلمت أنه يذكر حين بكائه وتوجعه أولاد سيدته التي ماتت مسمومة، وهم بنتان يتيمتان فقيرتان، فقلت في نفسي: هو ذا الفرصة قد لاحت للتكفير عن ذنوبي الماضية بالإحسان إلى هاتين اليتيمتين اللتين يضطهدهما أعداؤهما؛ ولذلك هربت من السجن.

– وقالت باكارا: أكان حديث فرارك كما روي لنا؟

– نعم.

– تمم حديثك فإني مصغية إليك.

فحكى روكامبول عند ذلك جميع ما اتفق له منذ ستة أشهر من الوقائع التي ورد تفصيلها في رواية «روكامبول في سيبريا»، وذكر لها كيف وجد مع ميلون أنطوانيت، وكيف أخرجها من سجن سانت لازار، ثم حكى بالتفصيل حكاية مدلين في روسيا، وكيف قبضوا عليه إلى أن تخلص من السجن.

ولما فرغ من حكايته قالت له باكارا: إن الحكاية التي رويتها لي عن روسيا تشبه أتم الشبه حكاية رواها لي أمس الكونت أرتوف، فقد ذكر لي قصة فتاة هاجمتها الذئاب فكانت نجاتها من العجائب.

– هي مدلين …

فأثر ذكر هذا الاسم تأثيرًا غريبًا على باكارا وقالت: مدلين؟

– نعم يا سيدتي، فهي إحدى الأختين اليتيمتين.

– أكانت معلمة في روسيا؟

– نعم.

– في منزل الكونت بونتيف.

– هو بعينه.

– وكان إيفان ابن هذا الكونت يحبها؟

– ولا يزال يعبدها عبادة.

فبرقت عين باكارا وقالت: إذن إن الكونتس فاسيليكا تخدعني خداعًا عظيمًا، والآن قل لي اسم هذا الرجل الذي يضطهد هاتين الأختين ويريد لهما الموت.

– إنه يدعى الفيكونت كارل دي مورليكس.

– لقد خطر لي شيء من هذا، فما كنت أجسر على أن أتمادى في هذه الظنون.

فأخذ روكامبول يدها وقال: سيدتي، إن عملي لم يتم بعد ولا أجسر على إتمامه؛ ولذا فقد خطر لي أن أعهد إليك حماية هاتين الأختين فإنك غنية قادرة على كل شيء.

– وأنت؟

– أعود إلى السجن.

– لماذا؟

فأطرق برأسه وقال: إن هذا سر لا أبوح به.

فأخذت باكارا يده بدورها وقالت له: إني كنت أصغيت إليك فما ذلك إلا لأني غفرت لك منذ عهد طويل، فلا يجب أن تكتمني أسرارك.

وجعل روكامبول يرتجف ارتجاف تلك الورقة الصفراء التي تحركها رياح الخريف ولم يجب بشيء.

فقالت باكارا: تكلم فإني أريد أن تبوح لي بكل شيء.

فحاول أن يتكتم أيضًا ولكنه غلب على أمره، فقال بصوت مختنق: «أحب مدلين.»

٤

وساد السكوت هنيهة بين باكارا وروكامبول، فكان هذا الرجل الذي طالما انغمست يده بالدماء واقفًا وقفة المضطرب والعرق البارد ينصب من وجنتيه، وجميع ملامحه تدل على تلك العاصفة الهائلة التي ثارت في نفسه من ذلك الإقرار.

ثم رفع رأسه وضحك ضحك القانطين وقال: أرأيت يا سيدتي كيف أن ذلك اللص السفاك، بل ذلك الوحش المفترس قد تحول إلى إنسان وصار له قلب كقلوب الناس، فهبط إليه الحب كما تهبط أشعة الشمس في محل قذر؟

إن هذا القلب الذي عهدته من الأموات حين سرت إليه عاطفة هذا الغرام حاولت خرقه بهذا الخنجر، ولكني كنت عاهدت نفسي وعاهدت الله على إنقاذ الأختين، فإذا هلكت هلكتا.

وجعلت أعارك نفسي وأصدها عن شهواتها حتى شعرت أني بت مغلوبًا، فلا أستطيع أن أضبط نفسي إذ قد يتفق ساعة سوداء يرتفع بها بصري إلى ذاك الملاك فيهين طهارته المقدسة.

وهنا توقف هنيهة ثم قال: وعند ذلك افتكرت بك وقلت: إن المرأة التي قدرت أن تسحق روكامبول تستطيع دون شك أن تسحق كارل دي مورليكس.

– وسأفعل …

– لا شك عندي فيما تقولين …

ثم فتح سترته وأخرج من جيبه ملفًّا من الورق فأعطاه لباكارا وقال: إنك تجدين يا سيدتي في هذه الأوراق كل ما تحتاجين إليه من المعلومات.

فأخذته باكارا وقالت: أحب أيضًا أن أعلم ما أريده من فمك.

– سلي سيدتي أجيبك.

– أليس لكارل مورليكس أخ؟

– نعم وهو والد أجينور.

– يجب أن نرفق بهذا الرجل، أليس كذلك؟

– دون شك؛ لأنه لولا هذه العقدة، ولولا ما أخشاه من افتضاح أجينور بافتضاح أبيه واستحالة تزوجه بأنطوانيت بعد هذه الفضيحة؛ لذهبت في هذا الصباح إلى قاضي التحقيق، وكشفت له هذه الحقيقة الهائلة وعرضت عليه براهين تسميم البارونة والدة الأختين، فيقبض البوليس على كارل وأخيه فيضربهما الشرع ضربة قاضية، ولكن والد أجينور لا ينبغي أن يمس؛ لأن ولده يحب أنطوانيت.

– هو الحق ما تقول.

– إذن يجب عقاب كارل مورليكس عقابًا شديدًا قاضيًا لا يشعر به أحد؛ ولهذا أتيت إليك …

– ولكن مورليكس لا يعاقب وحده.

– ومن تريدين أن تعاقبي معه؟

– امرأة مقيمة في ضيافتي وهي تخدعني منذ أيام.

– ألعلها الكونتس فاسيليكا؟

– هي بعينها …

ففكر روكامبول هنيهة ثم قال: إذن هي التي أوهمت الناس أن ابن عمها إيفان مجنون وحبسته في منزل الطبيب؟

– نعم بالاتفاق مع مورليكس.

– أتعديني بحماية الأختين ومعاقبة كارل؟

– أعدك وعدًا صادقًا لا ريب فيه.

– إذن أرجوك أن تنادي خدمك الآن وأن تأمريهم بالقبض علي وتسليمي إلى الشرطة.

وقد قال هذا القول بلهجة جدية لم تدع لباكارا أقل مجال للشك في إخلاصه، فنظرت إليه نظرة إشفاق وقالت: كلا إني لا أفعل شيئًا من هذا.

– لا تفعلين!

– كلا … فإني لا أحب أن تعود إلى السجن.

فتراجع روكامبول خطوة إلى الوراء ودلائل اليأس بادية في ثنايا وجهه، فأوقفته بإشارة وقالت له: اصغ إلي، إنك تعلم أكثر مما يعلم سواك ما سيأتي، وقد عرفت من أمري أني كنت في عهدي من أشر بنات الهوى، ثم تبت توبة صادقة وتزوجت رجلًا نبيلًا، ففتحت لي أبواب العائلات وبات لي في مجالس النبلاء خير حظوة ومقام.

فاضطرب روكامبول وقال: ماذا تريدين بهذا القول؟

– أريد أن كل ما لقيته إلى الآن من سجن وعذاب لم يفد في عقابك، وكل ما سوف تلقاه من عناء السجون لا يكفر عن آثامك، أما العقاب الصحيح الذي قد تكفر به عن ذنوبك وربما نلت بعده الغفران الذي ترجوه فهو …

ثم توقفت هنيهة تنظر إلى روكامبول الذي كان مطرق الرأس يضطرب، وقالت: إن هذا العذاب هو حبك لتلك الفتاة الطاهرة، فإذا كنت تريد من توبتك الصادقة فلا تجده إلا في شقائك في هذا الحب.

فأنَّ روكامبول أنين الموجع وقال: أتظنين أني أطيق تحمل هذا الشقاء؟

– إنك تقيس هذا الشقاء إلى ذنوبك السابقة فتدفع عقابك عنها.

فوضع روكامبول يده فوق صدره وقال بلهجة القانط: كفاني يا سيدتي ما لقيت، دعيني أعود إلى السجن.

– كلا فلا يظهر الآثام غير الحب وإن الشقاء مثل النار ينفي كل دخل.

فرفع روكامبول عينيه إليها وهما غارقتان بالدموع، وقال: لقد أصبت فسأتحمل كل عناء واستمر عاملًا في خدمة الخير.

– وأنا أريد أن تكون حليفًا لي في هذه المهمات.

ليكن ما تريدين غير أني لا أستطيع أن أفيدك فائدة كبرى، ويمكن أن يقبضوا علي إذا عثروا بي.

فابتسمت باكارا وقالت له: تعال معي.

ثم أخذت مصباحًا وسارت أمامه وهو يتبعها من غرفة إلى أخرى حتى انتهت إلى غرفة متسعة، وقالت له: نم هنا فستكون آمنًا ما دمت في منزلي وغدًا عند الظهر أعود إليك وربما عدت إليك بما يسرك.

ثم تركته وانصرفت. وكان روكامبول لم ينم نومًا طيبًا منذ عدة ليال فانطرح على السرير بملابسه وما لبث أن بلغ السرير حتى غفا ونام نومًا عميقًا.

ولما أشرق الصباح لم يستيقظ، وبزغت أشعة الشمس تسطع فوق وجهه المصفر النحيل، فلم يستفق إلى أن حان الظهر، فاستيقظ من نومه لسماعه صوت فتح الباب.

وكان الذي فتح باب الغرفة باكارا فلما رآها داخلة أسرع إلى النهوض من سريره فوثب من فوقه إلى الأرض، ووقف أمامها وقفة الاحترام.

فابتسمت له باكارا وقالت: لقد أصبحت الآن حرًّا بالذهاب في شوارع باريس كيف تشاء، وأن تعود إلى النادي الذي كنت تزوره، وأن تحفظ لنفسك اسم الماجور أفاتار.

فانذهل روكامبول وقال: ماذا تقولين؟

– الحقيقة.

– ولكن البوليس؟

– إن أحد العظماء في هذه العاصمة توسط هذا الصباح في أمرك فأنت الآن حر لا يستطيع أحد أن يقبض عليك، وربما صدر الأمر بالعفو عنك بعد زمن قريب.

فركع روكامبول وقال: رباه ماذا أسمع أنا في حلم أم في يقظة؟

– كلا بل أنت في يقظة، وقد استحقيت هذا العفو؛ لأنك أصبحت حليف باكارا، فاعلم الآن أني أنفقت ليلة أمس في مطالعة تلك المذكرات التي أعطيتني إياها فعرفت منها كل شيء وأيقنت من براءة ميلون.

فقال روكامبول: ولكن هذا المسكين مقبوض عليه، وسيعود إلى الليمان لا محالة؛ لأني لا يخلق بي الآن إنقاذه من قبضة البوليس بعد موافقة الحكومة على التخلي عني.

فمشت إلى الباب وفتحته، وعند ذلك صاح روكامبول صيحة دهشة؛ لأنه رأى ميلون واقفًا على عتبة الباب فشكر روكامبول باكارا وقال: إذن لنبدأ العمل.

٥

في ليلة اليوم نفسه كان كثيرون في قاعة منزل باكارا منهم الفيكونت فابيان والمحامي والكونتس فاسيليكا وغيرهم.

وقد بدأت باكارا الحديث فقالت للمحامي: ألا تقص علينا الليلة شيئًا عن روكامبول؟

– إنهم يبحثون عنه.

فابتسمت باكارا وقالت: إني أرجو أن يقبضوا عليه.

وقالت الكونتس فاسيليكا: ما هذا الرجل الغريب الذي تدعونه بروكامبول فقد مثلتموه لي ماردًا من مردة الجن.

فأجابتها باكارا: بل ربما كان أعظم يا سيدتي.

أجابت: يلوح لي يا سيدتي من خلال حديثك عنه أنك تعرفين عنه ما لا يعرفه الناس.

– هو ما تقولين.

– ألعلك عرفتيه شخصيًّا؟

– نعم يا حضرة الكونتس.

فسألها المحامي: إذن إنك تعرفينه دون شك إذا رأيتيه.

– ذلك لا ريب فيه.

وكان فابيان جالسًا وهو حائر مضطرب، فنظرت إليه باكارا نظرة معنوية ظهر له منها أنه لا موجب للخوف فهدأ اضطرابه واطمأن.

ثم التفتت إلى فاسيليكا وقالت لها: إذا كنت تريدين يا سيدتي الكونتس أروي لك ما أعلمه عن روكامبول.

وصاح جميع الحاضرين يقولون: تكلمي تكلمي.

فقالت باكارا: منذ خمسة عشر عامًا حدثت في باريس حوادث هائلة اضطرب لها جميع أغنياء الباريسيين وكبارهم؛ وذلك لأنه تألفت جمعية سرية كانت تقدم على أمور هائلة وترتكب أفظع المآثم.

فقالت فاسيليكا: ألعل روكامبول كان رئيس هذه الجمعية؟

– اسمعي، إن هذه الجمعية كان من جملة مآثمها قتل الأزواج وحمل الزوجات على حب أعضائها، ولم يكن رئيسها كما توهمت بل كان السير فيليام.

وبعد حادثة لا سبيل إلى بسطها في هذا المقام؛ لأن الحديث عن روكامبول احتجب هذا الرئيس أي السير فيليام عن الأنظار.

فاختلفت الآراء في احتجابه، فمن قائل إنه قتل، ومن قال إنه شحن على سفينة إلى بلاد القبائل المتوحشة، بعد أن فقأ أعداءه عينيه إلى غير ذلك من الإشاعات.

فقالت فاسيليكا وروكامبول؟

– إن روكامبول كان تلميذ ذلك الرئيس، بل رئيس أركان حربه، فلما أصيب رئيسه بتلك النكبة تمكن هو من الفرار، وقد أخذ معه أوراقًا كانت للسير فيليام مكتوبة بخط هيروغليفي لا يفهمه أحد غير روكامبول.

وكان لهذه الأوراق فائدة عظيمة عنده فإن السير فيليام كان يصرف كل اهتمامه باحثًا عن الأعمال العظيمة، فإنه يعد سرقة المائة ألف فرنك مسكنة لا يقدم عليها غير أصاغر اللصوص، أما هو فلم يكن يبحث إلا عن الملايين.

وكان هذا الرئيس الهائل قد وقف على سر عائلة تدعى عائلة المركيز ش وأن هذه العائلة أرسلت ابنها إلى الهند وهو في سن الحداثة، ولم تكن هذه العائلة مؤلفة إلا من هذا الولد وأمه وأخته.

وبعد عشرين عامًا من ذهاب الغلام إلى الهند، وبعد خمسة أعوام من روكامبول جاء إلى هذه العائلة شاب بملابس الضباط، فجعل يقبل الأم والأخت وقد أثبت لهما أنه ابن الأولى وأخو الثانية بأسطع البراهين.

فقالت فاسيليكا: ألعله كان روكامبول؟

– هو بعينه، ولكن اسمعي ما جرى بعد ذلك، إنه مر عدة أعوام والناس لا يشككون بهذا المحتال ويحسبونه المركيز ش حقيقة فقد كان حلوًا رشيقًا متعلمًا، والغريب أنه كان يحب أخته كما لو كانت أخته حقيقة.

فقاطعتها فاسيليكا وقالت: لقد عرفت البقية.

– لا أظن يا حضرة الكونتس.

– إن المركيز الحقيقي عاد من الهند وكشف الاحتيال.

– لم يعد على الأثر فإن روكامبول كان يحسب أنه قتله، غير أن روكامبول لم يكن ليقنع بملايين المركيز واسمه، بل إن نفسه الطامحة طمعت بالزواج بفتاة وافرة الغنى فكانت السبب بخسارته كل شيء.

– كيف ذلك؟

– ذلك أنه ارتكب آثامًا كثيرة في سبيل الوصول إلى هذه الغاية ونكل بأعدائه وهم كثيرون، فهاج حقد امرأة كانت أوشكت أن تصفح عنه وتنساه.

– ومن هي هذه المرأة يا سيدتي؟

– هي فتاة كانت من قبل معوجة السيرة لا تسير في طريق الهدى، ثم تابت عن ذنوبها وطهر الحب قلبها فانصرفت إلى الخير تكفر عن ذنوبها الماضية.

وقد قدر نكد الطالع لهذا المحتال أن تعترض هذه المرأة سبيله إذ عرفت أنه روكامبول.

فكان بين الاثنين معارك شديدة هائلة انتزعت فيها عوامل الرحمة والإشفاق من القلوب، فسلمت المرأة من مكايده ولقيت المركيز الحقيقي وفازت في تلك المعركة الهائلة على روكامبول فأرسلته إلى الليمان.

فقالت فاسيليكا بلهجة الإعجاب: من هي هذه المرأة يا سيدتي؟

– أيروق لك أن تعرفيها؟

– بل أتمنى.

– إنها كانت تدعى باكارا.

– ما هذا الاسم الغريب؟

– ولكنها اليوم تدعى باسم آخر وهو الكونتس أرتوف أي: أنا.

فاضطرب الجمهور اضطرابًا شديدًا لهذه المفاجأة ما خلا فابيان ووقف المحامي أمام باكارا، فقال لها بلهجة احترام: إنك تنمين على نفسك يا سيدتي فما عرفنا عنك السوء وما عهدناك إلا ملاكًا طاهرًا في كل حين.

أما فاسيليكا فلم تفه بحرف ولكنها كانت تنظر إلى باكارا نظرات الرعب والحذر، وقد زاد ريبها بها وذكرت قولها: أنها لا تصدق جنون إيفان فزادت مخاوفها.

ولكنها أخفت اضطرابها وقالت لباكارا: إذن أنت تعرفين روكامبول أكثر مما يعرفه سواك؟

– هذا لا شك فيه، بل يوجد بيننا الآن شخص آخر يعرفه كما أعرفه أنا وأرجو أن لا يظهر نفسه.

– رجل آخر بيننا الآن؟

– نعم … وقد كان حينًا من الدهر من أخلص أصدقائه إذ كان يعتقد أنه المركيز ش حقيقة.

– وتقولين إن هذا الرجل موجود بيننا الآن؟

– نعم …

فسكتت فاسيليكا وقال المحامي: إن ما ترويه يا سيدتي يشبه القصص وهي قصة مدهشة.

فابتسمت باكارا وقالت: ولكنها طويلة.

وقال فابيان: ومن يعلم أيضًا إذا كانت انتهت.

وقال المحامي: لا أراها قد انتهت بعد نجاة روكامبول من السجن وانتحاله اسم الماجور أفاتار.

ولم يكد يتم المحامي قوله حتى دخل خادم يحمل رقعة زيارة على صينية من الفضة فتناولتها باكارا، وما أوشكت أن تقرأها حتى صاحت صيحة انذهال وقال: أرى القصة لم تنته بعد.

فقالت فاسيليكا: ماذا تعنين بذلك؟

– إن هذه الرقعة التي بيدي هي رقعة زيارة الماجور أفاتار نفسه وهو يلح علي أن أستقبله بالرغم عن هذه الساعة المتأخرة وفوات موعد الزيارات.

فاندهش الحاضرون وقالوا بصوت واحد: روكامبول؟

وقالت باكارا: إذا كان هو روكامبول حقيقة فلا يخفيه عني تنكره مهما برع فيه، وقد قلت لكم: إنه يوجد بيننا رجل آخر يعرفه كما أعرفه أنا.

فقال القاضي: على ماذا عولتي؟ أتأذنين له بالدخول؟

– دون شك لأني أريد أن أعرف حقيقة أمره.

ثم التفتت إلى الخادم وقالت له: أدخِل الماجور أفاتار.

فاتجهت الأنظار إلى الباب وكانت نظرات الحضور ممزوجة بالرعب والانذهال.

٦

وقد جعل كل واحد من الحاضرين يرسم في ذهنه خيال روكامبول كما تمثله له حكاياته، وذلك في خلال المدة الوجيزة التي خرج بها الخادم لإدخال الماجور.

وكانت فاسيليكا تمثله في خاطرها برجل قبيح المنظر قصير القامة صغير العينين، وأن عينيه تتقدان بلهب الذكاء.

وكان المحامي يراه رجلًا عميقًا كبير اللحية والشاربين، وقال آخر: ليكن كيف شاء، على أن لا يدخل مسلحًا.

فأجابه المحامي، لا خطر علينا فإننا كثيرون.

ثم دخل الماجور أفاتار فكانت الدهشة عامة إذ لم يجده أحد من الحاضرين يشبه الشكل الذي رسمه في ذهنه، بل وجدوه رجلًا تدل ملامحه على أنه يبلغ الأربعين من العمر جميلًا رشيقًا أسود الشعر خفيف الشاربين.

ووجدوا في عينه حلاوة وفي سائر ملامحه ما يدل على النبل والذكاء.

فلما دخل روكامبول ورأى ما كان من انذهال الحاضرين، وقف في مكانه وقفة الحائر المتردد وجعل ينظر إلى النساء الموجودة في القاعة نظر المستطلع كأنه يريد أن يعلم من هي الكونتس أرتوف صاحبة المنزل.

ولما رأت باكارا ما كان من تكلفه الاضطراب تظاهرت أنها أدركت قصده، فوقفت وعند ذلك مشى إليها ووقف أمامها بملء الاحترام وقال: أسألك يا سيدتي الكونتس معذرة عن جسارتي على زيارتك في مثل هذه الساعة المتأخرة، فإني لم أكن أجرؤ على ذلك لو لم تدفعني أسباب خطيرة.

فانحنت باكارا وأظهرت أنها تريد سماع هذه الأسباب.

وهمس المحامي في أذن فاسيليكا قائلًا: انظري إلى الكونتس أرتوف فإنها منذهلة مثلنا، ولا شك أن هذا الرجل غير روكامبول.

– ربما.

ولكن ظواهر الشك كانت ظاهرة بين عينيها.

أما باركارا فإنها أشارت إلى روكامبول بالجلوس أمامها فجلس وقال على مسمع من جميع الحاضرين: إني برحت يا سيدتي بطرسبرج منذ ستة أشهر بعد أن نلت من جلالة القيصر إجازة بالقدوم إلى باريس.

وقد حملني أصحابي كثيرًا من رسائل التوصية، منها رسالة إليك من البرنس كاشرين.

فقالت باكارا: إن بيننا وبين هذا البرنس صداقة متينة.

وأخذت الكتاب من روكامبول فتلته، ولما فرغت من تلاوته استأنف روكامبول الحديث قائلًا: إنك تظنين يا سيدتي دون شك أني لم أقدم في هذه الساعة المتأخرة لأعطيك هذا الكتاب، بل لأخبرك بأمر خطير وهو أني قد احتقرت وأهنت في باريس.

فجعل الحاضرون ينظر كل منهم إلى الآخر وقد ساد السكون عليهم، أما فاسيلكيا فإن نظرها لم يكن يفارق باكارا.

وتابع روكامبول: إنهم يا سيدتي قبصوا علي وألقوني في السجن وانتحلوا لي اسم رجل شقي قالوا: إنه هرب من سجن طولون.

فقال المحامي: روكامبول؟

فأجابه الماجور ببرود: نعم، ويظهر أن هذا الشقي كان بيني وبينه شبه عظيم.

فقال باكارا: إني رأيت يا سيدي الماجور مرات كثيرة هذا الرجل الذي يدعونه روكامبول، وهو لا يشبهك في شيء على الإطلاق وبينك وبينه فرق بعيد.

فتنفس الحاضرون الصعداء، وقد وثقوا أن الماجور أفاتار غير روكامبول.

وأتمت باكارا حديثها قائلة: إن حضرة المحامي المسيو مشقين كان يقص علينا حكايته قبل دخولك، فكان يقول: إنهم يعتقدون في العدلية أن روكامبول اللص الشهير وأنت واحد، ولا أدري كيف اتفق لهم هذا الخطأ على شدة الفرق بينكما.

فقال المحامي مخاطبًا باكارا: إذن إن حضرته يا سيدتي الكونتس ليس روكامبول.

– لقد قلت مرتين: إن الفرق بعيد بين الاثنين.

ونظر روكامبول إلى المحامي وسأله: لعلك رأيت علي ملامح اللصوص يا سيدي؟

– كلا بل أرى عليك مخايل النبل والشرف ولكن …

فابتسم روكامبول وقال: ولكن ماذا؟

– ألم تهرب من السجن في الصباح أمس؟

– نعم ولا.

– ما هذا الجواب المتناقض؟

– سوف أوضح لك، وذلك أني هربت من السجن صباح أمس كما تقول، ولكني عدت إليه في المساء.

فانذهل الحضور انذهالًا شديدًا، وقال له المحامي: إذن، فقد هربت مرة ثانية؟

– نعم ولا.

– كيف نعم ولا؟

– سأوضح لك ذلك أيضًا، إنه لي أعداء كثيرون في روسيا فأبلغوا إدارة البوليس أن لي علاقة مع البولونيين الثائرين، ومن هنا فاجأتني هذه النكبة وبت عدة ليالي في السجن.

أما الذين اتهموني أنني روكامبول فهم يعلمون أن من خدم مثلي عشرين عامًا في الجيش الروسي يسهل عليه إثبات حقيقة اسمه، ولكنهم أرادوا بهذه التهمة أن يبعدوني عن منزلي بعد القبض علي ويستولوا على أوراقي.

فقالت فاسيليكا: إذن إن أوراقك تحمل على الشبهات.

– ليس بين رعايا القيصر يا سيدتي رجل أشد مني وفاء لعرشه، غير أن لي صديقًا وهو أخي في السلاح متهم بالثورة الأخيرة، وكانت أوراقه عندي فلو عثر عليها البوليس الروسي صدر الأمر بإعدامه في الحال.

فلما رأيت، وأنا في غرفة الانتظار للمثول أمام قاضي التحقيق، أن إثبات نسبي قد يطول، اغتنمت فرصة نوم الحارس وخرجت آمنًا دون أن يشعر بي أحد.

فقال المحامي: ولكنهم يقولون: إن هذا الحارس نام بتأثير مخدر.

فهز روكامبول كتفيه وقال: إنها إشاعات باطلة يريدون بها تجسيم الحادثة، ثم أضاف: إني لما رأيت أن أوراقي باتت في مأمن من الاغتصاب عدت إلى سجن مازاس.

وفي صباح اليوم الثاني جاء ضابطان روسيان وأخرجاني من السجن وكفلاني لدى الحكومة، ونعم إن الحكومة أطلقت سراحي دون تصعب، ولكن هذا لا يكفيني.

فقالت باكارا: وماذا تريد أيضًا؟

– أريد شهادتك يا سيدتي، فقد ظهر لي في إدارة البوليس أنه ليس فيها من يعرف روكامبول، وقد قابلوني بكثير من رجال الشرطة فقال بعضهم: إني روكامبول، وأنكر الآخرون هذا الشبه، ولكني سمعت رئيس البوليس يقول أمس: إنه لا يوجد من يعرفه في باريس حق المعرفة إلا الكونتس أرتوف.

ولذلك تذكرت يا سيدتي ذلك الكتاب الذي حملني إياه صديقي راجيًا أن تشهدي بعد تلاوته أمام الذين يحضرون مجالسك إني لست روكامبول.

– إني أشهد هذه الشهادة في كل مكان يا حضرة الماجور.

فنهض روكامبول عند ذلك مستأذنًا بالانصراف، غير أن باكارا منعته عن الرحيل، ودعته إلى شرب الشاي على مائدتها، فامتثل وجعل يحدثها عن بطرسبرج وموسكو بحيث لم يعد أحد من الحاضرين يشك أنه الماجور أفاتار ما عدا فاسيليكا، فإنها ادعت أنها مصابة بصداع فاستأذنت من الحاضرين، ودخلت إلى مخدعها وهي تعض شفتها من الغيظ وكتبت إلى الفيكونت كارل دي مورليكس هذين السطرين:

لقد خدعنا أعداؤنا وعبثوا بنا، وأصبحت باكارا حليفة روكامبول فلنحذر!

٧

كانت هذه الكونتس فاسيليكا، التي لم تذكر شيئًا عنها الآن، بارعة في جمالها رشيقة حلوة الكلام تدل ظواهرها على بلوغها أقصى درجات اللطف واللين، ولكنها كانت في الحقيقة وحشية الأخلاق كثيرة الحقد إذا أرادت الانتقام بلغت به أبعد غاياته.

فلما برحت قاعة باكارا إلى مخدعها الخاص في القصر، كانت عواصف الحقد ثائرة في نفسها، فمن كان يراها تمشي في غرفتها بخطوات غير موزونة وهي منبوشة الشعر كما تمشي اللبوة الثائرة في قفصها لا يشك أن هذا الهيكل الجميل يستر قلبًا جهنميًّا لا تنبض فيه غير عروق الشر والحقد.

ولقد كانوا يحدثون عن مبلغ فتك هذه المرأة أن وكيل أراضيها الشاسعة تجاسر مرة أن ينظر إليها نظرة غرام فقتلته جلدًا بالسياط؟

وروي عنها أن ضابطًا روسيًّا شابًّا قال مرة في أحد المجالس مفتخرًا: إنه حظي بلقاء بعد موعد من الكونتس فاسيليكا، فلما كان خارجًا في الليلة التالية من الأوبرا أصابته طعنة خنجر في قلبه فقضي عليه، حتى لقد ذكر بعضهم أن زوجها مات مسمومًا؛ لأنها كانت كارهة له تريد التخلص منه.

وكانت هذه الأرملة الجميلة تسير في غرفتها مضطربة على ما وصفناها وهي متقدة العينين مصفرة الوجه، وقد شوه غضبها الوحشي جمالها، فجعلت تعض على شفتها من قهرها، وتخاطب باكارا: أأنت أيتها المرأة السافلة التي رفعها إلى مقام الأشراف حب ذلك الزوج الأبله لها، سوف ترين ما يكون مني بعد أن حالفت أعدائي وحاولت منعي عن الانتقام من إيفان!

وظلت تمشي في غرفتها على هذا الاضطراب زمنًا طويلًا، وهي تفكر كيف تنتقم، ثم نادت خادمة غرفتها وهي فتاة قدمت معها من روسيا تشبهها بقوامها، فأسرعت الخادمة إلى تلبيتها.

وكان غرض فاسيليكا أن ترسلها إلى مورليكس بالرسالة التي كتبتها غير أنها افتكرت أن هذه الخادمة لا تعرف كلمة من اللغة الفرنسية، فلا تصلح لمثل هذه المهمة الخطيرة، فخطر لها أن تذهب بنفسها بعد أن تتنكر بزي الخادمة؛ لأنها خشيت أن تسرع باكارا عند الصباح فتخرج إيفان من منزل الطبيب، فأمرت خادمتها وأمرتها أن تبقى في الغرفة.

وكانت الساعة الثانية من منتصف الليل، وجميع من في القصر نيام حتى البواب، فخرجت فاسيليكا من غرفتها وجعلت تسير من رواق إلى رواق، ومن ردهة إلى ردهة حتى انتهت إلى الباب الخارجي، فأيقظت البواب وكان قد رأى فاسيليكا مرارًا مع خادمتها ففتح لها الباب دون أن يفوه بحرف، وخرجت منه إلى الشارع.

وكان الشارع مقفرًا، فنظرت إلى يمينها ويسارها كي ترى إذا كان يتبعها أحد ثم سارت إلى بيت كارل دي مورليكس.

ولم تلق أحدًا في طريقها غير أنها قبل أن تصل إلى بيت كارل لقيت رجلًا واقفًا في الشارع فلم تكترث له واستمرت في سيرها حتى وصلت إلى المنزل، فقرعت الباب دون أن تنتبه إلى هذا الرجل الذي كان يراقبها.

وظلت تقرع الباب حتى جاءها البواب منذعرًا، ففتح لها وقال: ماذا تريدين؟

– أريد أن أرى الفيكونت كارل دي مورليكس.

فجعل البواب يتأمل ملابسها هنيهة ثم قال: إن هذا مستحيل.

– لماذا؟

– لأن الفيكونت لا يزال في النادي.

فقالت له بلهجة السيادة: اذهب إلى النادي وادعه إلى الحضور.

ولما رأته يتردد في الامتثال قالت له ببرود: اصغ إلي واعلم أنك إذا أحببت البقاء في عملت فما عليك إلا تنفيذ أمري، وإذا أبيت فإن الفيكونت يطردك غدًا.

فخاف البواب شر هذا الوعيد، وتبين من لهجتها صدقها في تنفيذه، فلبس ملابسه مسرعًا ثم دخل بها إلى إحدى القاعات بعد أن أنارها وخرج ليدعو مولاه.

ولم يطل انتظار فاسيليكا، فإنه بعد نصف ساعة أقبل كارل فحسب في بدء الأمر أنه يرى خادمة الكونتس، ولكنها لم تلبث أن رفعت النقاب حتى عرفها فقال لها منذهلًا: من أرى! هذا أنت؟

– نعم أقفل الباب وتعال نتحدث.

– يظهر أنك مضطربة.

– ذلك لأني رأيت روكامبول.

فاصفر وجه كارل وقال: أنت رأيتيه؟

– نعم.

– متى؟

– في هذه الليلة.

– إذن لقد هرب من السجن؟

– منذ صباح أمس.

– أين رأيتيه؟

– في منزل الكونتس أرتوف.

فتراجع كارل منذعرًا إلى الوراء؛ لأن تيميلون كان قد أخبره بالحوادث التي جرت بين باكارا وروكامبول وقال: كيف يجتمعان؟

– ذلك لأنهما متحالفان.

– أواثقة مما تقولين؟

– كل الثقة، وأزيدك أنهما متحالفان عليك، وأنا لا أعلم إلى الآن غايتك السرية التي تسعى إليها، ولكني أتيتك لأقترح عليك محالفة مثل تلك المحالفة، فإذا ساعدتني في انتقامي ساعدتك في أغراضك التي تسعى إليها، فواحدة بواحدة.

فنظر إليها كارل نظرة المشكك في أمرها وقال: سيدتي ماذا تقولين؟

– أقول: إن الوقت حرج ولولا ذلك لما جئتك بعد منتصف الليل بل تأخرت إلى الغد.

– ليكن ما تريدين فإني أساعدك.

– إذن يجب في صباح غد أن تخرج إيفان من عند الطبيب لامبرت.

– لا أرى حاجة لذلك، فإن الطبيب واثق كل الثقة من جنونه.

– ولكنهم إذا جاءوه بمدلين — وهي عندهم الآن — فماذا يقول الطبيب؟

فاضطرب كارل عند ذكر مدلين، واصفر وجهه اصفرارًا شديدًا لم يخف على فاسيليكا، فقالت له بلهجة الفرح: إنك تحبها دون شك؟

ولم تدع له وقتًا للإجابة فقالت له: طب نفسًا فإني سأساعدك في كل ما تريد وستنال بسببي كل أمانيك، فإني شديدة الظمأ إلى الانتقام.

٨

أما إيفان فإنه كان لا يزال في سجن الطبيب، وقد احتج احتجاجًا شديدًا على سجنه وحاول مرارًا أن يثبت للطبيب أنه عاقل وأن مدلين موجودة حقيقة، ولكن الطبيب كان يبتسم له عند كل احتجاج ويأمر رجاله بصب الماء البارد عليه.

وهذا الماء البارد في الشتاء أشد ما يلقاه الذين يقضى عليهم بالمعالجة به، فكان المجانين حقيقة يهدأون حين إنذارهم بهذا العلاج ومن كان عاقلًا يضطر إلى التسليم بجنونه الوهمي لخوفه من هذا الماء.

وقد كان إيفان قويًّا شديدًا، فكان في بدء أمره في عراك دائم مع أولئك الممرضين، ولكنه لم يلبث أن يغلبوه بعد تلك المقاومة بما يرد إليهم من النجدات، فيكبلونه بالقيود ويعالجونه بذلك الماء البارد حتى رأى أخيرًا أن الجنون خير من العقل، ورضي أن يكون مجنونًا إلى أن يقدر له الله الخلاص من هذا العذاب.

ولكنه كان يفتكر ليله ونهاره بالفرار على استحالته من ذلك المنزل الحصين، وتناوب الحراس فيه إلى أن خطر له خاطر بسيط وهو أن يتغلب على حارسه بعد انتصاف الليل فيسد فمه ويلبس ملابسه، ويقف مكانه في موقفه إلى أن يحضر الذي يأتي دوره بعده بالحراسة فيوقفه في موقفه ويخرج آمنًا.

ففي الليلة نفسها التي خرجت فيها فاسيليكا من منزل باكارا إلى منزل كارل كان إيفان يتأهب لتنفيذ هذه الخطة التي رسمها.

وكان الممرض الذي يحرسه نائمًا معه في غرفة واحدة، وقد خدعه إيفان بمظاهر سكينته حين عول على الفرار فأصبح واثقًا منه بحيث بات ينام على كرسيه بقرب سريره دون أن يخشى شره.

وفي ذلك الوقت كان الحارس نائمًا، فنزل إيفان من سريره وسار رويدًا إلى غرفة المائدة، فأضاء ورأى صحون الطعام الفارغة لا تزال فوقها وفيها سكين من سكاكين المائدة غير حاد النصل، ولكن من كان قوي الساعد يستطيع إغمادها في عنق خصمه.

فقبض عليها وعاد إلى الممرض النائم فأيقظه ففتح المسكين عينيه، وما لبث أن رأى إيفان ينذره بسكينة حتى هلع قلبه من الرعب.

أما إيفان قال له: احذر أن تفوه بكلمة أو أقتلك في الحال شر قتل.

فسكت الممرض ولم يفه بحرف، فأخذ إيفان منديله وربط به فمه ثم أخذ سجادة كانت في أرض الغرفة فقطعها أربع قطع طويلة وربط بها يديه ورجليه دون أن يبدي هذا الممرض أقل شيء يدل على الاعتراض؛ لأنه كان يفضل خسارة منصبه على خسارة حياته وقد علمه الاختبار وجوب التحذر من المجانين؛ لأنهم لا يمزحون.

أما إيفان فإنه لبس ملابس الممرض وبحث في جيبه عن مفاتيح الغرف والأبواب فوجدها مربوطة بحلقة، ثم خرج بعد أن أنذر هذا الممرض الأخير إنذار آخر.

وجعل يسير من غرفة إلى غرفة ومن رواق إلى رواق حتى وصل إلى الحديقة، فوجد هناك حارسًا مستندًا إلى شجرة وهو نائم فخفف وطأة مشيه حتى وصل إلى باب الحديقة الخارجي، فأخذ من جيبه تلك المفاتيح وجعل يجربها في القفل واحدًا واحدًا إلى أن عثر بمفتاح ذلك الباب.

وفيما هو يفتحه إذ استيقظ الحارس من رقاده وصاح به يقول: من أنت؟

فتكلف إيفان تقليد صوت الممرض جهد الطاقة وقال: ألم تعرفني أنا ممرض الروسي وقد أرسلني الطبيب لإحضار دواء من الصيدلية.

وكأنما هذا الحارس قد ارتاب بحديثه فدنا منه كي يتحقق أمره، ولكن إيفان فتح الباب مسرعًا وأركن إلى الفرار فانطلق الحارس في أثره.

وقد أيقن إيفان من النجاة ولكنه لم يعد بضع خطوات حتى سمع صوتًا من نافذة المنزل ينادي رجلًا كان في الشارع فيقول: اقبض عليه.

فأسرع هذا الرجل وانقض على إيفان انقضاض الصاعقة، وقبل أن يتمكن من الإفلات منه أقبل الحارس وساعد الرجل في القبض عليه، ثم علا الصياح في المنزل واستيقظ النيام فأسرعوا بجملتهم إلى إيفان فأعادوه إلى حيث كان، وكبلوه بالقيود حذرًا عليه من الفرار، وقد استيقظ الطبيب ولما رآه قال: لولا تهاونكم في صب الماء البارد عليه لما عادت إليه أعراض الجنون بهذه الشدة.

فتمزق قلب إيفان من القهر وقال: إنك لست طبيبًا بل إنك غر جاهل وإنك لا تعرف من الطب إلا بقدر ما أعرف أنا من البرازيلية، وإنك أقرب إلى الحيوان منك إلى الإنسان.

فصاح الطبيب بأعوانه: أسرعوا بالماء البارد، خذوه إلى المغطس …

فحملوه بالرغم عنه وهو يشتم أقبح شتم فوضعوه في المغطس، وفتحوا الحنفية، فجعل الماء البارد ينحدر على رأسه فيزيده لوعة وهمًّا حتى تلاشت قواه وانقطع عن الصياح فحملوه إلى حيث نام نوم القانط وهو يتمنى الموت في كل حين.

٩

ونام إيفان بعدما لقيه من العناء نومًا متصلًا ثماني ساعات، فلما استفاق وجد أن أشعة الشمس قد ملأت غرفته، ورأى أنهم عينوا لحراسته رجلًا شديدًا لا يستطيع التغلب عليه.

فنظر إليه إيفان نظرًا ساهيًا فدنا منه الحارس وقال له بلطف: كيف أنت اليوم؟

– إني على شر حال أكاد أختنق فافتح هذه النوافذ.

فامتثل الحارس، ودنا إيفان من النافذة المشرفة على الحديقة، فلم يكد يجيل نظره فيها حتى جعل يضطرب وصاح صيحة دهش ذلك أنه رأى رجلين وامرأة يسيرون في الحديقة ويتحدثون.

فكان أحد الرجلين الطبيب لامبرت وثانيهما الفيكونت كارل دي مورليكس، أما المرأة فكانت الكونتس فاسيليكا ابنة عمه.

فمد يديه إلى كارل وابنة عمه وكلمها بعينيه بلهجة المتوسل؛ لأن الاضطراب حبس لسانه عن الكلام وقد ظن أن الله أرسل إليه ابنة عمه لإنقاذه.

أما كارل فإنه كان قد جاء مع فاسيليكا إلى منزل الطبيب، فأخبره أنها ابنة عم إيفان فسألته عن حاله فقال لها الطبيب: إنه قد بلغ أشد أطوار الجنون ليلة أمس، ثم حكى لها عما جرى له أمس حين محاولته الفرار، وأنه يجب أن يستمر على معالجته مدة طويلة.

فلما فرغ من حديثه قالت له فاسيليكا: لقد قال لك حضرة الفيكونت: إني ابنة عم المسكين وأزيدك أن أباه قد جعلني ولية أمره في غربته فأنا قادمة لإخراجه.

فارتعد الطبيب؛ لأنه كان يرجو أن يكسب مالًا وفيرًا في حبسه إيفان، وقال كارل دون أن يحفل بما رآه من امتعاضه: إن الكونتس مسافرة في مساء اليوم إلى بطرسبرج وقد عهد إليها أن تصحب معها ابن عمها إلى روسيا.

