المقالات

وصية فؤاد باشا السياسية١

قيل: إن دخول الحقيقة قصورَ الملوك لَمِنْ أصعب الأُمور، وهي حقيقة جديرة بالنظر، فلو تَأَمَّلَها الساسة العثمانيون والمصلحون لكانوا يقلعون عن مخاطبة الحاكم في إصلاح شئون الدولة، فالحاكم لا يصلح، الحاكم يحكم، وعلى المحكومين إذا كان النير ثقيلًا أن يخلعوه وينبذوه، على المحكومين إذا كان الحكم ظالمًا أن يصلحوه أو يأبوه.

فالحاكم الظالم مظلومٌ مثل رعيته وكفاه متاعب الحكم وعذابه متى بدأ النير يتقلقل على رقاب العباد، لو كنت أنت الحاكم أيها القارئ المظلوم وجاءك وزيرك ذات يوم يقول: قد تخلع النير وتفكك يا مولاي فماذا تقول له إذا كنت لا تستطيع اصطناع أو ابتياع نير جديد، أتأمره بأن ينزع النير المخلع أو يصلحه؟ لا فإنك تقول له: أصلحْه وثبته في مكانه، وهذا هو الإصلاح الذي يباشره الملوك والسلاطين إذا كان يُرجى منه إصلاح، وجديرٌ بنا أن نذكر أن الإصلاحات التي جرتْ في الدول الأجنبية لم تكن إلا نتيجة القسوة التي استخدمها الشعب نحو حاكمه، والشعب لا يلتجئ إلى هذه الوسيلة الفعَّالة إلا إذا أفاق من سباته وتَنَبَّهَ إلى حقوقه وتهذب شعوره نوعًا، بدل أن نوجه الكلام في وصيتنا السياسية إذًا إلى الحاكم لنعلمه بأن النير تخلع ويقتضي إصلاحه، بدل أن نبسط الكلام إلى السلطان في كيفية تأييد وتعزيز دولة استبدادية؛ كان الأجدر بنا أن نبسطه إلى الشعب المظلوم فنريه بعضَ أسباب الظلم التي تُوَرِّث البلاء والشقاء، ونهديه إلى بعض الوسائل الفَعَّالة التي تزيل هذه الأسباب.

فلو وجه فؤاد باشا خطابه إلى الأُمَّة بدل أن يوجهه إلى حاكمها، لو وجهه إلى المظلوم بدل الظالم، فكان أفاد حيث أجاد؛ لأن رأي من يُطاع يؤثر في الشعب الجاهل أكثر من رأي مَنْ لا يُطاع. والأفراد المستنيرون يثقون بكلام وزير فقهته الحوادث وأنارتْ العلوم فؤاده، لا سيما وفي هذه الوصية كلمتُه السياسيةُ الأخيرةُ وكلمة السياسي الأخيرة قَلَّمَا تشوبُها السياسة.

وقد أدرك هو ذلك إذ قال: «إن الصوت الخارج من القبر لا يكون كاذبًا.» على أنه إن لم يكن كاذبًا فقد يكون مخطئًا، وقداسة الضريح لا تمنعنا من أن نشير إلى هذا الخطأ، نشير إليه مع إجلالنا صاحب الوصية واعتبارنا وصيته كمجموعة آراء سياسية فيها الغَثُّ وفيها الثمين، فإننا نحترم بعض السياسيين ولكننا لا نأمن أحدًا منهم، أما الوصية إجمالًا ففيها دليلٌ ناصعٌ على اختبار صاحبها الواسع وحكمته وعلى تَعَمُّقِهِ في درس ما دَقَّ وخفي من الأُمُور السياسية.

وفيها أيضًا من الآراء السديدة والحكم البليغة ما يسر ويدهش المتفلسفين وإليك بشيءٍ منها:

إن ترقيات جيراننا السريعة وتأخرنا الناتج عن أغلاط أجدادنا الغير مقصودة قد أوقعنا الآن في مهلكة عظيمة لا يمكن الخلاصُ من عاقبتها الوخيمة إلا بقطع كل علاقة مع حالتنا السابقة والعمل على تجديد قوى الدولة بالوسائط العصرية الحديثة.

وكيف يتسنى للفرد أو للأمة الانسلاخُ عن الماضي، إنها لإحدى طرق الإصلاح ولكنها ليست بالأقرب والأسهل، بل هي نتيجة لها مقدمات، وذروة ذات عقبات، فالانسلاخُ عن الماضي ليس بأمرٍ سهل بل وغالبًا مستحيل، وأما التخلص من «أغلاط أجدادنا الغير مقصودة» فتلك مسألة أُخرى ومن هذه الأغلاط غلطة مدنية عظيمة بل خرافة سياسية وخيمة لا نظنها تتسلط إلى الأبد على عقول الناس والأُمم، فإن العلم يزعزعها وإن كانت متأصلة في الأجيال، والزمان يهدها وإن كانت راسخة كالجبال.

ونريد بهذه الغلطة بل بهذه الخرافة الحكومة الملكية حيث الأُمَّة ومعظمها من الفقراء والبائسين تلزم بمعاش فرد عظيم فيها لا يتعيش قط في حياته فترضاه عليها ملكًا وتعد له الصروح والقصور وتحيطه بالحجاب والحرس وتنفق عليه (ناهيك عن ذريته وحواشيها) ما فوق مائة أو مائتي ألف ذهبًا كل عام، ومع ذلك فصاحبُ التاج والصولجان اليوم قلما ينفع الأُمَّة (ألف سلام على ملوك الزمن القديم) وأما في زماننا فهذا الفرد العظيم يكون إما خيالًا كمالك الإنكليز وإما مقلقًا كإمبراطور ألمانيا وإما ظالمًا ﮐ …

ولكنهم كلهم يظلمون متى استطاعوا إلى الظلم سبيلًا، فالحكومة الملكية غلطة من أغلاط الأجداد لا بد أن يُصلحها العلم والزمان في كل مكان، وهناك غلطات أُخرى ذكر صاحب الوصية بعضها، فالماضي من هذا القبيل يا أسيادي لا يتسلط إلى الأبد على المستقبل، والتقاليد لا تستعبد الأُمَم إلى الأبد، فإن القوى الكامنة في المستقبل الغير المحدود لا تقوى عليها سلطةٌ محدودة هي ابنة أربعمائة أو ألف عام، بل من المستحيل أن تخضع الأبدية لبضع ساعات زائلة، ونسبة القرن إلى الأبدية كنسبة الساعة إلى الألف عام. ففي المستقبل إذًا دول جديدة ورجال، ومن وراء المستقبل ينظر الله بعين واحدة إلى ذوي المحاريث وذوي التيجان.

