الخيانة وإبليس

ها قد دخلنا القرن العشرين ولم يزل في الأُمَم المتمدنة من يقول إن للشيطان دخلًا في شئون الناس. قد نُقحت التعاليم الدينية ولم يزل للشيطان أثرٌ فيها، تغيرت الشرائعُ المدنية وتَبَدَّلَت عملًا بسنة الترقِّي الدائم، ولكن الشيطان لم يزل باقيًا في مجلات الأحكام ودساتير الأُمَم، رَقِينَا في الحضارة بعض الرقي وتقدمنا في العلوم والاختراعات، ولكن العقيدة المفزعة التي تُرعب الإنسانَ وتُخيفه باقيةٌ على قوتها في معاقل تلك الحضارة وثنيات تلك العلوم. هي العقيدة التي تشوه شرائع أرقى دولة أُوروبية حتى الآن، هي العقيدة التي تشوب جمال الدين المسيحي وتفسد ما فيه من التعاليم الأدبية والروحية السامية، هي العقيدة التي «نُبَعْبِعُ» بها الأطفال ونزرع باسمها في جَنَانهم الصغير بذورَ الخوف والجبن وضعف الإرادة.

متى يا ترى ترمد نيران الجحيم؟ متى يموت الخنَّاس الموهوم؟ متى يزول الخوف والرعب من قلوب البشر؟ متى نُقلع عن تعليم الأطفال الأكاذيب؟ متى تنقَّح شرائعُ الدول المتمدنة ليكون بينها وبين تَقَدُّم العلم شيءٌ من النسبة؟ هَذِي هي إنكلترا تلك البلادُ التي نَبَغَ فيها دورين وهكسلي وسبنسر، البلاد التي تُفاخر العالم بشكسبير وبَيْرُن وبُرنس لم تزل رائحة الكهف والصحراء تُشتمُّ حتى اليوم من شرائعها المدنية، لم تزل هذه الحكومة تُشبه في بعض أحكامها الشعوبَ البربرية التي تؤدي الجزية صاغرةً للعرش البريطاني.

حكم يومًا في لندرا بالموت على رجل يُدعى لنش؛ لأنه حارب مع البوير الحكومة البريطانية وهو بريطانيُّ التبعة، وفي عرف الشريعة المدنية المكتوبة قد خان هذا الرجل مَلِكَتَهُ وحكومته وشعبه، ولم يزل الموت عقاب الخائن في كل الأُمَم، والدول المتمدنة وغير المتمدنة سواءٌ من هذا القبيل، ولكن ألا يوجد شريعة أرفعُ من الشريعة المسنونة؟ هل تخلصنا — أيها القارئ الحر — من عبودية الأفراد لنقع تحت نير عبودية الحكومة؟ هل وُجِدَت الدولة للإنسان أو هل وجد الإنسان للدولة؟ الحكومة نفسٌ وقلب وضمير ليدافع عنها كل فرد من أفراد الأُمَّة أَوَلَا يحق للمرء أن يرفض التطوع في جند الحكومة إذا كان ذاك الجند يحارب حربًا ظالمة، أولا يحق لمحب العدل والحق والحرية أن يستل سيفه على حكومته إذا رآها تحارب ظلمًا وعدوانًا لتقتل استقلال شعب ضعيف وتسلبه حريته؟

الجندي الذي يهجم مجردًا على حصون العدل والحق إنما هو الخائن بعينه، وهو الذي يجب أن يحاكم من أجل خيانته في المحكمة الحربية، وأما الجندي الذي نفض عن حذائه غبار شعبه وتبرأ من أُمته لَمَّا رآها تُحارب حربًا ظالمة وتَطَوَّعَ في جيش الحرية والاستقلال فهذا — والله — يجب أن يُكلَّل بالغار، يجب أن يُنصب تمثاله في عاصمة الأُمَّة ليقتديَ به كُلُّ من جعل الحرب مهنته وحمل السلاح للارتزاق، ولكن ماذا تقدم الدول المتمدنة لمثل هذا الآن؟ إكليلًا من الشوك عوضًا من إكليل الغار ومشنقة بدلًا من التمثال، وهكذا فعلت الحكومة البريطانية بالقائد لنش، وفعلت أكثر من ذلك، فقد قلت إن شرائعها لم تزل مشوهة بالخرافات والخزعبلات والشيطان الموهوم لم يزل في مجلة الأحكام الجنائية، وإليك نص التهمة التي رفعها نائب الملك إلى المحكمة قال:

قد أغرى الشيطان «لنش» وحَمَلَه على ترك الجند البريطاني ليحارب الملكة وحكومتها؛ ولذلك نطلب محاكمته كما يحاكم الخائنون.

«قد أغرى الشيطان فلانًا» تأملْ هذه العبارة التي لم تزل في مجلة حكومة تفاخر جميعَ الشعوب بتَمَدُّنِها، وهل تظن أنه يُوجد قاضٍ واحدٌ بين كل قُضاة إنكلترا المفكرين يعتقد بأن الشيطان أغرى لنش ليحمل السلاح على حُكُومته، ولكن القديم يبقى على قدمه والترقيع من مميزات تَمَدُّننا الحديث، أين هو الشيطان؟ وكيف هو؟ ومن هو؟ وبأي هيئة يظهر للإنسان ويوسوس بأُذُنه كما يعبر عن طريقة تكلمه في الكتب المقدسة، ومن مِنَّا رآه في غير عالم الخيال؟

والحق يقال: إننا لا نُهذب ونمدن حقًّا قبل أن ننزع هذه الاعتقادات من تعاليمنا، ليس هناك شياطينُ غير بشرية، وعالمُ الجن هو عالمُ الوهم والخيال، هو عالم الشعراء لا عالم المتشرعين، قد يكون الشيطانُ جميلًا في ديوان الشعر ولكنه في مجلة الأحكام قبيح، الشياطين الموهومةُ غير المحسوسة وغير المنظورة هي ناتجة إما عن اضطراب في المعدة أو اختلال في العقل أو عن جهل بربري، أقولُ هذا مستثنيًا الشعراء؛ لأنهم وشياطينهم سواءٌ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