ولما كان كارل هو الذي أدخل إيفان إلى منزل لامبرت لم يستطع هذا الطبيب اعتراضه على إخراجه، فانحنى أمامه إشارة إلى الامتثال.

فسألته الكونتس إذا كان يمكن مشاهدة إيفان الآن قال: نعم، وسأدعوه من غرفته.

وبينما كانت فاسيليكا تسرح نظرها تطلعت إلى النافذة المشرف منها إيفان، فلما وقع نظرها على نظره حلت عقدة لسانه وناداها باسمها نداء المستنجد المستغيث.

فابتسمت وقالت: طب نفسًا يا ابن عمي فإني قادمة لنجدتك.

ثم صعدت إلى غرفة الطبيب وبعد دقيقتين كان إيفان قد حضر فجعل يعانقها وينظر إلى الطبيب وكارل نظرات الحقد الهائل ويقول: إن هذين الشقيين قد دعياني مجنونًا.

– لا بأس يا ابن العم فإنهما كانا واهمين.

– أترين بي شيئًا من علائم الجنون؟

– على الإطلاق.

– إذن هذا الطبيب حمار بصورة إنسان.

ثم نظر إليه نظرة هائلة وهمَّ أن يهجم عليه.

فسكتت فاسيليكا ثائرة وقالت له: كفاك.

– لا أكتفي ولا أطمئن إلا إذا أخبرني هذان الرجلان عن السبب الذي حملاني من أجله ما لقيته من العناء.

– أنا أوضح لك ما جرى وأكفل إنك تصفح عنهما.

– كيف ذلك؟

– اصغ إلي وأجبني على أسئلتي، أين لقيت الفيكونت كارل دي مورليكس أول مرة؟

– في إحدى الفنادق في روسيا.

– ألم يكن هذا اللقاء حين محاولتك قتل السائق؟

– لا أنكر عزمي على قتله في ذلك العهد فإنه أهان مدلين.

– إن اسم هذه الفتاة كان علة جميع ما لقيته.

– كيف ذلك؟

– ألم يكن البرنس ماروبولوف مع الفيكونت مورليكس حين لقيته في ذلك الفندق؟

– نعم …

– أليس هو الذي ذهب بك إلى قصره؟

– نعم …

– إذن فاعلم إن هذا البرنس كان ممازحًا باردًا ثقيلًا، فإنه هو الذي أقنع دي مورليكس أن مدلين غير موجودة إلا في مخيلتك وأنك مجنون.

– يا له من شقي.

– فجاء بك مورليكس إلى هنا لاعتقاده أن مدلين لا أثر لها في الوجود.

وقال الطبيب: لا سيما وإنك كلما رأيت امرأة تحسب أنها مدلين.

فرد إيفان: إني إذا عذرت المسيو دي مورليكس في خطأه وانخداعه، فكيف أعذر هذا الرجل وهو من الأطباء بمعالجة المجانين.

فأجاب الطبيب: أرجوك المعذرة يا سيدي فإن الطب لم يصل بعد إلى الجزم في أمراض الجنون.

وقالت الكونتس: لا بأس يا ابن عمي فإن الخطأ قد حث وكلا الرجلين معذور فودع الطبيب وهلم معي فإني ما أتيت إلا لأجلك.

فصافح إيفان الرجلين وقد انفرجت كربته ثم ذهب إلى غرفته فلبس ملابسه وعاد فخرج مع فاسيليكا من المنزل الرهيب.

وكانت مركبتها تنتظرها فركب فيها الاثنان وانطلقت بهما تنهب الأرض.

أما الطبيب فإنه جعل يودع تلك المركبة بالنظر، ويقول: لا حظ لي مع أولئك الروسيين، فلو بقي هذا الرجل عندي لكنت أثريت منه.

ولما احتجب عنه عاد إلى أعماله يمشي مشية الحزين.

ولكنه لم يكد يستقر في غرفته حتى دخل إليه الخادم برقعتين من رقاع الزيارة، فوجد مكتوبًا على إحداهما الكونتس أرتوف وعلى الثانية الماجور أفاتار ففرح بهما وقال: هو ذا الدهر قد عاد يبتسم لي مع هؤلاء الروس.

١٠

بكرت باكارا في ذاك اليوم بنهوضها من فراشها ففتحت نافذة غرفتها تجديدًا لهوائها، ورأت فاسيليكا قد بكرت في النهوض وهي تتنزه في الحديقة وعليها ملابس الركوب، ثم رأت أحد الخدم جاءها وأشار إليها إشارة تدل على أن أوامرها قد نُفذت، فعلمت من ملابسها أنها تريد النزهة على الجواد.

ثم خرجت فاسيليكا وعادت باكارا إلى غرفتها فلبست ملابس الصباح، وخرجت إلى غرفة الجلوس وجعلت تطالع تقرير روكامبول.

وبعد حين دخلت عليها خادمة غرفتها تستأذن للماجور أفاتار بالدخول إليها فقالت: أدخليه في الحال فإني بانتظاره.

ثم دخل روكامبول وعليه علائم الاضطراب وقال: أتعلمين ما حدث يا سيدتي، فإن الكونتس فاسيليكا خرجت أمس من قصرك في الساعة الثانية بعد منتصف الليل.

– أخرجت من المنزل؟

– نعم وكانت متنكرة بزي خادمتها.

– وما كان قصدها؟

– لقد تبعها أمس أحد رجالي المدعو نويل وكنت عهدت إليه مراقبة منزل مورليكس.

– إلى أين كانت ذاهبة؟

– إلى كارل مورليكس فأقامت معه أكثر من ساعة.

– إن هذا غريب.

ثم نادت خادمتها وقالت لها: ادعي البواب.

فلما جاء أخبرها أن خادمة الكونتس خرجت حقيقة بعد منتصف وعادت إلى روكامبول وسألته: أهذا كل شيء؟

– كلا فإن الكونتس قد خرجت من هنا أيضًا منذ ساعة.

– نعم لقد كانت راكبة جوادًا يتبعها خادمها.

– إنها ذهبت على جوادها إلى الشانزليزه حيث كانت مركبة تنتظرها.

– ألعلها كانت مركبة كارل؟

– دون شك وكان هو فيها، فنزلت فاسيليكا عن جوادها فأعطته لخادمها، ثم صعدت إلى المركبة بجانب كارل الذي قال للسائق: اذهب بنا إلى أوتيال.

– ما المراد من ذهابهما إلى هذا الشارع؟

– ألا تعلمين أن إيفان مسجون في منزل الطبيب المقيم في ذلك الشارع؟

– وماذا يريدان منه بعد سجنه؟

– إنهما يريدان اختطافه حذرًا منه والله يعلم ما تفعل أيديهما الأثيمة فيه.

فاضطربت باكارا وقرعت جرسًا كبيرًا قرعًا عنيفًا، فأسرع إليها الخادم وقالت له: قل للسائق أن يسرع بإعداد المركبة، وبعد حين كانا في منزل الطبيب.

أما الطبيب فإنه حين قرأ اسم الكونتس أرتوف والماجور، وعلم أنهما روسيان عاد إليه بعض الرجاء وأسرع لاستقبالهما فافتتح روكامبول الحديث معه فقال: لقد كان عندك مجنون روسي يدعى إيفان بونتيف، وكان جنونه منحصرًا بذكر فتاة تدعى مدلين.

– نعم هو بعينه وقد أحضرته إلى منزلي منذ ثلاثة أيام، وفيما أنا قادم به رأى في مركبة فتاة من شهيرات بنات الهوى، فوثب من مركبته إليها وجعل يناديها باسم مدلين.

– لقد عرفت هذه الحكاية ولكني لم أعلم اسم تلك الفتاة.

– ولكنها مشهورة يا سيدي وهي تدعى كلوريند.

– لا أنكر ذلك غير أني كنت غائبًا عن باريس أعوامًا طويلة، ولم تكن هذه الفتاة مشهورة حين إقامتي فيها، أتعلم أين تقيم؟

– كلا، ولكن جميع الناس في باريس يعلمون.

ولم يخطر لباكارا في بال السبب في اهتمام روكامبول بتلك الفتاة فقالت له: إنما أتينا للبحث عن إيفان.

فقال روكامبول: لقد أصبت.

ثم سأل الطبيب: ألا يمكن أن نرى إيفان؟

– ذلك مستحيل يا سيدي.

– لماذا؟

– لأنه لم يعد في منزلي.

فاصفر وجه باكارا وقالت: كيف ذلك ومتى خرج؟

– في صباح اليوم جاءت ابنة عمه وطلبت إخراجه فذهبت به.

ونظر روكامبول إلى باكارا نظرة مآلها أنه لا فائدة من إخبار الطبيب بأنه كان آلة لإجراء هذه الدسيسة السافلة.

ثم ودعاه وخرجا فشيعهما إلى المركبة وهو لا يدرك شيئًا من أسرار اضطرابهما.

أما روكامبول فكان مقطب الجبين تبدو بين ثنايا وجهه آثار الهم والتفكير على غير عادته، فنظرت إليه باكارا وقالت: ماذا نعمل وإلى أين ذهبت به هذه الماكرة؟

– إنها لم تذهب به إليك دون شك وأنا لا أخشى كارل ولا تيميلون، ولا سواهما ولكني أخشى تلك الغادة.

فاتقدت عينا باكارا وقالت: أما أنا فلا أخشاها وسأتفرغ لها.

– إذن هلم بنا إلى العمل.

١١

ولنعد الآن إلى إيفان فإن فاسيليكا وكارل خرجا به من منزل الطبيب إلى المركبة التي كانت تنتظرهما، فركب معهما وسارت بهم تنهب الأرض.

وكانت علائم السرور بادية على إيفان لتنشقه نسيم الحرية وجعل ينظر إلى ابنة عمه نظرات ملؤها الشكر والامتنان.

وسارت بهم المركبة تجتاز شوارع باريس الكبرى، فتتمثل تلك العاصمة لإيفان بملء عظمتها وبقيت نفسه سارحة في تلك المناظر البديعة حتى جرت المركبة شوطًا بعيدًا، واحتجبت تلك المناظر فكان أول كلمة نطق بها: مدلين.

فابتسمت فاسيليكا وقالت: أتحبها كثيرًا؟

– إني أعبدها عبادة وأستعذب الموت في هواها.

– كلا، إنك لا تموت فإنها في باريس وسوف تجدها.

– أتعلمين أين هي؟

فتبسمت له أيضًا ابتسام الواثق وقالت: قلت لك سوف نجدها.

فأخذ إيفان يدها وقبلها شاكرًا ثم قال: إلى أين أنت ذاهبة بي؟

– إلى منزلي …

– أأنت مقيمة في باريس؟

– إني مقيمة فيها منذ ثمانية أيام، ألم أكتب لك أني سأبرح بطرسبرج إلى باريس؟

– نعم …

– ذلك كي أسبقك إلى هذه العاصمة فأحميك وأساعدك على إيجاد مدلين، ولكني لسوء الحظ وصلت متأخرة قليلًا فعلمت نتيجة ذلك المزاح البارد الذي أجراه البرنس ماروبولوف فألقاك في سجن المجانين.

ولم يتمالك إيفان عن أن ينظر نظرة حقد إلى كارل الذي لم يفه بكلمة حتى الآن.

وعادت فاسيليكا إلى إتمام حديثها فقالت: إن لي قصرًا في هذا الشارع وسأقدمه هدية لك ولمدلين لحين زواجكما؛ لأني أحب أن تكونا سعيدين.

فصدق إيفان لبساطة قلبه قول ابنة عمه وقبل يدها مرة ثانية.

وكانت المركبة قد اجتازت عند ذلك محل البوربون وبلغت إلى شارع كاسيت فقالت فاسيليكا: لقد وصلنا.

وكان شارع كاسيت يشبه الأديرة فإن كل منزل يشبه صومعة الرهبان، فدخلت المركبة تحت قبة عالية.

وكانت مناظر تلك البيوت التي تمر بها تشبه القبور فانقبض صدر إيفان.

وما زالت المركبة تسير في ذلك الشارع حتى وقفت عند باب منزل قديم، ففتح بابه للحال ونزلت فاسيليكا وقد أخذت إيفان بيده وقالت له: ادخل معي.

فامتثل إيفان وهو يشعر برعب شديد وبقي كارل في المركبة، ولما دخلا أقفل الباب من ورائهما ورجعت المركبة بمورليكس.

وكانت نوافذ هذا المنزل مقفلة مما يدل على أنه غير مأهول، ولم يكن فيه بواب كأنما يد خيالية فتحت الباب حين وصول المركبة.

فسارت فاسيليكا مع ابن عمها في رواق طويل مظلم حتى انتهت إلى بابه، فنادت بريتو.

وعند ذلك أسرع بريتو وهو الخادم الإيطالي الذي صحب إيفان، فوقف أمام إيفان في موقف الاحترام.

فلما رآه غضب غضبًا شديدًا حتى هم أن يضربه وقال له: إنك علة نكبتي أيها الشقي.

فقالت له فاسيليكا: اصفح عنه يا ابن عمي، فإنه لم يكن مخطئًا إلى الحد الذي تتصوره.

– كيف ذلك ألم يستطع هذا التعس أن يشهد أني غير مجنون؟

– نعم، ولكنه فقير وقد أغراه البرنس ماروبولوف بالمال الكثير فاضطر إلى السكوت.

فلم يقبل إيفان العذر وضم قبضته متهددًا وهو يقول: سأميتك جلدًا بالسياط أيها الشقي.

– لا تسئ إليه لأننا محتاجون إلى خدمته.

أما بريتو فلم يظهر علائم الخوف من إنذار إيفان، ففتح مصراعي باب كبير أمام فاسيليكا، فظهرت قاعة متسعة تشرف نوافذها على حديقة باسقة الأشجار.

فأجلست فاسيليكا إيفان قرب نافذة مفتوحة وجلست بجانبه تحادثه قائلة: ثق يا ابن عمي العزيز فإني سأجد مدلين قبل أن ينقضي يوم غد.

– إن هذا اليوم بمثابة دهر ولا طاقة لي على الصبر.

– ولكن يجب الانتظار وسنجد طريقة لإنقاص ساعات هذا اليوم الطويل وذلك أننا نبدأ بالغداء.

وأشارت إلى بريتو، فانصرف وعاد بعد دقيقة بمائدة صغيرة عليها فاخر الطعام.

وكان الجوع قد بلغ مبلغًا شديدًا من إيفان، فإن سلطانه لا يرحم أحدًا حتى العشاق، فجلس حول تلك المائدة يأكل بشهية عظيمة، ولا سيما وأن فاسيليكا كانت لا تفتر عن محادثته بشأن مدلين، وهي في خلال ذلك تملأ كأسه كلما فرغ وهو يشربه كلما امتلأ، وكلما شرب زاد شوقه إلى الحديث عن مدلين.

وفيما هو على ذلك شعر فجأة أن الأرض تدور به، ثم أحس بنعاس شديد وجعل يقاومه بعنف دون أن يستطيع التغلب عليه.

فقالت له فاسيليكا: أراك بحاجة شديدة إلى النوم.

– نعم فإن معركة الأمس قد أنهكت قواي ولو تعلمين كيف كان يعاملني هذا الطبيب لأشفقت علي.

– لا بأس فقد نجوت بحمد الله.

فأخذ إيفان سيكارة وأشعلها راجيًا أن يذهب ما به من النعاس بالتدخين، ولكنه ما لبث دقيقة حتى أطبقت عيناه وأصبح كالأموات على كرسيه وسقطت سيكارته من فمه.

وعند ذلك قامت فاسيليكا فنادت خادمها بريتو، وعيناها متقدتان بنار الحقد والانتقام، أقبل قالت له: هو ذا أسيرك وأنت المسئول عنه بعد الآن.

ثم مشت فاسيليكا إلى الحائط فضغطت فيه على زر غير منظور وعند ذلك جعلت الأرض التي عليها المائدة وإيفان وكرسيه تسقط سقوطًا متتابعًا، وقد انفصلت عن القاعة وإيفان يسقط معها إلى أعماق مجهولة.

١٢

وعندما عادت باكارا إلى منزلها دهشت دهشة عظيمة، إذ أخبرها الخدم أن الكونتس فاسيليكا عادت يصحبها شاب حسن الملابس، وهي مختلية به في غرفتها.

وكان روكامبول يصحب باكارا، فجعل كل منهما ينظر إلى الآخر نظرة الإعجاب لاعتقادهما أن هذا الشاب إيفان، فقالت باكارا: ماذا تريد أن تصنع به ولماذا جاءت به إلى منزلي؟

فأجاب روكامبول: لا بد أن يكون لها غاية هائلة يجب أن نعرفها.

وفيما هما على ذلك جاءت خادمة فاسيليكا، فقالت لباكارا: إن سيدتي الكونتس ترجوك أن تصعدي إلى غرفتها.

فأشارت لها باكارا أنها ذاهبة إليها، ولما انصرفت الخادمة قالت لروكامبول: أعرفت إيفان بونتيف؟

– كلا فما اتفق أن رأيته.

– ولا أنا أيضًا، مع أني أقمت في بطرسبرج عدة أعوام فما لقيته في قاعة من القاعات، والآن اصغ إلي، إن قلبي يحدثني بوجود مكيدة، وأحب أن تسمع حديثي مع هذه المرأة، فاخرج من هذا الباب تجد سلمًا من الرخام على يمينك، فاصعد عليها تجد عند آخرها غرفة وهي مجاورة لغرفة فاسيليكا من الجهة الأخرى لا يفصل بينهما غير باب رقيق من الخشب، فإذا وقفت على هذا الباب وأصغيت سمعت كل شيء.

فامتثل روكامبول وتسلق ذلك السلم وخرجت هي من باب آخر حتى وصلت إلى غرفة فاسيليكا، فرأتها جالسة قرب المستوقد ورأت بقربها شابًّا لابسًا أفخر الملابس الدالة على البسطة والجاه.

فاستقبلتها فاسيليكا بملء البشاشة وقالت: اسمحي لي أن أقدم لك ابن عمي المسيو إيفان بونتيف.

فحيته باكارا ورد لها التحية بشكل فهمت منه باكارا أنه غير عريق بعادات الأشراف، وقد رأت أنه لابس ثياب الأعيان، غير أنها لاحظت من إشاراته وملامحه أنه ليس منهم في شيء.

وعادت فاسيليكا إلى الحديث فقالت: إني اصطلحت مع ابن عمي وأنقذته من ذلك المنزل الذي لم يقده إليه غير مزاح البرنس مازوبولوف وأحد أصحابه الكونت كوروف الذي لا يزال طامعًا بزواجي، والذي يظهر أن مدلين موجودة حقيقة، وما زالت موجودة فلا سبيل إلى اتهام ابن عمي بالجنون.

فأجابت باكارا: هذا أكيد، وفوق ذلك فإني لا أجد فيه إلا ما يدل على العقل الراجح.

فانحنى الرجل شاكرًا فلاحظت باكارا خطأ باتباع العادات.

ثم قالت فاسيليكا: إني أسألك يا سيدتي أن تأذني لي بضيافة ابن عمي إلى أن نجد مدلين.

فأجابتها باكارا بلطف ودار الحديث بينهم، فكانت باكارا تفحص هذا الرجل فحص الخبير، فلا تجد في هيئته وأخلاقه ما يدعو مثل فاسيليكا إلى الهيام به، ثم قالت لها على سبيل العرض: إن زوجي الكونت أرتوف سيعود غدًا من روسيا.

فاضطربت فاسيليكا وقالت: الكونت أرتوف يصل غدًا؟

– نعم وربما وصل هذا المساء.

فامتعض وجه فاسيليكا، بالرغم مما بذلته من الجهد في إخفاء اضطرابها؛ لأنها خشيت أن يكون للكونت معرفة بإيفان، فيفتضح أمرها وتفسد حيلتها.

وما خفي هذا الاضطراب وأسبابه عن باكارا، فحادثتها هنيهة ثم ودعتها وخرجت بعد أن جاملت ذلك الرجل ودعته إلى مناولة الطعام.

وخرجت باكارا مسرعة إلى المكان الذي كان مختبئًا فيه روكامبول، فوضع إصبعه على شفتيه وأشار لها أن تدنو من الباب فتسمع.

فأسرعت باكارا مسرعة إلى الباب فسمعت كل ما دار من الحديث بين فاسيليكا، وهذا الرجل الذي ادعت أنه ابن عمها.

وكانا يتكلمان باللغة الروسية، غير أن باكارا كانت تعرف هذه اللغة معرفة تامة بعد إقامتها مدة طويلة مع زوجها في روسيا، فلم يفتها من حديثهما شيء.

وعند ذلك سار بها روكامبول إلى آخر الغرفة، وقال لها همسًا: ألم تقرأي بين الأوراق التي قدمتها لك كتابًا من مدلين إلى أختها تقول لها فيه: إنها سمعت إيفان يصرح بعدم حبه إياها، وإنه يحاول الاقتران بفاسيليكا؟

– نعم قرأت هذا الكتاب.

– إذن فاعلمي أن هذا الصوت الذي سمعته مدلين لم يكن صوت إيفان نفسه، بل كان صوت خادم استخدمه والد إيفان لما وجده من التشابه بين صوته وصوت ولده.

– أهو ذلك الخادم الذي أهان مدلين في فندق ساوا؟

– هو بعينه وهو الآن يحاول تمثيل دور إيفان مرة أخرى، ولكنه يمثله الآن بأمر فاسيليكا لا بأمر والده.

فابتسمت باكارا ابتسامًا يدل على وثوقها من مقدرتها، وقال: إن هذا التمثيل لن يطول.

وفي المساء اجتمع على الطعام فاسيليكا وباكارا وذلك الرجل، فكانت باكارا تظهر أنها منخدعة به وأنها معتقدة كل الاعتقاد أنه إيفان.

فلما فرغوا من الطعام قالت له باكارا: إن ابنة عمك كسلى، تحب الراحة والتدخين بعد الطعام، فهل تريد أن تصحبني إلى الحديقة، فنتنزه فيها؟

– حبًّا وكرامة.

وتأبط ذراعها وخرج بها إلى الحديقة.

وكان القمر مشرقًا فمشت به باكارا وهي تشاغله بالحديث، حتى انتهت إلى غرفة كان فيها مصباح يضيء، فقالت له: أتريد أن ترى مكتبتي التي أنشأتها في هذه الغرفة؟

– إني أرى فيها مصباحًا فهل يوجد فيها أحد؟

– ربما كان فيها وصيفتي.

وسار الاثنان حتى وصلا إليها ففتحت بابها وأوعزت إليه أن يدخل ففعل ودخلت باكارا في أثره فأغلق الباب.

ولكنه لم يسر ثلاث خطوات حتى توقف فجأة، إذ لقي أمامه خادمين ضخمين، وبيد كل منهما كرباج هائل يعده الروسيون خاصة للجلد.

١٣

وكان هذان الرجلان اللذان رآهما ضخمي الجثة وفوق ذلك فقد كانت تبدو على وجهيهما علائم الغلظة والبعد عن الرفق.

ولما دخل هذا الذي يدعي أنه إيفان وأغلقت باكارا الباب وراءه خاطبته كما يخاطب الأسياد خدام أراضيهم في بلاد الروس، فقالت: أيها العبد إنك روسي، ومن كان روسيًّا فهو يعرف دون شك كيف يعاقب من يتجاسر على تزوير اسم سواه.

وحاول الرجل الإنكار قائلًا: سيدتي ماذا تقولين؟ إني لا أفهم شيئًا مما تعنين.

– ماذا تدعى؟

– إيفان بونتيف.

– إنك منافق كذاب.

– سيدتي؟

– نعم أنت كذاب؛ لأنك تدعى بطرس السائق.

فاصفر بطرس اصفرارًا شديدًا حين رأى أنها تعرف اسمه وجعل يضطرب دون أن يجيب.

– أيها العبد إنك ستعاقب عقابًا شديدًا عما جنيت.

ثم أشارت بيدها إلى الرجلين، فانقضَّا عليه انقضاض الصاعقة وألقياه إلى الأرض.

فجعل بطرس يصيح مستغيثًا فقالت باكارا للرجلين: إذا توالى صياحه فاقتلاه!

فلما رأى بطرس أن الإنكار لا يجديه جعل يستعطفها قائلًا: رحماك يا سيدتي اشفقي علي.

فلم تجبه باكارا.

– اصفحي عني أخبرك بكل شيء.

– ماذا تعني بكل شيء؟

– أعني أني أخبرك لماذا تسميت باسم إيفان بونتيف.

فلم تأمره باكارا بالكلام، وبدأ الرجلان بنزع ثيابه كي تقع السياط على جلده.

– سيدتي إن الكونتس فاسيليكا أمرتني أن أفعل ما فعلت.

ولم تحفل به باكارا أيضًا.

فعاد إلى حديثه وقال: إنهم حبسوني منذ ثمانية أيام، وهم يعلمونني كل يوم أن أقلد حركات الأعيان، كي أستطيع أن أقلد إيفان عندما أسمى باسمه.

– لماذا عينوك لهذه المهمة؟

– لأن صوتي يشبه صوته أتم الشبه.

وبعد أن نزع الرجلان ثيابه العليا نزعا قميصه ولكنهما لم يضرباه؛ لأنهما كانا ينتظران إشارة من باكارا.

غير أن باكارا أحبت الصبر إلى أن تتم استنطاقه، فقالت له: أتعلم أين هو إيفان الآن؟

– كلا يا سيدتي!

– احذر فقد أعفو عنك إذا قلت لي: أين هو؟

– أقسم بالله يا سيدتي أني لا أعلم شيئًا؛ لأن الكونتس فاسيليكا لن تكن تطلعني على أسرارها.

– لم يكن ذلك إلا لسوء حظك؛ لأنك لو كنت مطلعًا على أسرارها لنجوت من العذاب.

ثم قالت للرجلين بعظمة: خمسون جلدة فقط.

وفتحت الباب وخرجت.

فلم تمش بضع خطوات حتى رأت روكامبول قد خرج من بين الشجر، فقالت له: ألعلك عرفت شيئًا؟

– لم أعلم غير أمر واحد وهو أن جواسيسي شاهدوا كارل خارجًا بمركبته من شارع كاسيت.

– ليس هذا بالشيء القليل.

– وقد تبعه الرقيب إلى محل الصليب الأحمر، وكان الرقيب لسوء الحظ تبعه بمركبته أيضًا، فازدحمت المركبات كما يتفق كثيرًا بحيث احتجبت مركبة كارل عنه، ولكنه رأى في تلك المركبة كارل وفاسيليكا وإيفان.

وكان هذا الرقيب نويل، فلما رأى أن المركبة قد احتجبت عنه ترك مركبته، وأقام يبحث عنهم ساعتين فلم يهتد إلى أثرهم إلى أن رأى مركبتهم عائدة من شارع كاسيت، ولكنه لم ير فيها غير كارل.

– إذن يجب غدًا أن نبحث في شارع كاسيت.

فارتعد روكامبول وقد سمع صراخ رجل يتألم، وسألها: ما هذا الصوت؟

– إنه صوت بطرس السائق.

– لقد أحسنت في تأديبه والآن أتأمرينني بشيء.

– كلا لست محتاجة إليك في هذا المساء وسنجتمع غدًا، إنما قل لي قبل ذهابك أرأيت تلك الفتاة التي تشبه مدلين؟

– سأجتمع بها في الساعة السادسة فإنها تنتظرني.

ثم تركها وانصرف، ولكنه لم يخرج من الباب العام، بل ذهب إلى أقصى الحديقة، ففتح بابًا فيها كانت باكارا أعطته مفتاحه، وخرج منه إلى الشارع.

•••

أما فاسيليكا فكانت مضطجعة على مقعد طويل تدخن سيكارتها، فيعقد دخانها ضبابًا كثيفًا في سماء الغرفة وهي تنظر إليه آمنة مطمئنة ساكنة كأنما فؤادها خال من كل شاغل.

ثم سمعت وقع أقدام فنظرت فإذا باكارا داخلة إليها وهي تقول: إن البرد شديد فلم أستطع البقاء في الحديقة.

– أين إيفان؟

– تركته يدخن في الحديقة.

فاطمأنت فاسيليكا وأشعلت سيكارة أخرى.

أما باكارا فإنها جلست قربها وجعلت تحادثها قائلة لها: أحقيقة أنك تحبين ابن عمك؟

– أحبه حبًّا لا حد لوصفه.

– وكيف رجعت عن عدم الزواج به؟

– لم أجد بدًّا من ذلك؛ لأنه لا يحبني.

ثم تنهدت وقالت: مسكين فلقد بلغ به سوء الحظ أنه شغف بمعلمة كانت من نساء أمه.

فابتسمت باكارا وقالت: إني أعجب كيف أن إيفان يشعل بفؤادك مثل هذا الغرام؟

– لماذا ألا ترينه جميلًا؟

– إن الأذواق تختلف في الجمال.

– ولكنه شجاع باسل.

وكانت قاعدة المائدة التي كانت باكارا مقيمة فيها مع فاسيليكا، تشرف على الحديقة وكانت إحدى نوافذها مفتوحة، فسمعت فاسيليكا صياحًا وقالت: ما هذا الصياح؟

– ماذا تسمعين؟

– أسمع صياح رجل يستغيث.

– وأنا أسمع أيضًا ما تسمعين.

– أليس هذا الصياح من الحديقة؟

– هو ما تقولين.

فوقفت فاسيليكا متنصتة وقالت: إني أعجب كيف تسمعين أصوات الاستغاثة تخرج من حديقة منزلك ثم لا تظهرين شيئًا من الاهتمام.

– ذلك لأني أعلم ما يجري؛ لأن خدمي يعاقبون رجلًا تجاسر على احتقاري.

– رجلًا تجاسر على احتقارك؟

– وعلى الهزء بي فإن هذا الوقح قد انتحل اسم رجل من نبلاء الروسيين وما هو إلا عبد حقير.

فتراجعت فاسيليكا منذعرة إلى الوراء.

أما باكارا فأتمت كلامها قائلة: إن هذا الرجل يدعى بطرس السائق وقد تجاسر على الجلوس إلى مائدتي والقول أنه ابن عمك.

فتراجعت عند ذلك فاسيليكا منذعرة إلى الوراء تراجع الليث يتحفز للوثوب، ونظرت إلى باكارا نظرة هائلة وقالت: إنك أردت أن تعترضي سبيلي وسوف ترين لمن يكون الفوز.

ثم فتحت أزرار ثوبها بعنف وأخرجت خنجرًا كان مخبوءًا في صدرها، وهجمت على باكارا هجوم الكواسر تحاول أن تغمده في قلبها.

١٤

تقدم لنا وصف فاسيليكا وما كانت عليه من مظاهرات اللطف، وهي في الباطن من أفظع خلق الله، فلم يكن تمدنها غير قشرة ظاهرية، إذا حكتها أظافر الحقد زالت وانكشفت ما تحتها من الهمجية الوحشية.

فلما هجمت على باكارا بخنجرها وتبينت في عينيها ذلك الغضب الهائل أسرعت إلى اتقائها، فاندفعت فاسيليكا بثوبها إلى آخر الغرفة.

وعند ذلك وقفت باكارا وراء المائدة فجعلتها متراسًا لها، إلى أن تجد سبيلًا أضمن لاتقائها أو فرصة للهجوم عليها؛ لأنها كانت أشد منها بنية، غير أن فاسيليكا لم تمهلها فوثبت عليها وثبة ثانية وطعنتها بخنجرها، فمالت باكارا عنها بحيث لم يصبها الخنجر إلى إصابة خفيفة في كتفها فخدشه، وعند ذلك انقضت عليها باكارا فحملتها من وسطها ودفعتها بعنف شديد فرضت عظامها وسقط الخنجر من يدها، فركعت باكارا فوق صدرها وأسرعت إلى التقاط الخنجر ثم نظرت إليها نظرة المنتقم الفائز، وقالت لها: إنك لم تعلمي أني كنت أدعى باكارا في الزمن القديم، والآن اعلمي أنك إذا عصيتني فيما أريد قتلتك في الحال دون إشفاق.

فتمتمت فاسيليكا بعض كلمات تشير إلى أنها مغلوبة خاضعة للشروط.

فنهضت باكارا عنها وهي غير خاشية بأسًا؛ لأن الخنجر كان بيدها؛ ولأنها وثقت من أنها أشد منها.

فنهضت فاسيليكا من تحتها وهي صفراء الوجه كأنها من الأموات، وقد أطفئ ذلك اللهب الذي كان يتوقد في عينيها فجلست على كرسي قرب عدوتها وأطرقت برأسها إلى الأرض.

فقالت لها باكارا: إن من أعجب العجائب يا حضرة الكونتس أن المائدة لم تنقلب خلال هذا العراك الذي لا يخلق بأمثالنا، ولو حدث شيء من ذلك لتسارع الخدم وافتضحنا فضيحة كبرى.

فإن ما جرى بيننا لم يضطلع عليه أحد، وأنا مستعدة لنسيانه إذا أمكن أن نتفق.

وكانت فاسيليكا قد عادت إليها سكينتها فنظرت إليها بأنفة واستكبار، وقالت: على ماذا تريدين أن نتفق؟

– عجبًا أتسألينني على أي شيء يجب الاتفاق وأنت تسمعين صوت هذا الرجل المتألم؟

– دون شك لأني لا أعلم ماذا تعنين؟

– لقد أصبت، إذ يجب علي أن أكون البادئة بالاقتراح.

– إني مصغية إليك.

فاقتربت باكارا منها والخنجر لا يزال في يدها وقالت: إنك أتيت إلى باريس مدفوعة بعوامل الانتقام الهائلة.

– هو الحق ما تقولين.

– وإن كنت تحبين إيفان بونتيف.

– ربما!

– وأنت الآن تكرهينه، حتى إنك تشتهين له الموت، وقد اختطفته وحجبته.

– وماذا يهمك؟

– لا تنسي يا حضرة الكونتس أنك الآن تحت سلطاني، وإني أعيد عليك وعيدي السابق، وهو أنك إذا لم تخبريني أين حبست إيفان قتلتك لا محالة.

فابتسمت فاسيليكا وقالت: إنك سألتني أسئلة كثيرة فهل تسمحين لي أن أسألك أنا أيضًا؟

– سلي ما تشائين.

– إني أكره إيفان؛ لأني أحببته وأريد الانتقام منه لأنه سحق كبريائي بقدميه، وأما أنت فماذا يهمك من أمره؟ أرأيته مرة في حياتك؟

– كلا.

– أكنت تعرفين اسمه منذ أسبوع؟

– كلا.

– إذن حق لي قبل أن أجيبك على أسئلتك أن أسألك بدوري.

– لقد عرفت ما تريدين أن تقولي لي، بأنك تريدين أن تعلمي سبب اهتمامي بإيفان.

– دون شك.

– إني أهتم به؛ لأنه يهوى مدلين ومدلين تهواه.

– هل تعرفينها؟

– لم أرها في حياتي.

فنظرت عند ذلك محدقة إلى باكارا وسألتها: أتقسمين لي بحياة زوجك أن الماجور أفاتار هو غير روكامبول.

– لا أحب أن أجيبك على هذا السؤال.

فابتسمت ابتسام المنتصر قائلة: أرأيت كيف أني عرفت سرك كما عرفت سري.

إن روكامبول عدوك القديم قد جاءك مسالمًا، فقررت مساعدته وهو يتولى حماية إيفان ومدلين.

– وأنا أيضًا أتولى حمايته؛ ولذلك سألتك أن تخبريني أين يوجد إيفان؟

– وإذا لم أخبرك.

– أقتلك دون إشفاق.

فابتسمت فاسيليكا ابتسام المستخف قائلة: ربما تمكنت من قتلي؛ لأنك صادقة العزم فيه، ولكني أستطيع أن أردك بكلمة واحدة عن هذا القصد.

– كيف ذلك!

– ذلك لأني أعددت لإيفان عقابًا أشد هولًا من الموت، وأن حياته لا تصان من الأخطار إلا إذا صينت حياتي، فإني قد أقمت على حراسته رجلًا أطوع لي من عبيدي، وأمرته أن يقتل إيفان بخنجره، إذا لم يرني بعد ٣٦ ساعة.

فامتعضت باكارا وشعرت أنها مغلوبة مع هذه الداهية، وعضت على شفتها من القهر، فقالت لها فاسيليكا بلهجة المنتصر المتهكم: اقتليني بعد ذلك إذا أردت.

ثم نهضت قائلة: لا ريب أنه لم يبق سبيل لإقامتي في منزلك، بعد الذي جرى بيننا فيه فإني سأبيت هذه الليلة وأبرحه غدًا إلى حيث أعد معدات قتالك.

– إنه سيكون قتال هائل يا كونتس.

– ولكننا سنكون متكافئتين بالسلاح، فإنك لا تستطيعين أن تلجأي إلى الشرع ما زال حليفك روكامبول.

ثم تقدمت إلى الباب بملء العظمة والكبرياء، ولكنها لم تكد تصل إليه حتى فتح فجأة ودخل منه رجل يعول ويقول: انتقمي لي يا سيدتي فقد جلدوني أعظم جلد.

فانتهرته فاسيليكا وقالت له: احذر أيها الشقي أن تبوح بأمرك لأحد أو تعرض شكواك على أحد من الناس إذ أقتلك جلدًا بالسياط.

ثم مدت يدها إلى باكارا وقالت لها: أودعك الآن يا عدوتي الحسناء.

فقالت لها: إلى اللقاء أيتها المنتقمة الجميلة، وسوف نرى لمن يكون الانتصار.

ثم افترقتا بعد أن رشقت كل منهما الأخرى بنظرة، ولكنها نظرة من نار.

١٥

يعجب قراء الروايات ولا سيما هذه الرواية حين يقرأون فيها عن شخصين متشابهين — كما اتفق مع باكارا وأختها — ومع مدلين وكلوريند حين خدع بها إيفان، ولكن من يطلع على نوادر التشابه بين الناس في هذه الأيام لا يستغرب ما يراه منها في الروايات.

لقد ذكروا أن للملك إدوار السابع ملك إنكلترا الحالي شبيهًا يشبهه مشابهة غريبة، حتى إن هذا الرجل كان مرة في أحد فنادق الطعام، فلما رآه الحاضرون على المائدة أيقنوا أنه الملك وحسبوه متنكرًا، فجعلوا يهتفون له وينحنون أمامه بالإجلال الملكي، فلم يسع هذا الرجل إلا الهرب.

ومن ذلك أن الإمبراطور نقولا — إمبراطور روسيا الحالي — يشبه ابن خالته ولي عهد إنكلترا شبهًا عجيبًا، بحيث إذا صورا صورة واحدة لما أمكن التفريق بينهما.

ومن ذلك أيضًا المستر روزفلت رئيس جمهورية الولايات المتحدة، فإن له شبيهًا من قومه لا يفرقه أحد عن الرئيس بشيء، ولولا امتزاجه مع العامة لما ميزوا بينه وبين الرئيس، حتى لقد روي عن روزفلت قوله على سبيل الممازحة: «إني أخشى أن يختطفني هذا الرجل ويتولى الرئاسة مكاني، ولا يعلم بجريمته أحد لما بيننا من الشبه العجيب.»

ومن ذلك الإمبراطور فرنسوا جوزيف، فإن أحد السفراء في عاصمته ونظنه سفير ألمانيا، يشبهه شبهًا غريبًا فإذا اجتمع به في حفلة رسمية جعل الناس ينظرون إليهما ويعجبون.

وقد رسمت مجلة «لكتير بورنوس» التصويرية الفرنسية صور هؤلاء الملوك، والذين يشبهونهم بعد أن عقدت مقالة مسهبة على تشابه الناس، فمما ذكرته عن غير الملوك حكاية أختين توأمين كثر تشابههما حتى تعذر على أمهما التفريق بينهما وجعلت تعقد شعر إحداهما بشريطة حمراء، والأخرى بشريطة زرقاء فلا تستطيع التفريق بينهما إلا بهذه العلامة.

وقد اتفق أن فتى هام بإحدى الأختين وطلب إلى أمهما الاقتران بها فقالت: أي بنتي تريد؟

– تلك التي أراها تمر كل يوم بمخزني في شارع كنرا.

– إن كلتيهما تمران بهذا الشارع فهل تريد صاحبة الشريطة الحمراء أو الزرقاء؟

فحار الفتى في أمره وقال: لا أعلم فإن التي أهواها أراها تعقد شعرها تارة بالشريط الأزرق وطورًا بالأحمر.

هذه نتف يسيرة من نوادر التشابه، بسطناها توطئة لما سيجيء من حوادث هذه الرواية عن تشابه مدلين وكلوريند كي لا يتوهم القارئ أن مؤلف هذه الرواية يعتمد في مواضيعها على ما يجتاز حد المعقول.

كانت كلوريند هذه فتاة من بنات الهوى، لا نذكر شيئًا من أوصافها لما تقدم من وصف مدلين، فإن الشبه بينهما كان عجيبًا حتى أن إيفان نفسه خدع بهذا الشبه، ولكنها كانت في العشرين من عمرها تندفع في حلبة الغرور والطيش فيتهافت عليها الأغرار، فلا تكترث لهم؛ لأنها كانت تهوى أحد المصورين فتنفق في استرضائه ما تصل إليه يدها من المال.

وقد طال زمن شغفها به وكثر بذخها فنفد مالها، وجعلت تستدين وترهن ما لديها من حلى وعقار بحيث أصبحت على شفار الخراب.

وبينما هي جالسة ذات يوم مفكرة مهمومة بما صارت إليه حالها ووصيفتها بجانبها تؤنبها لهيامها بهذا المصور، وتنصحها بالابتعاد عنه قبل أن يشعر بإفلاسها فيبتعد عنها إذ دخل إليها الخادم يحمل رقعة زيارة فأخذتها كلوريند وقرأت: «الماجور أفاتار.»

وحاولت أن تمتنع عن مقابلته غير أن وصيفتها أسرعت وقالت للخادم: أدخل الماجور أفاتار.

ثم التفتت إلى كلوريند وقالت: هو ذا مصدر جديد للثروة فإن هذا الروسي لا بد أن يكون محشوًّا بالروبلات.

ودخل روكامبول وكان لابسًا ثيابًا بسيطة تدل على التناهي في سلامة الذوق، فحيى المرأتين بأدب وحشمة متكلفًا هيئة الوجل الخائف.

وكان روكامبول في السادسة والثلاثين من عمره ولكن هيئته كانت تدل على أنه لا يزال في ريعان صباه، فجلس أمام كلوريند وقال: أسألك العفو يا سيدتي عن زيارتي لك من غير موعد، فإني قد أسافر هذه الليلة سفرًا طويلًا.

فوقفت وصيفتها وقالت بدلال: إن سفرك يعد خيانة يا سيدي.

فابتسم روكامبول وقال: إن سفري منوط بها فإذا شاءت بقيت وإذا شاءت رحلت.

ولما رأت الوصيفة أن باب الحديث قد انفتح تركتهما وانصرفت.

فتغيرت هيئة روكامبول فجأة عند ذلك واتقدت في عينيه أشعة الذكاء المتوقد، ونظر إلى كلوريند تلك النظرات الغالبة، التي تغلب بها على فاندا وسائر رجال عصابته، فعلمت كلوريند للحال أنها جالسة بحضرة رئيس لا يغلب.