أما الترقيات الحديثة التي يروم فؤاد باشا إدخالها إلى الدولة فإنها — في رأينا — لا تكفي لتعزيزها وإصلاح شئونها؛ لأن السكك الحديدية والتلغرافات والتلفونات والقوات الكهربائية والبخارية كافة تزيد الأُمَّة قوة، ولكنها لا تزيدها عقلًا، تزيد الملك مناعة ولكنها لا تزيده علمًا، والأُمَّة اليوم أفقرُ إلى نور العلم الصحيح منها إلى نور الكهرباء، هي أحوجُ إلى التهذيب منها إلى السلاح ولَعَمْرُ الحق إن الأُمَّة المهذبة لَأَمْضَى سلاحًا في يد الدولة، نحن الآن أفقرُ إلى مدارسَ راقية وطنية منا إلى السكك الحديدية.

وأما إذا وضع حجر زاوية هذه المدرسة عند حدِّ خطوط «السكة» فلا بأس بالاثنين، وإذا كان ذوو الأمر يعاملونا مثلما كان أحد الأمراء الأشحاء يعامل ذويه فيقول لهم: اليوم تأكلون إما لحمًا وإما عنبًا اختاروا أحد الاثنين فجوابنا حاضر «أمسكوا علينا البخار والكهرباء الآن وأسسوا لنا المدارس الوطنية، دعونا نُسافر كما كان يُسافر أجدادُنا ولو فترة أُخرى من الزمن، حكيم على حمار خير من حمار في السكة.»

لنعد الآن إلى الوصية فقد جاء فيها: «ولزيادة الإيضاح أقول إن دولتكم العلية إذا لم يكن لها قوة إنكلترا البحرية وقوة فرنسا العلمية وقوة روسيا العسكرية؛ فلا يمكن سلامتها.»

فقوة فرنسا العلمية تكون لنا في مستقبل الزمن إذا تأسستْ في المملكة اليوم المدارسُ العموميةُ الوطنيةُ المجانيةُ الإجباريةُ، وامتنع فيها تعليم الأديان لنتخلص رويدًا رويدًا من التعصب الديني الذميم الذي لم يزل ينخر في عظام العظام والمستنيرين منا. وتأسس من الجامعات الدينية المتعددة جامعةٌ وطنية عثمانية واحدة، عندئذٍ يصير لنا وطنٌ ننتمي إليه وتمد من العلم قوةٌ تساعدنا على إدخال الترقيات الحديثة إلى بلادنا بواسطة شركاتٍ وطنية لا شركاتٍ أجنبية، فتعزز إذ ذاك الدولة ماديًّا وأدبيًّا، ونتمكن قليلًا قليلًا من مُساواة الروسية بجنديتها وإنكلترا ببحريتها.

قلنا: إن التعصب الديني الذميم لم يزل ينخر في عظام العظام والمستنيرين من العثمانيين، وإليك برهانًا على ذلك من نفس هذه الوصية، فإن صاحبها على ما هو عليه من سعة الاختبار وغزارة العلم ورجاحة العقل يظل متمسكًا بما يدعيه «أغلاط أجدادنا الغير مقصودة» وينسى مرارًا تلك النفس الراقية فيه، فتُرينا نفسه الفطرية ما يحاول أن يُخفيه، فقد جاء في كلامه عن الدين الإسلامي والدين المسيحي (وليته لم يطرق هذا الباب) ما يلي:

ومهما بلغ عدد الزاعمين بأن الدين الإسلامي هو الحاجز دون ترقي هيئتنا الاجتماعية فإنهم جميعهم في خطأ عظيم وضلال مبين …

فالدين الإسلامي لتجرده عن قواعد سِرِّ الثالوث والعصمة قد رافق مجرى الترقيات الكونية.

ولسنا نحن من الزاعمين بأن الدين الإسلامي هو الحاجز دون ترقي الأُمَّة، ولكننا من الزاعمين بأن السفسطة تستولي حتى على عُقُول الوزراء والشعوذة أبدًا تستهويهم، فإذا كان سر الثالوث يؤخر في ترقي الأُمَّة ويضر في صالح الحكومة وجب أن تكون حكومتنا العثمانية أرقى بدرجات من الحكومات المسيحية لتجرُّد دينها الرسمي عن هذه الأسرار، وإذا كان الدينُ الإسلامي قد رافق مجرى الترقيات الكونية كما يزعم صاحب الوصية فلمَ لا نرى لهذه الترقيات أثرًا في دولتنا العلية؟ لا والله إننا نحترم بعض السياسيين، ولكننا لا نأمن أحدًا منهم، فإنهم دائمًا يؤثرون الحقيقة الوقتية الزائلة على الحقيقة الدائمة الأبدية، وإذا كان الفرقُ بين الاثنتين غيرَ بادٍ للقارئ اللبيب فبكلمةٍ أَبْسَطَ نقول: إن السياسي يستخرج دائمًا من ظروف الأحوال شيئًا من الحكمة السطحية ويدمغها بدمغة الحقيقة السامية، ولولا ذلك لَخَلَتْ أقوالُ فؤاد باشا من التعصب والتناقض، وهل ممكن أن تتوحد كلمتنا وتتحد عناصر الدولة المختلفة إذا كان وزراؤنا يتغرضون لغير داع ويتعصبون؟ خذ لك مثالًا آخر من هذا التغرض والتحامل، فإن صاحب الوصية يشارك الفلاسفة في ذم الإكليروس ولكنه يبتعد عنهم منددًا حينما يتعرضون للدين الإسلامي، أمعن النظر فيما يلي:

ويجب على الباب العالي أن لا يُغمض الطرف عن المساعي التي ستُبذل في سبيل اتحاد كنيستي الأرمن والأروام وأن يُساعد — جهده — على انتشار المعتقدات الفلسفية بين التبعة المسيحية؛ لأنها ترفع عن عاتق بني البشر نفوذ الإكليروس.