ثم بدأ روكامبول الحديث فقال: لا أطيل جلوسي معك يا سيدتي ولكني أحب أن نكون منفردين لا يكدر خلوتنا أحد، فمري خدمك أن يحافظوا على أبوابك.

فقالت بصوت مضطرب: إنني لا أنتظر زيارة أحد الآن.

فاطمأن روكامبول وقال: إنك ستنذهلين من كلامي دون شك؛ لأني واقف على حقيقة أمرك، فإنك مدينة بمائة ألف فرنك، وقد رهنت جميع مجوهراتك، وإن منزلك أيضًا مرهون وهو سيباع بعد شهر؛ لأنك لا تستطيعين دفع الدين.

ولا تضطربي لكلامي يا سيدتي وتظني أنني من أولئك المتمولين الغلاظ الأكباد الذين يغتنمون مغل هذه الفرص، فإني غير طامع بمالك إذ لا مال لك ولا رجاء لي بغرامك؛ لأنك تهوين ذلك المصور الجميل الذي سوف يتخلى عنك حين يعلم ما أصبحت عليه من الفقر.

فظهرت علائم الحزن على وجهها؛ لأنها سمعت هذه النبوءة عن جفاء حبيبها لها مرتين في ساعة واحدة.

فقال روكامبول: وإني قد جئتك بأمر إذا وافقتِ عليه وفيت دينك، واسترجعت مجوهراتك، وعاد إليك منزلك وأمنت جفاء حبيبك، ولا تظنين أني أريد غرامك فلا متسع بفؤادي للغرام.

فوقفت كلوريند مضطربة منذهلة وقالت: إذن ماذا تريد؟

– أريد أن أجعلك آلة طائعة خاضعة لي مدة شهران، وأن أستخدم جمالك ومشابهتك الغريبة لإحدى النساء في تنفيذ غاية سرية أسعى إليها منذ عهد بعيد.

وسأدع لك فرصة هذه الليلة للتفكير والإمعان، ولا يبرح عن بالك أني قد عرضت عليك ثروة، بل أعظم من ثروة، وهو ثبات حبيبك على قرانك دون أن أدع له أقل مجال للغيرة مني، فأمعني النظر وسأعود إليك في الساعة التاسعة من صباح غد، فإذا لم ترق لك مطالبي فلا حاجة إلى الإذن لي بالدخول إليك.

ثم قام فودعها وانصرف إلى ذلك المنزل الذي استأجره قرب منزل الفيكونت فابيان، فدخل إلى الغرفة المشرفة على حديقة ذلك المنزل وأنار شمعة، وجعل ينظر من النافذة بمنظار طويل فرأى نورًا ينبعث من غرفة فيخترق الأشجار.

حدق طويلًا وهو مقطب الجبين ثم ابتسم ثغره وانبسط جبينه ولمعت عيناه ولبث زمنًا طويلًا ينظر إلى تلك الغرفة بمنظاره، وقد أشغله من كان فيها عن كل أمر بحيث فتح باب غرفته دون أن ينتبه إلى الداخل منه فما شعر إلا بيد قد وضعت على كتفه فالتفت فرأى فاندا.

فتنهد روكامبول حين رؤيتها وأعطاها المنظار الذي بيده، وقال: انظري إلى هذا الوجه الجميل الذي ينبعث منه الطهر والسلامة.

فأخذت فاندا المنظار ونظرت إلى تلك الغرفة التي كان ينبعث منها النور، فرأت بلانش دي شمري زوجة فابيان التي طالما دعاها روكامبول بأخته ولم يجعله من التائبين غير حبه لها.

ثم عادت فاندا ونظرت إلى روكامبول فاضطربت، وقالت: ماذا أرى ولماذا تبكي؟

– إن البكاء يفيد والدموع تخمد الأشجان.

ثم أخذ المنظار فوضعه في مكانه، وقال: اجلسي الآن لنتحدث وقولي: لماذا أتيت إلي …

١٦

فلم تجبه فاندا؛ لأنها كانت لا تزال منشغلة عنه بدموعه فقال لها روكامبول: لماذا أتيت؟

– أتيت لأني لا أعلم ماذا يجب أن أعمل، إن أنطوانيت ومدلين في شارع سربنت، وقد عثرنا على أنطوانيت ولكن أجينور لا يزال مختفيًا وقد أوشكت أنطوانيت أن تجن من يأسها، وكذلك مدلين فإني لا أعلم ماذا أجيبها عن إيفان.

– أخبريني قبل كل شيء عما حدث لتيميلون.

– إني عندما أطلقت النار على شيفيوت أسرع تيميليون لنجدتها، وكان معي مسدس آخر أشهرته عليه، فصاح بي لا تفعلي فإني أعرف أنك امرأة روكامبول وأنا لا أتدخل في شئونكم بعد الآن.

وكان يقول هذا القول وهو يضطرب اضطرابًا شديدًا فقلت في نفسي: لا بأس من إمهاله ربع ساعة إلى أن أخرج بأنطوانيت من ذلك السجن، وقلت له: إذن امش أمامنا وافتح لنا جميع الأبواب إلى أن تجد مركبة، وحذرًا أن تبدر منك بادرة تحمل على الريب بك فإني أقتلك شر قتل.

وقد رأيت من اضطرابه أنه لا خوف منه، فمشى أمامنا إلى الحديقة وفتح بابها بمفتاح كان بجيبه فخرج إلى الشارع وخرجنا في أثره.

وكانت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل والشارع مقفرًا، فمشى حتى وجد مركبة فأشار إلى سائقها بالوقوف ثم أشار إلي وقال: إني لست كفوءًا لكم فلا تخشوني؛ لأني مسافر.

– إلى أين؟

– إلى محطة الشمال، فأركب القطر الذي يسافر في الساعة الرابعة إلى كاليس، فإن كارل مورليكس قد دفع لي مبلغًا أكتفي به، ثم تركنا وسار مسرعًا إلى حيث قال.

أما أنا فإني ركبت المركبة وذهبت بها إلى شارع سربنت، وقد جئت أسألك إذا كان يجب أن أبقى في ذلك الشارع.

– لا.

– إذن أين أذهب؟

– تذهبين في الصباح إلى شارع سربنت وتنتظرين هناك إلى أن ترسل الكونتس أرتوف من يأخذ الأختين إليها، فإنها عزمت على أن تبقيهما في منزلها بحيث تكونان آمنتين، والآن فلننظر في أمر أجينور فأين يمكن أن يكون؟

– ألم تقل له قبل أن يقبضوا عليك بساعة أن يذهب إلى أبيه؟

– نعم.

ألم تقل له أيضًا أن ينذر أباه بالانتحار أو يعرض الأمر على الحكومة إذا لم يرجع إليه أنطوانيت؟

– دون شك.

– إنه منذ ذهب ممتثلًا لأمرك لم يعد ولم نره منذ ذلك العهد.

– إن اختفاءه يذهلني.

– ولماذا؟ أتحسب أن أباه حجز عليه؟

– كلا، إن البارون فيليب دي مورليكس يحب ابنه أجينور وفوق ذلك، فإن ضميره يبكته أشد تبكيت فلا يجسر على شيء من ذلك.

– ولكن أخاه كارل قد عاد يوم القبض عليك، وليس له شيء من هذه المبادئ، فإذا لم يكن هو الذي حجز على أجينور فلا بد أن يكون ذلك من صنع تيميلون.

– لقد أصبت، فقد يكون تيميلون اختطفه بحيلة حين خروجه من المنزل إلى لقاء أبيه، ولكن كيف لم يقل لك تيميلون شيئًا من هذا؟

– لم يخطر ذلك في باله لشدة ما كان به من الاضطراب.

فتنهد روكامبول وقال: إن جميع هذا لا يشغل بالي فإني لا أخاف تيميلون ولا أخشى كارل مورليكس.

– ولكن ممن تخاف؟

– أخاف امرأة وهي روسية مثلك.

– ومن هي هذه المرأة؟

– هي التي احتقرها إيفان وآلت على نفسها أن تستميت في سبيل الانتقام منه.

– ولكننا سنتغلب عليها كما تغلبنا على سواها.

– ذلك لا ريب فيه، والآن فاذهبي عني فإني محتاج إلى الانفراد.

غير أن فاندا لم تمتثل وبقيت جالسة في مكانها، وقالت له: ألا تريد أن تقول لي شيئًا بعد؟

– كلا!

فقالت له بصوت متهدج: ولكني عرفت سرك.

– اسكتي، فلا تعنيك أسراري.

– كلا … لا أسكت فقد عرفت أنك تحب.

فغضب روكامبول وقال: أتسكتين أو …

فلم تكترث لغضبه وقالت له: إنك تحب مدلين.

– أيتها التعيسة إنك تريدين إخراجي عن دائرة الصواب وأن أنقض عليك فأخنقك.

– إني سأسكت، ولكني أشفق عليك لما تلقاه من العذاب.

– إن هذا العذاب هو عقاب الله لي عن ذنوبي الماضية.

فركعت فاندا أمامه وقالت له والدموع في عينيها: إن لكل عقاب نهاية، وسوف يصفح عنك الله.

– قلت لك: اذهبي.

فامتثلت فاندا هذه المرة وخرجت وهي مطرقة برأسها إلى الأرض، فأقفل روكامبول الباب وراءها وانطرح على سريره بملابسه فنام إلى أن لسعته أشعة الشمس.

ولما استيقظ أسرع إلى النافذة فرأى أخته القديمة، تسير متنزهة في الحديقة ومعها طفل صغير يبلغ الخامسة من عمره وهو يناغيها ألطف مناغاة وهي تنظر إليه نظرات حنو لا يدرك أسرارها غير قلوب الأمهات.

ولبث واقفًا قرب هذه النافذة ينظر إلى الطفل وأمه، إلى أن دقت الساعة التاسعة فهب من غفلته وذكر موعده مع كلوريند، ووجوب اجتماعه بها؛ ليعلم إذا كانت ترضى بشروطه، فلبس الملابس التي زارها فيها بالأمس وخرج.

فما بلغ الباب الخارجي حتى رأى ميلون واقفًا بانتظاره على الباب فأسرع إليه، وقال: إن مركبة الكونتس أرتوف ذهبت لإحضار الأختين وأنا أنتظر عودتها فتعال معي يا سيدي.

فاضطرب روكامبول وقال: لماذا تريد أن أسير معك؟

– لنرى الأختين حين مرورهما.

– ما هذا الجنون، ألا تستطيع أن تراهما إلا إذا كنت معك؟

– ليس هذا ما أريد، ولكني لم أر مدلين بعد منذ عودتي من السجن وأشعر أني لا أستطيع الوقوف أمامها من الاضطراب.

– فأجابه روكامبول بعنف: ليس لي وقت للذهاب معك، فاذهب.

ثم تركه وانصرف.

فجعل ميلون يشيعه بالنظر ويقول: لست أنا المجنون بل إن الرئيس بانت على وجهه علائم الجنون.

١٧

كان كارل دي مورليكس والكونتس فاسيليكا مختليين في غرفة يتباحثان في شأنيهما، فبدأت فاسيليكا الحديث فقالت: يجب علينا قبل أن نجري شوطًا بعيدًا في مضمارنا أن نعلم إلى أين نحن سائران، ولنبحث الآن في شأنك إذن فخطتك الأساسية هي أنك لا تريد أن ترجع للأختين ثروة البارونة ميلر، وقد ارتكبت كثيرًا من الجرائم للبلوغ إلى هذه الغاية فحبست إحدى الأختين في سجن لازار.

ولما تمكن روكامبول من إخراجها حاولت قتله والحكم عليه بالإعدام.

ثم إنك ذهبت إلى روسيا كي تبحث فيها عن مدلين.

فاصفر وجه كارل وتنهد.

وتابعت: وقد ظفرت بمدلين مرة حين كانت بين أنياب الذئاب، فأنقذتها وكانت تحت مطلق سلطانك فما جسرت على قتلها؛ لأنها أوقدت في قلبك الأثيم نار غرام لا تخمد، فعدت إلى فرنسا بعد أن سلبت منك فوجدت أن أختها قد أنقذت أيضًا.

والآن ليس روكامبول الذي يحميها وحده، فقد اشتركت معه الكونتس أرتوف فوضعتهما في منزلها وهو أمنع من الحصون.

فتنهد مورليكس وقال: الحق هو ما تقولين، وا أسفاه.

فقالت: والآن، فأين أنت من مساعيك الخائبة، فإنك لم تتقدم خطوة في سبيل غرضك، ولا تزال على ما كنت عليه في أول يوم ظهرت لك فيه غيوم هذه المشاكل، فإنك اختطفت ابن أخيك أجينور، ولكن روكامبول سوف ينقذه كما أنقذ أنطوانيت فيعود إلى مطالبتك بدم البارونة ميلر أمام الشرع، ولو أفضى ذلك إلى إهانة اسمه فإن حقده عليك شديد.

إنك التجأت إلى رجل سافل من الرعاع فهزأ بك وقبض مالك وتخلى عنك، ولو كنت معك من قبل لما انخذلت هذا الخذلان ولكنت من الفائزين.

– ماذا كنت تفعلين؟

– الأمر بسيط، وهو أني كنت أخلو، لو كنت مكانك، بابن أخيك أجينور، فأقول له: إنك تحب أنطوانيت فاختر بين أمرين، إما أن أعرقل مساعيك إلى أن تقاضيني أمام المحاكم فيتلوث شرفك وينثلم عرضك بعد الحكم علي، وإما أن تتنازل عن مهر الصبية وأنت غني، وثروتك تكفي اثنين فلا أعارض زواجك بمن تحب.

– أتظنين أنه كان يقبل؟

– دون شك، فإن من كان في مثل عهده من الشباب يكون كثير الكرم عديم الاكتراث.

ثم إنه إذا بلغ الرجل ما بلغت إليه من العمر وأصيب بداء الغرام فلا رجاء له بالشفاء، فإن ابن الثلاثين قد يتناسى ويستبدل غرامه بغرام، وأما ابن الستين فلا مأوى له عن حبه مهما تقادمت عليه الأيام.

ولقد سنحت لك الفرص لقتل مدلين ولم تكن تريد غير قتلها احتفاظًا بتلك الثروة التي ما وصلت إليك إلا بعد ارتكاب الذنوب، ولكن يدك ضعفت عن قتلها؛ لأنك لم تعد تريد ثروة الأختين بل مدلين.

فأنَّ كارل أنين الموجع وقال بصوت أجش: نعم، نعم، فلم يعد لي مطمع بمال ولا رجاء إلا بهذا الجمال.

قالت وستناله: فمتى اطمأن قلبك من أجينور، ومتى أزوجته أنطوانيت تزوجت أنت مدلين.

– كفى بالله تطمعينني بهذه الأماني، ألا تعلمين أنها هائمة بإيفان دي بونتيف؟

فابتسمت فاسيليكا ابتسام الاحتقار وقالت له: وإن لم أكن أعلم بهذا الحب لما رأيتني عندك فإن مدلين تحب إيفان، وقد عقد الحب بين قلبيهما برباط وثيق، ولكني آليت على نفسي أن أفرق هذين القلبين إلى الأبد.

– ولكن ذلك لا يفيد فإن مدلين سوف لا تحبني.

– ماذا يهمك من حبها إذا كانت ترضى أن تكون زوجة لك؟

– لا أخال ذلك من الممكنات.

– من يعلم؟

فاتقدت عينا كارل بأشعة الأمل وقال: أنت تستطيعين البلوغ إلى هذه النتيجة؟

– اصغ إلي، فإنك قد تلطخت بالجرائم وطبعت نفسك على الآثام، أما أنا فلا أزال طاهرة ولم أرتكب جرمًا بعد ولم تلطخ يدي بدم بشري إلى الآن على أن هذه اليد لا تزال نقية بيضاء قد تنغمس يومًا بدم إيفان.

ولذلك فلا أريد أن أكون شريكة لك في جرائمك، ولكنك إذا خدمتني أفيدك برأيي وأعلم أنه إذا تزوجت أنطوانيت أجينور وتخلت عن مهرها، فلا بد أن توافق مدلين على الزواج بك إذا أزيلت العقبات من سبيلك وليس أمامك غير عقبتين وهما الكونتس أرتوف وروكامبول.

أما أنا فإني أتعهد بهذه الكونتس وسيكون القتال بيننا شديدًا هائلًا، ولكن لدي وسيلة لا ألجأ إليها إلا في الساعة الأخيرة، وفي إخفاقي الأخير.

– وما هي هذه الوسيلة؟

– إني أحمل رجال البلاط القيصري على استدعائها إلى روسيا، فإنها من رعايا القيصر ومتى أمر القيصر وجبت الطاعة.

– إذن أنت نافذة الكلمة في بطرسبرج.

– ربما.

– ولكن بقي علينا روكامبول.

– إن أمره يتعلق بك.

– كيف لي بالتغلب عليه وما أنا من رجاله؟

– ذلك لأنك لا تعرف مواضع الضعف منه ولو عرفتها لتغلبت عليه، أتعلم سر هذا الرجل؟

– كلا.

– إنه يحب حبًّا شديدًا، لا أعلم إذا كان حب إخاء أو حب غرام.

– من عساه يحب؟

– امرأة كان يدعوها أخته حين كان منتحلًا اسم المركيز دي شمري، فإذا أردت أن تضله عن صوابه وتمنعه عن التعرض لك، وجب عليك أن تجعل ضربتك الشديدة في ذلك البيت، وأن تجعل امرأة الفيكونت فابيان في خطر، فإذا فعلت تجد كيف أن روكامبول يتحول عنك وينصرف عن الاهتمام بشئون الأختين.

– أي خطر؟

– لا أعلم، فانحث في قريحتك الجهنمية عن فخ تنصبه، ولا تنس أن لمدام اسمول زوجًا وابنًا.

– ماذا تعنين بذلك؟

– أعني أنه قد تعرض أسباب تحمل على المبارزة وقد يوجد يد أثيمة تخطف الابن، فابحث فإن ذلك من شأنك، وأنا أتكفل بتلك التي كانوا يدعونها باكارا.

فاضطرب مورليكس اضطرابًا شديدًا وقال: إنك شديدة هائلة، فإن مثل هذه الأمور لا تخطر لي في بال.

– ذلك ما أوحاه إلي الانتقام ولو كنت تكره روكامبول كما أكره إيفان لما تعذرت عليك أسباب المكايد.

ثم قامت فودعته وحاولت الخروج فقال لها: متى أراك؟

– غدًا في مثل هذه الساعة، وخرجت.

فلما أصبح وحده وضع رأسه بين يديه وجعل يتمعن بخلاصة ما قالته فاسيليكا، وهو أنه لا يأمن شر روكامبول إلا إذا نكبت بلانش دي شمري بنكبة، وهي قتل زوجها بمبارزة أو اختطاف ابنها، فلبث مدة طويلة وهو حيران لا يعلم أيحجم عن هذا الذنب الهائل أو يقدم عليه.

١٨

ولبث ساعة وهو على هذه الحالة من الهم والتفكير، إلى أن تنبه من غفلته، وقد سمع صوت جرس الباب الخارجي، ثم رأى بعد ذلك خادم غرفته قد دخل عليه وقال: إن صبية تريد مقابلتك وهي في أشد حالة من الاضطراب؟

فانذهل كارل وقال: من هي هذه الفتاة ألم تذكر لك اسمها!

– كلا، ولكنها قالت لي أن أخبرك أنها قادمة من روسيا وهي الآن في قاعة الاستقبال.

فزاد انشغال كارل وقال له: إني قادم لاستقبالها فاذهل أنت في شأنك.

وبعد هنيهة ذهب كارل إلى قاعة الاستقبال وهو خافق القلب مضطرب القدم، لا يعلم من هي تلك الفتاة القادمة من روسيا.

فلما فتح باب الغرفة ودخل ذعر ذعرًا شديدًا وقال: من أرى، مدلين!

فنهضت تلك الفتاة وقالت بصوت خافت: نعم أنا هي مدلين.

وكانت تضطرب أمامه كما كانت تضطرب مدلين حين إنقاذها من الذئاب وحين كان يحاول قتلها فأنقذها روكامبول، فما شك أنها مدلين وجعل يضطرب كاضطرابها.

ثم رآها قد مدت إليه يدها، شأن المتوسل، وقالت له: اعف عني وانقذني!

فزاد ذهول كارل حين رأى تلك الفتاة تسأله إنقاذها والعفو عنها، وهو قاتل أمها وألد أعدائها، فلم يفه بحرف وجعل ينظر إليها نظر الحائر الوجل.

أما هي فإنها ذهبت إلى الباب فأقفلته وعادت إليه وقالت: اصغ لي يا سيدي الفيكونت إنك أنقذتني من الموت أليس كذلك؟

– هذا أكيد.

– وقد حميتني ووعدتني بالبحث عن إيفان، وقد اختطفتني في إحدى الليالي من ذلك القصر الذي كنا فيه، فحسبتك أنك تريد قتلي، وما أنت إلا منقذي.

– كل ما تقولينه صحيح.

– ثم ألقيتني في مركبة فأغمى علي، ولم أعد أعلم بعد ذلك ما حدث لي ولكني عندما استفقت من إغمائي وفتحت عيني لم أجدك أمامي، بل وجدت أمامي مكانك ذلك الرجل الذي كان يدعي أنه تاجر ألماني ومعه امرأته.

وقد خدعني هذا الرجل وامرأته؛ إذ إنه حكى لي حكاية محصلها أنك قتلت أمي بالسم وسلبتها ثروتها.

فاضطرب كارل وقال بصوت مختنق: وبعد ذلك؟

– وبعد ذلك حاولت قتلي، وإنك من قبل حاولت قتل أختي أنطوانيت.

ثم اندفعت في البكاء وقالت: مسكينة أختي فقد خدعوها وضغطوا عليها ضغطًا عظيمًا حتى باتت واثقة من صدق هذه الحكاية المؤثرة.

أما أنا فقد ملت إلى تصديقهم في بدء الأمر لا سيما حين انضم إليهم خادم أمي القديم وهو ميلون.

– كيف اتضح لك فساد مزاعمهم الآن؟

– ذلك لأني عرفت أولئك الناس الآن حق العرفان، فإن زوجة هذا الرجل الذي يدعي أنه تاجر ألماني هي إحدى بنات الهوى التي اشتهرت باسم نيشيت.

– والرجل؟

– مجرم سفاك هرب من سجن طولون وكان يدعى روكامبول.

فكان كارل ينقلب بين الانذهال والاضطراب، ولكنه زال اضطرابه وعاد إليه رشده فجعل يقيس كلامها بمقياس العقل.

أما هي فعادت إلى الحديث قائلة: أتعلم إلى أين ذهبوا بي وبأختي؟

– كلا.

– إنهم ذهبوا بنا إلى منزل امرأة كانت تدعى باكارا، وهي من أشهر بنات الهوى أما اليوم فإنها تدعى الكونتس أرتوف؛ لأن هذا الرجل هام بحبها فتزوجها وجعلها من الأشراف.

– إن هذه المرأة جارتي.

– نعم ولكني لما رأيت إلى أية حالة صرت، وفي أي منزل أنا مقيمة انفتحت عيني للصواب وعلمت أني سقطت في هوة فنجوت من هذا المنزل وأسرعت إليك راجية أن تنقذني.

وكان صوتها وملامحها ولهجتها تدل على الصدق الأكيد فيما تقول، فلم يبق في فؤاد كارل أقل مجال للريب.

وكان يرى تلك الفتاة المضطربة أمامه فلا يشك أنها مدلين لشدة الشبه؛ ولأنه لم ير مدلين إلا في الليل وفي مثل هذا الاضطراب.

ثم إن هذه الفتاة كانت مرتدية بالملابس نفسها التي كانت تلبسها مدلين في فندق ساوا حين انتشلها كارل من أنياب الذئاب، فلم يكن يخطر له غير أمر واحد وهو أن مدلين قد التجأت إليه؛ لأنها علمت أن باكارا وفاندا من بنات الهوى وأن روكامبول من رجال الشر، فنظر إليها نظرة ملؤها الحنو والإشفاق وقال: لقد أحسنت بالتجائك إلي.

– أتحميني؟

– دون شك وسأكون لك بمثابة أب.

فنظرت إليه نظرة النادم المستغفر وقالت: كيف يداخل الشك قلبي برجل جليل مثلك بيضت شعره الأيام؟

فابتسم كارل وقال لها: سأوضح لك كل شيء يا بنيتي فإنك ابنة أختي، ولكني ما قتلت أمك بالسم فإنها ماتت بعلة معروفة لدى الأطباء، غير أن ميلون هذا الذي تذكرينه قد أثر على عقلها تأثيرًا شديدًا فخافت مني ومن أخي خوفًا عظيمًا، بحيث أخفتك وأخفت أختك لحذرها منا، ونحن نبحث عنكما منذ خمسة عشر عامًا.

– رباه! ولكن، هذه الثروة.

– إنها موجودة وأنا مستعد لردها إليك حين تشائين.

– لي أنا؟

– لك ولأختك.

– إذن لست أنت الذي سجنت أختي؟

– كلا بل ذلك من صنع روكامبول وميلون.

– لم يعد لدي أقل شك في هذه الحقائق، ولكن أختي لا تزال على عينيها غشاوة من الوهم.

– سنزيل هذه الغشاوة.

– متى؟

– متى تزوجت بأجينور وتزوجت أنت إيفان.

فلم يكد يتم عبارته حتى أكبت على عنقه تعانقه وتقبله، مظهرة شكرها وامتنانها، فطفح قلب كارل سرورًا وقال في نفسه: لقد عاد الحمل إلى قبضة الذئب وهو لا يفلت هذه المرة.

١٩

ولنعد الآن إلى أجينور دي مورليكس، فإن روكامبول لبث يبحث عنه أربعة أيام دون أن يهتدي إلى آثاره.

وقد ذكره أنه أرسله إلى أبيه كي ينذره بالانتحار إذا لم يجد أنطوانيت، ولكن أنطوانيت وجدت فاختفى أجينور.

وكان روكامبول قد أرسل جميع عصابته للبحث عنه، فلم يرجع أحد منهم بنبأ صحيح.

وهذه حقيقة ما جرى له، فإن فاندا أصابت بظنها حين قالت: إن لتيميلون يدًا في احتجابه.

والحكاية أنه حين عاد روكامبول من روسيا جعل تيميلون يراقب المنزل الذي كان مقيمًا فيه أجينور مع أنطوانيت.

فلما خرج أجينور إلى منزل أبيه كما أمره روكامبول ركب مركبة، وأمر السائق أن يسير به إلى الشارع المقيم فيه أبوه وهو يبعد مسافة شاسعة، فسارت به المركبة حتى انتهت إلى شارع يقل فيه مرور الناس، فسمع صوت استغاثة، فأطل من العربة ورأى شيخًا كلل رأسه الشيب باسطًا يديه وهو يستغيث.

فما تمالك أجينور من إغاثته، وأوقف المركبة ووثب منها وأسرع إلى الشيخ.

وكان هذا الشيخ واقفًا بإزاء مركبة فلما رأى أجينور مسرعًا إليه قال له: أغثني بربك فإن ابنتي ستموت.

فنظر أجينور إلى داخل المركبة فرأى فتاة حسناء مصابة بداء النقطة، وهي في أشد حالات الهزال فرأى أن الشهامة تقضي عليه بإغاثة الفتاة.

أما الشيخ فإنه قال له: إني أدعى يا سيدي الكولونيل جيبين، وهذه ابنتي العزيزة أصيبت بداء النقطة منذ ثلاثة أيام، فلما خرجنا من منزلها وهو قريب من هنا أصابتها النوبة في المركبة، وأنا أخشى إذا استأذنت وهي في الطريق أن تقتل نفسها، فإنها بعد استفاقتها من كل إغماء تثور وتطلب الانتحار.

وقد يذكر القراء حكاية الكولونيل وابنته مع أنطوانيت، فإنهما كانا من عمال تيميلون.

وبينما كان الشيخ يحدث أجينور بحديثها وهو يوشك أن يجن من يأسه، استفاقت الفتاة وحاولت الوثوب من المركبة وهي تقول: دعوني أقتل نفسي فلا خير لي في الحياة!

فأسرع إليها أبوها ومنعها عن الوثوب.

ولما رأى أجينور ضعف هذا الشيخ عن ضبطها قال له: طب نفسًا يا أبتاه فسأسير معك إلى منزلك.

ثم أطلق سراح مركبته وصعد إلى مركبة الشيخ فجلس أمامها وأمر السائق أن يعود بهم إلى المنزل.

فكانت تلك الفتاة تغمى وتستفيق في الطريق، وما زالت على ذلك حتى وقفت المركبة أمام باب منزل، فقال الكولونيل: هو ذا المنزل.

فنزل أجينور من المركبة وحاول أن يذهب في شأنه.

ولكن الفتاة عادت إلى الهياج فعاد الشيخ إلى الاستغاثة ولم يجد أجينور بدًّا من الدخول معهما إلى المنزل.

ولما رأى شدة هياجها احتملها ودخل إلى المنزل مكرهًا، فأسرع الكولونيل وأقفل الباب ودخل في أثره.

ثم أسرع وتقدم أجينور كي يرشده إلى الغرفة المعدة لابنته، فجعل يدخل إلى غرفة ويخرج من غرفة وأجينور يتبعه مع الفتاة، حتى دخل إلى غرفة مظلمة.

وهناك زاد هياج الفتاة فأفلتت من أجينور، ولكنه أسرع وقبض عليها من وسطها.

وبينما هو يحسب أنه قد أنقذها من خطر عظيم إذ شعر بيدين قويتين ضغطتا على عنقه، وأوشكتا أن تخنقاه فأفلتت الفتاة وحاول النجاة من الذي قبض عليه، فانقضت عليه الفتاة مع أبيها ولم يكن غير هنيهة حتى ألقياه على الأرض فكبلاه وسدا فمه بمنديل.

وقالت له تلك الفتاة: أنقذ الآن أنطوانيت إذا استطعت.

فعلم المسكين أنه وقع في قبضة أعدائه، وأن إغماء الفتاة لم يكن غير فخ منصوب.

٢٠

اجتمع الكولونيل جيبين بابنته في ذلك المنزل الذي سجنوا فيه أجينور، فقال الكولونيل لابنته: هو ذا أربعة أيام قد مرت بنا دون أن نرى تيميلون أي: منذ ذلك اليوم الذي انقده الفيكونت دي مورليكس ما طلبه من النقود، ألعله عبث بنا؟

فقالت الفتاة: لا أظنه يفعل ذلك لشدة علاقته بنا، ولكنه قد يكون حبطت مساعيه.

– وكيف ذلك؟

– لأن روكامبول قد فر من السجن وليس تيميلون من أكفائه.

– مهما يكن من الأمر فإني لا أصبر بعد اليوم، وإذا لم يرسل إلينا ثلاثين ألف فرنك التي وعدنا بها …

– ماذا تفعل؟

– أطلق سراح أسيرنا أجينور.

– اسكت فإنهم يقرعون الباب الخارجي.

– إنه تيميلون دون شك.

ثم أطل من النافذة المشرفة على الباب الخارجي وعاد قائلًا: كلا إنه ليس تيميلون بل موزع البريد.

ونزل ففتح الباب وأخذ من الموزع رسالة باسمه وصعد إلى ابنته، فكان انذهالهما عظيمًا؛ لأنهما علما من طوابع البريد أن الكتاب مرسل من لندرا، ولم يكن لهما فيها علائق مع أحد، غير أن الفتاة نظرت إلى الخط وصاحت صيحة دهش وقالت هذا الكتاب من تيميلون فقد عرفت خطه ولكني لا أجسر على فتحه.

وقال أبوها بلهجة القانط: لا شك أنه لا يحتوي شيئًا من النقود؛ لأنه رقيق.

– لقد عبثت بنا أيها الخائن.

– بل عرضنا للأخطار وهزأ بنا كما يهزأون بالأطفال.

وعند ذلك فضت الفتاة الكتاب مغضبة وقرأت ما يأتي:

افعلوا بأجينور ما تشاءون، واغتنموا منه قدر ما تستطيعون؛ لأن أمره أصبح منوطًا بكم، أما أنا فقد تنحيت عن جميع هذه الأمور، فلا أتداخل في شيء.

تيميلون

فسقط الكتاب من يد الفتاة بعد تلاوته، أما الكولونيل فقال ببرود: لقد أصاب تيميلون؛ لأن أجينور سوف يدفع كل ما رجوناه.

وساد السكوت هنيهة بين الاثنين إلى أن عادت الفتاة إلى الحديث قائلة لأبيها: على ماذا عولت؟

– على أن أبيع أجينور حريته بمائة ألف فرنك.

– ولكن فاتك إنه ليس لديه مائة ألف فرنك.

– سيدفع بعد إطلاق سراحه.

– لا شك أنك بسيط ساذج القلب.

– كيف ذلك؟

– ذلك أنه حين تخرجه من هنا يذهب أجينور إلى دائرة البوليس لتسليمك قبل أن يذهب إلى البنك ليدفع لك النقود.

– إذا بدر منه شيء من ذلك نقلته في الحال.

– وأية فائدة لنا من قتله؟

– إذن ماذا يجب أن نصنع؟

– لا أعلم لأنى لا أعرف ماذا حدث ولكنني أظن أني عرفت الحقيقة، إذ لولا ذلك لما سافر تيميلون إلى لندرا.

– ما تظنين؟

– أرى أن روكامبول قد نجا من السجن بعد أن أثبت القضاء بالأدلة الراجحة أنه الماجور أفاتار.

– وبعد ذلك؟

– وبعد ذلك بحث عن أنطوانيت فوجدها وأنقذها، فخاف تيميلون وفر هاربًا.

– ليس لجميع ما تقولينه علاقة بأجينور.

– كلا وسوف ترى فإننا حبسنا هذا المسكين منذ ثمانية أيام وهو لا يزال في أسرنا موثق اليدين والرجلين حتى إنه بات يؤثر الموت.

– وماذا كان يقول لك حين كنت تذهبين إليه بالطعام؟

– لا شيء سوى أنه كان يتفوه بكلمات متقطعة لا معنى لها، ويردد بينهما اسم أنطوانيت.

– والخلاصة؟

– إنه يحب أن نعرف أين هي أنطوانيت.

– وبعد ذلك؟

– علي إتمام البقية متى عرفنا محل وجودها.

– ولكن كيف تعرفين محلها؟

– إني سأذهب وأطوف في باريس ولا أعود إليك إلا بالخبر اليقين.

وبينما هي تتأهب للذهاب إذ طرق الباب ثانية فأطل الكولونيل من النافذة، فرأى بوليت واقفًا على الباب ينتظر أن يُفتح له.

وبوليت هذا هو الذي اختطف أنطوانيت أول مرة، فكان السبب في ذهابها إلى سجن لازار وهو الذي أسرته فاندا ومرتون وعلمتا منه محل وجود أنطوانيت كما تقدم في الرواية السابقة.

ففتح له الكولونيل وكان شديد الاضطراب وسأله: ماذا أصابك؟

– إن روكامبول أطلق سراحه ولم يبق علينا غير الهرب.

– وماذا جرى لأنطوانيت؟

– أنقذوها بعد أن بت بأسرهم يومين.

فتشاور الأب والفتاة بالنظر ثم قالت له الفتاة: ألا تزال شديد العزم، يا بوليت؟

لا أعلم لأن هاتين المرأتين قد أضلتا صوابي بأسرهما لي، ولولا تغلب السكر علي لما بقيت في قيد الحياة.

– أنستطيع الاعتماد عليك بضربة خنجر ثمنها ألف فرنك؟

– كل الاعتماد.

– إذن سنبدأ العمل.

ثم أخذت شمعة فأنارتها، فقال لها أبوها: إلى أين أنت ذاهبة؟

فخرجت وهي تضحك وتقول: إني ذاهبة للمخابرة في عقد قرض قيمته مائة ألف فرنك.

•••

مضى سبعة أيام على أجينور وهو يكابد من عذاب اليأس ما لا تحتمله النفوس إذ لم يعرف مصيره ومصير الفتاة التي يهواها.

وقد رأى القارئ كيف أنه هوجم على غرة في غرفة مظلمة، ثم ألقي على الأرض وكبل بالقيود وسد فمه، فلم يصدق ما جرى له وحسب نفسه حالمًا، ولكن الحقيقة لم تلبث أن تجلت لعينيه حين سمع ابنة جيبين تقول له: ابحث عن أنطوانيت الآن إذا استطعت.

فعلم كل شيء وأيقن أن الذين اختطفوا أنطوانيت هم الذين كادوا له هذه المكيدة الهائلة.

فجعل يقول في نفسه: ماذا يريدون أن يصنعوا بي؟ ثم يعود إلى الافتكار بأنطوانيت فيقول: ماذا عسى أن يكونوا صنعوا بها؟

وأقام على هذه الحالة سبعة أيام دون أن يهتدي إلى مراد أو يوفق إلى حل هذا اللغز.

ولكن غاية ما علمه أن أعداءه أعداء أنطوانيت، وأن جميع هذه المكائد السافلة من صنع كارل دي مورليكس شقيق أبيه، إذ كان يقول في نفسه: إن الرجل الذي يستحل قتل اخته بالسم لا يخشى قتل ابنتها ولا تقف يده الأثيمة عن قتل ابن أخيه.

فلما تمكنت هذه الظنون من مخيلته هاج هياج الأسود في أقفاصها، وحاول مرات كثيرة قطع قيوده ولكنها كانت شديدة، فقنط من النجاة وجعلت قواه الأدبية والطبيعية تضعف وتنحط كل يوم.

وفيما هو على هذه الحال من القنوط فتح باب سجنه المظلم وهو قبو عميق تحت الأرض، وظهرت له ابنة جيبين تحمل بيدها مصباحًا فنظر إليها نظرة ازدراء ولم يتدان إلى محادثتها.

أما هي فإنها وضعت مصباحها فوق حجر في ذلك القبو ودنت منه فابتسمت له وقالت: إني أتيت يا سيدي لإطلاق سراحك.

فكانت لهذه الكلمات تأثير الكهربائية عليه، فاتقدت عيناه بشعاع الأمل.

فأتمت حديثها قائلة: إني ما أتيت لإطلاق سراحك فقط، بل لأخبرك أين تجد خطيبتك المدموازيل أنطوانيت ميلر.

ولكن لا بد لي قبل ذلك أن أخبرك عن السبب في سجنك أسبوعًا، وعن الأسباب التي حملتني أنا وأبي على أن أفعل معك ما فعلنا.

فاعلم أني أنشأت مع أبي جمعية، لك أن تدعوها جمعية النصب والاحتيال أو كما تشاء، وأدخلنا فيها كثيرًا من الأعضاء فتوزع مكاسبنا بيننا كلًّا على قدر اجتهاده.

ومن أعمالنا أننا اختطفنا أنطوانيت خطيبتك واحتبسناها في محل سري على رجاء أن تعطينا مائة ألف فرنك على الأقل متى أرشدناك إليها.

فارتعد أجينور وقال: تبًّا لكم من لصوص أشقياء!

فابتسمت الفتاة وقالت: إني لا أحاسبك الآن يا سيدي على الألفاظ؛ لأن الوقت غير فسيح لدينا.

فقال بلهجة احتقار: وإذا أعطيتكم مائة ألف فرنك؟

– أفك قيودك.

– وتطلقين سراحي؟

– دون شك.

– وتقولين لي أين توجد أنطوانيت؟

– هذا لا ريب فيه.

– ولكنك تعلمين أن مائة ألف فرنك لا يمكن أن تحمل بالجيب ولا يمكن الحصول عليها إلا إذا ذهبت إلى منزلي.

– لقد حسبنا كل شيء إذ لا يمكن أن نطلق سراحك ونرشدك إلى محل أنطوانيت على أن ترسل لنا بعد ذلك المال المتفق عليه.

– إن من كان مثلي لا يحنث بوعده متى وعد.

– لا ريب عندنا بصدق ما تقول، غير أننا نؤثر العاجل على الآجل فمتى قبضنا المال أرشدناك إلى من تحب.

– ليكن ما تريدين.

– إن لأبي صديقًا قوي البنية شديد الفتك، فسأذهب معه في مركبة إلى منزلك وتكون معنا فلا بد أن يكون لديك في منزلك أوارق مالية تعادل القيمة المطلوبة.

– عندي ما تريدون.

– فتدفع لنا النقود ونهديك إلى أنطوانيت، ولكن لا بد لي أن أحذرك من أمر.

– ما هو؟

– هو أنك إذا بدر منك أقل إشارة تنبه إلينا البوليس، فإن صديق أبي يقتلك في الحال.

– فكي إذن قيودي فستقبضون المال.

فامتثلت الفتاة ولم تكد تفرغ من إطلاق يديه ورجليه، حتى سمعت دوي مسدس شديد فأسرعت خافقة القلب مصفرة الوجه إلى باب القبو، فسمعت دويًّا آخر فخرجت منذعرة لا تلوي على شيء.

٢١

لا بد لنا قبل الإيضاح عن هذين الطلقين اللذين سمعت ابنة جيبين دويهما فهربت منذعرة، أن نرجع بالقارئ إلى العهد الذي أنقذت فيه أنطوانيت، كما تقدم في الرواية السابقة.

فقد يذكر القراء أن فاندا تركت مرتون حارسة لبوليت الذي صرعته الخمرة، وفي صباح اليوم التالي بعد أن وضعت أنطوانيت في محل أمين، وجمعتها مع مدلين في منزل واحد، عادت إلى مرتون فوجدت أنها لا تزال في موقفها، وأن بوليت لا يزال نائمًا.

فجعلت المرأتان تتشاوران، فقالت فاندا: إن تيميلون قد وصل من باريس، وهذا الرجل الصريع أمامك لا يخشى منه؛ لأنه كان آلة بيد تيميلون.

فقاطعتها مرتون قائلة: إني لو كنت مكانك يا سيدتي لما غفلت طرفة عين عن بوليت.

– ربما كان رأيك المصيب غير أننا لا نستطيع البقاء هنا.

– كلا، ولكني لو أحضرت الكلب.

– أي كلب هذا؟

– لقد فاتني أن أخبرك بحديث هذا الكلب العجيب، فاعلمي أنه يوجد كلاب خصت بذكاء غريب وهي التي يستخدمها رجال الجمارك لمطاردة المهربين، فإذا شمت رائحتهم أدركتهم أينما كانوا ثم إن البوليس يستخدم هذه الكلاب أيضًا لمراقبة المجرمين، فإذا دل أحدها على واحد منهم لا ينفك يراقبه ولا يستطيع الاحتجاب عنه مهما بالغ في التنكر.

وإن لنا كلبًا من هذه الكلاب كان يحرس دكان أبي وهو صانع أحذية، فاتفق مرة أن أحد اللصوص سرق حذاء من الدكان وفي اليوم التالي عاد به الكلب، وقد سرقه من السارق فأراد أبي أن يعرف هذا السارق فأشار الكلب أن يسير أمامه إليه ففعل، وما زال يسير أمامه حتى انتهى إلى خمارة فدخل إليها، وهجم على رجل كان فيها وكان هو السارق.

هذه نادرة بسيطة عن ذكاء هذا الكلب، أوردها لك عن سبيل المثال، فإذا سمحت لي ذهبت إلى أبي وأحضرت الكلب وعهدت إليه بمراقبة بوليت.

فقالت لها فاندا: إذا كان هذا ما تقولين اسرعي بإحضاره، فقد يكون لنا خير عون على مراقبته.

فانطلقت مرتون وعادت بعد ساعة مع كلبها، وكان بوليت لا يزال نائمًا، فأشارت مرتون إلى الكلب إشارة فهمها فجعل يشم بوليت من رأسه إلى قدميه.

وبعد ذلك خرجت فاندا ومرتون فتبعهما الكلب حتى إذا وصلتا إلى الباب الخارجي قالت مرتون للكلب: ابق هنا.

ثم أشارت له الإشارة التي تفيد هذا المعنى، وهي قد عودته عليها وأشارت بإصبعها إلى الغرفة التي كان نائمًا فيها بوليت كأنها تقول له: أوصيك به فلا تغفل عنه، وانصرفتا.

فبقي الكلب في ذلك الشارع يطوف فيه ثم يعود إلى الباب.

أما بوليت فإنه لما صحا من سكرته خرج إلى شارع ليفوند، حيث كان يقيم تيميلون فلم يجده فعاد إلى خمارة تعود أن يقيم فيها.

وفي اليوم التالي عادت مرتون مع فاندا، فرأت الكلب يطوف في ذلك الشارع فنادته وسألته بالإشارة عن بوليت، فسار أمامها حتى انتهى إلى تلك الخمارة فرأته يتعاطى المدام وهو منزوٍ في إحدى الزوايا، وأشارت إليه بمواصلة مراقبته وألقت إليه ما أحضرته من الطعام ومضت.

أما روكامبول فقد أعياه البحث عن أجينور دون أن يقف له على أثر حتى قنط من لقائه، فحكت له حكاية الكلب وقالت مرتون: لا بد لكلبي أن يدرك موضعه باقتفائه أثر بوليت.

وقد صدقت ظنونها فإن بوليت خرج من الحانة وذهب إلى حيث كان يقيم تيميلون، فوجد البواب حائرًا في أمره؛ لأنه لم يعد منذ أيام فكسر بابه ودخل معه بوليت فوجدا شيفيوت مضرجة بدمائها لا تزال عليها آثار الحياة، فذعر بوليت وخرج هائمًا على وجهه فكان الكلب يتعقبه أينما ذهب.

ثم خطر له أن يخبر الكولونيل جيبين بما اتفق، وسار إلى منزله كما عرف القراء.

وبعد حين أقبل روكامبول وميلون وفاندا ومرتون، فأرشدهم الكلب إلى حيث كان بوليت.

فلما وصلوا إلى باب ذلك المنزل، وكانت ابنة جيبين تتفق مع أجينور، طرقوا بابه.

ففتح لهم الكولونيل فأسرع روكامبول بالدخول تتبعه العصابة ثم أقفل الباب وقال له: أنا هو روكامبول.

فلم يكد يسمع الكولونيل هذا الاسم الرهيب حتى ركض إلى غرفته، فأخذ مسدسين وأطلقهما على القادمين فجرح ميلون بكتفه جرحًا خفيفًا، فلم يكترث له وانقض على الكولونيل انقضاض الكواسر فجندله.

وأما بوليت فإن اسم روكامبول وحده كان كافيًا لغل يده.

ثم خرجت ابنة جيبين والذعر ملء قلبها، فانقض عليها روكامبول فطرحها إلى الأرض وغل يدها عن الدفاع وبعدها ببضع دقائق نجا أجينور.

٢٢

ولنعد الآن إلى كارل دي مورليكس فإنه لم ير فاسيليكا منذ ثلاثة أيام، ولكنه كان في خلال هذه المدة يبيت بليلة الملسوع لما ناله من غرام من تلك المومس التي كان يحسب أنها ابنة أخته مدلين.

وقد هام بها هيامًا لا يوصف لا سيما بعد أن لجأت إليه وباتت في منزله، وأتت تستجير به من أعدائها، فكان يعاملها بالظاهر ابنة أخته فيلاطفها ويحن عليها، ولكن نار الحب الفاسد كانت تتأجج فيه، فتحرق قلبه الأثيم.

غير أن مدلين أو كلوريند لم تكن تتظاهر بفهم مراده، ولا تحمل نظراته وأقواله إلا على محمل الحنو الشريف والحب الصادق.

وكانت مدلين لا تتكلم أمامه إلا عن إيفان ولا تدعو خالها إلا بلقب فيكونت، فتثني عليه كل حين بأعذب الألفاظ لوعده إياها بالبحث عن إيفان، وإذا ورد ذكر روكامبول اتفاقًا ارتعشت وتظاهرت بالخوف الشديد، ونظرت إلى خالها نظرة استعطاف كأنها تتوسل إليه أن يحميها من شر هذا الرجل.

وكان أعد لها أعظم قسم من قصره ودعا لها أشهر خياطات باريس، فصنعن لها أجمل الملابس غير أنها لم تكن تخرج من المنزل، فإذا دعاها إلى الخروج معه للنزهة تمتنع وتقول: لقد آليت على نفسي أن لا أخرج إلى متكئة على ذراع إيفان.

فكانت نفس هذا الشيخ تهيج هياج البراكين، وطالما خطرت له أفكار أثيمة غير أنه كان يخشى الفضيحة، فإن كلوريند منعت بابها وكان جل قصده أن يحملها على حبه، ولا يتيسر له ذلك إلا إذا حملها على كره إيفان.

فلما سدت في وجهه أبواب الحيل افتكر بحليفته فاسيليكا وكتب إليها يسألها الحضور إليه.

فجاءته بعد ساعة وقالت وهي تبتسم: ألعلك افتكرت بما عرضته عليك؟

– إني لم أفتكر بشيء بعد.

– كيف ذلك؟

– ذلك لأني لم أستطع أن أفتكر إلا بمدلين.

– ألعلك رأيتها؟

– إنها عندي.

– عندك في منزلك؟

فقص عليها كارل جميع ما اتفق له فكانت فاسيليكا تسمعه، وقد ظهرت عليها ملامح الريب، فلما انتهى من حكايته قالت له: أأنت واثق من أن الغرام لم يذهب بعقلك؟

– أتعنين أني مجنون؟

– أو أنك حالم.

– ولكنك تريينني أكلمك وأسمعك فكيف أكون حالمًا.

– إذن أنت منخدع، أتظن التي عندك هي مدلين نفسها؟

– وأين مجال الشك في هذه الأمور، وكيف أحبها هذا الحب وأنخدع إلى هذا الحد؟

– ألم تسمع بحديث تلك الفتاة التي يدعونها كلوريند، وهي التي خدع بها إيفان نفسه وحسبها مدلين حين كان الطبيب ذاهبًا به إلى مأوى المجانين؟

فاصفر وجه كارل وقال: إن هذا محال، إذ لا يمكن أن تتشابه الوجوه إلى هذا الحد.

– كل شيء ممكن غير أنه يوجد أمر يذهلني في هذه الحكاية.

– ما هو؟

– أليست مدلين عندك منذ ثلاثة أيام؟

– نعم.

– ألم تقل إنها هربت من منزل الكونتس أرتوف؟

– نعم …

– إذن كيف أن باكارا وروكامبول لم يبحثا عنها إلى الآن؟

– لا أعلم.

– إني أريد أن أرى هذه الفتاة.

– مدلين …؟

– نعم.

فنادى كارل أحد خدمه وقال له: اصعد إلى غرفة السيدة وقل لها: إن خالك يريد أن يراك في قاعة الاجتماع.

فخرج الخادم، وفي الوقت نفسه قرع جرس الباب الخارجي فأطل كارل من النافذة المشرفة على الباب فصاح صيحة دهش.

فقالت له فاسيليكا: ماذا أصابك؟

فقال بلهجة الرعب الشديد: إن أجينور قد حضر.

ثم أسرع فنادى الخادم الذي أرسله يدعو كلوريند وقال له: قل للسيدة أن تبقى في غرفتها فسأحضر إليها.

ثم التفت إلى فاسيليكا وقال لها: ادخلي إلى هذه الغرفة تسمعين منها كل حديثنا إذ يجب أن لا يراك أجينور.

وبعد دقيقة دخل أجينور وهو مصفر الوجه تتقد عيناه بنار الغضب فأقفل الباب وراءه، وأخذ كرسيًّا فجلس عليها قرب عمه وقال له دون أن يسلم عليه: اجلس لنتحدث.

فضبط كارل نفسه وأخفى اضطرابه جهد طاقته ثم قاله له: ما بالك، وماذا أصابك؟

– أتسألني ما أصابني وأنت أعلم الناس بحالي؟

– أرى أنك شديد الاضطراب، فقل لي: من أين أنت قادم؟

– من قبو بت فيه ثمانية أيام مغلول اليدين والرجلين.

– أنت؟

– أتتجاهل أيضًا وأنت الذي ألقيتني في هذا السجن بمساعدة حليفك السافل تيميلون.

– أرى أنك قد أصبت بالجنون فإني لم أسمع بحياتي هذا الاسم.

فقال هل أجينور ببرود: لا تضيع الوقت يا عماه بالإنكار، فإني أعرف كل شيء؟

– ماذا تعني بكل شيء؟

– أعني جرائمك وآثامك، فإنك أنت الذي ألقى أنطوانيت في سجن سانت لازار.

– إذا كان قد جرى ما تقول فلم يكن يراد به غير خيرك منعًا لزواجك بها.

– لم يكن ذلك قصدك يا عماه بل كنت تريد أن تمنع ابنة أختك أن تطالبك بتلك الثروة التي اختلستها، وبدماء أمها التي سفكتها.

– اسكت أيها التعس.

– إذن أنت تعترف بصحة ما تقول.

– اسكت …

– عماه لم يبقَ مجال للسكوت إلا إذا أردت، وقد جئت لأخيرك بين ثلاثة أمور، وهي إما أن تنتحر أمامي في الحال فأرجع مالك للأختين؛ لأني وريثك الشرعي.

أو أنك ترجع المال المسروق من تلقاء نفسك وتوقع على صك زواجي؛ لأني سأتزوج أنطوانيت بعد ثمانية أيام.

أو أذهب في الحال إلى إدارة البوليس فأكشف لها آثار آثامك ولا يكون جزاؤك بعد ذلك غير الشنق.

هذه هي شروطي الثلاثة فاختر منها ما تريد.

فانقلب اضطراب كارل إلى ذعر شديد وجعل يتمتم كلامًا لا يفهم.

فقال له أجينور: وليس هذا كل ما أتيتك لأجله، فإن أخت أنطوانيت أي: الابنة الثانية لتلك الأم التي قتلتها مقيمة عندك في منزلك، وقد هربت من المنزل الذي كانت فيه هرب المجانين، وجاءت إليك تسألك حمايتها، وهي لا تعلم أنها لجأت إلى قاتل سفاك، لا تزال يده ملطخة بدماء أمها.

– اسكت …

– يجب أن ترد لي مدلين.

فهاج كارل عند هذا الطلب وقال: إن هذا محال.

– لماذا؟

– لأني أحبها.

– لا شك أنك مجنون يا عماه.

– إني أحبها وسأتزوجها.

– أنت قاتل أمها تتزوج بها، إني أعجب للسماء كيف لا تنقض عليك وأنت تجدف هذا التجديف.

فركع كارل أمامه وقال: وإذا استغفرت الله عن ذنوبي وأصبحت من التائبين، وصرفت بقية أيامي بعمل الخير والمبرات ألا يصفح الله عني؟

فنظر إليه أجينور محدقًا وقال: أأنت صادق فيما تقول؟

فصاح كارل صيحة فرح وقد حسب أن مدلين ستغدو له، وأنه نجا من الخطر.

٢٣

ثم أطرق برأسه إلى الأرض مستحييًا وجلًا خائفًا من نظرات ذلك الشاب النبيل الذي يتكنى باسمه فقال له أجينور: لا أعلم يا عماه إذا كانت مدلين تهواك في مستقبل الأيام، غير أن الذي أعرفه أنها تهوى إيفان بونتيف وأنك قد اختطفته أيضًا.

– أنا اختطفته؟ وقد أنكر أشد الإنكار بلهجة تبين منها الصدق، وأوشكت أن تزعزع اعتقاد أجينور ثم قال له: إن كل ما قلته عني صحيح ما خلا هذه التهمة.

– أأنت واثق مما تقول يا عماه؟

– إني واثق من أمر واحد أن إيفان يحب مدلين كي يتخذها خليلة له.

– كلا … بل إنه سيتزوجها.

– إنك تقول هذا القول؛ لأنك تجهل ما صارت إليه أسرة هذا الشاب ومطامعها، فقد أضاعت ثروتها وغاية إيفان أن يتزوج ابنة عمه.

– الكونتس فاسيليكا؟

– نعم، وإذا أردت أن تعرف أين يوجد إيفان فاسأل عنه الكونتس.

فنهض أجينور وقال: إن اعتقادي فيك لن يتغير ولكني أمهلك أربع وعشرين ساعة كي تتمعن بشروطي، وسأعود إليك غدًا في مثل هذه الساعة؟

ثم هَم بالخروج فأوقفه عمه بإشارة، وسأله: أتحسب أن ثروة الأختين عظيمة؟

فأجابه بجفاء: كلا، ولكنها تبلغ ثلاثة أو أربعة ملايين، ومهما يكن مقدارها يجب ردها إلى أصحابها يا عماه.

ثم تركه ومضى.

ولما أيقنت فاسيليكا من ذهابه خرجت من مخبئها، فقال لها كارل: كيف رأيت ألا تزالين في ريب؟

– كلا، لم يبق مجال للشك بعدما سمعت، ولكني أوصيك بالاحتراس.

– ممن؟

– من روكامبول والكونتس أرتوف.

– إذا كان ابن أخي مواليًا فلا أخشاهما.

– ولكن ابن أخيك لا يستطيع إكراه مدلين على الزواج بك، وما زالت مدلين تهوى إيفان …

– فتنهد كارل وقال: ألعلك تجدين طريقة لمنع هذا الحب؟

– ربما!

– كيف ذلك؟

فابتسمت ابتسامًا يشف عن الاحتقار وقالت: كنت أحسب أنك وجدت تلك الوسيلة من تلقاء نفسك، وأنك استغنيت عني حذرًا من أن تكون مدينًا لي بجميل ولكني أصفح عنك؛ لأننا لا نزال حليفين، أليس كذلك؟

– دون شك!

– إذن اصغ إلي وافترض أن إيفان رأى مدلين متكأة على ذراعك وأن ظواهرها تدل على أنها تهواك.

– ولكن ذلك محال.

– قلت لك: افترض، فإن كل شيء ممكن.

– وبعد ذلك؟

– تدب عقارب الغيرة إلى فؤاد إيفان فيكتب إليها كتابًا تمليه عليه تلك العواطف الثائرة.

– وبعد ذلك؟

– يبرح فرنسا على أثر إرسال الكتاب أو يتظاهر بالسفر، وكلاهما واحد، فتتألم لكتابه ولهجته الشديدة وتقنط من إيفان فتحتاج عند ذلك إلى من يحبها ويسليها عن مصابها، وأنت معتمدها الوحيد فتبدأ أن تحبك كأب ثم ترضى بتعاقب الأيام أن تحبك حب الزواج.

– إن كل ما تقولينه ممكن الحدوث، غير أن قلبي يحدثني بأنه لن يحدث.

فضحكت وقالت: ذلك لأنك عاشق وهذا شأن العشاق.

– ولكن كيف عزمت على أن تفعلي؟

– سوف ترى.

فاضطرب الشيخ وقال: كيف تدعين إيفان يعتقد أن مدلين تحبني؟

– إن الأمر بسيط، فافترض أنك تتنزه في حديقة منزلي في ليلة مقمرة.

– مع مدلين؟

– دون شك، وإنك خالها وهي لا تمتنع عن الاتكاء على ذراعك.

– وبعد ذلك؟

– تسير وإياها ذهابًا وإيابًا في الحديقة في مكان وساعة أعينهما لك، ثم تقول لها: إني أنتظر زائرًا يا مدلين يريد أن يكلمك، فتضطرب دون شك، وتنظر إليك فتقول لها مبتسم ابتسام الرضى: إن إيفان سيحضر في هذا المساء كي يخطبك.

فتصيح عند ذلك صيحة فرح وتطوق عنقك بيديها.

فانذهل كارل؛ لأنه لم يفهم شيئًا وقال لها: وبعد ذلك؟

فابتسمت فاسيليكا وقالت: افترض أنه حين كانت تعانقك يكون إيفان مقيمًا في موضع يشرف عليكما وأنه رأى كل شيء.

فاضطرب وقال: أيمكن هذا الاتفاق؟

– قلت لك: كل شيء ممكن وهذا هو مشروعي فتمعن به، وإذا أحببت أن تجربه فاكتب لي والآن أستودعك الله.

– أتذهبين؟

– نعم فإني ذاهبة لأطلع على أخبار إيفان، ثم ابتسمت ابتسامًا يشف عن قصد هائل مخيف، وخرجت دون أن تنتظر جواب كارل.

وكانت مركبتها تنتظرها على الباب، فأمرت السائق أن يسير بها إلى شارع كاسيت في ذلك المنزل الذي حبست فيه إيفان.

فلما وصلت إليه فتح الباب خادمها بريتو، فدخلت إلى تلك القاعة التي هبطت أرضها إلى أعماق مجهولة بإيفان، وسألت خادمها قائلة: أحدث حادث جديد؟

– كلا.

– كيف حال الأسير؟

– لا يزال هائجًا هياج الكواسر وهو يتوعدك دائمًا بالقتل.

– سوف نرى …

فنظر إليها الخادم بانذهال وقال: ماذا تفعلين؟ أتتجاسرين على النزول إلى محبسه؟

– نعم.

– ولكنه أصبح كاللبوة فقدت أشبالها.

– لا بد من هياجه شأن كل من يصاب بما أصيب.

– إنه شديد العضل وقد زاده اليأس قوة.

– أعرف جميع ذلك.

– وهو قد ينقض عليك يا سيدتي فيحدث ما لا تحمد عقباه.

– ألعله أصابك بمكروه منذ توليت حراسته؟

– كلا، ولكني لا أدخل إلى سجنه بل أوصل له الطعام من النافذة.

– أما أنا فسأدخل إليه وسوف ترى، فهات مصباحك واتبعني.

فامتثل بريتو وأضاء المصباح ثم نزل الاثنان في سلم طويلة تحت الأرض، فكان بريتو ينير لها الطريق حتى نزلا ثلاثين درجة.

فتوقف بريتو وقال لها: اسمعي يا سيدتي ألا تصل إلى أذنيك أصوات إنذاره ووعيده؟

– نعم إني سامعة ما تسمع فانزل أمامي ولا تخف.

٢٤

كان هياج إيفان عظيمًا منذ حبس في منزل الدكتور لامبرت بتهمة الجنون، فإن هذه التهمة وحدها كافية لهذا الهياج.

وقد كان سروره لا يوصف حين رأى ابنة عمه فاسيليكا قادمة إلى منزل الطبيب لاعتقاده أنها قادمة لإنقاذه، إذ لم يخطر في باله أنها أعدى عدو له، وأنها ستنتقم منه إلى هذا الحد.

وقد يذكر القراء أنه قد تناول الطعام مع فاسيليكا وهما مختليان، ثم نام وانفتحت تحته أرض الغرفة فنزل نزولًا بطيئًا إلى هوة عميقة وسيرى القراء كيف كانت هذه الهوة الهائلة.

إن إيفان بعد أن فتح عينيه رأى نفسه في قبو لا يزيد طوله عن ستة أقدام، وكان مصباح ضعيف معلقًا في سقف ذلك القبول يرسل نورًا ضعيفًا تنقبض النفس له …

فحسب إيفان في بدء أمره أنه حالم أو أنه مصاب بالكابوس …

ولكن عندما وقف شعَر أن أعضاءه لينة تتحرك وفق مراده، وأن عينيه منفتحتان يبصر بهما ما حواليه من الحشرات التي تقشعر لمنظرها الأبدان.

فوقف وقفة الحائر المنذهل لا يعلم أين هو، ولا يذكر كيف وصل إلى هذا الحضيض.

ثم جعل يذكر، فكان أول ما خطر في باله بيت المجانين الذي كان فيه.

وكيف أنه حاول الهرب ولم يفلح، ثم ذكر قدوم فاسيليكا وكارل مورليكس للبحث عنه.

ثم ذكر أخيرًا أنه بينما كان يأكل مع ابنة عمه فاجأه نعاس غريب لم يستطع مقاومته، فأطبقت عيناه ولم يذكر شيئًا بعد هذا العهد.

وكانت هذه الذكرى كافية لاتساع مجال الشك والظنون لديه بتلك المنتقمة الجبارة.

فجعل يفحص ذلك القبو، وتلك القبة المعلق فيها المصباح، فرأى رسم باب في السقف فعلم أنه هبط إلى القبو من ذلك السقف.

ثم طاف في هذا القبو فرأى بابًا، وكان هذا الباب متينًا مصفحًا بالحديد وفي وسطه نافذة مقفلة، فوضع عينه على قفله وحاول أن ينظر ما وراءه فلم ير غير الظلمات الكثيفة.

وعاد إلى الطواف في ذلك القبو الضيق كما يطوف الأسد في القفص، وفيما هو يطوف صاح صيحة رعب شديدة وتراجع منذعرًا مكفهرًّا إلى الوراء.

ذلك أنه رأى جثة رجل ربط عنقها بقيد من حديد شد إلى حائط، وقد جرد تقادم الأيام تلك الجثة البشرية من اللحم فباتت هيكلًا من العظام.

ولقد كان إيفان شجاعًا باسلًا، غير أن هذا المنظر المخيف أحنى على شجاعته فذعر ذعرًا شديدًا، وجعل يصيح صياح الخائفين فلم يجبه غير الصدى.

ثم ثارت فيه قوة اليأس فجعل يضرب الباب الحديدي بيديه ورجليه حتى أدماهما دون أن يظفر بطائل، فانقلب وقد أعياه التعب أسفًا حزينًا وهو يقول: لقد أصابوا بما اتهموني به فلا شك أني مجنون.

وعاد اسم مدلين يجول بين شفتيه فكان معزيًا له في مصابه غير أنه ما لبث أن عقبه اسم فاسيليكا ابنة عمه حتى انجلت غمامة الشك عن مخيلته، وجعل يسأل نفسه فيقول: كيف أن فاسيليكا جاءت إلى فرنسا ولماذا أتت تبحث عنه؟

أما هذا القادم فقد كان بيرتو، وقد جاء يحمل الطعام لإيفان بيد ويحمل باليد الأخرى مصباحًا، فنظر إيفان من ثقب قفل الباب فرأى القادم وعرف أنه بيرتو، علة نكبته ووصوله إلى هذا السجن، فلم يعد لديه أقل ريب بأن ما أصابه كان من صنع ابنة عمه، وأن هذا الخادم من أخص رجالها الذين تعتمد عليه في شئونها.

فقال عند ذلك في نفسه: لا شك أن هذه السلة التي بيده تحتوي على طعام مرسل لي، ولا بد لهذا السافل أن يفتح الباب كي يدخل إلي بالطعام، وإذن هي التي أدخلتني منزل طبيب المجانين، وأن لها غرض من تعيين ذلك الشقي بيرتو في خدمتي فدفع بي إلى بيت المجانين.

وعند ذلك أدرك قصد ابنة عمه، وعلم أنها تريد الانتقام؛ لأنه احتقرها وتجرأ على حب سواها فهاجت منه عواطف الشر والحقد، وعاد إلى مهاجمة ذلك الباب الحديدي دون أن يظفر من فتحه بمراد.

وفيما هو على ذلك سمع صوت وقع أقدام من الخارج، فتوقف وسمع وقع تلك الأقدام تنزل على درجات سلم طويلة.

وحبس أنفاسه ووقف بإزاء الباب وهو يضمر الشر.

فقال: إذا أتى انقض عليه انقضاض الصاعقة وأجندله.

وعند ذلك حبس أنفاسه وكمن وراء الباب.

ووصل بيرتو إلى الباب، فقال بصوت سمعه إيفان: هو ذا الثائر قد بدأ، ألعله أصيب بسكتة في الدماغ؟

فلم ينبس إيفان بحرف وظل كامنًا وراء الباب.

وجعل بيرتو يناديه ويقول: أين أنت يا سيدي إيفان؟

وكرر النداء مرارًا فلم يجبه.

وعند ذلك أخرج مفتاحًا من جيبه ووضعه في القفل، ولما سمع إيفان صريره خفق فؤاده وقال: لقد دنت ساعة الانتقام.

غير أن بيرتو كان أشد دهاء وحكمة مما كان يظنه إيفان، فإنه لم يفتح بمفتاحه باب القبو، بل فتح تلك النافذة الحديدية التي فيه وأدخل الطعام من تحت قضبانها الحديدية ثم أقفلها.

ولما رأى إيفان خيبة رجائه صاح صيحة منكرة.

وضحك بيرتو ضحك الساخر وقال: يسرني يا سيدي أن أراك حيًّا فقد حسبتك من المائتين.

فأجابه إيفان بالشتم القبيح فضحك بيرتو أيضًا وقال له: إنك إذا لبثت يا سيدي تشتمني أضطر إلى الذهاب.

فهاج إيفان هياجًا عظيمًا ولكنه أدرك في الحال إنه إذا استمر على سياسة العنف مع هذا الخادم؛ لا يعلم منه شيئًا، فتغلبت الحكمة على عواطف الغضب وناداه بلهجة الدعة والإيناس فقال: بيرتو أين أنت؟

أجاب بيرتو باحتراس: هو ذا أنا يا سيدي وراء النافذة فماذا تريد؟

– أريد أن أعرف أين أنا.

– لا أسهل من معرفة ذلك يا سيدي فإنك في قبو ذلك المنزل الذي أكلت فيه صباح أمس.

– ألعلي نزلت إليه وأنا نائم؟

– نعم … فإن المخدر الذي شربته، ممزوجًا بالخمر نوَّمك ستًّا وثلاثين ساعة.

– ولماذا ألقيت في القبو؟

– بأمر الكونتس فاسيليكا.

فأنَّ إيفان أنينًا مزعجًا، وقال: ماذا تريد هذه المرأة؟

– تريد أن تبقى هنا …

– وإلى أمد طويل؟

فأجاب بيريتو ببرود: ربما بقيت فيه إلى الأبد.

ثم انصرفت عنه دون أن يجيب، ومر على ذلك أربعة أيام كان إيفان عرضة فيها لعوامل اليأس، فبدأ بامتناعه عن الطعام لحذره أن يكون مسمومًا.

ولكن الجوع تغلب عليه فأكل على خوف شديد من الموت، إلى أن مرت به عدة ساعات كان يتوقع الموت في كل دقائقها …

ولكنه لم يمت.

ثم عرض له فكر كان أشد عليه مما كان يتوقعه من عذاب الموت، وهو أنه إذا كانت فاسيليكا سجنته في هذا القبو فهي تضطهد مدلين دون شك مبالغة في الانتقام.

وعند ذلك استحالت أخلاقه وبات شبيهًا بالوحوش الضارية، فعاد إلى ضرب الباب بيديه ورجليه بعنف شديد حتى دميت يداه وتلاشت قواه فسقط على الأرض مغميًّا عليه.

ولما استفاق عاد إلى ما كان عليه فلم يلق إلا الفشل.

ولبث على هذا اليأس والعناد أربعة أيام وهو يذكر فاسيليكا ويود لو تقع في قبضته فيمزقها بأسنانه.

إلى أن كان اليوم الرابع فسمع وهو رابض في سجنه وقع أقدام، فنظر من ثقب الباب فرأى بيريتو وبيده مصباح ووراءه امرأة.

فالتهب فؤاده بنار الانتقام وخرج شعاعها من عينيه، إذ عرف أن هذه المرأة كانت ابنة عمه فاسيليكا.

٢٥

وكان بيريتو يقول لفاسيليكا: سيدتي لا تدخلي فإنه شديد الهياج.

فتجيبه بسكينة: لا بأس … سوف نرى.

حتى وصلت إلى الباب، فنادت إيفان تقول: أي ابن عمي أين أنت؟

فأجابها: ماذا تريدين مني؟ ألعلك قادمة للإجهاز علي؟

– كلا، بل أنا قادمة للمباحثة معك.

وكانت تقول له هذا القول بسكينة … ولكن لهجة صوتها لم تكن تخلو من التهكم …

ثم التفتت إلى بيريتو وقالت له: افتح الباب فلا تروق المباحثة من خلال النوافذ.

فهاج إيفان عند ذلك هياج المجانين ولم يتمالك عن الوعيد فقال: احذري أن تفتحي هذا الباب الحائل بيني وبينك.

– وإذا فتحته؟

– أنقض عليك انقضاض الصاعقة و…

– إذن تجد أمامك نار مسدسي الحامية.

ثم أخذت من جيبها مسدسًا أميركيًّا وقالت للخادم: قلت لك: افتح الباب.

فامتثل الخادم وفتحه …

وصوبت فاسيليكا مسدسها إلى إيفان وقالت له: تراجع إلى الوراء يا ابن عمي وإلا أطلقت مسدسي، فإني ما أتيت إلا لمباحثتك.

ولم يخف إيفان من الموت فإنه كان باسلًا وقد زاده الحقد شجاعة، غير أنه أنف من الهجوم على امرأة لا سيما وقد قالت له: إنها آتية لمباحثته فتراجع حتى التصق بالجدار وقد التطم بالجثة التي كانت في ذلك القبو.

وقالت له بصوت الساخر: أرأيت هذه الجثة وأثرها الهائل؟

وكانت واقفة على عتبة الباب وبينها وبين إيفان مسافة تبلغ ثمانية أقدام، وهي مسافة لا تتجاوز مدى رصاص المسدس.

فأجابها: ألعلك آتية يا سيدتي لإيضاح ما كان؟

– ربما؟

– تكلمي وأخبريني عن السبب في وجودي هنا.

– ذلك لأنك أهنتني وجرحت قلبي جرحًا لا يندمل إلا بالانتقام وأنا أنتقم وأتداوى.

– إذن فقد كنت تحبينني من قبل؟

– بقدر ما أكرهك الآن.

– وأنت تريدين الانتقام؟

– انظر إلى هذه الجثة المقيدة التي باتت هيكلًا من العظام لما تقادم عليها من الأيام.

فأجابها بتهكم: ألعلك كتبت لي في لوح المقدور مثل هذا العقاب؟

– كلا … فإن صاحب هذه الجثة قد مات من الجوع كما يظهر وأنت يحضرون لك الطعام في كل يوم.

– أشكر فضلك فإني لا أنسى كرمك ما حييت.

– اطمئن يا ابن عمي العزيز فإن أسرك لا يكون إلى الأبد.

– أحق ما تقولين؟

– وإني لم أسجنك إلا لما كنت أخشاه من عرقلتك لأعمالي، لو كنت مطلق السراح.

فأجابها بلهجة المتهكم كيف أعرقل مساعيك؟

– إنك تعلم أني سأتزوج.

فقال إيفان بلهجة المتهكم: بمن ستتزوجين؟

– بالكونت كوروف.

فضحك ضحكًا يشف عن الاحتقار واستند إلى الحائط وقال: كيف يخطر لك يا سيدتي العزيزة أني أحول دون هذا الزواج، فاطلقي سراحي وكوني مطمئنة البال إذا كان هذا كل الذي تخشينه مني.

ثم جعل يضحك ضحك الساخر.

إلا أن فاسيليكا منعت ضحكه إذ قالت له: إني واثقة من أنك لا تحول دون زواجي ولكني كنت أخشى أن تحول دون زواج آخر.

– أي زواج تعنين؟

– زواج مدلين.

فصاح إيفان صيحة منكرة ودنا خطوة منها.

ولكنه توقف حين أنذرته فاسيليكا بالمسدس وقال لها: مدلين تتزوج؟

– دون شك.

– إنك كاذبة نمامة.

– كلا، ولكنك رجل فاسد التربية والأخلاق، أما مدلين فإنها ستتزوج بعد ثمانية أيام، وأنا لم أحضر إليك إلا لأخبرك بهذا الزواج.

فاصفر إيفان اصفرارًا شديدًا وذهبت آثار غضبه وتهكمه وجعل ينظر إلى ابنة عمه نظرًا حائرًا كأنه يريد أن يتبين صدقها أو كذبها من عينيها.

إلى أن قالت له: ولكن طب نفسًا فإن مدلين لا تتزوج مختارة بل مكرهة على هذا الزواج.

فصاح إيفان صيحة فرح وقال: لا شك إنهم نصبوا لها أحبولة فأكرهوها على الرضى بما لا تريد.

– كلا، وإني أقسم لك على صحة ما أقول.

– إن مدلين تحبني.

– لقد كانت تحبك قليلًا من قبل.

فنظر إليها نظرة المغضب وقال: أتجسرين على القول: إنها لا تحبني الآن؟

– إنها تحاول أن تنساك على الأقل.

– لماذا، ولأي ذنب جنيت؟

فأجابته بسكينة إن ذنبك بسيط وهو أنك روسي وجميع الفرنسيين يعتقدون أن الروسيين أغنياء.

– وبعد ذلك؟

– إن معلمة فرنسية كمدلين إذا طمعت بزواج رجل واسع الثروة نبيل لا يمكن إلا أن تحبه.

– ماذا تعنين؟

– أعني أنها عندما رجعت إلى باريس، عرفت حقيقة حبك وعلمت أن عائلتك قد فقدت ثلاثة أرباع ثروتها، ولما رأت ذلك انفتح لديها مجال للتأمل والتروي.

فأجابها بلهجة الاحتقار: إن مدلين لا تحسب هذا الحساب.

– أتظن؟

– بل أؤكد.

– ولكني قلت لك: إنها ستتزوج.

– بمن؟

– بالفيكونت كارل دي مورليكس.

فأدرك إيفان كل شيء وقال: تبًّا له من شقي منافق.

فابتسمت فاسيليكا ابتسام الهازئ وقالت: أتريد يا ابن عمي العزيز أن تنظر مدلين النظرة الأخيرة قبل أن تدعى الفيكونتس دي مورليكس.

فصاح إيفان صيحة فرح وقال: إذا تيسر لي أن أراها فإني أمنع هذا الزواج دون شك.

فضحكت وقال: ذلك شأنك لا شأني.

– إنك من أشد النساء، ولا أشهى لديك من الانتقام.

– ربما …

– غير أنك لو كنت كريمة الأخلاق …

– ماذا كنت أعمل؟

– كنت تقتليني الآن بمسدسك؟

– كلا فإني أريد لك الحياة وأحب أن ترى مدلين.

– أحقًّا ما تقولين؟

– دون ريب.

– أين هي الآن؟

– في بيت مورليكس.

– هي، مدلين في منزله؟!

– نعم …

– وتقولين: إنك تسمحين لي بالخروج من هنا؟

– أقسم بشرفي على صدقي فيما أقول.

– متى أخرج من هنا؟

– متى رضيت أن تخرج منه كما دخلت إليه.

– لم أفهم ما تقولين.

– إنك دخلت إلى هنا وأنت نائم أليس كذلك؟

– نعم …

– وستخرج نائمًا كما دخلت بمخدر أسقيك إياه.

ثم أشارت إلى بيريتو الذي كان واقفًا معهم ففهم قصدها وانصرف.

أما إيفان فقد قال لها: إني أرضى بما تريدين ولكني أسألك ألا تريدين تسميمي؟

فأجابت: إني أقسم لك بعائلتي التي هي عائلتك إني لا أريد بك شيئًا من هذا.

وبعد هنيهة عاد بيريتو يحمل على صينية زجاجة فيها نبيذ أصفر وكأسًا فارغًا، فصبت النبيذ بالكأس وأمرت خادمها أن يقدمها لإيفان.

فتردد إيفان هنيهة عن شربه إلى أن قالت له: لا رجاء لك برؤيتها إلا إذا شربت ما في الكأس.

فأخذ الكأس عند ذلك وشرب ما فيها جرعة واحدة، ولم يكد يستقر الشراب في جوفه حتى صعق وسقط على الأرض لا يعي.

فالتفتت عند ذلك فاسيليكا إلى بيريتو وقالت له ببرود: اذهب الآن.

ثم خرجت من ذلك القبو وقد غادرت فيه تلك الجثة البالية وإيفان منطرحًا أمامها لا حراك فيه.

٢٦

ولنعد الآن إلى روكامبول، فإنه بعد أن وجد أجينور جعل يهتم بالبحث عن إيفان.

وقد كانوا وجدوا آثاره من منزل طبيب المجانين إلى شارع الصليب الأحمر وهناك فقد نويل أثر مركبة مورليكس كما يذكر القراء.

ثم رآها بعد ساعة في شارع الحمامة القديمة غير أن إيفان وفاسيليكا لم يكونا فيها.

ثم رآها بعد ساعة في شارع كاسيت وقصر اهتمامه على البحث عنه في ذاك الشارع.

ثم خطر له ذاك الكلب الذي أعان مربون على اقتفاء أثر بوليت وعرف منه موضع الكولونيل جيبين فقال في نفسه: إن الكلب أيضًا قد يساعدنا على اقتفاء أثر إيفان إذا أطلقناه في أثر فاسيليكا.

وكانت تقيم في الشانزليزه في اليوم التالي لخصامها مع باكارا وخروجها من منزلها، ولكنها لم تكن تبرح منزلها الجديد إلا نادرًا.

وكان روكامبول قد بث الأرصاد ووضع الجواسيس حول منزلها، فلم يرها أحد خرجت من منزلها إلا مرات قليلة حيث كانت تخرج ماشية على الأقدام فتتنزه هنيهة ثم تعود، وكانت على أشد الحظر كما كان يظهر من تلفتها حين ذهابها وإيابها كي ترى إذا كان يتبعها أحد.

وبعد أن مر بها ثلاثة أيام على هذه الحال كتب إليها مورليكس يستدعيها فعزمت على الذهاب إليه.

ولما خرجت جعلت تتلفت عن يمينها ويسارها، فلم تجد ما يحمل على الشبهة ولم تر غير بنائين كانا جالسين في ظل باب يأكلان خبزًا أسود، وأمامهما كلب يرميان إليه فتاة ذلك الخبز من حين إلى حين فلم تحفل بهما وظلت سائرة على قدميها حتى بلغت محطة المركبات، فركبت وسارت بها إلى منزل كارل.

فأطلق أحد البنائين الكلب في أثرها وقال له: ابحث عن هذه المرأة.

فهرول الكلب حتى بلغ المركبة وجعل يسير وراءها مقتفيًا آثارها.

وبعد حين عاد الكلب إليهما فأمراه أن يسير أمامهما إلى حيث وقفت المركبة وتبعاه حتى وصلا إلى منزل مورليكس، فوقفا بإزاء المركبة التي كانت واقفة عند الباب.

وكان هذان الرجلان روكامبول ونويل وهما متنكران بملابس البنائين، فقال روكامبول: هذا منزل مورليكس ولا بد أن يكون أجينور فيه الآن؛ لأني أرسلته لمقابلة عمه فعسى أن لا يجتمعا.

ثم قال له بعد أن افتكر هنيهة: اذهب الآن إلى هذه القهوة الكائنة أمام الثكنة وعد إلى هنا بعد ساعة.

فرد عليه نويل: وماذا أنت صانع؟

– إني سأنصرف أيضًا؛ لأني أخشى إذا بقيت أن تراني فاسيليكا، إذ قد تعرفني مهما بالغت في التنكر.

ثم تركه وانصرف، فأخذ نويل الكلب وسار به إلى تلك القهوة التي أخبره عنها روكامبول.

وبعد ساعة عاد نويل بالكلب إلى قرب منزل مورليكس كما أمره روكامبول، فما لبث الكلب أن شم التراب حتى علم أن فاسيليكا خرجت من المنزل فسار في أثرها وتبعه نويل.

فسار الكلب في شارع هوسمان حتى بلغ شارع ملهرب، وهناك نظر إلى نويل، فأشار إليه نويل أن يسير في أثر المركبة فامتثل، وما زال يسير حتى دخل في شارع كاسيت ووقف عند ذلك المنزل الذي حبست فيه فاسيليكا إيفان، فجعل يضرب بيديه بابه فعلم نويل أن فاسيليكا داخل هذا المنزل وأن إيفان مسجون فيه.

وعند ذلك أشار له نويل بيده إلى الجهة التي ترك فيها روكامبول أمام منزل مورليكس، وقال له: اذهب وادع الرئيس …

فانطلق الكلب انطلاق السهم وجعل نويل يطوف حول المنزل، وهو يحمل عدة البناء ويراقب ذلك المنزل أتم المراقبة.

وفيما هو يطوف حول المنزل، إذ رأى بابه انفتح وخرج منه رجل ما لبث أن رأى نويل، حتى ظهرت على وجهه علائم السرور، وكان هذا الرجل بيريتو.

أما نويل فإنه تظاهر أنه لم يره وظل سائرًا في طريقه.

فأسرع بيريتو في اقتفائه وهو يناديه: أيها البناء قف إني في حاجة إليك.

فالتفت نويل إليه وهو يتكلف هيئة الانذهال وقال له: تدعوني أنا؟

– نعم أيها الرفيق فإني محتاج إليك.

– ماذا تريد مني؟

– أريد أن أشغلك إن كان لا شغل لك.

– لقد أخطأت فإني ذاهب إلى عملي.

– نعم، ولكنك تشتغل كل يومك فلا تكسب أجرة يوم، بيد أنك ستشتغل عندي ساعة فقط.

– كم تعطيني؟

– عشرين فرنكًا …

فاندلع لسان نويل وتظاهر بالفرح الشديد وقال: أحقيقة ما تقول؟

– نعم وهو ذا البرهان.

ثم أعطاه عشرين فرنكًا، وقال له: إننا نمنحك ضعف هذا الجزاء، إذا أتقنت العمل.

– ولكن ماذا تريدون أن أعمل؟

– سوف ترى فاتبعني.

فتبعه نويل حتى دخلا باب المنزل، فأغلقه بيريتو وقال لنويل: إنك تعلم يقينًا أن مثل هذه الأجرة لا تدفع عن شغل ساعة، إلا لعمل سري.

ثم أخذ منديلًا من جيبه ودنا منه فذعر نويل وقال له: ماذا تصنع؟

– إني أريد أن أعصب عينيك كي لا ترى طريق المكان الذي ستشتغل فيه، فإذا لم يرق لك ذلك أرجع لي ما دفعته إليك.

– ليكن ما تريد فاعصب عيني.

فعصب بيريتو عينيه ثم أخذ بيده وقال له: اتبعني.

٢٧

عندما صعق إيفان المخدر الذي شربه، وطلبت فاسيليكا إلى بيريتو أن يحضر لها بنَّاء قال لها الخادم: ماذا تريد سيدتي من البنَّاء، ألعلها تنوي سد باب القبو؟

– كلا بل أبغي عكس ذلك وهو أني أريد أن أفتح نافذة فيه.