وأما التبعة الإسلامية فهي بِغِنًى عن مثل هذه المعتقدات! نعوذ برب الناس من شر المنطق والقياس، فإذا كانت المعتقدات الفلسفية تنفع البشر فلِمَ يتمنى نشرها بين المسيحيين دون المسلمين؟ لا والله لا. إننا نذكر من المصلحين العثمانيين من كانت نواياه أنظفَ وأنزه من نوايا فؤاد باشا، فهو ضمنًا يود لو أزالت الفلسفة الدين المسيحيَّ، على أن الاعتقادات الفلسفية إما أن تكون مُضرة بالأديان وإما أن تكون نافعةً، فإذا كانت مضرة فالدين المسيحيُّ لا يستحقها وحده وإذا كانت نافعة فلا يجوز أن يُحرم منها الدين الإسلامي. أرأيت كيف أن الأقوال تسقِّط الرجال؟ هل اتضح لك أن بعض السياسيين لا يستحقون النعوت الشريفةَ التي ينعتهم بها الشعب الغافل، نحن نعلم وكل عاقل يعلم ما للإكليروس بل لرجال الدين على الإطلاق من النفوذ السيئ على الأُمَّة ولكننا لا نقبل أن يقال لنا ذلك على سبيل التعصب من سياسيٍّ يود إذلالَنا، فإذا شاركنا إخواننا المسلمون في انتقاد الإكليروس فليذكروا — دام فضلهم — بأن البطريرك والإمام صنوان، وأن الشيخ والكاهن أخوان. والسلام.

تركيا الجديدة وحقوق الإنسان٢

الكتاب النفيس هو الذي تشعر وأنت تُطالعه بأن نفس الكاتب تتنفس في سطوره وخلالها، هو الكاتب الذي لا تَجِدُ في صفحة من صفحاته شيئًا من جراثيم القنوط. هو الكاتب الذي يجري دمُ الحياة الراقية في كلماته، ويشع نور الإخلاص من سطوره، وتتوفر فيه المادة التي تغذي النفس فتنعش فيها الأمل وتُحيي منها العزيمة والإرادة، هو الكاتب الذي يولده العلم مقرونًا مع الاختبار والحماسة مقرونًا مع التفكر والجرأة الأدبية مقرونة مع الحكمة، بل هو الكتاب الذي تتجلى فيه النفس البشرية والذكاء البشري والصناعة الكتابية في أرقى وأجمل صفاتها وإن لم يكن كتاب صديقي جميل أفندي معلوف من هذه الطبقة العليا فهو من أعلى طبقة دونها.

ولَعَمْرِي إن الكتاب الذي ينبه العثمانيين في هذه الأيام إلى أن الأُمَّة العثمانية في بداية ثورة عظيمة، وأن الثورة السلمية لا تُغني عن الثورة العلمية شيئًا وأن التفرنج الحقيقي هي تمول لا تفرنج، وأن التمدن كالهواء والنور مشاع لا حجة للإفرنج فيه، وأن مدارسنا الإكليريكية والسلطانية هي المستنقعات في أرض الحرية العثمانية الجديدة، وأن الحكومة الدستورية ومجلس الأُمَّة لا يسلمان من الخطر إن لم تصلح حالة العثمانيين الاجتماعية بإصلاح العائلة وحالتهم الأدبية بإصلاح المدارس.

وأن من الخطأ أن تضع حجرًا واحدًا من البناء الجديد قبل أن يسقط البناء القديم بأسره، وأن استناد الشرقيين على الدين في أحوالهم العالمية يقضي على مستقبلهم السياسي والاجتماعي والأدبي، وأن الحرية متى حلت أرضًا لا تسمح ببقاء نصف أهلها عبيدًا بينما النصف الآخر أحرار، وأن الحكومة التي تستعبد رعيتها يسلط الله عليها حكومة أقوى منها فتستعبدها، (وما ظالم إلا ويبلى بأظلم) وأن الثورة التي تنفع حقًّا شعوب الأرض هي التي يقوم بها المصلحون على المبادئ الفاسدة التي لا يقوم بها السياسيون على الحكومة؛ الكتاب الذي يصدع بمثل هذه الحقائق هو حري بالاعتبار، الكتاب الذي فيه مثل هذه المنبهات والمقويات لأُمَّة دوختها المظالم السياسية وخدرتها الخرافات الدينية هو حقًّا جديرٌ بأن يُطالعه كل عثماني.

على أن المؤلف حبًّا بوطنه يفادي في بعض المواطن بحكمته فقد يطلق العنان لحماسته في مضمار ضيق، فيضطر — وقد بدت له الهاوية — أن يقف غير موفق دفعة واحدة، وهذا هو السبب فيما جاء في بعض الفصول من تزعزع الرأي والتضعضع، فإننا لا نستصوب البحث الآن فيما قد يعود على الأُمَّة وهي لم تكد تقف على رجليها بالنكسة والبلاء، إذ ما الفائدة اليوم من البحث في استقلال الولايات مثلًا والحكومة الرئيسية لم تتخلص بعد من سيطرة دول أُوروبا ومداخلاتها؟ وما الفائدة من البحث في إقفال المدارس الأجنبية وإبطال الامتيازات الأوروبية ونحن لم نزل عاجزين.

وإن تحريض الشعب على مثل هذه الأُمُور يُحدث في البلاد من القلاقل والفتن ما قد يلحق طفل الحرية منها لطمة واحدة فتقتله وتقضي علينا بالرضوخ لنِيرِ أُوروبا. وأما نشر ما يدعوه صديقي جميل أفندي الديانة الوطنية، أي: ديانة حب الوطن، فهذا وحده يخلِّصنا رويدًا رويدًا من النفوذ الأجنبيِّ من هذه المدارس الإكليريكية، وهذه الامتيازات الأُوروبية، فمدارسُ (آبائنا) اليسوعيين مثلًا تضطر أن تُقفل أبوابها متى تأسست إزاءَها مدارسُ وطنيةٌ كاملةُ العدة مستوفية الشروط.