فنظر إليها بيريتو بانذهال شديد حتى أوشك أن يتهمها بالجنون.

فقالت فاسيليكا: ألا ترى قبة هذا القبو؟

– نعم يا سيدتي.

– إنه يوجد فيها حجران كبيران إذا أرشدت البنَّاء إلى موضعهما يستطيع أن ينزعهما في الحال.

– ولكن هذا القبو يا سيدتي يبعد ثلاثين قدمًا عن سطح الأرض.

– ماذا تعني؟

– أعني أنه إذا كان القبو في جوف الأرض فأية فائدة من النافذة، وعلى أي مكان تشرف؟

فلم تتدان فاسيليكا إلى إجابته، وقالت له بلهجة السيادة: اذهب وائتني ببنَّاء.

فامتثل بيريتو وأخذ المصباح فمنعته وقالت له: دع المصباح في مكانه؛ لأني باقية هنا ولا تساوم البنَّاء فادفع له ما يريد، ولكن احذر أن تدعه يعرف طريق القبو، ولا تدخله إلا معصوب العينين.

ولما ذهب بيريتو بقيت فاسيليكا وحدها تنظر إلى إيفان المنطرح أمامها وشفتاها تبسمان لما أدركته من لذة الانتقام.

ولبثت قريرة العين ناعمة البال بهذا المنظر إلى أن عاد بيريتو ومعه نويل يحمل عدة البناء وهو معصوب العين.

فنظرت فاسيليكا إلى بيريتو وأشارت إليه إشارة، فحمل إيفان ووضعه وراء الجثة، وطرحت فاسيليكا فوقه رداء كبيرًا فاحتجب عن الأنظار، ثم أمرت بيريتو بإشارة أخرى أن يقف أمام الجثة كي يحجبها أيضًا عن نظر نويل.

ولما فرغت من ذلك دنت من نويل وفكت عصابة عينيه، فتكلف نويل مظاهر الخوف الشديد، وجعل ينظر نظر الوجل والرعب إلى جميع ما ظهر له.

فقالت فاسيليكا: اطمئن أيها الرجل فليس هنا ما يخيف.

– ماذا تريدين أن أصنع لك يا سيدتي؟

– إن الأمر بسيط، اصعد فوق هذه الطاولة وخذ بيدك المطرقة؛ لأني أريد أن تفتح نافذة في قبة هذا القبو.

فصعد نويل وضرب السقف بالمطرقة ثم قال: إن الحجر صلب يا سيدتي.

– ليس في كل مكان فاضرب هنا.

ثم أشارت له بيدها إلى موضع عينته فبدأ العمل، وما لبث ساعة حتى فتح بتلك القبة منفذًا متسعًا يستطيع أن يمر به إنسان.

وكان بيريتو يراقب عمله وهو يذوب شوقًا إلى معرفة ما وراء هذا المنفذ، ولكنه لم ير منه غير ظلام حالك، وعلم أن فوق هذا القبو قبوًا آخر يتصل به من هذه النافذة.

أما نويل فإنه لما فرغ من عمله هذا نظر إلى فاسيليكا كأنه ينتظر أوامر جديدة.

فقالت له فاسيليكا: لم نعد في حاجة إليك فانزل.

ثم قالت لبيريتو: كم وعدت هذا الرجل أن تعطيه؟

– أربعين فرنكًا.

فأخذت فاسيليكا من جيبها ورقة مالية قيمتها مائة فرنك، وأعطتها لنويل.

فتظاهر نويل بسرور لا يوصف وجعل يقلب الورقة بين يديه بمظاهر العجب، حتى إن فاسيليكا لم تتمالك عن الضحك وقالت له: إنك تستطيع الآن أن تذهب؛ لأن شغلك قد انتهى.

فجاءه بيريتو وعصب عينيه ثم أخذ بيده وقال له: اتبعني.

•••

ولنعد الآن إلى روكامبول، فإنه بينما كان نويل يشتغل في ذلك القبو، كان روكامبول يسير وراء الكلب الذي أرسله نويل إليه.

فما زال يسير حتى وصل إلى شارع كاسيت ووقف أمام باب ذلك المنزل المسجون فيه إيفان.

فعلم روكامبول أن فاسيليكا فيه، وذهب إلى منعطف الشارع فكمن هناك وهو ينظر إلى المنزل مفكرًا، ولكنه لم يطل التفكير فإنه عرف البيت وذكر حوادث جرت له فيه.

وبعد هنيهة رأى نويل خارجًا من الباب يقوده بيريتو ورآه يفك عصابة عينيه، فلما فرغ منه أطلق سراحه وعاد إلى المنزل.

فصفر روكامبول لنويل صفيرًا عرفه، فجاء إليه وخلا الاثنان فقال له روكامبول: ماذا كنت تصنع؟

– إني كنت أشتغل بحرفتي، ولكني رأيت أمورًا لم أفهم منها شيئًا إلى الآن.

ثم قص عليه جميع ما اتفق له، وإنه تمكن أن يزيح العصابة قليلًا عن عينيه وهو في القبو، فرأى رجلًا صريعًا ملقيًا في زاوية القبو، ورأى فاسيليكا طرحت فوقه رداء كبيرًا، ثم أخبره أنه رأى أيضًا في ذلك القبو جثة بالية.

وسأله روكامبول: أما علمت لماذا فتحت النافذة في سقف القبو؟

– كلا.

– ماذا كان وراء الثقب؟

– لا أعلم.

– أما ذكرت هذا البيت الذي دخلت إليه؟

– كلا، لأني ما عرفته من قبل.

فوضع روكامبول يده فوق جبينه كمن يتذكر أمرًا ثم قال: نعم إنك لا تعرف هذا البيت؛ لأنك لم تكن يوم حوادثه في عصابة السير فيليام، حينما دخلت أنا وإياه.

ثم أخذ بيده وقال: هلم بنا إلى هذه الحانة، نشاهد منها كل من يدخل إلى المنزل ويخرج منه، وأقص عليك ما جرى لنا من الحوادث، أيام الغرور.

٢٨

كان روكامبول ونويل متنكرين بملابس البنائين فلم يكترث لهما أحد من الذين كانوا في تلك الحانة.

وقد طلب روكامبول إلى الخمار زجاجة من الخمر وجلس يتعاطاها مع رفيقه في زاوية من الحانة، ويرقب من نافذتها باب منزل فاسيليكا.

وقد دار الحديث بينهما كما يأتي، فقال روكامبول: تقول: إنك رأيت هيكلًا من العظام في القبو مشدودًا إلى الجدار؟

– نعم.

– وإنك رأيت رجلًا يشبه النائمين كان منطرحًا على الأرض؟

– نعم أيها الرئيس.

– أأنت واثق أنه لم يمت؟

– لقد حسبته ميتًا في بدء الأمر وإنهم لم يحملوني على فتح النافذة في قبة القبو إلا لتكون قبرًا له ولكن …

– ولكن ماذا؟

– ولكنهم لم يسألوني سدها، فاستنتجت من ذلك أن الرجل نائم غير ميت.

– وأنا أرى ما تراه، وأظن أن هذا الرجل النائم هو ذلك الشاب الروسي الذي نبحث عنه، وأن فاسيليكا لم تقتله وأنها لم تعد له انتقامًا شرًّا من كل قتل.

– إذن قص علي يا سيدي الرئيس حكاية هذا المنزل، التي وعدتني بحكايتها.

– هذه هي فاسمع، إن هذا المنزل الذي دخلت إليه، بقي دهرًا طويلًا مهجورًا لا يسكنه أحد وكان له سمعة سيئة تنفر عنه الناس، ويظهر أن هذه الوصمة لا تزال لاحقة به؛ لأن الحوادث الفظيعة لا تزال تجري فيه.

– من كان صاحب هذا البيت؟

– امرأة عجوز كانت تقيم في الريف ولم تعد إلى باريس منذ ثورة يوليو سنة ١٨٣٠.

– وهل استأجره أحد بعدها؟

– لم يستأجره أحد قبل سنة ١٨٤٠ وبقي مهجورًا عشرة أعوام، وقد ماتت العجوز وتركت المنزل لورثتها.

أما تلك العجوز فقد كانت في أيام صباها حسناء وكان لها زوج يبالغ في الغيرة عليها مبالغة تزهق الأرواح.

وقصتها تبدأ في سنة ١٨٠٠ — أي في بدء عهد الإمبراطورية — فإن زوجها كان من الضباط ولم يكن يستطع العسكريون في عهد نابليون الأول أن يقيموا مع زوجاتهم لكثرة؛ لانشغالهم بالحروب.

وكان هذا الضابط في ذلك العهد في ألمانيا مع جيش نابليون المنتصر فورد إليه كتاب دون توقيع يخبره بأن امرأته تخونه.

فترك الجيش وهرول إلى باريس ولم يحضر إلى منزله، لكنه استأجر منزلًا مجاورًا لمنزلها وأقام فيه يراقبها وهي لا تعلم شيئًا من أمره.

وكان لهذه المرأة الخائنة خليل يزورها كل ليلة؛ فانتظرته في إحدى الليالي حسب عادتها ولم يحضر، واتفق لها مثل ذلك في اليوم التالي. ثم تعاقبت عليها الأيام والليالي وهي لا تقف على أثر من آثار هذا العاشق المنكود.

ثم تغير نظام المملكة وسقطت الإمبراطورية ورقي زوجها الضابط إلى رتبة جنرال في باريس، فأقامت معه أعوامًا طويلة دون أن تسمع منه كلمة تعنيف أو تبدر منه بادرة تشير إلى أنه يشك بطهارتها.

غير أن حبها لعشيقها كان قد بات ملء نفسها الفاسدة فرق جسمها لفراقه، واشتد هيامها حتى باتت تشتهي الموت كل حين.

وكان أشد ما يشغلها أنها لم تكن تعلم إذا كان هذا العاشق ميتًا فتبكي شبابه أو حيًّا فتبكي ولاءه.

وفي سنة ١٨٣٠ قتل زوجها الجنرال في شوارع باريس فبرحت الأرملة ذلك المنزل، وكان لها منزل آخر في شارع باريس لورين، فأقامت فيه إلى أن أدركتها الوفاة.

– أماتت دون أن تعرف مصير عشيقها؟

– هكذا يظهر.

– ولكن ماذا جرى لهذا العاشق؟

– جرى له أمر هائل، وذلك أنه كان للجنرال خادم يخلص له غاية الإخلاص، فقبض الاثنان على العاشق في ليلة كمنا له فيها في حديقة المنزل، فسدَّا فمه كي يمنعا صراخه وقيدا يديه ورجليه.

ثم حملاه إلى ذلك القبو الذي خرجت منه الآن، فوضعا قيدًا في عنقه ورجله وربطا هذا المسكين بسلسلة في الجدار.

– إذن هذه الجثة التي رأيتها كانت جثته؟

– نعم.

– وقد مات في هذا القبو؟

– دون شك، ولكن ليس هذا كل الحكاية فاصغ إلى النهاية.

إني عندما كنت أشتغل في عصابة أندريا المقلب بالسير فيليام، كان هذا الزعيم الهائل لا ينظر مرة إلى منزل هذه المرأة إلا تخامره الظنون بعزلة أصحابه ويقول: لا بد لهذه العزلة والسكينة من أسرار غامضة، ولا بد أن تكون الكنوز مخبوءة في هذا المنزل، فتهيج منه عوامل الشر حتى تتغلب عليه ويتأهب لجلاء الغامض عن هذه الأسرار.

إلى أن قال لي يومًا: قد تحققت أنه لا يوجد في هذا المنزل غير خادم عجوز لا يخرج منه على الإطلاق، فإذا شئت دخلنا إليه ولا بد أن يكون فيه مال كثير.

أجبته: إن الأمر إليك، ودخلنا في ليلة حالكة إلى المنزل بعد أن فتحنا أبوابه بمفاتيح خاصة ووجدنا الشيخ مقيمًا في غرفة أقفل بابها وكان ينبعث منها نور ضعيف.

فدنا أندريا من الباب ووضع عينيه على ثقبه فرأى الشيخ لا يزال ساهرًا، وكان راكعًا أمام صليب وهو يصلي بصوت ضعيف ويقول: «يقال إن الأموات لا تحضر أرواحهن إلى الأحياء، فإذا كان الحق ما يقولون فابعث لي بروحك كي تحلني من تلك اليمين التي حلفتها، فأدفن بقايا هذا المسكين.»

فلما سمع أندريا هذه الأقوال أحب أن يدرك أسرارها؛ فرفس باب الغرفة فانفتح.

وهجم على الشيخ بخنجره قبل أن يتمكن من الصياح، وقال له: إذا فهت بكلمة فأنت من الهالكين.

فذعر الشيخ وبلغ منه الخوف مبلغًا شديدًا فباح لنا بكل شيء، ونزل بنا إلى القبو وأرانا تلك الجثة المقيدة بالسلاسل.

ثم ضرب يده على الجدار وقال: يوجد وراء هذا القبو قبو آخر وقد ثقبه الجنرال زوج المرأة ووضع في القبو الثاني بابًا صفحه بمرآة طويلة إذا فتح أشرف على الحديقة، ووضع فوق الثقب مرآة تقابل المرآة الأولى، فإذا فتح باب القبو المشرف على الحديقة وفتح ثقب هذا القبو تنعكس أشعة المرائي فيرى المقيم في القبو تلك الحديقة ومن يكون فيها.

وقد عاش صاحب هذه الجثة عشرة أعوام، ولما مات سدت الثقب كي لا تعرف أسراره.

فقاطع نويل روكامبول وقال: إني لا أفهم هذه الألغاز.

– إن الأمر واضح، إن النافذة التي فتحتها في القبو بإرشاد فاسيليكا هي نفس الثقب الذي فتحه الجنرال ووضع فيه تلك المرائي في القبو الآخر المشرف على الحديقة.

وقد كان عقاب الجنرال لصاحب هذه الجثة الذي كان يعشق امرأته عقابًا هائلًا لا يخطر على بال إنسان.

إن هذا المنكود أقام في القبو عشرة أعوام وكان يحضر له طعامًا كل يوم ولكنهم ينقصونه بالتدريج حتى مات جوعًا.

وليس هذا كل عقابه بل إنه كان يرى كل يوم امرأة الجنرال تتنزه في الحديقة كئيبة حزينة لاحتجابه، وهو يراها من الثقب المفتوح بواسطة انعكاس أشعة المرائي.

– ولكنه عقاب هائل لم يرو مثله في القرون الغابرة.

– هو ما تقول، ويظهر أن فاسيليكا قد عرفت سر هذا القصر، وأنها تعد لإيفان عقابًا شبيهًا بعقاب الجنرال، ولكني لا بد لي أن أعلم كيف وقفت على سره.

– وما صنعتم بالخادم العجوز؟

– طعنه أندريا بخنجره طعنة قاتلة ثم نهبنا البيت وخرجنا.

ولم يكد روكامبول يتم حديثه حتى رأى باب المنزل قد انفتح، وخرجت منه فاسيليكا فقال لنويل: ها هي خرجت فاذهب في أثرها.

فامتثل نويل واقتفى أثرها حتى رآها ركبت مركبة، ثم عاد إلى روكامبول، وأخبره بما رآه، فقال له: هلم بنا إذن إلى دخول هذا المنزل.

٢٩

حسب روكامبول ونويل أنه لا بد للكونتس فاسيليكا من مدة ساعة على الأقل؛ كي تذهب إلى منزلها في الشانزليزه وتعود إلى منزلها في كاسيت، هذا إذا كانت تنوي العودة إليه، وهذه المدة كافية للدخول إلى المنزل وتفقد القبو.

فذهب إلى الباب وقرع الجرس المعلق بسلسلة بارزة مدلاة غير أن الباب لم يفتح فقرعه نويل ثانية وثالثة فلم يجبه أحد.

ولكن الباب الكبير فتح رتاجه، وبرز منه وجه بيريتو، فأسرع روكامبول إلى الاختفاء وراء الباب كي لا يراه، ولم يبق ظاهرًا له غير وجه نويل.

فانذهل حين رآه وقال له: ماذا تريد ولماذا تقرع الباب؟

فتكلف نويل هيئة الحزن والكآبة وقال له: أرجوك أن تعذرني يا سيدي إني لم أعد إليك إلا لأني أصبت بويل عظيم.

– كيف ذلك، وماذا دهاك؟

– ألم تعطني تلك السيدة الجميلة ورقة مالية قيمتها مائة فرنك؟

– نعم.

– إني أضعتها وا أسفاه.

– ويحك أين أضعتها؟

– لا أعلم ولكني أظن أني فقدتها على السلم أو في صحن الدار.

– إذن عد بعد ساعة فسأبحث عنها وإن وجدتها أرجعتها لك.

ثم أغلق الرتاج بوجهه وانصرف.

ولكن هذا الذي كان يريده نويل فإنه تمتم بعض كلمات شكر ونظر روكامبول كأنه يستشيره فيما ينبغي أن يفعل.

وكان روكامبول مقطب الحاجبين يظهر منه أنه كان يتذكر أمرًا بعيدًا، سار بنويل بضع خطوات وقال له: أهذا الذي عصب عينيك؟

– نعم أيها الرئيس؟

– إذن فهو خادم فاسيليكا.

– دون شك.

– أما هو قصير القامة عريض المنكبين أسود الشعر خفيف اللحية؟

– هو بعينه.

– لقد عرفته من صوته.

– إذن أنت تعرفه من قبل؟

– نعم، وسر بنا الآن.

– إلى أين أرجعت عن عزم الدخول إلى المنزل؟

– ألا ترى أنه لا يريد أن يفتح؟

– أأطرق الباب أيضًا؟

– كلا، لقد قال لك: أن تعود بعد ساعة.

– أتريد أن أعود إليه؟

– سأعود معك.

وبينما كان روكامبول ونويل يبتعدان، كان بيريتو واقفًا وراء الباب وقد ذعر لعودة ذلك البنَّاء، فإنه كان واثقًا من أن نويل يكذب فيما ادعاه من ضياع الورقة؛ لأنه رآه قد وضعها في طرف منديله وعقد عليها ووضعها في جيبه، فاضطرب لرجوعه وحمله على محامل الشر.

وكان بيريتو هذا جريئًا مقدامًا إلا حين يلتقي بعدو شديد فيضعف أمامه وتذهب جرأته، وقد كان سمع من فاسيليكا أن رجلًا هائلًا يسعى إلى إنقاذ إيفان وأن هذا الرجل يدعى روكامبول.

فاستولى عليه الخوف حين رأى نويل عائدًا إليه وكان اضطرابه شديدًا، حتى إنه حين أغلق رتاج الباب أي نافذته التي في داخله في وجه نويل نسي أن يقفلها بالمزلاج.

وقد قال في نفسه إن الكونتس لديها مفتاح للباب، وأنا لا أنتظر أحدًا فإذا عاد البناء فليطرق الباب قدر ما يشاء فإني لا أفتح له، ثم ذهب إلى إحدى غرف المنزل وانزوى فيها يضرب أخماسًا لأسداس.

وبعد ساعة عاد نويل وروكامبول فحاول نويل أن يدق الجرس، غير أن روكامبول منعه؛ لأنه لاحظ أن نافذة الباب غير محكمة الإقفال.

وكان ذلك الشارع مقفرًا لا ينتابه أحد، ففتح روكامبول تلك النافذة ومد يده منها إلى مزلاج الباب، فرفعه ورفس الباب فانفتح، ثم دخل الاثنان وأقفلا ذلك الباب.

وكان بيريتو جالسًا في تلك الغرفة التي أكل فيها مع فاسيليكا، ولكنه فتح النافذة المشرفة على الردهة.

ولم يكد ينظر منها حتى دنا روكامبول ونويل من تلك الغرفة، فسمع وقع أقدام فحسب أن فاسيليكا القادمة وأسرع إلى فتح الباب لاستقبالها.

ولكنه ما لبث أن فتحه حتى شاهد نويل مسلحًا بمطرقته وروكامبول بمسدسه فجعل يصيح ويستغيث.

ولم يطل صراخه، فإن روكامبول هجم عليه فضغط على عنقه، وقال له: اسكت أو أقتلك.

ثم أخذه بيده وقاده إلى تلك النافذة لكثرة نورها وقال له: تفرس في وجهي وانظر إليَّ بإمعان، أما عرفتني؟

فصاح بيريتو صيحة رعب وقال: أأنت المائة وسبعة عشر؟ (اسم روكامبول في سجن طولون).

– نعم، أنا هو، ألا تذكر حين كنا مقيدين في سجن طولون بسلسلة واحدة ثم التفت إلى نويل وقال له: أما عرفته؟

– كلا، إني ما رأيته في ذلك السجن.

– لقد أصبت، فإنك لم تحضر إلى طولون إلا بعد عام من قدومي إليها، وكانت قد انقضت مدة سجن هذا اللص حين قدومك، ولكني تقيدت معه في قيد واحد مدة شهرين.

أما بيريتو فقد كان شديد الذعر، فقال له روكامبول: لقد عرفت أني كنت أدعى ١١٧، ولكنك لم تعرف أني أدعى أيضًا روكامبول …

– أنت روكامبول؟

– نعم أنا هو، وإني أخيرك الآن بين أمرين وهما: إما أن تكون من رجالي المخلصين بملء الطاعة والانقياد، وإما أن أغمد خنجري في صدرك.

فلم يتردد بيريتو بالجواب وقال: إني أطيعك ولا أحب إلي من الاندماج في سلك عصابتك، ولو كنت أعرف مكانك لما فضلت خدمة هذه المرأة على خدمتك.

وعند ذلك قرع الجرس فذعر بيريتو وقال: هو ذا السيدة قد عادت.

– أهي الكونتس فاسيليكا؟

– نعم.

– إذن يجب أن تخبئنا كي لا ترانا.

فاتقدت عينا بيريتو بأشعة خاطر خطر له وقال للاثنين: قفا هنا.

وأشار لهما أن يقفا في ذلك القسم المتحرك من الغرفة، ففعلا ثم أسرع إلى الجدار وأدار لولبًا فيه، فهوت أرض الغرفة وتوارى روكامبول ونويل عن الأنظار.

٣٠

مضى على هذه الحادثة المقدمة يومان كان كارل دي مورليكس وفاسيليكا يجتمعان في خلالهما مرات كثيرة.

وكان هذا الشيخ الفاسد الأخلاق قد استحالت أخلاقه، ولم تعد بادية على وجهه ظواهر القلق واضطراب النفس؛ ذلك لأن أجينور قد اتفق وإياه، فوافق على أن لا يعارض زواجه بمدلين إذا رضيت بهذا الزواج.

أما مدلين فإنها كانت لا تزال تدعوه خالها، لكنها لم تعد تردد اسم إيفان حسب العادة، فحسب كارل أنها قد بدأت بنسيان عشيقها، وأن إيفان قد أساء إليها إساءة لا تغتفر لعدم بحثه عنها.

ثم إن فاسيليكا أقسمت له أنها ستزوجه مدلين، وكان يثق بها ثقة شديدة فاطمأن خاطره.

إلا أن فاسيليكا لم يرق لها إلا تعكير صفائه وتكدير أمانيه، فإنها جاءت إليه في الصباح وقالت له: إن كل شيء قد تهيأ وقد أعددت لك في منزلي كل ما يروق ولم يبق إلا إقناع مدلين على الذهاب إلى هذا المنزل.

فسر كارل وقال: إنها تسير معي إلى حيث أشاء إذ لم تعد تجفوني ذلك الجفاء القديم.

– إذن كل شيء يجري وفق ما تريد ولكن …

فاضطرب كارل وقال: ولكن ماذا؟

– إني أخشى روكامبول.

– ألا تزالين تخافيه؟

– نعم … وإني أخشى أيضًا الكونتس أرتوف؛ لأن أنطوانيت لا تزال عندها.

– لا سبيل إلى الخوف منها ما زال أجينور مواليًا لي.

– إنك مخطئ في اعتقادك ولو سمعت نصيحتي، لفعلت ما أشرت به عليك.

– بما أشرت علي؟

– باتباع الطريقة التي تغل يد روكامبول.

– وما هي؟

– هي أن تصيب أحد أحبائه بمكروه شديد يشغله عنا.

– نعم، أذكر ذلك ولكني أرى أنه لا فائدة منه.

– إن العاقل يجب أن يحذر ويتوقع كل شيء، فإن السفن قد تغرق في الموانئ وهي تحسب نفسها آمنة فيها.

– لقد أصبت، ولكن ماذا يجب أن أفعل! … أأقتل الوالد أم اختطف الولد؟

– إني أؤثر اختطاف الولد، فإنه بينما يكون روكامبول يجد في البحث عنه أكون أنا قد انتقمت من إيفان وأنت تزوجت مدلين، وهو مشتغل عنا بالتفتيش عن الغلام.

– سأفعل ما تشائين إذا كان لا بد من اختطاف الولد.

فابتسمت فاسيليكا ابتسام الساخر، وقالت: يظهر أن سوء التفاهم قد اشتد بيننا.

– كيف ذلك؟

– ذاك أني أسدي إليك نصائح ولا ألقي عليك أوامر، فإني أصبحت واثقة من الظفر بانتقامي، وما أشير عليك به الآن محض الإخلاص.

وما عسى أريد أنا سوى تعذيب ذاك الأبله الذي رفض غرامي تعذيبًا شديدًا قبل موته؛ لأني أعددت له موتًا هائلًا …

وقد حان زمن انتقامي الرهيب، أما أنت فإنك لم تجر خطوة في سبيل أغراضك.

فقال كارل وقد بدت عليه ملامح الاضطراب: ألعله يوجد من يوقفني في هذا السبيل؟

– يوجد رجل واحد وهو روكامبول، واصغ إلي الآن، فلقد سمعت ابن أخيك يقول لك منذ يومين: إن مدلين هربت من قصر الكونتس أرتوف والتجأت إليك.

– ماذا تريدين بذلك؟

– أريد أني لا أصدق هذه القصة، فإن تلك الفتاة التي تشبه مدلين لا يزال أمرها مثيرًا لظنوني، فإني ما رأيت واحدة من هاتين الأختين، وأظن أني إذا رأيت تلك الفتاة التي عندك أعرف الحقيقة لأول نظرة.

وقاطعها كارل مبتسمًا: سأزيل شكوكك.

ثم نادى أحد الخدم وقال له: قل للسيدة مدلين أن تحضر إلي.

وبعد هنيهة جاءت مدلين وكانت لابسة ملابس غاية في البساطة.

فقال لها كارل بلهجة حنو أبوي: إني دعوتك كي أعرفك بالكونتس واسرنوف لشدة اتصالها بأسرة بونتيف.

فصاحت كلوريند صيحة فرح وضغطت بيدها على يد فاسيليكا.

غير أن فاسيليكا، لم تكن من النساء اللواتي يؤخذن فجأة بمثل هذه الظواهر.

وكانت تحب إيفان فهي بالطبع تكره مدلين، ونظرت إليها نظرة هائلة ذعرت لها حتى إن كارل نفسه اضطرب، غير أنها رأت أنها قد جرت شوطًا بعيدًا، فعادت إلى الابتسام وقالت لها: اطمئني أيتها الآنسة فإني قد رجعت عن حب إيفان.

فأجابتها كلوريند بصوت تبينت منه لهجة الالتماس: إنك ما زلت تظهرين بهذه المظاهر النبيلة فكوني يا سيدتي كريمة للنهاية.

– إنك تريدين أن تعلمي أين هو إيفان، أليس كذلك؟

فضمت كلوريند يديها كما يفعل المتلمس وقالت: نعم، نعم يا سيدتي فقولي بالله أين هو …

– إذن فأنت تحبينه؟

– حبًّا أكيدًا صادقًا تضيق به الصدور.

فابتسمت وقالت: إني أعدك بإرشادك إلى مكانه فاحضري غدًا إلى منزلي في شارع كاسيت.

– مع خالي؟

– دون شك، وسأخبرك بأنباء إيفان، وأرجو أن تكوني سعيدة وإياه.

ثم نهضت فودعتها وأشارت إشارة خفية إلى مورليكس فقدم لها ذراعه، وسار بها كي يوصلها إلى الباب الخارجي.

ولما اختليا بالحديقة سألها: ألا تزالين على ريبك القديم؟

– نعم، بل إن هذا الريب قد زاد عندي فإن هذه الفتاة تشبه مدلين شبهًا غريبًا وتمثل دورها أبرع تمثيل.

فاضطرب كارل وسألها: ألم تنظري كيف احمر وجهها وارتجفت حين ذكر أمامها اسم إيفان، ثم ألم تسمعي تلك الصيحة التي خرجت من أعماق نفسها سرورًا به؟

– نعم، ولكن …

– ولكن ماذا؟

– إن قلبي لم يمل إلى كرهها، ولم أجد بعد محادثتها من الانقباض ما تجده المرأة حين ترى مزاحمتها فيمن تهواه.

– أهذه كل براهينك؟

– ومع ذلك فصبرًا إلى الغد وسوف نرى.

– وماذا تفعلين غدًا؟

– أخبرك إذا كانت هذه التي عندك مدلين أو كلوريند.

– وكيف تعرفين؟

– ذلك سر لا أبوح به الآن …

ثم ودعته وانصرفت، وقد غادرته مفكرًا مهمومًا فلما دخل إلى غرفته قال في نفسه: إنها مدلين دون شك ولكن يظهر لي أنها هناك … في روسيا لم يكن لها هذا الصوت.

٣١

كانت فاسيليكا ماهرة في تركيب السموم والمخدرات، فإنها أخذت هذه الصناعة عن خادمة لها شركسية، وكانت الخمرة التي شربها إيفان ممزوجة بمخدر شديد صعق إيفان عند شربه، وسقط صريعًا على الأرض كما تقدم.

غير أنه لم يمت بل إنه أصيب بسبات شديد يشبه الموت كما حدث لأنطوانيت حين أخرجها روكامبول من سجن سانت لازار بمخدر، فإن المخدرين كانا واحدًا، إلا أن روكامبول جعله حبوبًا وفاسيليكا جعلته سائلًا.

ولبث إيفان صريعًا ثلاثة أيام حدث في خلالها أمور كثيرة في ذلك القبو، بينما كان نائمًا فيه نوم الأموات.

ثم جعلت أعراض التخدر تزول تباعًا فتبينت في البدء حاسة السمع ثم الشم، ففتح عينيه فوجد المصباح لا يزال يضيء في موضعه من القبة.

ثم وجد الجثة البشرية لا تزال مشدودة في موقعها من الجدار.

وكانت أعضاؤه لا تزال مخدرة بحيث لا يستطيع الوقوف، ولكنه كان يجيل نظره فرأى ثقبًا كبيرًا في سقف القصر لا يخرج منه غير الظلام.

وحار في أمره وقال في نفسه: من ثقب هذا الثقب، وما المراد منه؟ ألعلي أجد به منفذًا إلى الخارج؟

وعاد إليه شيء من الرجاء وجعل يفتكر في ماضي أمره، فذكر أن فاسيليكا وعدته بإخراجه ولكنها قالت له: إنه سيخرج نائمًا كما دخل، وها هو قد استيقظ ولا يزال في القبو، ألعلها كاذبة فيما وعدت؟

ولبث على هذه الحالة ساعتين وهو لا يستطيع الوقوف لما أصابه من التخدير، ثم شعر فجأة أن قواه قد اشتدت فنهض وأسرع إلى كرسي في القبو قد وضعت تحت الثقب وحاول الصعود عليها.

ولكنه قبل أن يصعد رأى أن باب القبو فتح، ودخلت منه فاسيليكا وحدها وهي تحمل مصباحًا بيدها.

فنظر إليها نظرة منكرة ولم ير بيدها ذلك المسدس، وقال: أهكذا يكون وفاء الوعود؟

فابتسمت له وقالت: طب نفسًا، فإني ما أتيت إلا لأفي بوعدي.

– إذن سأخرج من هنا.

فأقفلت باب القبو بسكينة وقالت له: كلا …

– كيف هذا؟ وما هذا المخدر الذي سقيتني إياه؟

– إنه لم يكن بد منه.

– لماذا؟

– لثقب هذا الثقب مدة نومك.

– وما هذا الثقب؟

– إنك سترى منه مدلين، فانظر.

ولم تكد تفوه بهذه الكلمة حتى بزغت الأنوار من ذلك الثقب.

ذلك أنها أدارت لولبًا في الجدار فانعكست أشعة المرائي، فدهش إيفان دهشًا عظيمًا ورأى حديقة المنزل بجملتها قد ظهرت لعينيه.

ثم رأى أشعة الشمس تسطع في تلك الحديقة، ورأى رجلًا وامرأة يتأبط كل ذراع الآخر وهما يتنزهان.

فانقبض صدره انقباضًا شديدًا؛ إذ عرف أن الرجل هو كارل مورليكس، ثم ما لبث أن عرف المرأة أيضًا، وهي مدلين فاصفر وجهه وانحبس نفسه وظهرت ملامح الغضب الوحشي بين عينيه.

وكانت مدلين تبتسم وتدل ظواهرها أنها سعيدة.

أما كارل فكان يظهر لإيفان أنه يضغط على يدها، وأن الاثنين يتحدثان بحديث غرام.

ثم حان الوقت كما يظهر، فأخبر كارل مدلين ذاك الخبر السار عن خطبة إيفان لها كما اتفق عليه مع فاسيليكا، ورأى إيفان من انعكاس تلك المرآة أن مدلين قد طوقت عنق كارل بذراعيها وجعلت تقبله.

فهاج إيفان هياج الضواري وصاح صيحة منكرة، وعند ذاك أدارت فاسيليكا اللولب فاحتجبت الحديقة وانسدل الظلام على الثقب ولم يعد يرى الفتاة ولا الشيخ، بل رأى أمامه ابنة عمه فاسيليكا تبتسم ابتسام المنتصر وتقول له: كيف رأيت يا ابن عمي العزيز أكنت كاذبة فيما قلته لك؟

فضم إيفان قبضته وقال بلهجة القانطين: لا بد لي من قتلها كي تنال جزاء الخائنين.

– كلا، لا حق لك بالانتقام من امرأة لا تحبك.

– إذن كيف تنتقمين مني أنت؟

فضحكت وقالت: إنك مخطئ بما تتهمني به، فإني لا أبغي الانتقام منك بل أحاول أن أعلمك علمًا قد يفيدك في مستقبل الأيام.

– كيف ذلك؟

– بل أردت أن أبرهن لك أنه حين يتدانى رجل له منزلتك ومقامك إلى حب مثل هذه الفتيات، فلا بد له أن يلقى ما يكره، والآن فهات يدك واصفح عني كما صفحت عنك.

– ماذا تقولين؟ أتطلقين سراحي؟

– دون شك ولكن بشرط واحد.

– ما هو؟

– هو إنك لا تحاول أن ترى تلك الفتاة التي عبثت بك والتي ستغدو قريبًا الكونتس دي مورليكس.

– سأفعل ما تريدين ولكني أحب أن أكتب لها على الأقل.

– لماذا؟

– لأخبرها أني بت أحتقرها بقدر ما كنت أحبها.

– فأجابته من غير اكتراث: ليكن ما تريد.

ثم أخذت يده وقالت له: هلم بنا فاتبعني.

وفتحت باب القبو وهي تحمل مصباحًا بإحدى يديها ويد إيفان بيدها الأخرى، وخرجت به فتبعها منقادًا انقياد الطفل إلى أن بلغت به تلك الغرفة التي خسفت أرضها فيه، ورأى في وسطها الطاولة في موضعها الأول غير أنه لم يجد عليها صحون الطعام كالمرة الأولى بل وجد أدوات الكتابة.

فقال له فاسيليكا: اجلس على هذه المائدة واكتب ما تشاء.

فأخذ إيفان القلم وكتب بيد ترتجف من الغيظ ما يأتي:

مدلين

إني أكرهك وأحتقرك فلا تطمعي أن ترينني بعد الآن، فإني مغادر باريس في هذه الساعة.

إيفان

ثم أخذ الورقة ودفعها إلى فاسيليكا.

فأخذتها منه وهي تبتسم، وقبل أن ينهض عن كرسيه أسرعت إلى الجدار وأدارت لولبًا فيه.

وعند ذاك فتحت أرض الغرفة وهبط ذاك القسم الذي كان جالسًا عليه، فهوى به إلى تلك الأعماق السرية.

واستحالت هيئة فاسيليكا، وظهرت عليها ملامح الحقد والانتقام، فقالت تخاطب ذاك المنكود وهو يهوي: إنك لن تخرج من هذا السجن وسأدفنك في القبر حيًّا.

٣٢

لم يعد لإيفان أقل مجال للريب هذه المرة بأنه بات من الهالكين.

وقد كان سقوطه سريعًا حتى إنه لم يستطع أن يفوه بكلمة، فانتقل فجأة من النور إلى الظلمة وشعر أنه استقر على محل لين.

وكان الظلام حالكًا فلم يدر أين هو، وقد حسب لأول وهلة من خسوف أرض الغرفة به أنه سقط في هوة، وأنه سيقع فوق صخور حادة.

غير أنه حين استقر بعد سقوطه اطمأن ونهض فجعل يطوف في ذاك الموضع طوف الأعمى لشدة الظلام، ثم رأى أن نورًا قد انبعث فجأة فأجال نظرًا حائرًا في ذاك الموضع، فاندهش حين رأى أنه سقط في نفس القبو الذي كان فيه.

وقد رأى المصباح في موضعه من القبة والجثة في مكانها من الجدار، ثم رأى ذاك الثقب الذي رأى منه مدلين في الحديقة، فحار في أمره حيرة شديدة وقال: ما هذا الذي أراه؟ أحقيقة ما أنا فيه أم أني من الحالمين؟

ثم هرع إلى الباب فوجده محكم الإقفال، ولكنه وجد الرتاج مفتوحًا فوقف وقفة المضطرب، وذكر كيف سقط وقال في نفسه: لا شك أن فاسيليكا لا تريد موتي ولكنها تريد سجني لأغراض لها.

وعندها وقف أمام الباب وجعل ينادي ابنة عمه بصوت مرتفع.

ولم يطل صياحه حتى وافته ابنة عمه وجعلت تكلمه من وراء الباب المقفل فقالت: إني أتيت يا ابن عمي العزيز كي أقص عليك حكاية قبل أن أودعك الوداع الأخير.

ثم ضحكت ضحك الساخر وقد برقت عيناها بأشعة الانتقام الهائل، فأيقن إيفان أنه قضي عليه بالموت لا محالة فاضطرب اضطرابًا شديدًا على بسالته؛ لأنه لم يعلم أي موت سيموت.

•••

أما فاسيليكا فإنها عادت إلى حديثها وقالت له بلهجة المتهكم: ألا ترى يا ابن عمي العزيز هذه الجثة التي استحالت إلى هيكل من العظام؟

فقال لها باحتقار: ماذا يهمني أمرها إذا كنت لا أخشى الموت، وأي موت أخشاه بعد أن علمت بفضلك خيانة من أحب؟

– لقد قلت الحق فإنك ما عرفت خيانة مدلين إلا بفضلي.

– إذن تعرفين؟

– دون شك، فإني أنا التي أقنعت مدلين من الزواج بكارل مورليكس.

– تبًّا لك من شقية.

– اصغ يا ابن عمي الجميل، فإني سأقص عليك حكاية هذه الجثة.

– لا أريد أن أعرفها.

– ولكنها تفيدك.

فسكت إيفان واستأنفت فاسيليكا الحديث وقالت: كان يقيم في هذا المنزل منذ أربعين عامًا امرأة تخون زوجها.

فقبض الزوج على العاشق وصيره جثة بالية كما تراه، وهو الذي اخترع تلك الآلة التي تظهر فيها حديقة المنزل من ذاك القبو المظلم.

ثم صفقت بيديها ثلاثًا فاستنار الثقب وانعكست أشعة المرائي، فنظر إيفان والعرق البارد ينصب من جبينه، فرأى تلك الحديقة ورأى فيها مدلين ومورليكس جالسين على بساط من الخضرة، وهو آخذ يدها بين يديه يحادثها وينظر إليها نظرات الهيام وهي تبتسم له ابتسام الرضى.

ثم استأنفت فاسيليكا حديثها فقالت: وكان هذا العاشق الذي ترى جثته يستطيع أن يرى تلك الزوجة الخائنة كل يوم بفضل هذه الآلة وهي تبكيه، إذ لا تعلم أين هو فظل على هذه الحال إلى أن أدركته الوفاة.

فصاح إيفان صيحة منكرة وقال: يا للهول.

فابتسمت فاسيليكا وقالت له: إن المرأة التي تكون مثلي يا ابن عمي العزيز إذا انتقمت بلغت بانتقامها أبعد غاية.

ولنعد الآن إلى حديثنا، فإن هذا المنزل انتقلت ملكيته من قوم إلى آخرين حتى وصل إلى مورليكس، فهو الآن منزل مدلين وأنت سترى مدلين كل يوم كما كان يرى صاحب هذه الجثة تلك المرأة، وأعدك وعدًا صادقًا أنك ستراها كل يوم ما زلت في قيد الحياة.

ثم ضحكت ضحكًا عاليًا وقالت: يجب أن تطمئن فإني لا أطيل عذابك وسأدعك تموت في هذا القبو من الجوع.

وعند ذاك قفلت النافذة ورحلت، فسمعها إيفان تقول لبيريتو: احذر أن تطعم هذا الرجل كسرة من الخبز ولو دفع لك ثمنها ملايين، فإني أقتلك شر قتل إذا خنتني فيه وأنا سأحضر كل يوم لأستوثق من طاعتك.

فقال لها بيريتو: لتثق بي سيدتي الكونتس كل الثقة فإني لا أخالف أمرها في شيء، ثم ذهب الاثنان.

أما إيفان فإنه لما وثق أن مدلين لم يعد له فيها أقل رجاء، وأنه لا بد له أن يموت من الجوع يئس يأسًا شديدًا وألقى نفسه على الأرض.

وفي الأمثال السائرة أن الفرنسي يرجو إلى آخر دقيقة، ولكن الروسي لا يعرف الرجاء متى وثق من النكبة، وقد رأى إيفان أنه سيبقى أسيرًا إلى أن ينقذه الموت، وأنه سيرى مدلين كل يوم إلى أن يدركه الموت، فكبر عليه أن يرى تلك الفتاة التي أهانته، وكتب إليها ذاك الكتاب الشائن وهو لا يزال يهواها.

ومرت به ساعة وهو في أشد حالة من الجوع حتى ذهب صبره واستسلم لليأس فعول على الانتحار، وحاول أن يسحق رأسه بالجدار فيموت ويستريح.

ولكنه ما لبث أن عزم العزم الأكيد ومشى إلى الجدار بقدم القانط الواثق من راحة الموت حتى حدث له حادث عجيب لم يكن يخطر له في بال.