والبوسطات الأوروبية تمنح مأموريها فرصة على الدوام متى رأت أن دخلها لا يقوم بنفقاتهم، والامتيازات الأجنبية تسقط دون أن نسقط أو نقوم عليها متى نبغ فينا رجالٌ يستطيعون أن يقوموا بأعمال أصحاب هذه الامتيازات حق القيام، وكل ذلك ممكن يا أسيادي متى أصلحت داخلية الحكومة وظهرت فيها نتيجة أعمال الاختصاصيين الأُوروبيين المشتغلين فيها الآن، كل ذلك ممكن متى بدأت الحكومة تؤثر المقتدرين والمتمولين والنابغين من رعيتها على أمثالهم من الأجانب.

حينما تنمو في الأُمَّة عاطفةُ الوطنية يقوم الوطنيون إذًا بما تطلبه حياتنا الجديدة وأُمتنا الحرة من المشاريع الخطيرة، وبكلمة أُخرى حينما تنشر فيها ديانةُ حب الوطن الجامعة المقدسة يضعف نفوذ الأجانب ويتلاشى وتسقط الامتيازات الأجنبية كما سقطت دولتنا الاستبدادية بطريقة هادئة سليمة.

هذا ما أُحب أن أستلفت إليه نظر صديقي المؤلف؛ لأنني رأيته في مثل هذه المواقف يُفادي بحكمته حبًّا بوطنه، ولعمري هي ضحيةٌ ثمينة في كل زمان ومكان، وفي أيِّ سبيل كان.

فاتحة مباركة

جاء في النطق الشاهاني كما دَعَتْهُ الصحافة، أو خطاب العرش كما يُدْعَى عند الإنكليز، أو خطاب الحاكم والوزراء كما هي الحقيقة أن السبب في فضِّ مجلس النواب الأول هو أن الأُمَّة العثمانية لم تكن إذ ذاك أهلًا لحكومة نيابية، وهو عذرٌ سياسيٌّ لا عذرٌ حقيقيٌّ. وإن روح مجلسنا الأول لَتَتَمَيَّزُ غيظًا لدى استماعها هذا الكلام، وكأننا بها تقول: الكذبُ محذورٌ في الدين ولكنه مباحٌ في السياسية.

وكيف لا تكون الأُمَّة أهلًا لحكومة نيابية ومفاوضات المجلس في ذاك الحين أدهشت حتى الأوروبيين! فضلًا عن أن الحاكم بأمره يستطيع أن يفسد ويستبد، بل الحاكم المطلَق العادلُ الحاكم المحب رعيته العامل لخير أُمَّتِهِ يستطيع أن يقلب حكومته الاستبدادية إلى حكومة نيابية في ليلة واحدة إذا شاءت جلالته، ولا ينجم عن مثل هذا الانقلاب السريع ما يضر بالأمة أو يقلقها؛ لأن مَنْ أطاع مليكه وهو ظالم يعبده لا شك وهو عادل.

وما حدث في الأُمَّة اليابانية وحكومتها يؤيد من هذا القبيل حجتنا، وإننا لنكتفي بهذه الإشارة إلى ما جاء في الخطاب عن عدم أهلية الأُمَّة؛ لأن ما مضى قد مضى ومجلس النواب قد عاد ليحيا إن شاء إلى ما يشاء الله.

ولكن في الخطاب مأخذٌ آخرُ للانتقاد، وعلى النواب والصحافيين أن يتيقظوا لمثل هذه التمويهات السياسية وليذكروا — دام فضلهم — بأن حكومتنا النيابية اليوم لم تزل مكتنفة بظل حكومتنا الأمس المظلم الكثيف، وإلى أن تخرج من تحت هذا الظل وتنفض عنها غبار السياسة القديمة سيبقى التمويه سائدًا بين العرش والنواب أو بين الحكومة والأُمَّة. وإنها — والله — لفاتحةٌ غيرُ حميدة ونحن في فجر حياة جديدة؛ لأن الحكومة التي تخرج من باب العسف والظلم فتدخل توًّا باب التمويه والمواربة لا تكون قد حققت آمالَ الأُمَّة والوطن، إذًا ماذا عسى أن يُراد في ما جاء في خطاب العرش من أَنَّ السبب في إعادةِ مجلس النواب هو أن الأُمَّة — والسعي في الثلاثين سنة الأخيرة لنشر المعارف كان متواصلًا — أصبحت الآن أهلًا لأن تحكم نفسها بنفسها، فهل يراد بكلام العرش أن الفضل للحكومة في نشر المعارف والعلوم في الأُمَّة؟ أو أن بين الوزراء مَنْ يُحسن المجون ويجد حتى في هذا الوقت فرصة للمداعبة.

ومَنْ يجهل أن الحكومة الماضية سعت سعيًا جميلًا لنشر العلوم والمعارف بواسطة المراقبة؟ ومن ينكر بأن الجاسوسية كانت لها يد طويلة في زرع بذور الحرية، ومن لم يعلم بأن نُور الحق والمساواة كان ينبعث على المابين من قعر البوسفور، وأن أشعة الدستور كانت تنعكس على العرش من منفى الأحرار ومن نجومهم الآفلة؟ أجل إن حكومتنا في الأمس كانت تروض الأُمَّة وتؤدبها لتكون أهلًا لحكومة نيابية، فالمراقبة والجاسوسية أستاذا الأُمَّة الماهران والبوسفور والمنفى هما الفلق والقضيب، والحمد لله قد تحررنا بعد أن تَكَسَّرَتْ رُءُوسنا وأرجلنا.

إن حكومتنا النيابية إذًا لهي من مكارمِ حكومتنا الاستبدادية، شيءٌ والله جميل! فمن يقول الآن: إن العوسج لا يُثمر ثمرًا طيبًا؟ بل إن دستورنا هو من بنات مكارم «مالك رقاب العباد» لا نتيجة سعي الأحرار والجُند لرفع النير عن رقاب العباد، فإن كان كذلك فلِمَ لم يتكرموا به قبل أن جمع نيازي جنوده واستل أنور حسامه؟

لا يا أيها الإخوان، لا يحق أن يُقال ذلك في هذا الزمان، واعلموا أننا في زمن لا يُرَدُّ فيه تيار العلم مهما اشتدت المراقبةُ ولا يُطفأ فيه مصباح الحرية مهما تعاظم الظلم والاستبداد، وأن ما جاءنا من أمواج هذا التيار ومن نور هذا المصباح فمن روح الزمان جاء لا من أرباب العرش والتيجان.