ذاك أن المصباح المعلق في قبة القبو انطفأ فجأة واسود الثقب المستنير، واحتجب منظر الحديقة ومن كان فيها، وبات هذا المنكود في ظلام دامس والذعر ملء قلبه، وتوقف هنيهة عن الانتحار إذ سمع صوت حركة فوق رأسه فرفع عينيه إلى قبة القبو، فرآها قد انفتحت في المكان نفسه الذي كان معلقًا فيه المصباح ثم رأى نورًا أضاء وزنبيلًا مدلى من تلك القبة وفيه رجلان.

وكان أحد الرجلين يحمل مصباحًا والزنبيل ينزل نزولًا بطيئًا متدرجًا حتى استقر على الأرض.

وعند ذاك خرج الرجلان من الزنبيل ولم يكن إيفان يعرف أحدًا منهما.

فدنا منه الذي كان بيده المصباح وقال له: إني قادم لإنقاذك.

فدهش إيفان وقال: من أنت؟

– أنا رجل لا تعرفه ولو ذكر لك اسمه، فإني أدعى روكامبول.

٣٣

ولم يكن إيفان قد سمع روكامبول من قبل فقال له: نعم فإني لا أعرف اسمك ولم أرك.

– إني صديق المرأة التي تحبها.

– مدلين؟

– نعم.

فهز إيفان رأسه وقال: إني لا أحب مدلين يا سيدي بل …

– تريد أن تقول: بل هي لا تحبك؟

فوضع إيفان يده على جبينه كالقانط من الحياة وقال له: إنك آت لإنقاذي كما تقول ولكن أية فائدة لي من الحياة دون مدلين؟

فابتسم روكامبول وقال له: سكن روعك يا سيدي واجمع حواسك كي تستطيع أن تصغي إلي.

وكان يكلمه بلطف ويضغط عليه بنظراته الشديدة حتى اجتذبه إليه، فقال له إيفان: ماذا تريد أن تقول لي وأي كلام يعزيني عما أنا فيه؟

– ألم يجعلك مورليكس من المجانين؟

– نعم.

– ألم يدفعك إلى رجل قال لك: إنه مسجل، وهو طبيب خاص بمصلحة المجانين؟

– هو ما تقول.

– ألا تذكر حين كنت ذاهبًا معه في المركبة إلى منزل له أنك لقيت فتاة خدعت بها وحسبتها مدلين؟

فصاح إيفان صيحة غريبة، كأنما غمام الشك الكثيف قد انقشع عن مخيلته.

فقال له روكامبول: إن هذه الفتاة هي نفسها التي رأيتها منذ ساعة وحسبت أنها مدلين.

فصاح إيفان صيحة أخرى وقال: رباه! ماذا تقول؟

فلم يجبه روكامبول ولكنه دنا من الثقب الذي فتحته فاسيليكا في سقف القبو ونادى قائلًا: أزح الستار يا بيريتو.

وللحال استنار الثقب وعاد رسم الحديقة إلى الارتسام فوق المرآة، فظهرت مدلين لإيفان.

وكان روكامبول واقفًا بجانبه يرى ما يراه، فقال له: أمعن النظر جيدًا بهذه الفتاة ألا تجد فرقًا بينها وبين مدلين الحقيقية؟

– لم أجد فرقًا بينهما من قبل إلا بالصوت؛ لأن صوتيهما يختلفان وكيف أستطيع أن أسمع صوتها؟

– إنك ستسمعه في الحال، إذ يجب أن تسرع بالخروج من هذا المكان.

– إلى أين؟

– إلى حيث ترى مدلين الحقيقية.

فسالت دموع إيفان لفرط سروره وقال لروكامبول: من أنت أيها الرجل؟ ألعلك مرسل من الله؟

– كلا وا أسفاه، ولكني أخدم الذين أحبهم.

– كيف تحبني وأنا لم أرك في حياتي؟

– وأنا لم أرك أيضًا.

– إذن أنت تعرف مدلين؟

– عرفتها منذ ثمانية أيام ولكني صديق لرجل لا بد أن تكون مدلين ذكرت لك شيئًا عنه.

– من هذا الرجل، ألعله ميلون؟

فأجابه ذلك الرجل الذي كان مع روكامبول في الزنبيل: نعم أنا هو يا سيدي.

ثم أخذ يده بين يديه وضغط عليها بلهف وقال: أتحبها حبًّا أكيدًا؟ أتجعلها سعيدة بعد الذي كابدته من العذاب؟

– إني لا أحبها حبًّا بل أعبدها عبادة، وسأجعلها من أسعد النساء في الوجود.

وعند ذلك قال روكامبول لميلون: إن الوقت ضيق الآن عن الأبحاث، فاخلع ثيابك.

فانذهل إيفان وقال: لماذا يخلع ثيابه؟

– كي يستبدلها بثيابك.

– لماذا؟

– لأنه يجب أن يبقى مؤقتًا في مكانك.

– في مكاني أنا؟

– دون شك؛ لأن فاسيليكا لا بد أن تجيء كل يوم كي تتفقدك، وتحضر نزعك.

– ولكني لا أرضى أن يضحي هذا المسكين نفسه عني.

فابتسم روكامبول وقال له: كن مطمئنًّا؛ لأن ميلون سوف يتقن تمثيله كل الاتقان، فإن قامته تشبه قامتك، وسيدير وجهه إلى الجدار كي لا تراه ويمثل دور متألم من الجوع، ولكن طعامه يحضر إليه كل يوم فلا يموت جوعًا.

– من يحضر له الطعام؟

– بيريتو.

– هذا الشقي خادم فاسيليكا؟

– نعم، ولكنه لبث مخلصًا في خدمتها إلى أن رآني فأخلص في خدمتي أنا فلا يخونني؛ لأنهم يعلمون مقدرتي.

وبعد هنيهة وجيزة أتم ميلون خلع ملابسه فلبسها إيفان وقال روكامبول لميلون: احذر أن تنسى شيئًا مما علمتك إياه، فإذا سمعت وقع أقدام فأكثر من الأنين.

فقاطعه إيفان وقال: إن فاسيليكا قد تدخل إلى القبو فيفتضح الأمر.

– إذن يكون دخولها من نكد حظها، فإني أقسمت يمينًا صادقة أن لا أهرق دمًا بشريًّا إلا حين الاضطرار الشديد، فإذا انخدعت بميلون مدة خمسة أيام وهي المدة اللازمة لوقايتك ووقاية مدلين من شرها كان انخداعها من حسن حظها، وإذا عرفت الحقيقة قتلها حالًا بطعنة خنجر إذا لم يخنقها ميلون بيديه.

وعندها ودع روكامبول ميلون وقال له: ستخرج من هذا المنزل بعد خمسة أيام أي في يوم زواج إيفان بمدلين.

ثم دخل إلى زنبيل وتبعه إيفان وصفق ثلاثًا، فارتفع هذا الزنبيل واحتجبا عن ميلون.

بعدها بدقيقة كان روكامبول مع إيفان في غرفة متسعة تشرف نوافذها على الحديقة.

وكانت تلك النوافذ مقفلة ولكن إيفان وروكامبول كانا يستطيعان أن يريا من داخلها الذين في الحديقة، فرأيا مدلين ومورليكس.

فقال روكامبول لإيفان: اصغ جيدًا تسمع صوتها.

فأصغى إيفان هنيهة ثم انقلب وعلائم السرور بادية في وجهه وقال: رباه! ليس هذا الصوت صوت مدلين!

– ألم أقل لك: إنهم خدعوك، فإن هذه الفتاة هي كلوريند التي أخبرتك عنها والآن اتبعني.

ثم سار الاثنان من غرفة إلى غرفة حتى بلغا إلى الباب الخارجي، ففتحه روكامبول بسكينة وخرج منه مع إيفان إلى الشارع العام.

فما سارا هنيهة حتى رأيا مركبة واقفة للانتظار، فقال له روكامبول: هلم بنا إليها واحذر أن يؤذيك الفرح.

فلما وصل إيفان إلى المركبة رأى مدلين قد فتحت له يديها وقالت له ودموع الفرح بين عينيها: لقد رأيتك أخيرًا.

وكان سرور العاشقين لا يحيط به وصف، فصعد روكامبول في إثر إيفان إلى المركبة وقال للسائق: سر بنا إلى منزل الكونتس أرتوف.

٣٤

كان مورليكس أتى بكلوريند وهو يحسبها مدلين إلى منزل فاسيليكا بحجة أن هذا المنزل سيكون لها بعد زواجها بإيفان.

وكانت كلوريند عالمة بما سوف يحدث فكانت تمثل دورها أتقن تمثيل.

وقد عانقت كارل بلهف شديد حين أخبرها عن زواجها بإيفان، وتظاهرت بالاضطراب العظيم حين رأت فاسيليكا.

ويذكر القراء أن فاسيليكا كانت وعدتها بأن تجيئها بأخبار إيفان، ولكنه مضى نصف ذلك اليوم ولم تحضر.

وفي المساء بينما كان كارل مع كلوريند ينتظران فاسيليكا في شارع كاسيت إذ وردت له رسالة حملها إليه بيريتو، فأسرع كارل إلى فض الرسالة وقرأ ما يأتي:

سيدي الفيكونت

إنك لن تراني اليوم إذ ليس لدي أخبار حسنة أرويها للعزيزة مدلين، ولكني أرجو أن أرد إيفان إلى الصواب وأحنن قلبه.

صديقتك فاسيليكا

فاهتزت أعطافه سرورًا وقال في نفسه: لا شك أن فاسيليكا من أهل الوفاء فقد وفت بوعدها.

أما كلوريند فقد تظاهرت بالانشغال وقالت له: ما هذا الذي تقرأه؟

– لا شيء.

– ولكني أراك قد اضطربت ثم اختطفت منه الرسالة، فدافع دفاعًا خفيفًا وابتعدت عنه فقرأت الرسالة وقالت بصوت مختنق: هذا ما كنت أخشاه فإن قلبي يحدثني بهذا المصير.

– إني لم أفهم شيئًا من هذه الرسالة.

– أما أنا فقد فهمت كل شيء …

– ماذا تعنين؟

فوقفت كلوريند وهي تتكلف هيئة الحزن الشديد وقالت: لنعد إلى منزلنا ولنبرح هذا المنزل المشئوم.

وكانت تكلمه بلهجة الآمر فما وسعه مخالفتها، وخرج بها فركبا مركبة سارت بهما إلى منزل كارل حتى إذا وصلا إليه تظاهرت بالاسترسال إلى الحزن، وقالت له: إنك يا خالي لم تفهم شيئًا من هذه الرسالة ولكني قد فهمت كل شيء …

– أوضحي ما تقولين.

– كلمة واحدة تغني في هذا السبيل.

– ما هي؟

– الكونتس فاسيليكا.

– أتظنين بها السوء؟

– كل السوء فإنها لا بد أن تكون قد وشت في الوشايات الكاذبة إلى إيفان فتغير قلبه علي …

ثم جعلت تبكي بكاءً شديدًا وتلتمس من كارل أن يدعها وحدها، فلم يسعه إلا الامتثال، فخرج من غرفتها إلى غرفته وجعل يضحك ضحك الفائز المسرور، ويقول: لله درك يا فاسيليكا، ما أشد دهائك!

وما لبث أن استقر في غرفته حتى دخل إليه خادمه وقال له: لقد جاء يا سيدي رجل أثناء غيابك يحمل كتابًا إلى المدموازيل مدلين وأعطاني عشرين فرنكًا مشترطًا علي أن أسلم هذا الكتاب إليها حين تكون وحدها في المنزل، فأخذت منه الكتاب ووعدته بالامتثال ولكني رأيت أن أخبرك بأمره قبل أن أفعل شيء من ذلك.

– حسنًا فعلت، ثم أخذ الكتاب بلهف وفضه فقرأ فيه ما يأتي:

إذا أردت أن تري إيفان الذي لا يزال يهواك فاهربي من هذا المنزل الذي أنت فيه …

وكان الكتاب خاليًا من التوقيع فلما قرأه كارل قال في نفسه: هذه إحدى مكائد روكامبول، ولقد صدقت فاسيليكا إذ يجب الحذر من هذا الرجل وغل يده عن أذيتنا.

أما مدلين أو كلوريند فاستمرت تمثل دورها، فإنها بقيت في غرفتها متظاهرة بالحزن الشديد.

وفي صباح اليوم التالي كتبت فاسيليكا تقول: إنها وضعت كتاب إيفان إلى مدلين في البوسطة، وعهدت إليه أن يتهيأ قبل ورود الكتاب إليها ويمهد لها سبل احتمال الضربة القاضية وأنها ستزوره في المساء.

وأقام كارل ينتظر ورود الكتاب بفارغ الصبر إلى أن دقت الساعة العاشرة، فطرق الباب الخارجي ودخل موزع البريد، فأخرج من حقيبته كتابًا وقال بصوت مرتفع: هو ذا كتاب للمدموازيل مدلين ميلر، فأسرع أحد الخدام وأخذه منه.

وكانت كلوريند جالسة قرب النافذة المشرفة من غرفتها على الباب، فرأت موزع البريد وسمعته يذكر اسمها، فأسرعت إلى غرفة كارل وتناولت الكتاب، فما أوشكت أن تقرأ عنوانه حتى صاحت صيحة فرح وقالت: إنه من إيفان فإني أعرف خطه …

فأطرق كارل برأسه وقال: رباه كم تحبه …

أما كلوريند فإنها فتحت ذلك الكتاب وهو الكتاب الذي كتبه إيفان إلى مدلين حين كان يعتقد أنها خانته، فلما قرأته كلوريند صاحت صيحة منكرة وسقط الكتاب من يدها، وتظاهرت أنها أصيبت بنوبة عصبية ثم سقطت مغميًّا عليها بين يدي كارل.

فحملت إلى سريرها، وأمر كارل بإحضار الطبيب وجلس أمام سريرها، وهو يوشك أن يجن هيامًا بها وإشفاقًا عليها ويكلمها بأعذب الألفاظ.

وبعد حين رأت كلوريند أنه قد حان لها أن تستفيق من إغمائها، فاستفاقت ولكنها جعلت تقلد المصابين بالحمى فتهذي وتذكر اسم حبيبها إيفان واسم فاسيليكا.

ثم عادت إلى صوابها فأخذت يد كارل وقالت له: إن كل ذلك يا خالي لم يكن إلا صنع تلك المرأة التي تدعى فاسيليكا.

ولم تكد تتم حديثها حتى ظهرت فاسيليكا أمام سريرها فنظرت إليها كلوريند نظرة هائلة ملؤها الحقد.

غير أن فاسيليكا لم تكترث لظواهر حقدها، وقالت لها بلطف: لا يحق لك أن تتهميني فإننا بهذه النكبة سواء وكلانا فقد إيفان، على أنك لو تمعنت لعلمت أنك أنت التي جنيت على نفسك باعتمادك على لص شقي يدعى روكامبول.

فمدت كلوريند يدها إلى فاسيليكا، وقالت لها: لقد علمت الآن كل شيء فاصفحي عني، وأخبريني بما تعلمينه عن حقيقة أمر إيفان فأين هو؟

– إنه سافر.

– إلى بطرسبرج؟

– نعم.

فأنَّت كلوريند أنين الموجع، وسكتت سكوتًا هائلًا، ثم أظهرت بإشارة أنها تحب أن تبقى وحدها، فخرج كارل والكونتس وتركاها منفردة كما أرادت.

فلما اختليا قال لها: إنني خائف أشد الخوف.

– مما تخاف؟

– من أن يقتلها الحزن.

فنظرت إليه فاسيليكا نظرة إشفاق وقالت له: لقد بالغت بغرامك أبعد غاية، فهل تتزوجها؟

– من لي بزواجها إذا كانت ترضى فإنها غاية مطمعي.

فأجابته بلهجة المتهكم: كن مطمئنًّا فإنها ترضى.

ثم ودعته وخرجت إلى المركبة التي كانت تنتظرها على الباب الخارجي وفيها بيريتو.

فقالت له وهي تبتسم: إنهم يهزأون بكارل دي مورليكس كما يهزأون بالأطفال، فإن هذه الفتاة ليست مدلين بل هي شبيهتها كلوريند وقد تمكن روكامبول من العبث به كما يشاء، والآن فاصغ إلي فإني أريد أن أقصر مدة نزع إيفان حذرًا من أن ينقذه روكامبول فاحذر أن تعطيه طعامًا.

– إذن فهو يموت بعد ثلاثة أيام.

– وبعد خمسة أيام نبرح باريس، وليعبث روكامبول بمورليكس كما يشاء.

ثم أمرت السائق بالمسير دون أن ترى ابتسام بيريتو الذي كان يريد به: أن روكامبول لا يعبث بمورليكس وحده بل بك أيضًا.

٣٥

بعد ذلك بيومين كان كارل مورليكس خارجًا من منزله إلى شارع سانت جرمين.

وكانت علائم الهرم ظاهرة بين ثنايا وجهه حتى ليقال: إنه قد بلغ مائة عام لفرط ما لقيه في هذين اليومين من الهم والخوف على كلوريند التي يحسبها مدلين.

وقد تبدلت طباع هذا القاتل السفاك، واستحالت أخلاق ذلك المجرم الجسور، فأصبح فاتر الهمة، منخلع القلب، متراخي العزيمة، لا يشغل باله غير ذلك الحب الذي ملأ قلبه الفاسد، فتمكن بفضل ما كانت تجربه كلوريند من أساليب المكر والحيلة كي تهيج مكامن غرامه فإنها كانت تارة تستسلم للقضاء وتذعن لأحكامه، وتارة تسترسل إلى اليأس فتقلبه بين الخوف والرجاء، وتثير عواصف الحب في قلبه حتى أصبح لا يطمع بغير مدلين، ولا يكترث بتلك الأموال التي اختلسها على فرط حرسه على المال.

وكانت كلوريند قد لزمت فراشها يومين وفي صباح اليوم الثالث غادرت سريرها، ودخلت فجأة إلى غرفة كارل.

وكانت صفراء الوجه كئيبة، ولكنها كانت ساكتة هادئة فقالت له: إني أحب أن أختلي بك لأباحثك في شأن خطير.

فاضطرب الفيكونت اضطرابًا عظيمًا ووقف أمامها موقف الخاشعين.

فقالت: لقد عرفت يا خالي العزيز أن كل ما اتهمت به كان حقيقة، فإنك قتلت أمي بالسم، وسرقت ثروتي وثروة أختي أنطوانيت، ولكني أسامحك باسم أمي المائتة، وباسم أختي وباسمي على شرط أن ترد لنا تلك الثروة.

وكأنما ذكر الثروة أعاد إليه مطامعه الأشعبية، فاتقدت عيناه وحاول أن يجيب، غير أن كلوريند حالت دون قصده فاستأنفت حديثها وقالت: إن قلبي قد انسحق وبت شاعرة بدنو الأجل فإن احتقار إيفان لي وتخليه عني قد قتلاني، ولكني أحب قبل الموت أن أضمن مستقبل أختي ومستقبل الرجل الذي تحبه وهو ابن أخيك أجينور.

وأنا أعيد عليك ما قلته وهو أن الضربة قد أصابت قلبي، فلا رجاء لي بالحياة، ولا أطمع بالعيش أكثر من ثلاثة أشهر؛ لذلك فإني أستطيع أن أضحي تضحية أخيرة.

وأنت تعلم أنه يوجد أشقياء يعلمون أسرار أسرتنا الهائلة، فأحب أن أدفع عنك شرهم وأصون عائلتنا من تلك الوصمة، ولا أستطيع ذلك إلا بتلك التضحية.

ثم نظرت إليه محدقة وقالت له بثبات: أتريد أن تتزوجني؟

فصاح كارل صيحة فرح وركع أمامها وجعل يقبل يديها.

أما كلوريند فلم تكترث لمظاهره وقالت: إني إذا أصبحت امرأتك لا يستطيع أحد بعد ذلك أن يتهمك بقتل أمي.

فسالت الدموع من عيني كارل وقال: لا شك أنك من الملائكة الأطهار.

– ولكن يجب أن تستحق ذلك العفو الذي منحتك إياه مع شقيقتي.

– تكلمي أيتها الحبيبة ومري بما تشائين.

– إني أريد أن ترد جميع الأموال …

– لك؟

– لي ولأختي، فاذهب إلى أخيك فيليب واعقد معه عقد زواجي وزواج أختي أنطوانيت.

– إني مستعد لإعطائك كل شيء.

– كلا إني لا أريد مال فإني سأموت ولا حاجة لي بالمال.

فضمها كارل إلى صدره وقال: أنت تموتين ولا تزالين في أول شوط من حلبة الشباب.

– إذ لم أمت فإني أحب أن أعيش فقيرة وأن تكون فقيرًا مثلي.

– إذن لمن تريدين أن أرجع هذه الثروة؟

– لأختي، ولا أرضى بزواجك إلا هذه الشروط.

فلم يجد بدًّا من الامتثال، وذهب صاغرًا لمقابلة أخيه.

ولم يكن هذا العناء قاصرًا على كارل بل إنه شمل أخاه والد أجينور، فإن تقريع ضميره قد أنهك قواه حتى انقطع عن الناس ولزم منزله، لا يقابل أحدًا ولا يخرج منه للاجتماع بأحد.

ولما وصل كارل إلى منزل أخيه أسرع إليه الخادم وقال له: أسرع يا سيدي فإنك قد لا تعرف أخاك لفرط ما قد تغير.

فذعر كارل وسأله: ويحك ما أصاب أخي، ألعله لا يزال مريضًا؟

– كلا، ولكنه بات شبيهًا بالمجانين، فهو لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، ولا يخرج من المنزل ولا يسمح لأحد أن يراه إلا ولده أجينور، ولكن أجينور لم يحضر إليه منذ شهر.

فلم يجب كارل الخادم بشيء وتبعه إلى الغرفة التي يقيم فيها أخوه فانذهل حين رآه، إذ لقيه أبيض الشعر وقد أحنى ظهره الهم.

فلم يحفل والد أجينور بانذهال أخيه، ولم يرد تحيته بل قال له: لماذا أتيت إلي؟ ألعلك ندمت وعلمت أن يد الله قد انقضت علينا؟

فارتعش كارل وقال له: ماذا تعني بما تقول؟

– أعني أن ولدي يهرب مني ويحتقرني.

فجلس كارل بإزائه وقال له: نعم، إن الله كان أخذ بعقابك غير أن ملائكته شفعت بك إليه لتوبتك الصادقة، وأنا يا أخي قد أصبحت مثلك من التائبين وأتيت أسألك المساعدة.

– لماذا؟

– لنصلح خطأنا ونمحو ذنوبنا السابقة.

– أتقول الحق؟

– نعم، إذ يجب علينا أن نرد لهاتين اليتيمتين أموالهما التي سرقناها، ففرح فيليب فرحًا شديدًا وقال له: أتوافق على رد الثروة للأختين؟

– نعم فإن إحداهما تحب ابنك أجينور وستصبح امرأته.

– ولدي أنا؟

– نعم …

– الثانية؟

فتلعثم لسان كارل وجعل يردد لفظة الثانية دون أن يجسر على القول، فسأله والد أجينور: والثانية ما أصابها وما بالك لا تجيب؟

– إنها توافق …

– على ماذا؟

فأطرق كارل برأسه استحياءً وقال: إنها توافق على الزواج بي.

فصاح والد أجينور صيحة ذعر وقال: تتزوجك أنت وأنت خالها؟

– أواه، إن حبها تملك قلبي حتى أوشكت أن أجن بهواها، فلا تلمني يا أخي وأرسل من يدعو لنا المسجل، إذ يجب علينا أن نرد الثروة لأصحابها قبل كل شيء.

فوضع فيليب يده على جبينه وقال: رباه ماذا أسمع ألعلي من الحالمين؟!

فأجابه صوت رجل ظهر على عتبة الباب: كلا يا أبي فإنك في اليقظة.

فالتفت فيليب ورأى ولده أجينور فأسرع إليه وقد جال الدمع في عينيه لسروره، وقال له وهو يعانقه: أنت ولدي عدت إلي؟

– نعم أنا هو، وقد عدت إليك بخصوص الأختين.

٣٦

عندما يشبع النمر من فريسته يلحس بلسانه شفتيه، ويذهب إلى عرينه فيقيم فيه نائمًا مطمئنًّا ناعمًا إلى أن تنتهي مدة هضمه بسلام.

وهكذا فعلت فاسيليكا التي لا تفرق بشيء من أخلاقها عن تلك الضواري المفترسة، فإنها طربت لانتصارها كما يطرب أولئك الظِّلام الشرقيون الأقدمون، الذين كانوا يجلسون في مقاعدهم فيأتيهم الخدم في صباح كل يوم برءوس أعدائهم مقطوعة فينظرون إليها دون أن يظهر عليهم أثر من آثار الإشفاق.

وقد أقامت فاسيليكا ثلاثة أيام في منزلها، إذ لم تكن تكترث لباريس ولا يهمها أمر مورليكس، فكانت تقول عنه: إن روكامبول قد عبث بهذا الأبله، وغاية ما همني أن لا يعبث ثَم، ثم تمددت فوق مقعدها وجعلت تدخن وتهضم انتقامها كما يهضم النمر الفريسة.

وكان بيريتو يجيء مرتين كل يوم إليها بالتقارير عن حالة إيفان، فكان يبالغ في إظهار ما يقاسيه من الآلام بغية إرضائها، ويقص عليها ما يكابده من العذاب في أول عهده بالجوع إلى حين تمكنه منه فيثير منها عواطف الانتقام، وتفرح فرحًا وحشيًّا لبلوغها أقصى أمانيها من الانتقام.

وقد جاءها ليلة فقالت له: منذ كم ساعة يقيم الأسير في القبو؟

– منذ سبعين ساعة.

– كم بقي له دون طعام؟

– نحو ثمانين ساعة …

– إذن فقد مات.

فاضطرب بيريتو وخاف؛ إذ وافق على موته أن تحاول أن تراه بعد الموت فقال: كلا يا سيدتي إنه لم يمت بعد ولكنه في حالة النزاع.

ولم يكد بيريتو يقول هذا القول حتى أبرقت عيناها بأشعة الفرح وقالت: ما أجمل هذا المنظر يا بيريتو! وما أحلى الانتقام! فهلم بنا إني أحب أن أراه بين أنياب الموت.

فارتعش بيريتو وعلم أن حيلته لم تفده، وأن مجادلة هذه المرأة محال إذ لا يثنيها شيء عما تريد.

وخرجت فاسيليكا فخرج في أثرها وبعد نصف ساعة وصل الاثنان إلى ذلك المنزل الذي حفرت فيه فاسيليكا قبر إيفان.

وكان بيريتو أصفر الوجه يضطرب اضطرابًا شديدًا غير أن فاسيليكا كانت منشغلة بلذة انتقامها غير ملاحظة اضطرابه.

فلما وصلا إلى مدخل سلم القبو قالت: أنر المصباح، فأخذ عودًا من الكبريت وحك به الحائط التماسًا للنور فلاحظت فاسيليكا أن يده كانت ترتجف.

ثم أضاء المصباح وتقدمها في السلم المؤدية إلى القبو، فلاحظت فاسيليكا أن قدميه كانت تضطربان فداخلها الريب بوقائه، فوضعت يدها على صدرها افتقادًا لخنجرها وقالت: حسنًا سوف نرى.

واستمر بيريتو في نزوله وهي تتبعه دون أن تسمع حسًّا إلى أن وصلت إلى آخر درجة من السلم فسمعت أنينًا مزعجًا.

فوقفت وأصغت إصغائًا تامًّا فعلمت أن الأنين الذي تسمعه شديد لا يدع على النزع، فوضعت يدها على قبضة خنجرها وقد تمكن منها الريب ومشت في أثر بيريتو، ولما وصلا إلى الباب انقطع صوت الأسير وعاد بيريتو إلى فاسيليكا وقال لها: أظن أنه قد مات.

– أتظن؟

– بل أؤكد فإن صوته قد انقطع.

– إذن افتح الباب.

– ولكن يا سيدتي …

– افتح.

وكانت تتكلم بلهجة السيادة فلم يسع بيريتو مخالفتها، ففتح الباب.

وعند ذلك أخذت فاسيليكا منه المصباح فحملته بيدها اليسرى ويدها اليمني على قبضة خنجرها، وجعلت تبحث في ذلك القبو.

وكان ميلون الذي كانت تعتقد أنه إيفان منطرحًا على الأرض وهو حابس أنفاسه.

فلما دنت منه بمصباحها اضطرب بيريتو اضطرابًا شديدًا، وقال في نفسه: لم يعد لي بد من الامتثال لروكامبول وخنق هذه المرأة.

غير أن فاسيليكا كانت أسرع منه، فإنها علمت لأول نظرة أن هذا الرجل غير إيفان فقالت: يا للخيانة! وانقضت بخنجرها على بيريتو فأغمدته في صدره.

فسقط بيريتو قتيلًا مضرجًا بدمائه، ولم يقل غير جملة واحدة وهي: إلي يا ميلون!

وكان المصباح قد سقط من يد فاسيليكا فانطفأ، ونهض ميلون يتعقبها. غير أن الظلام كان حالكًا فلم يهتدِ إليها، وجعل يسير في الجهة التي خرج منها صوتها.

ولا بد أن يدرك القراء أن الاتفاق كان تامًّا بين بيريتو وأسيره منذ ثلاثة أيام، فكان بيريتو عندما يثق بأن فاسيليكا غير قادمة إلى المنزل يخرج ميلون من القبو فينام فوق سرير ناعم، بحيث عرف مداخل المنزل ومخارجه.

فلما طعنت فاسيليكا بيريتو تلك الطعنة القاتلة، ورأت أن المصباح قد انطفأ أسرعت إلى الخروج من القبو وخنجرها يقطر دمًا بيدها، فأسرع ميلون إلى إدراكها وضغط عليها ضغطة أوشكت أن تقتلها، فصاحت صياح الألم ولكنها تمكنت من التخلص منه وطعنته بخنجرها طعنة لم تعلم أين وقعت منه لاشتداد الظلام وأركنت إلى الفرار.

فصاح ميلون حاقدًا متألمًا واقتفى أثرها راكضًا وراءها فوق درجات سلم القبو التي صبغت بدمائه، فأدركها عند آخر درجة من درجاته، وأمسك طرف ثوبها.

فارتدت إليه وطعنته طعنة أخرى، ثم أفلتت منه وقد تمزق ثوبها، واندفعت تجري في الردهة، واندفع في أثرها حتى أدركها في آخر الردهة حيث تبدد ظلام القبو وملأ تلك الردهة ضوء النهار وهجم عليها هجوم الأسود.

وكانت فاسيليكا قد أصابته بجرحين في كتفه وساعده، فلما رأت أنها لا مناص لها منه التصقت بالجدار وقالت في نفسها: إذا لم أطعنه الطعنة القاضية هذه المرة هلكت إذ يخنقني لا محالة.

وكان ميلون قد تألم ألمًا شديدًا من جراحه فهجم عليها وهو يقول: إن الرئيس أمرني بقتلك ولا بد لك من الموت.

وطعنته طعنة ثالثة وصاح أيضًا ميلون صيحة ألم ولكنه لم يسقط؛ لأن خنجر فاسيليكا أصاب أضلاعه فحالت دون دخوله إلى القلب.

واستأنفت الكرة عليها، وضغط عليها ضغطًا قويًّا حتى سقط خنجرها من يدها، فألقاها على الأرض ووضع ركبته فوق صدرها، ثم التقط الخنجر وأشهره عليها، فرأته فاسيليكا يلمع فوق رأسها، وأيقنت أنها من الهالكين.

وكان دم ميلون يتدفق من جراحه عليها فخضب ملابسها وقال لها: تأهبي للموت، لقد أمر الرئيس أن تموتي.

وكانت فاسيليكا قد تلاشت قوتها، ولو فقدت رشدها في ذلك الحين لهلكت دون شك، ولكن قريحتها الجهنمية لم تخمد، فقالت لهذا الرجل الساذج القلب: أقتلني إذا أردت، ولكنك إذا قتلتني لا تعرف شيئًا.

فتوقف ميلون عن طعنها وجعل ينظر إليها نظر السائل، فأسرعت فاسيليكا إلى استئناف الكلام فقالت: إني قتلت بيريتو ولا يوجد الآن أحد في هذا المنزل، ثم إني الآن في قبضتك ولم يكن لي من الدفاع غير هذا الخنجر الذي جردتني منه وتسلحت به.

فقاطعها ميلون قائلًا: إنك إذا أردت أن تصلي وتستغفري الله فلا أمنعك، ولكني أقسم لك أنك ستموتين بعد الاستغفار؛ لأن الرئيس يريد أن تموتي.

– أليس هو روكامبول الذي تلقبه باسم الرئيس؟

– هو بعينه.

– إذن اقتلني؛ لأني أنتقم لموتي بالموت.

فاضطرب ميلون اضطرابًا شديدًا لبساطة قلبه وإشفاقه على روكامبول، حتى إنه نهض عن فاسيليكا فنهضت في أثره.

غير أن الخنجر لا يزال في يد ميلون ولا تزال حياتها في يده.

فقالت له فاسيليكا: ألست أنت الذي يدعونه ميلون؟

– نعم.

– أأنت مخلص لروكامبول؟

– كل الإخلاص.

– إذن اقتلني بخنجرك؛ لأن روكامبول يقتل بمثل هذا الخنجر.

فهز ميلون رأسه وقال: إنك تهزئين بي؛ لأني لا أصدق ما تقولين.

– سيان عندي.

فاضطرب، ثم كشفت عن صدرها وقالت بملء الثبات: اضرب.

ولما رأته يتردد قالت له: إذن اصبر واصغ إلى ما أقول وأنت مخير بعد ذلك بقتلي أو الإبقاء علي.

وكانت الدماء لا تزال تقطر من جراحه الثلاثة، فكان يشبه ثورًا هاربًا من المجزر، فوقف أمام الباب كي يمنعها من الفرار، وقال لها: تكلمي.

– إني لا أكره روكامبول ولكني أكره إيفان.

– إننا أنقذناه وأصبح آمنًا انتقامك.

– أعرف ذلك ولكن روكامبول عرض نفسه بإنقاذه لأشد من ذلك الخطر.

– كلا لا خطر عليه؛ لأني سوف أنقذه.

– سوف ترى أنك منخدع.

وكانت فاسيليكا وجمالها وعدم اكتراثها للموت وخوفه على روكامبول قد أثر به تأثيرًا عظيمًا، فاغتنمت فاسيليكا فرصة اضطرابه وقالت له: إني أشتري منك حياتي التي هي الآن في قبضتك بحياة روكامبول إذا كنت تحبه كما تقول.

فقال ميلون بملء البساطة: أحق ما تقولين؟ وأن حياة روكامبول معرضة للخطر؟

– إذا مت أنا مات هو دون شك، والآن اصغ إلي لأني قبل قدومي إلى هذا المنزل كنت مشككة في بيريتو، ومتوقعة تلك الخيانة، فأتيت إلى هنا للتحقيق.

وإنه يوجد رجل يحبني حبًّا شديدًا وله اتصال بروكامبول، وإذا لم أعد إليه بعد ساعة قتله غدرًا حسب اتفاقي معه.

فخاف ميلون خوفًا شديدًا ولكنه تجلد وقال لها: من يضمن لي أنك تقولين الحقيقة؟

– أتريد برهانًا على صدق ما أقول؟

– دون شك.

– هو ذا قطعة حبل أمامك في هذه الردهة، واربط بها يدي ورجلي كي لا أهرب وسد فمي بمنديل كي لا أصيح، ثم اذهب واحضر مركبة واحملني إليها لأذهب وإياك إلى ذلك المكان الذي سيلقى فيه روكامبول حتفه إذا قتلتني.

فسقط ميلون في هذا الفخ وقال لها: لا حاجة إلى تقييدك؛ وهلم معي لأني كنت في السجن ولا أخشى الرجوع إليه، وسيري أمامي، ولكن احذري أن تبدر منك بادرة تدل على الرغبة بالنجاة؛ لأني أغمد خنجري بين كتفيك.

– ليكن ما تريد.

ثم سارت أمامه من تلك الردهة إلى القاعة، وأصلحت ما أخل من نظام شعرها.

ثم نظرت إلى ميلون وقالت له: إن هيئتك تشبه هيئة الجزار وهذا وشاح بيريتو أمامك اتشح به سترًا لآثار الدماء.

واتشح ميلون به وأمرها أن تسير أمامه فسارت واقتفى أثرها.

وكان ميلون يقول في نفسه: لقد نزف مني كثير من الدماء، ولكني لا أزال قويًّا أستطيع الصبر إلى أن أدرك روكامبول.

ولما خرجا إلى الشارع تأبط ميلون ذراعها حذرًا من فرارها، وسار وإياها.

ولما شعرت فاسيليكا أنه يمشي مشية السكارى لما نزف من دمائه، أسرعت في مشيتها حتى رأت مركبة فاستوقفتها وصعدت وإياه إليها ثم قالت للسائق: سر بنا إلى الشانزليزه.

ولما سارت المركبة شعر ميلون بدوار في رأسه، ونظرت فاسيليكا إلى وجهه ورأته قد اصفر، فسُرت سرورًا لا يوصف، غير أن ميلون كان لا يزال قابضًا على خنجره.

٣٧

فقال لها: إلى أين أنت ذاهبة؟

– إلى الشانزليزه.

– غير أن الرئيس غير مقيم هناك.

– ولكننا سنذهب من الشانزليزيه إلى شارع أونوريه.

وكانت فاسيليكا تقول هذا القول بغية كسب الزمن، غير أن ميلون انخدع بأقوالها، وحسب أنها تعرف أحد المنزلين اللذين يقيم فيهما روكامبول؛ لأن أحدهما كان في شارع أونوريه والآخر في شارع سرسنس، وقال لها: حسنًا فلنسر إليه.

وكانت فاسيليكا تنظر إليه من حين إلى آخر مراقبة له، فكانت ترى دماءه تسيل، وكلما سالت زاد اصفرار وجهه، حتى رأت أن العرق ينصب من جبينه فابتسمت وقالت له بلطف: أأنت شديد الإخلاص لروكامبول؟

– دون شك.

– لماذا؟

– لأنه صديقي وأخي ومنقذي.

– إذن أنت تكره كل من يكرهه.

– دون ريب.

– والذين يكرهونه؟

– أسحقهم كما أسحق الزجاج.

وابتسمت ألطف ابتسام وقالت له: ولكني لا أكره روكامبول، بل إني معجبة به كل الإعجاب.

– إنك تعجبين به؟ ولماذا؟

– لقد عرفت أفكارك فإنك تقول في نفسك: كيف لا أكره روكامبول وأنا متفقة مع أعدائه.

– هو ما تقولين.

– لماذا يحب إيفان وأنا أكرهه؟

– وأنت لماذا تكرهين إيفان؟

فقالت بلهجة حزن: ذلك كان خطيبي فخدعني وخانني ولو علمت كم كنت أحبه لعذرتني وأشفقت علي.

وتنهد ميلون لسلامة قلبه ولم يدر كيف يجيب.

واستأنفت الحديث قائلة: إني أعلم حق العلم أنك أنت وركامبول تحميان تلك الفتاة التي يهواها إيفان.

– حبذا لو كنت تعرفينها، إنها من أجمل النساء.

وتحولت تلك النمرة المفترسة إلى امرأة وسالت دمعة من عينها حن لها ميلون، ثم تنهدت تنهدًا طويلًا قائلة: لقد حاربت في هذا المعترك ففشلت، وأنا الآن أصفح عن إيفان.

ثم جعلت تبكي.

فأشفق عليها ميلون إشفاقًا شديدًا ولم يعد يفتكر بنفسه وبتلك الدماء التي كانت تسيل من جراحه فتضعف قواه.

فقالت فاسيليكا: إني صفحت عنه كل الصفح، وسأبرح باريس هذه الليلة وأعود إلى بطرسبرج؛ لأني إذا كنت قد صفحت عن إيفان لا يجب أن أحضر عرسه.

وعندها وضع ميلون يده فوق جبينه فسألته: ما بالك؟

– لا أدري، إني أشعر أن الأرض تدور بي وأن عيني لا تفتحان … رباه! ماذا أصابني؟

ثم أطبق عينيه وسقط مغميًّا عليه قرب فاسيليكا، لفرط ما نزف من دمائه.

وابتسمت فاسيليكا ابتسام الظافر وقالت: لقد تعودت هذا الإغماء والآن فلأغتنم الفرصة.

ثم أرخت ستائر المركبة وأمرت السائق أن يقف، فخرجت من المركبة وأعطت السائق ٢٠ فرنكًا قائلة له: سر بهذا الرجل وهو خادمي إلى قصري في شارع بيبينيار وإني أدعى الكونتس أرتوف.

فسارت المركبة في طريق منزل باكارا، وسارت فاسيليكا في طريق منزلها وهي تعض شفتها من الغيظ وتقول: سوف ترى يا روكامبول لمن يكون الفوز؛ لأني لا أريد حياة إيفان الآن بل حياتك؛ لأن كرهي له قد تحول إليك.

بعد ذلك بعشرين دقيقة كانت فاسيليكا سائرة إلى منزلها على مهل، وقد عادت إليها سكينتها وكانت الأنظار تحوم عليها لجمالها الباهر.

حتى إذا أوشكت أن تصل إلى منزلها رأت مركبة جميلة مرت بها، والتفتت إليها وارتعشت؛ لأنها رأت فيها رجلًا في عنفوان الشباب ومعه طفل جميل، فعرفت أن الرجل هو الفيكونت فابيان زوج بلانش دي شمري التي طالما دعاها روكامبول أخته، والطفل ولده الذي طلبت إلى كارل مورليكس أن يختطفه.

فابتسمت ابتسامًا هائلًا وقالت: هنا سيكون انتقامي من روكامبول وسأضربه باختطاف هذا الغلام الضربة القاضية.

ثم أسرعت في سيرها حتى بلغت منزلها ولم يبق لديها من تعتمد عليه غير بطرس السائق، وهو ذلك الرجل الذي تنكر بزي إيفان في منزل باكارا فجلدته جلدًا مؤلمًا كما تقدم.

وكان شديد الحقد عليها لا يحلم إلا بالانتقام منها، فلما دخلت فاسيليكا إلى منزلها دعته، وقالت: ألا تزال ظمآن إلى الانتقام من باكارا؟

– لا يهنأ لي عيش يا سيدتي بغير هذا الانتقام.

– إذن اركب جوادًا ومر به في جهات الشانزليزه حتى ترى مركبة جميلة يجرها جوادان أشهبان، وفيها رجل وطفل فاقتفي أثر تلك المركبة وراقب من فيها أشد المراقبة ثم عد لتخبرني بما رأيت.

وامتثل بطرس وخرج صادعًا بأمر فاسيليكا.

٣٨

كان ثلاثة مجتمعين في مجلس الكونتس أرتوف، وهم باكارا وروكامبول وإيفان.

وقد أخبروا ذلك الشاب الروسي بجميع ما مضى من الحوادث منذ شهر، وعن علائق أجينور خطيب أنطوانيت بعمه كارل، الذي يضطهد الأختين.

وكان هذا الاجتماع في الوقت نفسه الذي علمت فيه فاسيليكا بخيانة بيريتو وقتلته بخنجرها.