وقد تحررت الأُمَّة العثمانية الآن وحبطت مساعي مَنْ حاول دَفْعَ هذا التيار العظيم وإطفاء هذا المصباح الكريم. ومن المغالطات أن ظلم الحكومة الماضية واضطهادها الأحرار وضغطها على المطبوعات … إلخ تدعى كلها في خطاب العرش «السعي لنشر المعارف» فإذا كانت الصحافة لا تحتج على مثل هذا الادعاء والنواب لا يتحذرون من مثل هذا التمويه فحالتُنا في نور الدستور والحرية لم تزل كما كانت في ظلام الظلم والفساد.

أشرنا في بَدْءِ كلامنا إلى أن النُّطْقَ الشاهاني كتب بمؤازرة الوزراء — أو على الأقل — بمؤازرة الصدر الأعظم، وكل خبير في شئون الحكومات الملكية يعلم أن خطاب الملك لا يكون من قلم واحد ورأي واحد، بل هو غالبًا نتيجة جلسات عديدة ومفاوضات طويلة بين الحاكم ووزرائه، ولو فرضنا أن الملك يستقل في عمله هذا كما يفعل إمبراطور ألمانيا مثلًا فلا بد من أن يطلع على كلامه الوزير الأكبر قبل أن يلفظه فيغير وينقح فيه ليوافق الأحوال.

وخطاب العرش إلى مجلس نواب الأُمَّة العثمانية لا يستثنى من هذه القاعدة، وفي الوزراء من هو من جمعية الاتحاد والترقي على ما نظن أو فيهم — على الأقل — من إذا أصدرنا منشورًا باسم الجمعية يُردفه بلفظة «المقدسة» فهل بدأت زعماء الأحزاب بالمجاملة والمخاتلة يا ترى، لا سمح الله، ولكن العبارة هذه، أي: «السعي في نشر المعارف» هي مقصودةٌ لا شك والمقصود فيها — أيها الإخوان — التمويهُ والمواربة، وأنصار جمعية الاتحاد والترقي في مجلس الوكلاء يعرفون ذلك ويغضون الطرف ساكتين، وما ضرهم لو أعطوا الآن كل ذي فضل فضله، وتحروا الصدق في أول خطاب من خطب العرش لمجلس الأُمَّة، ما ضرهم لو أهملوا — في الأقل — ذكر أمر لا يستطيع أن يوارب أحد فيه دون أن يشعر بنفور في نفسه من نفسه إذا لم نقل باستياء الناس طرًّا.

ومجلس النواب لم يستحسن هذا التمويهَ على ما ظهر لنا، وكنا نود لو عبر عن استيائه بطريقةٍ إيجابية لا سلبية، فقد أنبأتْنا البرقيات أنه عند الفراغ من تلاوة الخطاب لَبِثَ النواب صامتين ولم يَفُهْ أحدٌ منهم بذاك الدعاء المعروف الذي طالما رددته الأُمَّة في الزمن الماضي، وهذا على ما نظن هو هو جواب النواب على مواربة العرش وتمويهاته. على أننا كنا نود لو فَاهَ أحدُ الأعضاء على الأثر بكلمة احتجاج وجيزة، ولكن إذا أظهر المجلس استياءه بطريقة سلبية، فعلى الصحافة — وهي خير صلة بين المجلس والأُمَّة — أن تُظهر ذلك بطريقة إيجابية، على الصحافة أن تُبرهن الآن بأنها متنبهةٌ متيقظةٌ، وأن من حقوقها أن تُطالب المجلس والعرش بحقوق الأُمَّة، وأن ترد الفضل في نشر المعارف والعلوم إلى مكانه وذويه.

العفو العالي

جاء في الإرادة السنية التي قرأها علي جواد باشكاتب المابين في مجلس النواب أنْ «قد صدر العفو العالي عن العساكر الذين اجتمعوا في هذا النهار (يوم سقوط وزارة الاتحاديين) فلا يسألون عما فعلوا» وقد علمت الأُمَّة جمعاء أن من نتائج اجتماع — بل هياج — العساكر المتمردة قتل ناظر العدلية وعضو من أعضاء مجلس الأُمَّة، فما معنى العفو يا ترى، وماذا عسى أن يكون وراء هذا التسامحُ الشاهانيُّ الجميل.

إن الاعتداء على أحد النواب — ناهيك عن قتله — يعد اعتداءً على المجلس كله بل على الحرية والدستور بل على الأُمَّة بأسرها، ولكن من يعفو عن أنصار الجهل والتعصب اليوم وإن عُدُّوا بالألوف يعفو غدًا عن أنصار النور والحرية وإن عدوا بمئات الألوف، أليس كذلك؟ وإن مراحم «جلالة مولانا» لأوسع من السماء، فأصدقاء الدستور وأعداؤه — الأحرار والخونة كلهم — يقيمون في ظلها الظليل آمنين، أليس كذلك؟

ولكنَّ الريب خلة في بعض الناس، ولا غرو إذا وُجد في المجلس من ارتاب بحسن نيات جلالة مولاه، فقام يعترض على ما جاء في الإرادة السنية فيما يختص باجتماع العساكر يوم قتل ناظم باشا والأمير محمد أرسلان. ولا فرق إن أصدر المرتابون احتجاجهم من المجلس أو من المكان المختبئين فيه، فإن مجلس النواب في مثل هذه الأيام هو حيث يجتمع أو بالحري حيث يختبئ النواب.

ومن جميل أخلاق الشرقيين وبالأخص: الأتراك أن الشدة وإن أنستهم واجباتهم المهمة لا تُنسيهم فروضَ اللياقة والمجاملة، فقد قرأنا في صحف الأخبار رسالةَ تعزية من الرئيس الجديد للمجلس إلى والد فقيد الوطن والحرية، ورسالة أُخرى على شكلها من الصدر الأعظم فقلت: وهل هذا يا ترى أهمُّ ما توجبه عليهم الوطنيةُ اليوم، هل هذا ما يتطلبه منهم الدستورُ ويفرضه عليهم اليمينُ الذي أقسموه؟ أَنَظَلُّ إلى الأبد عبيدَ المجاملة والمصانعة، أفي مثل هذه الدمعة الكاذبة تسر الأُمَّة ويَتَعَزَّى آلُ الفقيد، أَمَا كان أجدر بالنواب أن يبعثوا إلى المابين كلمةَ احتجاج على ما جاء في الإرادة السنية فالمثل: «إن العفو من شيم الكرام» لا يصح دائمًا.

غدًا يهيج الجنود ثانيةً فيقتلون آخر من النواب فتصدر الإرادة السنية بالعفو عن القاتلين، وكلما قُتل أحدُ أعضاء المجلس يفر هاربًا مَنْ يخاف على جلده ولا يخاف على شرفه ويمينه، فلا يمضي — والحال هذه — شهرٌ واحد حتى تخلو كراسي النواب كلها فينعب فوقها ثانيةً غُرابُ التقهقر والظلم ويقهقه تحتها شيطانُ المكر والدهاء والخيانة، أَبِمِثْلِ هؤلاء النواب تنتصر الحرية ويتعزز الدستور؟

في عهد لويس السادس عشر قبل انفجار بركان الثورة بسنة واحدة رفض البرلمان في باريس أن يصدِّق على قرض اقترحه ناظر المالية ليمونه سدًّا لعوز الملك والحكومة، فجاء في اليوم التالي لويس بذاته — وأمر البرلمان أن يصدِّق على هذا القرض فأبى ثانيةً وقام دسبريمنيل فأغلظ الكلام لجلالته وصرح بحقوق البرلمان على الحكومة، فخرج الملك ووزيره محتدمين غيظًا وبعد أيام جاء الضابط داغوست ومعه فريقٌ من الجند وبيده أمرٌ بإلقاء القبض على دسبريمنيل فدخل المجلس وقال: جئت بأمر الملك، فقابله الأعضاء ساكتين واجمين، ثم قال: وبما أنني لا أعرف أحدكم دسبريمنيل أطلب إليه أن يقف لأن بيدي أمرًا … فقاطعه الأعضاء قائلين: كلنا هذا الرجل ولم يقف منهم أحد فخرج داغوست وجنوده يومئذ مثلما خرج مولاه ووزير مولاه في اليوم السابق.

فإن كانت هذه وطنيتهم بل هذه حماستهم وجرأتهم في أمر يُعَدُّ طفيفًا ماذا يا ترى يفعلون لو قتل الجنود أحد إخوانهم على باب المجلس، أيسمعون العفو عن القاتلين ساكتين، أيكتفون بتعزية أقاربه ويؤجلون البر بيمينهم إلى أن يزول الخطر، أتمتهن حرمة الدستور وكرامة مجلس الأُمَّة، أيُعتدى على الحرية وأنصارها، أيهرق دم النواب على باب مجلس النواب ظلمًا وعدوانًا فيفر الجبناء من الأعضاء هاربين ويظل الباقون منهم ساكتين، أليس الاعتداء على أحدهم اعتداءً عليهم أجمعين؟

أمر لويس السادس عشر بنفي دسبريمنيل أحد أعضاء البرلمان، فأجابه البرلمان بصوت حيٍّ: كلنا هذا الرجل، غُمست حِرَابُ فريق من العسكر بدم الأمير محمد أرسلان فعَفَى السلطانُ عن الجانين وسكت النواب عن عفو السلطان، وكأني بهم يشكرون الله على سلامة دمائهم الكريمة! وهذا — أيها الإخوان — الفرقُ بين الشرقيين اليوم والغربيين في مجالسهم النيابية وتجاه ملوكهم.

إن الحراب التي صرعت الأمير محمدًا أرسلان حاولت صرع الحرية والدستور، بل هي حراب أُشْرِبَتْ سم الخيانة من أعلى مورد في الحكومة، فاذكروا هذا أيها الناس ولا تنسوه أيها النواب.

الحرية وحدها لا توحدنا

إني ممن يقولون بالطريقة البطيئة الثابتة في إصلاح الأُمَم والناس، إني ممن يرتأون أنْ لا خلاص للشعوب من الجهل والجمود والخمول إلا بالتهذيب والتربية، وما الثورةُ عندي سوى أُمْثُولةٌ صغيرةٌ في تهذيب النفس وتثقيف الأخلاق؛ لأننا إذا تعلمنا أن نثور على المُسْتَبِدِّين والظالمين من أسيادنا نتعلم أن نثور حتى على أنفسنا متى كنا من هؤلاء الظالمين والمستبدين، وهذا لعمري أهم من ذاك، ولكننا لا نحسن نحن السوريين لا هذا ولا ذاك. نحن قومٌ تعددت في بلادنا المدارسُ الأجنبية وكثر فينا التقليد والادعاء، كنا بالأمس في مقدمة الشعوب بالرضوخ للضيم والاستسلام للهوان، وصرنا اليوم في مقدمة طائفة من الناس لا يحركون في سبيل الأُمَّة سوى القصبة واللسان.

ومتى كثر في الأُمَّة المرشدون والناصحون المتربعون بدست السيادة بَشِّرْ تلك الأُمَّة بالهلاك، بدل أن تنصحني ساعدني، بدل أن ترشدني سِرْ أمامي؛ إذ ما الفرق يا ترى بين منافق يناهض حاكمًا مستبدًّا ولص يندد باللصوص والقَتَلَة؟ ما الفرق يا ترى بين متعصب يقول ما أجملكِ وما أسماكِ أيتها الحرية وبين شيطان يتغنى بمدح الملائكة؟ إن الاثنين عندي سواء.

على أنني أجد بونًا شاسعًا بين عالم لا يعلم أن العلم إنما وُجد لنفع الناس لا لإثارة الفتن في الناس، ورجل عاش جاهلًا ومات جاهلًا وكان من آل الفضل في الناس. وإني — واللهِ — لَأُفضل هذا الجاهلَ الصادقَ على ذاك العالم المنافق، إني لَأُوثر النفسَ الصافيةَ الساذجةَ على نفسٍ متفقهة لا تعرف من سُبُل الحياة إلا تلك الموحلة المظلمة، ولا من أماني الحياة إلا تلك التي يحبل بها دود الأرض وتتغذى من سم الأفاعي.