فقال إيفان بعد أن وقف على جميع هذه الحوادث: أي عقاب أعددتم لكارل مورليكس؟

ابتسم روكامبول وقال: إن عقابه يبدأ يوم يرى مدلين الحقيقية مستندة على ذراعك في الكنيسة حين حفلة الزواج.

– ماذا يحدث له؟

– إنه يموت من قهره.

فهز إيفان رأسه إظهارًا لريبه، فقالت باكارا: إن هذا العقاب سيقضي عليه لا محالة، فإنه شغف بمدلين شغفًا عجيبًا قتل في فؤاده الأثيم كل عاطفة خلا الغرام، فإن هذا السفاك الذي طالما سفك دماء طاهرة للمحافظة على ثروته المختلسة تخلى عن جميع تلك الثروة بإشارة من التي يعتقد أنها مدلين، ولم يبق لنفسه غير إيراد ٢٠ ألف فرنك لو شئنا أيضًا لحرمناه إياها.

– وكيف تخلى عن هذا المال؟

– بصك قانوني كتب أمام المسجل تنازل فيه عن جميع ماله للأختين.

– ومتى عرف الحقيقة يلغي هذا الصك؟

فقال روكامبول: إنه سيعرفها بشكل لا يدع له عقلًا لاسترجاع المال وسنرى.

وفيما يقول هذا القول فتح الباب ودخل أجينور.

وكان أصفر الوجه ولكن علائم السرور بادية في عينيه فقال: لقد قضي الأمر، ثم أخرج من جيبه محفظة محشوة بالأوراق المالية وعرض تلك الأوراق على أنظار الحاضرين وقال: انظروا فإن الحب قد سلب عقله فدفعه إلى إرجاع جميع المال، وهذه الأوراق المالية هي كل ما يمتلك، وهذه صكوك الأراضي والقصور التي كان يمتلكها في بوهيميا وهنغاريا وفرنسا، وقد تحولت بجملتها إلى الأختين.

فقالت باكارا: هل أعددت معدات الزواج؟

– نعم، فقد اتفقت مع عمي على أن يكون زواجي قبل زواجه بأسبوع.

– وأنا قد ذهبت إلى السفارة الروسية وأعددت معدات زواج إيفان بعد الاتفاق مع رجال السفارة على كتمان زواجه، بحيث لا يعلم به أحد إلا ساعة عقده.

فقال إيفان وهو يختلج سرورًا: متى يكون هذا اليوم السعيد يا سيدتي؟

– غدًا يكون الزواج المدني في السفارة وبعد غد يعقد لك على مدلين في الكنيسة الروسية؟

– وبعد ذلك أنسافر في الحال؟

– دون شك، ثم ابتسمت وقالت له: إلى أين تريد السفر؟

– لا أعلم فإني أسافر إلى حيث تريد مدلين.

– ولماذا لا تبقى في باريس؟

فقطب روكامبول حاجبيه وقال: كلا، إني لا أشير عليها بالبقاء في باريس.

– لماذا؟

قال وهو يضطرب: إني أخشى عليها من فاسيليكا.

– لا أخالها قادرة على الأذية بعد اليوم ومن يعلم ما كان من أمرها، فقد تكون الآن في عداد الهالكين.

فاضطرب إيفان وقال: كيف ذلك؟

– ذلك أنه صدر الأمر إلى الرجل الذي أقام في القبو مقامك بخنقها.

ولم تلبث أن تتم كلامها حتى دخل خادم عليه هيئة الذعر وقال: سيدتي دخلت مركبة إلى ردهة القصر وفيها رجل أشيب مدرج بالدماء، وقد قال السائق: إن امرأة كانت معه في المركبة ادعت أنها الكونتس أرتوف وأمرته أن يحضر إلى هنا.

فذعر الجميع وأسرعت باكارا ومن كان في مجلسها، فكان السابق إلى المركبة روكامبول فرأى ميلون مغميًا عليه وهو يشبه الأموات.

فحمله وأخرجه من المركبة وسار به إلى المنزل وهو يقول لباكارا: لا حاجة للبحث عن ضاربه، فإنها فاسيليكا وهي أشد منا دهاءً دون شك.

ولم يكن بين جراح ميلون جرح قاتل، وكان روكامبول خبيرًا بالجراحة، فعالج ميلون حتى استفاق من إغمائه وفتح عينيه فلما رأى روكامبول واقفًا فوق رأسه تنهد تنهد المنفرج وقال: الحمد لله، فقد زال عنك الخطر.

فدهش روكامبول وقال: ويحك أي خطر تعني؟

– خطر الموت الذي لم يكن لك مناص منه.

– يظهر أنك محموم ومصاب بالهذيان.

– كلا، فإن فاسيليكا قد أكدت لي ما أقول.

– وماذا قالت لك؟

– إني إذا قتلتها أكون قد قتلتك في الوقت نفسه.

– وكيف برهنت لك على ذلك؟

– بقولها أنك في قبضة رجالها وأنهم إذا لم يروها في ساعة معينة قتلوك.

ثم قص عليه جميع ما حدث له معها إلى أن أخبره كيف أنه ركع فوق صدرها، وأشهر عليها الخنجر.

– ألم تغمده في عنقها؟

– كدت أفعل لو لم تقل لي …

– إني معرض لخطر الموت؟

– نعم، ألم يكن ذلك حقيقة؟

فهز برأسه وقال: لا يوجد غير حقيقة واحدة وهي أنك أبله وستبقى على بلاهتك ما حييت.

فبكى ميلون وقال: أرجوك العفو يا سيدي فلم يكن انخداعي إلا لإشفاقي عليك.

فلم يجبه روكامبول والتفت إلى باكارا وقال: لا بد لنا من العودة لما كنا فيه وتجديد العراك.

فما أجابته باكارا؛ لأنها كانت ساهية مفكرة، أما روكامبول فقد اتقدت عيناه بأشعة خاطر سريع، فخرج من ذلك المنزل وهو يقول: سنعود إلى القتال وسوف ترى لمن يكن النصر.

٣٩

يذكر القراء أن فاسيليكا أرسلت بطرس السائق ليقتفي أثر الفيكونت فابيان إليها في الليل يخبرها بما رآه فقال: ذهبت ممتطيًا جوادي فقطعت به الأرض نهبًا حتى بلغت غابة بولونيا، فرأيت هناك تلك المركبة وعرفتها من جيادها ورأيت الرجل والغلام.

فطافت المركبة حول بحيرة الغابة ثم وقفت في أرمنوفيل فنزل منها الوالد والولد، فشرب الوالد كأس خمر وأكل الولد قطعة من الحلوى، ثم ركبا المركبة وذهبا إلى شارع الإمبراطورة، ثم عطفت بهما إلى شارع برسبورج ووقفت عند باب معمل لصنع المركبات.

فترجلت عن جوادي حين رأيتهما دخلا ذلك المعمل ودخلت في أثرهما، ووقفت بعيدًا وقبعتي بيدي وقفة الاحترام.

وسمعت صاحب المعمل الذي لم ينتبه إلي يقول للفيكونت: إن مركبة سيدتي الفيكونتس قد تم صنعها، ولكني لا أستطيع أن أريك إياها؛ لأنها في معمل آخر.

– ومتى تحضرها من ذاك المعمل؟

– غدًا.

– إذن سأعود غدًا مع الفيكونتس.

ثم رجع يريد الانصراف.

وعند ذاك رآني صاحب المعمل فقال لي: ماذا تريد.

ووقف الفيكونت أيضًا ينظر إلي، فأجبته: إني روسي ومهنتي سائق مركبات وحداد، وأنا الآن أروض الخيول لحساب تجارها إلى أن أوفق إلى الخدمة في أحد المنازل، وقد أتيت راجيًا أن تذكرني إذا طلب إليك سائق خبير.

فقال لي صاحب المعمل: عد إلي غدًا.

وبينما أنا أحاول الذهاب ناداني الفيكونت وقال لي: إذا كنت ماهرًا في صناعتك، كما تقول فاذهب إلى قصري غدًا فقد أجعلك في خدمتي.

ثم ذكر لي اسمه وأرشدني إلى منزله.

ولما انصرف الفيكونت قال لي صاحب المعمل: وأنا أيضًا محتاج إلى حداد، فإذا لم ترق لك خدمة الفيكونت كنت في خدمتي.

فأنا الآن أستطيع الدخول إلى اصطبل الفيكونت ومعمل المركبات.

فسرت فاسيليكا بتقرير خادمها وقالت له: متى تحضر مدام أسمول لمشاهدة مركبتها في المعمل؟

– غدًا.

– إذن ادخل منذ صباح غد في خدمة صاحب المعمل، وسأرشدك صباح غد إلى ما ينبغي أن تعمل.

فانحنى بطرس وخرج ولكنها دعته قبل أن يصل إلى الباب، وقالت له: إنك ذكي الفؤاد فلا يجدر المبالغة بالتكتم مع مثلك، فقل لي الآن ألا تكره الكونتس؟

– كرهًا لا يوصف.

– لا يجب أن يكون حقدك قاصرًا عليها، بل على الماجور أفاتار أيضًا فإنه السبب في ما أصابك من جلد السياط.

– أتريدين أن أقتله؟

– كلا، إذ لم يحن الوقت بعد، ولكن يجب اختطاف الطفل الذي رأيته اليوم.

– ابن الفيكونت أسمول؟

– هو بعينه، فإننا إذا اختطفناه نفعل بالكونتس أرتوف والماجور أفاتار كل ما نريد.

فانحنى بطرس وقال: لقد فهمت كل شيء، وسأفعل ما تريدين.

ثم تركها وانصرف، فاتكأت فاسيليكا على مقعد طويل وجعلت تفكر بروكامبول وإيفان؛ لأنها باتت تكره روكامبول أكثر مما تكره إيفان.

وفيما هي تجهد فكرها في استنباط وسائل الانتقام، إذ سمعت أن الباب قد فتح وأقفل، والتفتت فرأت رجلًا مشهرًا خنجره بيده، وكان هذا الرجل روكامبول.

فذعرت فاسيليكا ذعرًا شديدًا غير أن روكامبول وضع سبابته على شفتيه إنذارًا لها بعدم الصياح، ثم دنا منها وقال: إنك علمت منى يا سيدتي ما لم يعلمه سواك، وعرفت أني لا أحجم في أمر من الأمور، فإذا كنت تصغين إلي بسكينة أقسمت لك أن أخرج دون أن أمسك بسوء، وإذا استغثت أو جاء إليك أحد خدمك، قتلتك قبل أن يصل.

وكانت فاسيليكا وضعت خنجرها على منضدة حين دخولها إلى المنزل، فأخذه روكامبول حين رآها تنظر إليه وضعه في جيبه، وقال لها: لنتحدث الآن.

ثم جلس بإزائها على المقعد.

فنظرت إليه نظر الأفعى وقالت له: ماذا تريد مني؟

فأخذ روكامبول يدها بيده وقال لها: إن الاتفاق على البغض يجمع بين القلوب.

– البغض … ومن عساك تكره؟

– لا أكرهك أنت …

– إذن من تكره؟

فضحك روكامبول ضحكة هائلة تعلمها من أستاذه القديم أندريا وقال: أتسألينني من أكره؟

– دون شك، إذ كيف يتسنى لي أن أعرف دخائل قلبك؟

فاستمر روكامبول على ضحكه وقال: كيف يخطر في بالك أن روكامبول يسالم باكارا بإخلاص.

فصاحت فاسيليكا صيحة دهش وجعلت تنظر إليه نظر إعجاب.

٤٠

وكان روكامبول لابسًا أفخر الملابس يمثل بهيئته لصوص الروايات الذين يميل إليهم بعض النساء، فوقف أمام فاسيليكا، وقال لها بصوت حنون: أتأذنين لي يا سيدتي أن أوضح لك أفكاري؟

فأشارت له فاسيليكا بالجلوس على كرسي أمامها، وقالت له: تكلم.

غير أن روكامبول أبى الجلوس وقال لها وهو يبتسم: لقد ذكروا لك يا سيدتي حكايتي مرة في منزل أرتوف فلا فائدة من إعادتها.

ولقد ألجأتني الحوادث إلى التصدي لك في سبيل أغراضك فكنا عدوين، وكنت مكرهًا على هذا العداء فإني أقمت في سجن طولون أعوامًا كثيرة صادفت في خلالها رجلًا …

فقاطعته فاسيليكا وقالت: أعرف أن هذا الرجل يدعى ميلون وأنه يحب مدلين كابنته، وإنك تحب ميلون وتريد أن تجعلها سعيدة آمنة.

– نعم، لقد فعلت ما أستطيع فعله، وقد أتيت الآن أقترح عليك الصلح.

– علي أنا؟

– نعم يا سيدتي …

– بأي شروط؟

فتظاهر روكامبول أنه يتردد بالجواب ثم قال: أتظنين يا سيدتي أن عذاب عشرة أعوام في سجن طولون من الأمور التي تنسى، ألا تعلمين أن باكارا هي التي أرسلتني إلى ذاك السجن؟

– وأنت تكرهها؟

– كرهًا شديدًا لا مبلغ لوصفه …

– أتظن أني أكرهها أنا أيضًا؟

– ربما.

فنظرت إليه فاسيليكا محدقة كأنها تريد أن تخترق أعماق نفسه وتكشف الحجاب عن أسراره ثم قالت له: إذا كنت تريد محالفتي فأنا أمد لك يدي على شروط المساواة فهل تسلمني إيفان؟

فأطرق روكامبول برأسه وقال: مستحيل يا سيدتي.

– لماذا؟ ألعل حبك لمليون أشد من كرهك لباكارا؟

– كلا …

– ألعلك تخشى أن تسحق قلب مدلين إذا حرمها الزواج بمن تحب؟

– كلا …

– إذن أوضح معمياتك.

وكانت تبتسم له فجلس روكامبول، ولكنه لم يجلس على الكرسي التي قدمتها له، بل جلس ملاصقًا لها المقعد فلم تظهر استياء مما أبداه من الجسارة، ولم تأنف من مجالسة لص هارب من السجن بل لبثت تبتسم.

فقال لها روكامبول: إنك تسألينني لما لا أسلمك إيفان؟

– نعم، فإني أعجب لذلك بعد أن صرحت بعدم اهتمامك بمدلين.

– لأني أخشى أن يكون باقيًا في قلبك بقية من حبه.

– وماذا يهمك حبي إياه؟

– ألا تعلمين أن المفسدة تجلب المفسدة، وأن أهل الشر يتحابون وأن امرأة هائلة مثلك تجذب بمغناطيس أخلاقها الفاسدة رجلًا هائلًا مثلي.

– أحق ما تقول؟

– كل الحق، فإن من يخاصم امرأة مثلك يجب أن يعاقب بحبها.

ثم أخذ يدها بين يديه دون أن تعترضه، وقال: إنك امرأة عظيمة النفس ذكية الفؤاد، ومن كان مثلك لا تخفاه خافية فإني ما أحبك إلا حين كرهي لك، وقد كنت أمرت ميلون في صباح اليوم أن يقتلك، ولكنه عاد إلي مضرجًا بدمه وعلمت أنك لا تزالين في قيد الحياة فكاد الفرح يقتلني فإني أحبك؛ لأن بين جنبيك قلب شيطان، وأنت في صورة الملائكة الأطهار؛ ولأنك فاسدة الأخلاق شديدة الولوع بالآثام فلا تعجبي لغرامي؛ فإن الطيور على أشكالها تقع.

ثم اندفع روكامبول بحديثه مظهرًا لها غرامه بأرق العبارات وقد ركع أمامها وجعل يقبل يديها.

وقد طالما مثَّل روكامبول هذه الأدوار فيما مضى من أيام شبابه، غير أنه ما برع مرة براعته هذه المرة، فإنه كان يظهر التدله بغرامها ويتنهد تنهد الوالهين ويكلمها بلغة العيون كلمات حلوة لا تفصح عنها الألسنة.

كل ذلك وفاسيليكا تنظر إليه مصغية باسمة إلى أن قالت له: أتعلم أنك جميل تروق لعيون النساء؟

فأظهر روكامبول سرورًا لا يوصف وقال لها: ما أعذب هذه الكلمات من فمك الجميل! فهلم بنا أيتها الحبيبة الحسناء نبرح باريس إلى مكان يحجبنا عن العيون.

فقالت بصوت المؤنب: ولماذا الرحيل؟ ألا يمكن أن تحبني وأحبك في باريس؟

– كلا أيتها الحبيبة فإني أغار عليك من كل عين في عاصمة العواصم، وأريد أن نكون منفردين نتناجى الغرام فلا يكدر خلوتنا رقيب.

– وأنا أريد ما تريد.

– إذن هلمي بنا أيتها الحبيبة ولنسافر فإن الوقت غير فسيح.

ولم يكد يتم كلامه حتى أفلتت فاسيليكا من يديه وضحكت ضحكًا شديدًا وقالت: إن من يسمع لهجة غرامك يحسبك صادقًا ولكني لا أصدق هذا الغرام.

فتراجع روكامبول مجفلًا وقال لها: لماذا لا تصدقين؟

– إنك لا تحبني أنا أيها العاشق الجميل وأنا سأذكر لك اسم التي تحبها.

فحسب روكامبول أنها تعني فاندا فقال لها: إنك واهمة فإني لا أحب هذه المرأة.

– إني لا أتكلم عن فاندا.

– إذن عمن تتكلمين؟

– عن مدلين، فإن حبك إياها عقاب لك وهو نصف انتقامي منك، وإنك لم تأتني وتظهر لي غرامك الكاذب إلا لتخدعني، فإنك ترهبني بقدر ما تكرهني.

فاصفر وجه روكامبول وقال: إن قوتك فوق ما كنت أحسبه، ولكن قوتك هذه سبب ضعفك؟

– أتظن؟

– بل أؤكد لأني أصبحت مكرهًا على قتلك.

ثم هجم عليها بخنجره، ورأت فاسيليكا أن برق عينيه أشد لمعانًا من بريق سلاحه، فوجف قلبها من الرعب وقالت له: رحماك.

– أتطلبين رحمة من روكامبول أم تحسبين أني ميلون؟

فاصطكت أسنانها من الخوف وسقطت جانية على ركبتيها وضمت يديها كما يفعل المتوسل، فقالت: رحماك إني أرجع عن انتقامي وأسافر … في هذا المساء … بل الآن، فارحمني.

– كلا، فلا رحمة لك بقلبي ولكني لا أريد أن تموتي دون توبة واستغفار، فأمهلك خمس دقائق للصلات، إلا إذا استغثت فإني أقتلك على الفور.

ثم خطر له خاطر سريع وقال: إني لا أحب سفك الدماء فهل تريدين الحياة.

فوثبت واقفة بعد أن كانت راكعة وقالت: نعم، نعم، فاشترط علي ما تشاء.

– يجب أن تموتي خمسة أيام.

فنظرت إليه منذهلة وقالت: كيف ذلك؟

– نعم، فإنه في مدة هذه الأيام الخمسة يتزوج إيفان مدلين فيبرح باريس ولا يخشيانك فيجب أن تكوني ميتة في هذه الأيام.

– لا أفهم ما تقول …

وكان في أصبعه خاتم فأراها إياه وقال لها: إنك تعرفين قصتي فلا بد أن تكوني عرفت كيف أنقذت أنطوانيت من سجن سانت لازار.

– نعم …

– إذن ابتعلي حبة سوداء من تلك الحبوب المخزونة في فص الخاتم أو أغمد هذا الخنجر في صدرك.

– تبًّا لك من شيطان، فإنك تفعل ما تقول، ثم أخذت الحبة من يده وابلعتها فما استقرت في جوفها حتى صعقت وسقطت صريعة على الأرض.

فتنهد روكامبول تنهد المنفرج وقال: إنها لا تضايقني بعد الآن.

ثم فتح الباب وخرج من ذلك المنزل كما دخل إليه دون أن يراه أحد.

٤١

يوجد في باريس قهوة تدعى قهوة مارينيان، يختلف إليها الناس على اختلاف طبقاتهم.

وكان من الذين يترددون عليها شاب مصور بارع في مهنته وهو عاشق كلوريند التي تمثل دور مدلين.

وكان هذا الشاب كثير الزهو تبدو عليه ملامح البساطة والهناء وله كثير من المحبين، ولكن أخلاقه تبدلت فجأة فأصبح كثير الهم والتفكير لا يرى إلا كئيبًا منقبضًا، غير أنه لم يخلف عادته وظل يتردد كل يوم على تلك القهوة في ساعة معينة، فينهمك بمطالعة الجرائد تلطيفًا لهمه دون أن يكلم أحدًا من الناس.

فبينما هو جالس ذات يوم في تلك القهوة إذ دخل إليها رجل لا يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، ولكنه كان مرتديًا بملابس غاية في البساطة وسلامة الذوق تدل على أنه من كبار القوم.

فمشى هذا الرجل حتى وقف أمام المصور وحياه، فالتفت إليه المصور ورد تحيته دون اكتراث، فقال له الرجل: أسألك العفو يا سيدي وأرجوك أن تأذن لي بالاختلاء معك.

فنظر إليه المصور نظرة المبهوت وقال له: إني لم أتشرف بمعرفتك يا سيدي.

– إني قادم إليك من قبل كلوريند، وأنا أدعى الماجور أفاتار ألعلك حسبتها خائنة؟

فاضطرب المصور وقال: بل هي شر من ذلك.

– إنك منخدع بظنونك، فإن كلوريند لا تزال تهواك، أتعلم أين هي الآن؟

فتنهد المصور وقال: وا أسفاه، فإني أذهب في كل صباح وفي كل مساء إلى منزلها فيقولون لي: إنها مسافرة وإنهم لا يعلمون مقرها.

– إنهم خدعوك أيضًا.

– أين هي الآن؟

– في باريس أتريد أن تراها اليوم؟

– أرجوك أن لا تمزح يا سيدي، فإني ألقى من بعادها عناء لا يوصف.

– إني لا أمزح على الإطلاق، وقد قلت لك: إنك ستراها اليوم وأزيد أنها سترجع إليك فلا تفارقك بعد الآن.

فوقف المصور ولكنه كان يترنح من فرحه ترنح السكارى، فأخذ روكامبول يده وقال: هلم معي.

– ولكن إلى أين تذهب بي؟

– اتبعني وسوف ترى.

وخرج الاثنان من القهوة وفيما هما سائران لقي الماجور طبيبًا من أصدقائه فسلم عليه وسأله: من أين آت؟

فأجابه: كنت قادمًا من عيادة أحد المرضى.

فابتسم المصور وقال له على سبيل المزاح: مسكين هذا الرجل.

فرد الطبيب: ليس المريض رجلًا بل امرأة.

– إذن مسكينة هذه المرأة.

– إنك تمزح، ولكنك لو عرفت علة تلك المرأة التي أعالجها لتخليت عن المزاح وسألتني عنها الأسئلة الكثيرة.

– كيف ذلك؟

– لأني أعالج امرأة بارعة الجمال وهي روسية تدعى الكونتس فاسيليكا، وقد أصيبت بمرض غريب فتراخت أعضاؤها وانحلت قواها وأطبقت عيناها.

فقاطعه المصور وقال: قل: إنها ماتت …

– كلا إنها لم تمت بعد، إلا أن عينيها كانتا مطبقتين، فإن قلبها ينبض ولسانها يتكلم، وقد تعذر عليها تحريك أعضاء جسمها، ولكنها تتمتم بشفتيها كلمات لا يسمعها إلى من يضع أذنه فوق فمها.

– إنها تهذو دون شك؟

– كلا بل إنها تتكلم كلام العاقلين.

– كم بقي لها في هذه الحالة؟

– أربعة أيام.

– أترجو لها الشفاء؟

– نعم … ولكنها لا تشفى في زمن قريب.

– كيف أصيب بهذا المرض؟

– ذلك ما لم أعلمه إلى الآن، وقد اشترك معي في فحصها اثنان من مشاهير الأطباء ولم يعلما شيئًا.

– ولكنها تتكلم كما تقول؟

– هي أيضًا لا تعلم شيئًا ولكنها تقول: إنها أصيبت فجأة بهذا الداء.

وهنا افترق عنهما الطبيب فسار في شأنه، وسار روكامبول والمصور في شأنيهما.

٤٢

كان ذلك اليوم موعد زفاف أنطوانيت إلى أجينور، وكان ينبغي أن يحضره كارل مورليكس ومدلين امرأته المستقبلة.

وكان كارل قد أخنى الغرام على قلبه فبات كالمعتوه لا يخالف أمرًا لكلوريند التي يحسب أنها ابنة أخته مدلين.

وقد مثلت تلك الفتاة دورها أبدع تمثيل، وعبثت كل العبث بهذا الشيخ الذي بيضت شعره الأيام، وسودت وجهه الآثام، فبدأت تمثل دور اليأس لعدم حضور إيفان، ثم دور السلوان، ثم أخذت تمثل دور الميل إلى ذلك الشيخ الولهان، حتى أصبح لا عقل له ولا رجاء إلا بزواج من يحب.

وقد كان دفع جميع أمواله إلى أجينور، وهي أموال الأختين، فلما بلغت منه كلوريند ما تريد بفضل إرشاد روكامبول، رضيت بزواجه واشترطت أن يكون زواجها بعد مرور أسبوع على عرس أنطوانيت.

وقد تقدم لنا القول أن ذلك اليوم كان موعد زفاف أنطوانيت، فلبست كلوريند خير الملابس، وقالت لكارل: هلم بنا إلى الكنيسة، فقد آن الأوان.

فامتثل خاضعًا وركب وإياها مركبة، فسارت تنهب بهما الأرض إلى الكنيسة.

وكان كارل مفكرًا مهمومًا، فقالت له وهي تتظاهر بالانشغال عليه: ما بالك مفكرًا؟

فأطرق برأسه وقال: إني أفكر بهذا الأسبوع، وأود لو يسلبه الله من عمري.

فابتسمت له مدلين وجعلت تؤانسه حتى وصلا إلى الكنيسة.

وكان أجينور أراد أن يكون زواجه بسيطًا ولم يدعُ غير القليل من خواص الأصدقاء، فكان أبوه راكعًا قرب الهيكل يصلي ويبكي وبالقرب منه امرأتان تبكيان أيضًا، ولكن بكاء فرح، فإنهما كانتا مربية أنطوانيت ومرتون رفيقتها في السجن.

ولم يكن غير هؤلاء إلا شهود العريس وهم من أصدقائه؟

فدخل كارل وكلوريند ووقفا مع المصلين، دون أن يكترث بهما أحد.

وتمت حفلة القران بملء البساطة، وعانق أجينور أباه ثم مد يده إلى عمه وودعه ببرود ونظرت أنطوانيت إلى كلوريند فحيتها تحية بسيطة.

ثم خرج العروسان وركبا مركبة كانت تنتظرهما خارج الكنيسة، وسافرا بها إلى إحدى قرى باريس ليقضيا فيها شهر العسل.

وعند ذلك تأبطت كلوريند ذراع كارل، وسارت به إلى مركبتهما، وتبعها كارل منقادًا انقياد الطفل، وهو ينظر إليها نظرات الإعجاب والهيام.

ولما صارا في المركبة قال لها: إلى أين نسير؟

– إلى الكنيسة الروسية.

فانذهل كارل وقال: أي شان لنا في هذه الكنيسة؟

– إننا نذهب لحضور عقد زواج آخر.

– زواج من؟

– سوف ترى.

– ولكني أحب أن أعرف من هذا الذي نحضر زواجه.

– هو إيفان بونتيف؟

وكان حق كارل أن يعلم كل شيء ويفطن للحيلة، ولكنه قد تدله فلم يبق الغرام على شيء من صوابه، وخشي أن تستاء لرفضه فقال لها: ليكن ما تريدين.

فانطلقت المركبة بأمر كلوريند تسابق الرياح إلى الكنيسة الروسية.

ووجدا ردهتها غاصة بالمركبات والكنيسة غاصة بالناس، فنزلا من المركبة وأخذته كلوريند بيده وهي تقول: تعال لقد بدأت الحفلة.

فتبعها ودخلا ولكنه ما لبث أن دخل حتى جعل يضطرب، وكان العروسان لم يقفا بعد في موقف الإكليل، ولكن الذي دفع كارل إلى هذا الاضطراب هما رجلان وامرأة رآهما وقوفًا عند مدخل الكنيسة.

وكان أحد الرجلين ميلون، ذلك الخادم الأمين الذي أرسله كارل إلى سجن طولون وثانيهما الماجور أفاتار أي روكامبول، وأما المرأة فقد عرفها كارل أيضًا واقشعر وارتعش؛ لأنها كانت فاندا رفيقة روكامبول التي اغتصب من يديها مدلين في روسيا وجعل يقول في نفسه: من هذان اللذان سيتزوجان في هذه الكنيسة وأية علاقة لهؤلاء الثلاثة بهما؟

وعند ذلك فتح باب قرب الهيكل ودخل منه العروسان، فصاح كارل صيحة هائلة دوت لها الكنيسة واضطرب جميع من كان فيها.

ذلك أن إيفان بونتيف ومدلين الحقيقية دخلا وركعا أمام الكاهن ليعقد زواجهما.

ونظر كارل إلى كلوريند فرآها تضحك ضحك بنات الهوى، وتقول: كيف رأيت أيها الخال العزيز؟

فسقط كارل على الأرض صريعًا وأطبقت عيناه، وأسرع بعض الحاضرين وحملوه خارج الكنيسة وبينهم روكامبول.

وكانت كلوريند قد تبعتهم أيضًا والمصور واقفًا ينتظرها، فلما رأى ما كان قال لها: هلم بنا الآن.

فنظرت كلوريند إلى روكامبول كأنها تستشيره بالنظر فدنا من المصور وقال له: أرجوك أن تمهلنا أيضًا يومًا واحدًا.

وكان المصور قد عرف الحقيقة ولم يعد يمل الانتظار، فانحنى أمام روكامبول إشارة إلى الرضى.

وذهبت كلوريند بكارل مورليكس وهو لا حراك به إلى منزله.

وبعد ساعة من هذه الحادثة بينما إيفان ومدلين كانا يخرجان من الكنيسة بعد انتهاء حفلة الإكليل كانت فاندا ماسكة بيديها روكامبول، وكانت يده باردة كأيدي الأموات فقالت له: إنك لم تضرب كارل مورليكس، بل إنك ضربت نفسك.

فزجرها روكامبول وتجاسر على أن ينظر إلى ذينك الزوجين السعيدين نظرة وداع، فما وقع نظره على مدلين حتى ترقرق الدمع في عينيه وقال بصوت يتهدج: رباه إن رحمتك شديدة ولكن عقابك أشد.

فجذبته فاندا إلى الخارج وقالت له: هلم معي أيها الرئيس والصديق بل أيها الزوج المعبود، تعال معي أنا عبدة ما حييت.

ثم اخترقت به الجموع إلى خارج الكنيسة، وأدركهما ميلون وقال لروكامبول وهو يبكي: إن الأختين سعيدتان الآن ولم يعد لهما بي حاجة وأنا لك ما حييت.

ثم خرج الثلاثة وساروا بين صفوف الناس حتى انفسحت لهم الطريق وتواروا عن الأنظار.

٤٣

ولنعد الآن إلى فاسيليكا فإن هذه الفتاة الوحشية الأخلاق التي لم تستطع بطرسبرج والمدينة الحديثة نزع تلك البذور الهمجية منها كانت لا تزال مصعقة بالمخدر الذي سقاها إياه روكامبول.

وكان تخديرها غريبًا كما وصف طبيبها للمصور؛ لأن جسمها كان ساكنًا سكون الموت ولا حياة فيها إلا للفكر.

وبقيت يومين لا أثر عليها من آثار الحياة حتى ذعر خادمها بطرس، ونادى الطبيب وكاد يحكم بموتها لو لم يسمع دقات خفيفة في قلبها.

وفي اليوم الثالث من مرضها بينما كان بطرس واقفًا أمام سريرها ينظر إليها ذهل انذهالًا عجيبًا؛ لأنه رآها قد فتحت شفتيها وسمعها تقول: لا أزال في قيد الحياة.

فصاح بطرس صيحة فرح، ودنا منها فقالت له: إني أسمع كل ما يقال أمامي.

وكان الطبيب واقفًا أيضًا أمامها فقال لها: ألعلك شربت يا سيدتي سمًّا هنديًّا؟

ولم تجب فاسيليكا بشيء؟

واستأنف الطبيب السؤال قائلًا لها: إذا كنت أعرف نوع السم الذي شربته أشفيك في الحال!

– لا أعلم.

ثم رحل الطبيب وهو يتخبط في دياجي الشك وبقي بطرس بقربها، فقالت له: أنحن وحدنا الآن يا بطرس؟

– نعم يا سيدتي.

– إذن اصغ إلى ما أقول؛ لأني سأبقى على الحالة التي تراني عليها خمسة أو ستة أيام تتصرف فيها بالنيابة عني حسب تعليماتي.

ثم أصدرت إليه أوامرها.

وفي اليوم الخامس لإصابتها جاءها بطرس يخبرها بما فعل وقال: إن إيفان ومدلين يا سيدتي قد تزوجا أمس.

واضطربت نفسها وبذلت مجهودًا كبيرًا كي تتحرك أو تفتح عينيها فلم تستطع وقالت: وبعد ذلك؟

– ثم سافرا على أثر الزواج وكذلك أجينور وأنطوانيت تزوجها قبلهما بساعة وسافرا أيضًا إلى جهة لم أعلمها.

– وماذا صنع الفيكونت كارل؟

– إنه سقط منصعقًا حينما رأى مدلين وإيفان.

– ألم يمت؟

– كلا، لأن كلوريند ذهبت به إلى منزله وأقامت معه فيه، ولما استفاق من إغمائه هاج هياجًا شديدًا، وعاوده داء الغرام ولكنه الآن هائم بكلوريند لشبهها بمدلين وهو يطلب أن يتزوجها وهي تأبى هذا الزواج.

– إذن سيموت قهرًا.

– ذلك لا ريب فيه.

– وروكامبول؟

– إنه يتأهب للسفر وستصحبه فاندا الروسية وميلون.

– يجب أن تبذل كل ما لديك من الجهد لتحول دون هذا السفر.

– كيف ذلك؟

– باختطاف الغلام.

– ذلك ما كنت أنويه ولكني كنت أنتظر أوامرك.

– ألا تزال عند صاحب معمل المركبات؟

– نعم إني أصنع عنده الآن مركبة أتماهل فيها كسبًا للزمن.

– هل أتت امرأة فابيان لترى المركبة التي أوصى زوجها عليها؟

– نعم أتت مرتين.

– وهل كان ابنها معها؟

– نعم يا سيدتي، وقد خطر لزوجها أن يصنع مركبة على الطراز الروسي وسيصنعها له صاحب المعمل دون شك، ولكن الصعوبة بإيجاد جياد صالحة لجرها.

– يجب أخذ جيادي؛ لأنها مدربة أحسن تدريب.

– ألعل سيدتي نسيت أن امرأة فابيان تعرف باكارا؟

– كلا، ولكني سأرشدك إلى طريقة شراء جيادي، دون أن يعلم فابيان أنها لي.

– إذن إني أدخل في خدمته بصفة سائق، ولا أسهل علي عند ذلك من اختطاف الولد.

– إني أسمع دقات الساعة وأعد الساعات ولكن حسابي قد ضاع، ولا أستطيع التمييز بين الليل والنهار؛ لأني لا أستطيع فتح عيني، قل لي كم بقي لي في هذه الحالة؟

– ستة أيام يا سيدتي.

– ولكن روكامبول قال: إني سأستفيق بعد خمسة أيام.

– ربما كان منخدعًا، ولكني سمعت الطبيب يحادث طبيبك الآخر في هذا الصباح ويقول له: إن ما أصاب هذه السيدة يندر حدوثه في أوروبا، ولكني أعرف سمًّا هنديًّا يدعى كيرال يصاب شاربه بما أصيبت به هذه السيدة.

وإذا كانت السيدة فاسيليكا قد شربت منه فإني أشفيها في الحال، ولكني أخشى أن أعالجها بدواء هذا السم؛ لأنها إذا لم تكن شربته وعالجتها بهذا فإنه يقتلها.

وكانت فاسيليكا قد عرفت من روكامبول نوع السم الذي شربته فسرت وقالت للخادم: ألم يقل الطبيب شيئًا عن الدواء؟

– نعم يا سيدتي، لقد قال: إن دواء هذا السم الحقن تحت الجلد بالستركنين وهو أشد السموم كما تعلمين.

وسكتت فاسيليكا هنيهة، ثم قالت: لا بأس من المخاطرة بالحياة حين إرادة الانتقام. واعلم يا بطرس أنك ستكون طبيبي، ولا أريد طبيبًا سواك.

– أنا أكون طبيبك يا سيدتي؟

– نعم، ويجب أن تحضر كمية من الستركنين، وحقنة خاصة للحقن تحت الجلد.

– ولكن … سيدتي.

– يجب تنفيذ أمري في الحال، والآن قل لي متى يأتي الطبيب؟

– في هذا المساء.

– وفي أية ساعة نحن الآن؟

– في الظهر.

– إذن اذهب وعد في الحال.

ومرت ساعة أقامت فاسيليكا فيها تعد وسائل الانتقام من روكامبول؛ لأن كل قواها العقلية كانت حية خلافًا لأعضائها، فإنها كانت مائتة لا تتحرك.

وبعد ساعة عاد إليها بطرس فقالت له: أأحضرت الآلة والدواء؟

– نعم يا سيدتي.

– إذن ابدأ العمل.

فاضطرب بطرس وقال: ولكني أخشى أن أقتلك.

– قلت لك: امتثل لأمري واعمل ما قلته لك.

– سأمتثل لما تريدين.

– ابدأ الآن بنزع الثياب عن ساعدي وبعد أن تفرغ من ذلك أدخل شيئًا من الدواء بأحد العروق في ساعدي.

فتردد بطرس هنيهة ولكنه لم يجد بدًّا من الامتثال، فغمس المشراط بالستركنين وضرب به عرقًا أشارت إليه فاسيليكا.

ولم تمض هنيهة وجيزة حتى حدث لها نفس ما حدث لأنطوانيت حين أحياها روكامبول.

ولكن تأثير الدواء بفاسيليكا كان أسرع من تأثيره بأنطوانيت، ففتحت عينيها فجأة ثم جعل جسمها ينتفض تباعًا وقلبها ينبض نبضًا منتظمًا، وقد تلون خداها وذهبت عنهما آثار الاصفرار.

وبعد ربع ساعة، وثبت من سريرها إلى الأرض وثوب النمر، وقد عادت إليها جميع قواها، فجعلت تصطك أسنانها من الغيظ وتقول: روكامبول.

٤٤

عرف القراء مما تقدم أن الفيكونت فابيان أوصى معمل المركبات على مركبة روسية ضخمة وأن بطرس كان يشتغل فيها.

وقد تم صنع هذه المركبة بعد أسبوع وأرسلت إليه للتجربة، وكان بطرس قد دخل في خدمته كسائق واشترى ثلاث جياد روسية من فاسيليكا.

ثم دنا اليوم الذي عينوه لتجربة تلك المركبة فشد بطرس الجياد الثلاثة إليها وجلس في مجلس السائق.

ولم يكن فيها غير فابيان وابنه، فأحب الولد أن يجلس بجانب السائق، وخرجت أمه بمركبة وحدها تسير في أثر المركبة الضخمة.

وكان بطرس قد مرن تلك الجياد الروسية فصار بها على ما يريد، وطاف في تلك الجهات المجاورة لمنزل الفيكونت فابيان، حتى إذا استوثق فابيان من تمرين تلك الجياد استوقف السائق وخرج من تلك المركبة إلى مركبة امرأته.

أما ابنه فإنه أبى إلا أن يظل بجانب السائق، وكان فابيان قد اطمأن عليه لما رآه من حسن تمرين الجياد ومهارة السائق، فتركه بقربه وكانت المركبة الروسية تسير سيرًا يناسب سرعة المركبة التي كان راكبًا فيها فابيان وامرأته، والغلام يلتفت كل حين إلى ورائه فيحيي والديه بألطف ابتسام.

ولكن امرأة فابيان كانت كئيبة فقال لها زوجها: ماذا أصابك وما هذا الاكتئاب؟

– إني خائفة.

– من أي شيء تخافين؟

– لا أدري، ولكن نفسي منقبضة من يوم أمس وقلبي ينذرني بمصاب.

فنظر إليها بملء الحنان وقال لها: لا تسترسلي إلى هذه الهواجس أيتها الحبيبة فليس في سماء حياتنا غمامة تكدر صفاءها.

فقالت له وعيونها محدقة بابنها: لو كنت تعلم؟

– ماذا حدث؟

– إني رأيت رجلًا أصفر الوجه ينظر إلي وعيناه مغرورقتان بالدموع.

واضطرب فابيان عند هذه الكلمات اضطرابًا أنساه ولده والمركبة التي كانت مسرعة حتى إنها سبقت مركبته مسافة غير بعيدة.

أما امرأته فإنها ضغطت على يده وقالت له بصوت مضطرب: اصغ إلي يا فابيان إني بكيت زمنًا طويلًا وكابدت عناءً شديدًا دون أن يعلم أحد منكم سبب شقائي.

– ماذا تعنين بهذا القول؟

– أعني أني أعرف كل شيء.

اصفر وجه فابيان واستأنفت امرأته الحديث فقالت: إن هذا الذي كتب لي من الهند، وهو فيها مع امرأته منذ عشرة أعوام، هذا الرجل هو أخي الحقيقي وليس هو ذلك الرجل الذي كان يدعي أنه أخي، وكنت أحبه كما تحب الأخت أخاها وباركني قبل الموت.

– بربك كفى.

– كلا، إني أعرف كل شيء وأن هذا الرجل الذي كنت أحسبه أخي كان لصًّا شقيًّا مزورًا سفاكًا، وإنك أنت والكونتس أرتوف وجميع الأصدقاء موهتم علي وكتمتم الحقيقة دون جدوى، وإني عرفت هذه الحقيقة وعلمت أن هذا الرجل يدعى روكامبول.

وقد رأيته منذ ساعة واقفًا في نافذة منزل تشرف على حديقتنا وهو ينظر إلي ويبكي.

– بلانش كفى كفى!

ولكنها بدلًا من أن تجيبه صاحت صيحة هائلة، فذعر زوجها ونظر فإذا بالمركبة التي يقودها بطرس وفيها ولده قد جمحت جيادها وجعلت تسير سيرًا لا انتظام فيه.

ورأى فابيان أن بطرس بات عاجزًا عن كبح جماح الجياد وأن ولده يصيح صياح الذعر، ويستنجد بأمه وأبيه فطار فؤاده ذعرًا وصرخ بسائق مركبته قائلًا: اقتل الجياد وأدرك المركبة؛ لأنها سوف تسقط في البحيرة.

ولكن أين لجيادها أن تدرك تلك الجياد الروسية فسبقتها بمراحل وطبقت أصوات استغاثة تلك الأم جوانب الفضاء.