أجل يا أخي إن جمَّالًا صالحًا أو إسكافًا حُرًّا صادقًا لَخَيْرٌ من الأمراء والرؤساء والعلماء الذين لا يعرفون من الحق والعدل، ومن الخير والإحسان، ومن الإخلاص والفضل إلا أسماءها.

إنَّ حاجتنا إلى التهذيب اليوم لَأَشَدُّ منها إلى السكك الحديدية والتلفونات، إن حاجتنا إلى العلم الصحيح الذي يهذِّب الأنفس ويُرَقِّي العقول ويثقف الأخلاق لَأَشَدُّ منها إلى العلوم اللغوية والفقهية واللاهوتية والخنفشارية. والتهذيب الصحيحُ ينبغي أن يَعُمَّ عناصرَ الأُمَّة بأسرها على السواء ليأتي بفائدة تُذكر للأُمَّة، وعندي أن أشد الويل والبلاء إنما هو في بيتٍ يعيش تحت سقفه الجاهلُ والعالم معًا.

إن وطننا بهذا البيت أيها الإخوان، وعناصر الأُمَّة فيه كأفراد تنافرتْ أذواقهم وأخلاقهم وتعددت صبغاتهم القومية والدينية وتباينتْ فيهم درجاتُ المدارك والعلوم، فإذا ارتقى عنصرٌ من عناصر الأُمَّة دون سواه يلتجئُ غالبًا إلى المهاجرة إذا ظلت العناصر المُنْحَطَّة واقفةً في طريق ترقيه كالسد في وجه المياه، أما الآية، ورب فئة صغيرة غلبت فئة كبيرة، فالتاريخ لا يشهد على صحتها إلا مرة في الألف؛ لأن الطبيعة لا تسمح أن تكون المعجزات فيها مبتذلة، والغالب المبتذل هو أن الأكثرية إن كانت في المجالس النيابية أو في الطبيعة تتغلب على الأقلية.

على حكومتنا الدستورية إذًا أن تنتبه إلى هذا الأمر الخطير إن كانت ترجو أن ترتقي الأُمَّة وتحيا، على حكومتنا أن تُباشر تأسيسَ المدارس الوطنية العمومية الإجبارية المجانية المجردة عن كل صبغة دينية. وإن كانت لا تباشر قريبًا فلا ترج يا أخا الحماسة كبيرَ خير من هذا الانقلاب ومن هذا الدستور ومن هذا المجلس النيابي.

أظنُّك تعلم أيها القارئ العزيز أنْ لا غاية لي من الكتابة والخطابة والتأليف سوى نشر المبادئ الحرة والتعاليم السديدة في الأُمَّة، وأن من تجرد عن المآرب السياسية وعن الأغراض الشخصية المادية يرسل كلمته في الناس دون أن يُراعِيَ خاطر أحد من الناس، منذ خمس سنوات عُدْتُ إلى وطني من العالم الجديد وحتى الآن ما عرفت من الرؤساء المدنيين والدينيين إلا من أحب أن يعرفني أو من جمعتني به التقادير، قضيت هذه المدة كلها بعيدًا عن الرئاسة والسياسة فبان لي أن في طاقة الإنسان أن يعيش سعيدًا دون أن يتزلف من السياسيين والأمراء أو عُمَّال الحكومة والرؤساء، نعم عشت محرومًا هذا الشرف العظيم فكانت همومي الأدبية ومتاعبي السياسية أقل من هموم سواي من الأدباء.

عسى أن يعذر القراء مني هذه الكلمة الشخصية، فما قلتها إلا لأبني عليها قاعدة عمومية هي جديرةٌ باعتبار كل مَنْ زاول صناعة الكتابة وأَحَبَّ أن ينفع الناس بعلمه وأدبه. إن التقرُّب من العظام — وبالأخص أصحاب السيادة — منهم يُفقد الكاتبَ مزية الحرية والاستقلال. هذه هي القاعدة العمومية التي قلت من أجلها كلمتي الشخصية، تكلمت عن نفسي، وما كنت لأفعل ذلك في غير هذه الأحوال لأؤكد لكم — أيها الإخوان — أن الآراء التي أُبديها والمبادئ التي أُنادي بها إنما هي ثمرةُ علم لا يعرف التفريقَ والتحزبَ ولا يفرِّق بين الجنسيات والأديان.

أُحب أن أُردِّدَ بعد هذا التمهيد كلمتي السابقة عن المدارس الوطنية وأُردفها بكلمةٍ ليست بِأَقَلَّ منها أهمية، وهي: «صيحةٌ في واد إن ذهبت اليوم مع الريح تذهب غدًا بالأوتاد» إن الأُمَّة العثمانية لا تصير حقًّا أُمَّة واحدة متحدة راقية إلا إذا تأسست في البلاد المدارسُ الوطنية العثمانية المجانية الإجبارية، وتلقن فيها العلوم أبناء المسلمين وأبناء الدهريين وأبناء المسيحيين وأبناء اليهود معًا.

بقي عليَّ أن أقول كلمتي الأخرى، أننا لا نصير أُمَّة راقية حرة بكل معنى الكلمتين إلا متى صار أُدباء المسيحيين وأدباء المسلمين يتباحثون في أي موضوع كان، دينيًّا أو سياسيًّا أو اجتماعيًّا دون أن يُثير ذلك في شعب المِلَّتين غبار الجهل وسموم التعصب، بل إذا كان لا يحق للمسلم أن ينتقد المسيحيين في شئونهم العمومية والاجتماعية ولا للمسيحي أن ينتقد المسلمين فلسنا — واللهِ — بأُمَّة واحدة وليس وطننا بذاك الوطن المجيد الجامع الذي يعبد في هيكله كل أبنائه على اختلاف المذاهب والعناصر والجنسيات، بل إذا كنا لا نتجرد عن صبغاتنا الدينية في شئوننا الوطنية والاجتماعية فحريتنا — أيها الناس — كلمةٌ مقولة، وإخاؤنا لفظةٌ غير معقولة، والمساواة عندنا قاعدةٌ باطلة مرذولة.