واندفعت تلك المركبة الروسية تمرق مروق السهم، حتى توارت عن أبصار فابيان وامرأته، والناس ينظرون إلى هذين الأبوين المنكودين حيارى آسفين.

٤٥

وإليك بيان ما حدث لتلك المركبة التي سار بها بطرس هذا السير المنوي من قبل، فإنه جلد جيادها بسوطه جلدًا قويًّا، فاندفعت تجري وصاح بطرس عند ذلك صيحة رعب وتعلق به الطفل، وقد ملأ الخوف فؤاده الصغير، فكان ينظر متلفتًا إلى الوراء وينادي أمه باكيًا ولا يجدها، فيقول له بطرس: لا تخف وتمسك بي جيدًا، فلا خطر علينا وسأتمكن من إيقاف الجياد.

وجعلت الجياد تسير كما يريد بطرس والناس يحسبونها جامحة، فاجتازت جميع الطرق المألوفة وبلغت إلى شارع ضيق كانت فاسيليكا اكترت منزلًا فيه سكنته متنكرة باسم غريب.

وكانت فاسيليكا بعد أن عادت إليها العافية أوهمت جميع من يعرفونها في باريس أنها عائدة إلى بطرسبرج، وباعت أثاث منزلها وودعت أصحابها وركبت القطار الذي يبرح باريس في الصباح.

ولكنها عادت إليها في قطار الليل واختبأت في ذلك المنزل ولم يكن يعلم سر احتجابها فيه غير خادمتها.

فلما وصلت المركبة إلى ذلك الشارع رأى بطرس بساطًا من العشب، فأشار على الغلام أن يثب إلى الأرض وامتثل الطفل المسكين وألقى بنفسه على ذلك العشب، فأصاب رأسه حجرًا فجرحه وأدماه.

وهذا جل ما يريده بطرس فسار بالمركبة مسافة قصيرة ثم أوقفها، وحاول الرجوع كي يأخذ الغلام بالظاهر فوجد مركبة سبقته إليه.

وكان الغلام يبكي وينادي أمه، وقد اجتمع الناس من حوله، فخرجت امرأة من تلك المركبة وهي فاسيليكا، ففرقت جموع الناس الذين كانوا يهابونها لما رأوا من مظاهر الجلال ودنت من الغلام وحملته بين ذراعيها.

وعند ذلك عاد بطرس بمركبته يحاول أخذ الغلام فتظاهر أنه لا يعرف فاسيليكا، فأبت أن تسلمه إياه إشفاقًا عليه وحذرًا من جموح الجياد مرة أخرى ثم سألته على مسمع من الحاضرين اسم أبيه وقالت: إني سأهتم بإرجاعه إلى أهله فاذهب أنت في شأنك.

فامتثل بطرس ومضى وأخذت فاسيليكا الغلام، فعصبت رأسه الدامي بمنديل وحملته إلى مركبتها، ثم أمرت السائق أن يذهب بها إلى منزلها وهي تقول: لقد وقع الطفل في قبضتي وسيأتي دور من يحميه.

وكان الطفل مغميًا عليه فحملته إلى سرير وعالجته حتى استفاق وكان أول كلمة لفظها: أين أمي؟!

وجعل ينظر إلى فاسيليكا نظر الخائف فقالت له بلهجة حنو: اشكر الله يا بني فقد نجوت من خطر شديد.

– نعم لقد خفت كثيرًا.

– وكذلك أمك، فقد كان خوفها عليك أشد من خوفك على نفسك.

– وأين هي الآن أمي؟

– ستحضر للبحث عنك في هذا المساء.

فنظر إليها منذهلًا وقال: من أنت أيتها السيدة؟

– صديقة لأمك يا بني.

– ولكني ما رأيتك مرة عندنا؟

– رأيتني مرات كثيرة ولكنك لا تتذكرني الآن.

فوضع الطفل يده على رأسه وقال: إن رأسي يؤلمني كثيرًا.

فقبلته وقالت: لا بأس عليك فستشفى غدًا.

– وأين أنا الآن يا سيدتي، ولماذا لا تأخذني أمي إليها؟

– إنك في منزلي ولا يوافق أن تراك أمك على هذه الحالة فتحزن، أتريد أن تحزنها؟

– كلا، كلا، ولكن متى أُشفى؟

– غدًا.

– أأنت واثقة من ذلك؟

– دون شك.

وبعد حين تغلب التعب على الغلام فنام نومًا هادئًا، وقد انتهك جسمه الصغير من الخوف والألم.

وفي الليل جاء بطرس إلى فاسيليكا وقص عليها ما جرى له، فقال لها: إنه أقام نحو ساعة في الموضع الذي اختطفت فيه الغلام، إلى أن تمكن فابيان وامرأته من الاهتداء إليه بعد طول البحث، وكانت امرأته شبيهة بالأموات لما تولاها من الرعب، فلما سألت عن ولدها أخبرها بما اتفق له، واستشهد بالذين حضروا الحادثة من رجال ذلك الشارع ونسائه، فأيدوا قول بطرس، وأخبروا الزوجين أن امرأة عليها مظاهر النبل أخذت الغلام، حذرًا عليه من جموح الجياد مرة أخرى، وسارت به إلى منزل أهله.

فطابت نفس فابيان وامرأته ورجعا إلى المنزل، أما بطرس فإنه أوصل المركبة إلى معمل المركبات وتوجه إلى إحدى القهاوي المعتزلة، واختبأ إلى أن جن الظلام فجاء إلى منزل فاسيليكا كي لا يراه أحد.

ولما فرغ من قصته تركته فاسيليكا هنيهة وهي لابسة ملابس الرجال، وقد تنكرت بها أتم التنكر وقالت لبطرس: اذهب وائتني بمركبة واذكر أنك مسئول في مدة غيابي عن هذا الطفل.

ولكن بطرس لم يذهب، وجعل ينظر إلى ملابسها وشاربيها المستعارين وهو مندهش لمهارتها في التنكر.

فقالت له وهي تبتسم: إنك لا تعلم الآن إلى أين أنا ذاهبة؛ لأن ذلك لا يخطر لك في بال؛ لأني ذاهبة إلى أستاذ المبارزة أتعلم عنده المبارزة بالسيف؟

– وما تهمك المبارزة بالسيف؟

– لأني أستنكف من قتل روكامبول غيلة وغدرًا، فإنه أعظم من أن يقتل بالخنجر أو بالسم، وأنا أريد قتله بالسيف في مبارزة عادلة فيكون عقابه أشد حين يموت من يد امرأة.

فأطرق بطرس برأسه وخرج لإحضار المركبة.

٤٦

بين أشخاص هذه الرواية رجل أغفلنا ذكره منذ عهد بعيد وهو الطبيب النادم الذي استخدمه مورليكس لقتل أخته والدة أنطوانيت ومدلين.

وكان هذا الطبيب ندم ندامة صادقة عما اجترمه، وأصبح من الزهاد والناسكين يصلي آناء الليل وأطراف النهار ويستغفر الله عن ذنبه القديم.

وبينما هو جالس في صباح قرب نافذة غرفته ينظر نظرًا ساهيًا إلى ما يحيط به، إذ فتح باب غرفته ودخل عليه الماجور أفاتار.

فارتعش الطبيب حين رآه وقال له باندهاش: أهذا أنت؟

– نعم، وقد أتيت إليك للذهاب بك إلى مريض مشرف على الموت.

– ومن هو هذا المريض؟

– هو مورليكس بعينه الذي اقتصت منه يد الإنسان وستقتص منه يد الله.

– ما هي علته؟

– إنه مصاب بعلة غريبة لك أن تسميها باللغة الطبية كما تشاء، أما أنا فإني أدعوها جنون الغرام.

– أبمثل هذا العمر يعشقون؟ وكم عمره الآن؟

– كان عمره ٥٥ عامًا منذ ثلاثة أشهر، أما الآن فإن عمره مائة عام.

وكانت المركبة واقفة عند باب المنزل فركب بها الاثنان وسارا إلى منزل مورليكس، فلما بلغاه دخل روكامبول من باب سري وتبعه الطبيب فصعدا إلى غرفة وبلغا منها إلى غرفة لا نور فيها وقد غطي بابها بستار.

فأراح روكامبول الستار وقال للطبيب: انظر.

فظهر له كارل دي مورليكس بملابس النوم وهو واقف في وسط الغرفة وقفة المجانين وقد سقط شعر رأسه بجملته ونحل جسمه، واصفر وجهه وبرزت عيناه فكانتا تتقدان بأشعة تدل على الجنون وتشبهان فحمتين متقدتين.

وكان يعض كفه من القهر واليأس ويكلم نفسه بشكل متقطع فيقول: كلوريند، مدلين أحبك كيف كنت ومهما تكوني، لماذا رحلتي عني وهربت مني … تعالي إلي أعطيك كل ما عندي … ولكن يجب أن تكوني امرأتي …

نعم فإنك مهما كانت ذنوبك فقد ارتكبت فيما مضى من أيامي جرائم أعظم، فأنا أستحق أن تكوني لي … وماذا تريدين أن أقترف بعد من الذنوب؟ إن يدي لا تزال قادرة على حمل الخنجر، وخزائني لا يزال يوجد فيها سموم: كلوريند عودي إلي فإني لا أحب مدلين بل كلوريند.

ثم عاد إلى عض يديه وركع على ركبتيه، فجعل ينظر إلى ما حواليه نظرًا ساهيًا حائرًا.

وفيما هو على هذه الحال وروكامبول والطبيب ينظران إليه إذ دخلت كلوريند، فصاح صيحة فرح ونهض وهجم عليها فدفعته وهي تضحك عليه ضحكًا عاليًا، فعاد إلى الركوع أمامها وحاول تقبيل يديها فدفعته أيضًا، فجعل يتوسل إليها وهي تضحك عليه إلى أن قال لها: ماذا تريدين أن أصنع أتريدين ثروتي؟

فقالت له: أية ثروة تعني أيها الأبله؟ ألا تعلم أنك وهبت مالك لابنة أختك وابن أخيك؟

– ولكني أسترد المال وأقتلهم جميعًا إذا كنت توافقين على الزواج بي.

فضحكت وقالت: تبًّا لك من أبله، كيف يخطر في بالك إني أحبك وأستبدلك بذلك المصور الجميل؟

فغضب كارل غضبًا شديدًا وقال: سأقتل هذا المصور أيضًا.

وعندها دخل المصور فجأة وقال: ولكنك لا تقتلني من غير إذني يا عماه، ثم دنا من كلوريند وقال لها: هلمي معي أيتها الحبيبة ولندع هذا الشيخ وشأنه.

فامتثلت كلوريند وتأبطت ذراع عشيقها وحاولت الخروج، فهجم كارل وقد اهتز اهتزاز الشجرة دهمتها العاصفة، فاحتمله المصور وقذف به فهوى إلى آخر الغرفة.

فصاح صيحة شديدة وحاول أن ينهض ولكنه سقط، وحين رأى كلوريند انصرفت بعاشقها صاح صيحة أخرى، وسقط لا يتحرك ولا يتكلم وكان نزعه شديدًا طال نحو ساعتين.

وكان روكامبول والطبيب ينظران إليه من وراء الستار، فرأياه في معترك شديد مع الموت يحاول النهوض، فيسقط ويرجو الكلام فلا يستطيع، ثم جحظت عيناه، وانحلت عقدة لسانه فصاح صيحة ملؤها اليأس والقهر.

وشتم شتمًا قبيحًا، وكان هذا السباب آخر ما خرج من فمه، فمات غير تائب ولا نادم.

فذعر الطبيب لما رآه وقال: ربما قدر لي أنا أيضًا هذه الميتة الشنعاء دون أن يُغفر لي عن ذنوبي السابقة؟

فقال له روكامبول: كلا، فإن الله يغفر للتائبين وهذا كتاب الصفح عن زلتك السابقة.

ثم ناوله كتابًا معنونًا باسمه ففضه الطبيب بلهف وقرأ فيه ما يأتي:

لقد صفحنا عنك باسمنا وباسم أمنا التي في السماء فليصفح عنك الله.

أنطوانيت ومدلين

فجثا الطبيب على ركبتيه ونظر إلى روكامبول نظرة ملؤها الشكر بعينين يغرورق فيهما الدموع، فقال له روكامبول: انهض أيها الصديق وكن واثقًا من رحمة الله فإن صلاة الأختين تشفع بك عند الله.

٤٧

في الساعة الثامنة من مساء ذلك اليوم كان روكامبول جالسًا في غرفة منزله المطلة نافذتها على حديقة منزل الفيكونت فابيان وهو يكتب على منضدة وضعها قرب النافذة، وينظر من حين إلى آخر من تلك النافذة باحثًا عن ذلك الغلام وأمه فلا يجدهما.

وهذه صورة الكتاب الذي كان يكتبه إلى باكارا:

إلى الكونتس أرتوف
سيدتي!

إن عملي قد تم ومهمتي قد انتهت فإن الأختين اليتيمتين عادت إليهما ثروتهما وهناؤهما، ولقي كارل مورليكس جزاء ما اقترفت يداه، ومات في هذا الصباح، فلم يبق لروكامبول عمل يعمله في هذا الوجود، وهو يسألك الصفح عن يأسه من حياته وقطعه حبل هذه الحياة.

إني أقسمت من قبل أن أموت في السجن وقد حنثت بهذا اليمين؛ لأني سمعت حكاية هذين اليتيمتين، فأثرت بفؤاد روكامبول السفاك وشعرت أن التوبة الصادقة قد حلت في قلبي محل ذلك الفساد القديم، فاستغفرت الله وعزمت على أن أنفق ما خصني به من الذكاء والجرأة في سبيل الخير.

وقد فعلت ما فعلت يا سيدتي حتى أتممت ما خرجت لأجله من السجن، وكنت أحسب أن عذابي ينتهي بانتهاء تلك المهمة؛ فإذا به لا ينتهي إلا بانتهاء هذه الحياة التي قدر لي أن لا أرى فيها يوم هناء.

ولو تعلمين يا سيدتي ما لقيت من العذاب حين رأيتها متكأة على ذراع زوجها إيفان فقد تنبهت في عواطف روكامبول القديم، وثارت في نفسي عوامل الميل إلى الشر فبت وحشًا ضاريًا ملأ الحسد قلبه وأصبح متأهبًا للقتال.

وكنت إذا تشاغلت بالنوم عن هذا الفكر الشائن يتمثل لي في الحلم السير فيليام، فيجلس بإزائي ينظر إلي تلك النظرات الجهنمية ويقول: إنك تحب مدلين يا ابني ولكن لا شيء يمنعك عنها لا سيما وهي غنية حسناء وأنت لا تزال جميلًا وفي عهد الشباب، وإذا كان إيفان يثقل عليك فاطعنه بخنجرك طعنة نجلاء تصبح الفتاة لك دون منازع.

فأنتبه من رقادي مضطرب النفس كاسف البال، فلا أزال أستغفر الله حتى يزول آثار هذا الحلم.

والآن فإن مهمتي قد انقضت وكنت قبل ذلك مع نفسي في نزاع دائم، أما وقد انقضت تلك المهمة ولم يعد أحد في حاجة إلي ولا أستطيع العودة بفضلك إلى السجن، فلم يبق لي غير الموت وهو غاية ما أطمع به.

وسيقارن الله بين ذنوبي وندمي وآثامي وشقائي ورجائي برحمته وطيد؟

فالوداع يا سيدتي وسأكون جثة باردة حين يصل إليك كتابي هذا، وقد عولت على الانتحار دون أن أخبر أحدًا بخنجر أطعن به قلبي وأنت تعلمين أن يدي لا تخطئ.

أما فاندا وميلون فقد سافرا الليلة إلى ليون حيث قلت لهما: أن ينتظراني فيها والله يغفر لي هذه الكذبة الأخيرة.

وهنا أرجوك رجاء آخر، وهو أن أنطوانيت ومدلين ضمنا مستقبل ميلون ونويل، فأوصيك خيرًا بفاندا.

الوداع وعسى أن يغفر لي الله كما غفر لك.

روكامبول

فلما أتم روكامبول كتابة الكتاب طواه وختمه ووضعه على المنضدة، ثم أخذ الخنجر ودنا من النافذة كي يزود تلك التي يدعوها بأخته وابنها النظر الأخير، ولكنه لم ير أحدًا بالحديقة خلافًا لمألوفه ولم ير نورًا ينبعث من نوافذ المنزل، فأنَّ أنين الموجع وقال: أقدر لي أن أموت دون أن أراها، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

ثم عاد إلى المنضدة فأخذ الخنجر وحاول أن ينتحر ولكنه تراجع منذعرًا؛ لأنه رأى الباب قد فتح فجأة ودخلت منه فاندا وميلون، فانقضت فاندا عليه واختطفت منه الخنجر.

وكان ميلون وراءها يبكي ويقول: لقد أصابت فاندا بظنونها فأبت أن تسافر؛ لأن قلبها أنذرها بما أنت عازم عليه.

فاتقدت عينا روكامبول بأشعة الغضب وقال: اخرجا من هنا فإني أطردكما؛ لأنكما جسرتما على عصيان أوامري.

فقالت فاندا: لا ننكر أننا عصيناك ولكنك لا يحق لك أن تنتحر.

وقال ميلون: إن الله يمنع الانتحار.

فزاد غضبه وقال: اخرجا.

فجلست فاندا على ركبتها أمامه وقالت: أيها الرئيس إني أعلم لماذا تريد الانتحار، وأعلم ذلك الحب الهائل الذي ملأ قلبك، فاقبل هذا العذاب واحسبه عقابًا أخيرًا لك عن ذنوبك السابقة، فإن الناس قد غفروا لك، وبعد عفو الناس عفو الله، وأنا وميلون نقيم معك فنكون عبدين لك ونعزيك ونحدثك عمن تحب.

– اسكتي، ولا تذكري اسمها بشفتيك.

وركع ميلون وقال: مولاي، إن الأختين أصبحتا سعيدتين بفضلك ولكن من يضمن لهما المستقبل؟

– إن زوجيهما يحميانهما.

– ولكن لا يحق لك أن تنتحر.

فنظر إليه روكامبول نظرة هائلة وقال: من يحتاج إلي الآن ومن يستطيع أن يقول لي: لا حق لك أن ترتاح بالموت؟

فبرزت امرأة من الباب وقالت: أنا …

فاصفر وجه روكامبول واضطرب حتى أوشك أن يسقط على الأرض، أما هذه المرأة فقد كانت بلانش دي شمري زوجة الفيكونت فابيان.

وركع روكامبول أمامها وقال: أنت … أنت هنا.

– نعم إني أعرف كل شيء وأنك لست بأخي، ولكني أعلم أيضًا أنك تحبني كما لو كنت أختك حقيقة، وقد جئت كي أقول لك: لا حق لك بالانتحار؛ لأنهم اختطفوا ولدي.

فصاح روكامبول صيحة هائلة واتقدت عيناه بأشعة من اللهب، فكان كالأسد النائم تنبه لخطر.

٤٨

مضى على ذلك ثلاثة أيام وروكامبول لا تفتر له همة عن البحث عن الغلام دون أن يقف على أثر من آثاره، ولكنه علم من أول ساعة تلقى فيها خبر اختطافه أن ذلك من صنع فاسيليكا، وأنها لم تقصد باختطافها الطفل إلا نكايته والانتقام منه.

وقد علم بفراسته المعهودة أن فاسيليكا برحت باريس أمام جميع معارفها، ولكنها عادت إليها خفية لتنتقم منه فإن كرهها لإيفان قد تحول إليه.

وقد كان علم أيضًا أن خادمها بطرس قد خدم في معمل المركبات بصفة حداد، ثم دخل في خدمة الفيكونت فابيان، وأنه هو الذي ساق تلك المركبة التي جمحت جيادها.

فكان أول ما أجراه أنه اقتفى أثر تلك المركبة من المكان الذي جمحت الجياد فيه، إلى المكان الذي سقط الغلام منه، وأخذته تلك السيدة الشقراء بغية رده إلى أهله في مركبتها، وكان يشغله ثلاث مسائل وهي: ما جرى لتلك السيدة وأين ذهبت المركبة، وأين يوجد الطفل.

ولكنه على فرط جهده وما بذله نويل وميلون وفاندا من المساعي في التفتيش لم يحل رمزًا من رموز هذه المسائل الثلاث.

غير أن روكامبول كان واثقًا كل الوثوق أن الغلام غير بعيد عن الموضع الذي اختطف منه، وكانت عصابته تطوف في أنحاء باريس وكان هو يكثر التردد على هذا المكان قاصرًا همه على البحث والاستقصاء.

وكان كلما جاء إليه مرة يتنكر بزي جديد، وانتهى بعد ثلاثة أيام إلى معرفة كل منزل من منازل ذلك الحي وكل حانة من حاناته.

وفي مساء اليوم الثالث قال لميلون: تعال معي الليلة فلا شك أننا سنجد مقر الغلام في هذا الحي.

وكانت فاندا تسمع الحديث فقالت: وأنا أحضر معك أيضًا فإني معتقدة نفس اعتقادك.

ثم ذهب الثلاثة متنكرين وكانت فاندا متنكرة بزي غلام والثلاثة مسلحون.

وكان الظلام حالكًا والمطر ينهمر وروكامبول يتقدمهما عدة أمتار، فبينما هو يسير في ذلك الشارع المهجور اصطدم برجل يسير سيرًا مستعجلًا فشتم الرجل بلهجة مجهولة، واستمر في مسيره فارتعش روكامبول عند سماعه الصوت، وجعل يقتفي أثر هذا الرجل دون أن يستطيع أن يتبين وجهه لاشتداد الظلام، وميلون وفاندا يتبعانه على بعد مائة خطوة حتى انتهى الرجل إلى حانة منورة بنور ضعيف فدخل إليها.

فوقف روكامبول حتى وصل إليه ميلون وفاندا، فقال لفاندا: أظن أننا عثرنا به.

فقالت فاندا: من هو ألعله بطرس السائق؟

– هو بعينه.

فقال ميلون: إذا كان هو نفسه كما تقولون فإني سأخنقه بضغطة واحدة.

فزجره روكامبول وقال: احذر أن تصنع شيئًا إلا بأمري.

ثم ترك الاثنين وذهب توًّا إلى تلك الخمارة، فوقف عند بابها وكان من الزجاج الشفاف فرأى ذلك الرجل جالسًا وأمامه زجاجة من الخمر وهو يشرب الكأس تلو الكأس فاستوثق أنه بطرس السائق.

ولما فرغ من شرب الزجاجة دفع ثمنها للخمار وبرح الحانة وهو يترنم ترنم السكارى، ولكنه لم يسرع عدة خطوات حتى هجم عليه روكامبول هجوم العقبان، فضغط بإحدى يديه على عنقه وأشهر بيده الأخرى خنجره فصوبه إلى قلبه وقال: لقد عثرت بك أخيرًا أيها الشقي.

فعرف بطرس أنه بات في قبضة روكامبول، وقال له وقد ملئ قلبه ذعرًا: رحماك يا سيدي وابق علي أخبرك أين يوجد الغلام.

ولم يكن يوجد أحد في الخمارة التي خرج منها بطرس وكان الظلام حالكًا والشارع مقفرًا، فألقى روكامبول بطرس على الأرض وقال له: احذر من أن تستغيث فإنه قبل أن ترد إليك النجدة تغدو من الهالكين.

فأجابه بطرس قائلًا: إني لا أصرخ ولا أستغيث، وإذا كنت تدفع لي كما تدفع لي الكونتس فاسيليكا خدمتك كما أخدمها، بل كنت أصدق في خدمتك؛ لأنك أشد دهاء منها.

ثم ضحك ضحكًا دل على سفالة أخلاقه.

فقال روكامبول: إنك ستكسب مني أكثر مما تكسب من فاسيليكا، فإن أهل الغلام أعظم ثروة منها، فقل: كم تريد أن ندفع لك؟

– مائة ألف فرنك.

– سيكون لك ما تريد.

– متى؟

– غدًا.

– إني لا أثق بالوعود إلا حين إنجازها.

– ولكني أقتلك إذا لم ترشدني إلى موضع الغلام.

– إنني أعرف ذلك حق العرفان.

ثم فتح صدره أمام روكامبول إشارة إلى أنه لا يرهب الموت وقال: إني رجل فقير نشأت على الشقاء والذل وكنت فلاحًا في روسيا أعامل كما يعامل الحيوان، فلم أحفل بهذا الوجود إلا على رجاء أن أنال ثروة وكدت أن أنال ثروة وكدت أن أنال ما طالما طمعت فيه لو أنك لم تتصد لي في طريقي، فإن فاسيليكا لم تعد محتاجة إلي وقد عزمت على أن تدفع لي غدًا هذا المال، ولكني لقيتك لسوء حظي وأنا واثق من أنك ستقتلني إذا لم أتكلم.

فراع روكامبول ما رآه من ثبات جأشه وأيقن أنه يؤثر الموت حقيقة على فقد هذا المال فقال له: وإذا أعطيتك مائة ألف فرنك؟

– أذهب بك إلى حيث يقيم الطفل.

– إنه حي على الأقل.

– لا يزال حيًّا، ولكني لا أعلم إذا كان يبقى في قيد الحياة إلى الغد، فإن هذه المرأة من أشد النساء وأغلظهن فؤادًا.

فارتعش روكامبول وأمره أن ينهض ويسير معه، ثم تأبط ذراعه حذرًا من فراره وسار به مستعجلًا إلى نهر السين.

وبعد ربع ساعة وصلوا إلى جسر ذلك النهر، فقال له روكامبول: يجب أن تجتاز هذا النهر كي تحصل على ما تطلبه من المال من منزل الكونتس أرتوف، ففي أي شارع تقيم فاسيليكا؟

– في تلك الجهة.

– والغلام؟

– معها فإنها لا تغفل عنه طرفة عين ولا تفارقه في الليل والنهار.

– إذن فلننتظر هنا.

ثم نادى فاندا وقال لها: اركبي مركبة بعد أن تجتازي النهر وأسرعي بها إلى شارع بيبينار عند الكونتس أرتوف وأحضري من عندها مائة ألف فرنك، فإن من كان له ثروتها يوجد في منزله مثل هذا المبلغ وأسرعي ما استطعت فإن قلبي يحدثني بأننا أضعنا الوقت.

فأسرعت فاندا وبقي روكامبول وميلون مع بطرس.

فقال له بطرس: أتعلم ما تريد أن تصنع فاسيليكا بالغلام؟

– كلا!

– تريد أن تميته جوعًا بغية الانتقام؛ لأنها تعلم أنه إذا مات الولد تجن أمه وربما ماتت وهاتان الضربتان تكونان قاضيتين عليك؛ لأنها لا تبغي الانتقام إلا منك.

فارتعش روكامبول وأجاب: إن فراستها لم تخطئ فإن قتل الغلام يقتلني دون شك.

فقال ميلون متحمسًا: ولكنها لا تستطيع أن ترتكب هذه الجريمة ونحن في أثرها.

وكأنما بطرس قد تنبه لكلام ميلون فالتفت إلى روكامبول وسأله: إني إذا أخبرتكم بمحل الغلام ثم قبضت منكم المال فمن يضمن لي أنكم لا تسترجعون ذلك المال وأنتم ثلاثة وأنا واحد؟

فقال روكامبول: إن من كان مثلي يفي بوعده.

– إذن أصدق وعدك.

ومضى على ذلك ساعة ثم سمعوا صوت مركبة تسير على الجسر حتى وصلت إلى حيث كانت الجماعة، فوثبت فاندا إلى الأرض وقالت لروكامبول: هو ذا قد عدت بالنقود.

ثم أعطته لفافة من الأوراق المالية فأخذها منها ودفعها لبطرس قائلًا: خذ ثمن خيانتك وتكلم.

فمشى بطرس أمامهم قائلًا: اتبعوني أرشدكم إلى موضع الغلام.

وساروا جميعهم على ذلك الجسر حتى بلغوا إلى الضفة الثانية من النهر، فسار أمامهم حتى دنا من بيت معتزل فوقف بعيدًا وأشار لهم بيده.

فنظر روكامبول إلى حيث أشار سائلًا: أهو هذا الكوخ الذي تكتنفه الحديقة؟

– نعم.

– وما هذا النور الذي ينبعث من بين الأشجار؟

– هو نور غرفة فاسيليكا الخاصة وهي فيها وحدها مع الغلام تنتظرني، ولكن احذر إذ يجب أن تدخل دون أن يشعر بك أحد وأن تكون وحدك.

– لماذا وحدي؟

– لأنها إذا سمعت وقع خطواتك تحسب إني أنا القادم فلا تستعد لشيء، وأما إذا سمعت وقع أقدام كثيرة تتأهب ويحدث ما لا تحمد عقباه.

ثم أعطاه مفتاحًا وقال: هذا مفتاح الحديقة المشرف بابها على الرصيف، وهذا مفتاح الباب الخارجي المشرف على الشارع فادخل من أيهما شئت أما أنا فسأهرب.

– كلا، إنك لا تستطيع الفرار الآن قبل أن استوثق منك، فإني أخشى أن تكون خدعتني.

ثم التفت إلى ميلون وفاندا وقال: إني أئتمنكما على هذا الرجل.

فقال ميلون: إنني أتعهد به.

وقالت فاندا: ألا تريد أيها الرئيس أن أذهب معك فإني خائفة عليك؟

فهز كتفيه وقال: لا سبيل إلى الخوف، فأبقي مع ميلون لحراسة الرجل.

ثم تركهم وذهب إلى باب الحديقة ففتحه بالمفتاح ودخل.

وبقي ميلون وفاندا خارج الباب وكان ميلون قابضًا على بطرس، وكانت فاندا تضطرب وقد ملأت قلبها الهواجس.

أما روكامبول فإنه أقفل الباب وراءه واحتجب عن الأنظار، فاتقدت عينا بطرس بشعاع غريب، كأنما ساعة الانتقام قد دنت، ثم انقطع كل صوت، ودخل روكامبول إلى منزل عدوته اللدودة.

٤٩

وكانت فاسيليكا وحدها في غرفة ضعيفة النور تشرف على الحديقة وقد وضعت في إحدى زواياها سريرًا وعلى هذا السرير الغلام.

وكان رأس الغلام لا يزال معصوبًا وهو مصاب بالحمى منذ ثلاثة أيام لم يذق في خلالهما طعامًا.

وكانت فاسيليكا قبل أن تنشب فيه براثنها تلاطفه وتملقه وتعده الوعود الجميلة وتعلله بقرب دخول أمه، فانتظر الطفل صابرًا، ولكن الساعات توالت والأيام تعاقبت دون أن تحضر أمه، فخاف وعاد إلى البكاء، فأزعج صوت بكائه فاسيليكا، فحبسته في الغرفة وحده وخرجت إلى غرفة أخرى، فاستحال خوف الغلام إلى رعب شديد وجعل يصيح صياحًا مؤلمًا.

فصبرت هنيهة على صراخه، ولكنه لم ينقطع عنه فهاجت أعصابها ودخلت إليه وبيدها كرباج، فإن هذه المرأة الوحشية كانت متعودة أن ترى الفلاحين في أراضيها يموتون تحت السياط، فلم تأخذها شفقة على تلك الزهرة المقطوفة من جنة عدن، ولم تعطفها الرحمة بطفل خلق ليكون رسول المحبة وأستاذ الرفق، ولم تحن على تلك الدموع التي كانت تقضي في بيت أبيه جميع حوائجه فانهالت على جسمه الصغير بذلك السوط تضربه ضربًا مؤلمًا متصلًا، حتى خاف الطفل واضطر مكرهًا إلى السكوت على فرط آلامه وأوجاعه.

واكتفت فاسيليكا بسكوته وقالت له: احذر أن تصيح بعد الآن فإني أعود إلى جلدك بهذا السوط.

وجعل ذلك المسكين يبكي بالسر وهو يتعذب من الجوع وآلام السوط، ويذكر اسم أمه بصوت منخفض يتقطع له قلب الجماد وهو لا يجسر أن يناديها جهارًا حذرًا من ذلك السوط، إلى أن تغلب عليه النوم فنام نوم السكارى لشدة ما عاناه.

ولما صحا في اليوم التالي عاد إلى البكاء، فعادت إلى السوط فسكت. وفي المساء تمكن منه الجوع، وقاسى منه ما لا يحيط به وصفه فلم يقنط من الحياة، وجعل يبكي ويصيح ويستغيث غير خائف من جلد السياط.

وما لبث طويلًا حتى فاجأته الحمى فجعل يهذو فيضحك تارة ضحكًا عصبيًّا، ويذكر اسمي أمه وأبيه بأعذب الألفاظ، ثم تتمثل له فاسيليكا بشكل شيطان رجيم ويذكر سياطها فيتوسل إليها ويقول: رحماك كفاك تضربينني فلا أعود إلى الصراخ.

وكانت تخطر له أحيانًا تلك المركبة التي جمحت جيادها، فيتمثل له بطرس ويقول: اوقف المركبة فإني أريد أن أنزل وأعود إلى أمي.

كل ذلك يجري وتلك المرأة الجهنمية تنظر إلى نزعه وتخاطب نفسها قائلة: كل ذلك لا يشفي غليلي إلا إذا رآه روكامبول، وحبذا لو جاء قبل أن يموت الغلام فإني أحب أن يرى نزعه، وأن أدفن الاثنين في قبر واحد.

وكانت فاسيليكا مرتدية بملابس الرجال وهي جالسة قرب سرير الطفل في ذلك الوقت حين دخل فيه روكامبول إلى الحديقة وتقول: لا بد أن يكون بطرس قد نفذ أوامري، وجعل روكامبول يعثر به في الطريق فإني قد وعدته بأحسن جزاء فلا يمكن أن يعبث بأوامري، ثم إنه لا يخدمني لأجل المال وحده كما خدمني سواه، بل إنه يريد أن ينتقم مثلي فلا بد لروكامبول أن يقع في الفخ، ولا بد له أن يرى بطرس في الطريق فيقبض على عنقه ويقول له: إلى موضع الغلام أو أقتلك، فيطلب بطرس جزاء ماليًّا فيثق به روكامبول ويقع في الفخ، ثم جعلت تضحك ضحك الهازئين وهي واثقة من الفوز.

وفيما هي تضحك هذا الضحك سمعت وقع أقدام في الحديقة فأطلت من النافذة، ورأت روكامبول فقالت: إن بطرس قد فاز بخديعته ثم اختبأت في الحال وراء ستار.

أما روكامبول فإنه دخل وكان يمشي مشية الحذر المتأني، وقد ذكر في تلك الساعة ما كان يوصيه به أستاذه السير فيليام منذ عشرين عامًا حين كان يقول له: «اذكر أيها التلميذ العزيز أنه من يريد الإساءة ويستخدم لها الغدارة فهو من رجال البله كالحمق، فإنه قد يخطئ المرمى وينبه إليه الناس خلافًا للخنجر، فإنه أسبق إلى نيل الغايات وأوفى.»

ويعلم القراء أن روكامبول لم يعد من رجال تلك المدرسة، فقد أصبح من التائبين ولكنه في تلك الساعة عاد إلى طبعه القديم وذكر وصية أستاذه، فدخل إلى ذلك المنزل الذي لم يكن يعرفه من قبل مشهرًا بيده الخنجر.

فدخل ردهة كان بابها مفتوحًا ولا نور فيها ولكنه رأى نورًا ينبعث من تلك الغرفة التي كان فيها الغلام فدخل إليها.

وكانت فاسيليكا قد اختبأت كما قدمنا، فلما سمع الطفل وقع أقدام روكامبول ورآه صاح مستغيثًا بأمه، فصاح روكامبول صيحة فرح وأسرع إلى الغلام، وحمله بين ذراعيه وخرج به كما تخرج اللبوة بأشبالها وقد أنقذتها من الصياد.

ولكنه لم يكد يرجع به ويبلغ إلى عتبة الباب حتى رأى فاسيليكا قد تصدت له، وقد حملت بيدها سيفين وبيدها الأخرى غدارة صوبتها إلى رأس الطفل، وقالت: إذا خطوت خطوة واحدة قتلت هذا الطفل بين يديك.

٥٠

وتقدم روكامبول خطوة إلى الأمام وهو يضم الطفل بيده إلى صدره، ويشهر الخنجر بيمناه قائلًا: اذهبي من طريقي.

واستمرت فاسيليكا في موقفها، إذا تقدمت خطوة أطلقت النار.

فأرجع روكامبول الطفل إلى سريره وانقض عليها، ولكنها كانت ألقت أحد السيفين على الأرض، وحولت رأس الآخر إلى صدره فلم يجد بدًّا من الوقوف، وعند ذلك قالت له: إنك تعلم دون شك أن الخنجر ليس له طول السيف.

ثم وضعت غدارتها فوق منضدة كانت وراءها ورفست السيف الملقى على الأرض برجلها، وقذفته إلى جهة روكامبول قائلة: إني أعددت لك أيها اللص السفاك ميتة جميلة ذلك أنك ستقتل بالمبارزة قتلًا شريفًا لا عيب فيه ولكنك ستقتل من يد امرأة.

وهاج غضب روكامبول وأجابها: ابعدي من سبيلي.

– اصغ إلي أيها الشقي، إنه أسهل لدي الآن من أن أمد يدي فأتناول الغدارة وأطلقها عليك فأسيل دماغك ثم أجهز بهذا الخنجر الذي بيدك، أو بهذا السيف الذي بيدي على الطفل فأكون قد أتممت انتقامي.

ولكني لا أريد أن أقتلك غدرًا أو اغتيالًا، بل أريد أن تدافع عن حياتك التي سأسلبك إياها بالرغم عنك.

إنك مجرم سفاك وأنا تعجبني الجرائم وأصحابها، وربما كنت أحببتك لولا تصديك لي في أغراضي؛ وذلك لإعجابي بذنوبك، أما الآن فإني أطلب روحك أقبضها، ودمًا بعروقك أشربه، ولكني أريد أن أسفك هذه الدماء نقطة نقطة بمبارزة عادلة، لا كما كنت تقتل الناس أنت من قبل، بل أريد هذا الرجل الهائل الذي يدعونه روكامبول، والذي يضطرب أمامه المجرمون أن تقتله امرأة، وهذا كل انتقامي فالتقط السيف من الأرض وهلم إلى المبارزة.

فغضب روكامبول غضبًا شديدًا ولكنه لم يلتقط السيف بل رفسه برجله.

فقالت: إني أمهلك دقيقتين فإذا لم تبارزني بهذا السيف في خلالها أطلقت غدارتي على الغلام، فتكون قد سببت له الموت وأنت قادم لإنقاذه.

فذهب تردده حين سماعه هذا القول ثم التقط السيف، وقال لها: إن دماء النساء محرمة علي ولكنك لست امرأة بل أنت ضبع كاسر هربت من غابات بلادك، فيجب علي أن أقتلك قبل أن تفترسيني.

ويعلم القراء أن روكامبول كان من خيرة لاعبي السيف، فلا تخفاه خافية من أسرار هذه الألعاب، ولما أخذ السيف وحاول الانقضاض على فاسيليكا كان مستخفًّا بها لحسبانه أنها لا تستطيع معه دفاعًا.

ولكن ساء توهمه فإنه ما لبث أن جال معها في المعترك حتى رآها تلعب بالسيف كما تلعب الأندلسية بالمروحة.

فذعر روكامبول لما رآه من مهارتها وثباتها، وكانت تقاتله قتالًا شديدًا، وهي مع ذلك تضحك وتتهكم وتقول له: إنك حسبت بطرس خائنًا لي ولكنك أبله فإني أنا الذي أردت أن تلقاه ويلقاك.

ثم اغتنمت فرصة من روكامبول وانقضت عليه بحسامها وشكته بصدره، فصاح صيحة شديدة وسقط الحسام من يده ولكنه ظل واقفًا.

وعند ذلك قبض بإحدى يديه على حسام فاسيليكا المشكوك في صدره وطعنها بخنجره طعنة هائلة في عنقها، فأغمده فيه وسقطت فاسيليكا على الأرض والدماء تنصب من فمها ومن عنقها.

فبرقت أسرة روكامبول بعلائم الفوز وأخرج السيف من صدره وألقاه على الأرض، ثم أسرع إلى سرير الطفل وكان مغميًّا عليه فاحتمله وخرج به مسرعًا إلى الحديقة والدماء التي تسيل من جرحه تخط وراءه أثرًا طويلًا.

أما ميلون وفاندا فكانا لا يزالان على باب المنزل الخارجي ينتظران عودته، فصبرا نحو ساعة حتى سئما الانتظار وثارت الهواجس بفؤاد فاندا فسألت: ماذا عسى أن يكون قد حدث؟

فضحك بطرس ضحكًا عاليًا وقال: لا شك أنكم من البلهاء، فإن هذه الداهية لا بد أن تكون قد قتلت روكامبول.

فذعر ميلون أشد الذعر لكلامه وانقض عليه فطعنه بخنجره طعنة قاضية وهو يقول: أتنذر بموته أيها السافل وأنت تضحك؟

ثم تركه مخضبًا بدمه ورفس الباب برجله فانكسر.

ودخلت فاندا وهي تثور ثورة اللبوة فتبعها ميلون حتى وصلا إلى غرفة فاسيليكا فرأياها صرعى تنزع النزع الأخير.

ولكنها حين رأتهما ثارت فيها عاطفة الانتقام فقالت لهما: إنه جرحني ولكنه لا يعيش طويلًا؛ لأن سيفي في صدره.

واضطربت فاندا وقالت: ولكنك تموتين قبله على الأقل.

ثم أخذت الغدارة التي لا تزال محشوة وأطلقتها على رأسها فسال نخاعها وذهبت روحها الشقية.

وكان ما نزف من دماء روكامبول أثرًا ظاهرًا يدل على الطريق التي سار بها، فصرخ ميلون بصوت مختنق: ويلاه إنه مات.

وردت فاندا: لا تقنط من رحمة الله وهلم بنا نقتفي أثره.

وكان القمر يسطع في السماء فينير الأرض كما ينير الفجر، واندفعت فاندا تسير في أثر الدماء وخلفها ميلون وهو يبكي كالأطفال، حتى وصلا الحديقة وكانت الدماء أكثر غزارة عند بابها، وخرجا منه إلى الرصيف وبعد أن سارا عليه عشرين خطوة عثر ميلون بجسم صغير، فنظر إليه فإذا هو الطفل مغميًّا عليه.

فحمله وسار مع فاندا يقتفيان أثر الدماء حتى بلغا إلى سلم ذلك الرصيف المؤدية إلى مياه النهر.

وهناك انقطع أثر الدماء وكانت مياه النهر ساكنة هادئة، كأنما تطوي بين أمواجها سرًّا من الأسرار فذعر ميلون وصاح: ويلاه إنه مات.

وارتدت فاندا إليه وقد اتقدت عيناها ببريق ناري وقالت: كلا، إن الله لا يريد له أن يموت … كلا إن روكامبول لم يمت، فاذهب يا ميلون بالطفل إلى أهله، ودعني أقتفي آثاره فإما يكون حيًّا فأحيى بحياته، أو يكون ميتًا فأكون بعده من الهالكين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١