نعم يا سيدي، إذا كان إخواننا المسلمون لا يساعدوننا في نشر التعاليم الحرة في الأُمَّة، إذا كانوا لا يؤيدون — قولًا وفعلًا — آراءَ آباء الحرية والدستور، إذا كانوا لا يرددون صدى أحرار المغرب وعلمائه ومن ينحو اليوم في الشرق نحوهم من الأحرار الأصفياء والعلماء؛ فعبثًا يحاول أبطال الدستور والحرية تجديدَ حياة الأُمَّة والمسلمون العنصر الأساسي في الأُمَّة.

وأما انتصار الجيش فلا مجد عظيما فيه إن لم يتبعه انتصارٌ في العلم والتهذيب؛ لأن الجيش وإن دَمَّرَ معاقل الحكومة الاستبدادية فنصره لا يزيل الجهل الذي أُسست عليه تلك الحكومة، وما زال الجهل سائدًا في الأُمَّة. سيان عندي إن كانت الحكومة فردية استبدادية أو حرة نيابية، إن لم تُباشر الحكومة في تدمير حصون الجهل إذًا يعود الجهل فيدمر حصون الحكومة، ولا يتم لها ذلك إلا في تأسيس المدارس العمومية الوطنية مجردةً عن كل صبغة دينية حيث أولاد المسلمين والمسيحيين واليهود والدهريين يتلقَّوْن كلهم العلوم على أُستاذ مدني واحد، وتحت سقف واحد، ومن كتاب واحد، وعلى طريقة وطنية واحدة.

وما هذه ببدعة أُنادي بها، فإن مكتب الصناعة في هذه المدينة أُسِّسَ على هذه الطريقة الوطنية وحبذا لو أَحْيَتْهُ اليوم الحكومة فيكون مثالًا للمدارس العثمانية العمومية الإجبارية، وعبثًا نُحاول توحيد العناصر المتعددة في الأُمَّة إذا كان التعليم لا يوحد على هذه الطريقة الوطنية الجامعة الحرة.

جلست مرة في قهوة من قهاوي البحر أتفرج على الناس يسبحون، تأملتهم في تلك الحالة الطبيعية وقد تجردوا عما يُميز البعض منهم عن البعض، وقلت في نفسي: أين المسلم الآن وأين اليهودي وأين الكافر وأين المسيحي؟ رأيتهم يسبحون كلهم في بحر واحد تحت سماء واحدة وهم لا يستنكفون من أمواج تلعب حول قلوبهم كأنها قلب واحد وتغسل أجسامهم كأنها كلها جسم واحد. فقلت في نفسي: متى يا ترى تصير عقولنا مرنة نشيطة قوية كأجسامنا متى تصير أنفسنا كأمواج هذا البحر فلا تخضع إلا لناموس واحدٍ هو ناموس الله، أو — في الأقل — متى تصير متساهلة كأبداننا فتسبح في بحر الآداب الواحدة وتحت سماء العلوم الواحدة دون تنافر ودون شقاق!

نظرت إلى البحر وأنا جالس في تلك القهوة فرأيت هناك المدرعات الحربية الأوروبية ومنها المدرعتان الإفرنسيتان «لاﭬريته» و«فكتور هوغو» فكرهت الإقامة في بلاد لم تزل تحتاج فيها إلى مثل هذه المظاهرات الكاذبة، وهل كنا نشاهد المدرعات الأوروبية بصفة رسمية في بحرنا لو تأسست عندنا المدارس العمومية الوطنية منذ ثلاثين سنة، هل كانت تلطخ المذابح تاريخنا فتلحق بنا وبوطننا العار والشنار لو وُحِّد منذ ثلاثين سنة التعليم فنمت في قلوب العثمانيين عاطفة وطنية شاملة وانتشر روح التساهل الديني في الأُمَّة؟

لا يا إخوتي، أنا لا أحب أن أرى هذه المدرعات على شطوط بلادنا، أنا لا أحب أن يلتجئ أحدُ عناصر الأُمَّة إلى دولة أُوروبية أنا لا أُحب أن أرى «فكتور هوغو» في بحر بيروت، بل أُحب أن أُشاهد روح فكتور هوغو متجلية في أرواح أبناء بيروت. لا أحب أن أرى «الحقيقة» على شواطئ سوريا بل أحب أن أراها في قلوب أبناء سوريا، أحب أن تحمينا المبادئ السديدة لا المدافع والمدرعات، أُحب أن يحمينا العلم الخالص من الغش والتعصب المجرد من كل مصلحة جنسية أو دينية، أُحب أن يحمينا الإخاءُ العثمانيُّ والجندُ العثمانيُّ والعلم العثمانيُّ.

رجل الشعب

قد مضت السنةُ الأولى من عهد الدستور وما ولدت حرية اللبنانيين إلا الكلام، وماذا يا تُرى يلد الكلامُ وبالأخص ما كان فارغًا أو كاذبًا أو فاسدًا مبرقشًا من الكلام. قد انقضت السنةُ الأولى من عهدنا الجديد ولم يظهر فينا رجلٌ جريءٌ حُرٌّ صادق، رجل عزوم ثبيت سكوت، يعمل من أجل هذا الوطن عملًا واحدًا صغيرًا دون أن يستشير فيه كيسه أو منصبه السياسي، دون أن يلتجئ إلى القناصل، دون أن يستعين ببكركي التي أصبح هيكلها في جمعية الاتحاد والترقي في بيروت، بكركي وبطريركها اليوم فيلسوف تركي يحسن العبادة والصلاة مثلما يحسن العدل في السياسة والأحكام، ولكن هؤلاء اللبنانيين الذين يسجدون لشفيعتهم وهي في زي تركي أوروبي جديد وينادون في الجبل بالمحافظة على امتيازات لبنان هؤلاء يجدفون في قلوبهم إذا صلوا ويموهون وينافقون حيثما سقطوا وحلوا، هؤلاء لا يستحقون بركتك يا صديقي البطريرك، هؤلاء قوم مدغلون، والمدغل والمؤمن لا يجتمعان.

وما قولك أيها الرفيق العزيز! أتظننا نجد رجل الشعب بينهم، أتظن البحث عنه في هذا المكان يجدينا نفعًا، ألا تظننا نصرف زيتنا سدًى في مثل هذه الظلمات؟ احمل سراجك إذًا واتبعني.

من هيكل الحرية العثماني إلى الهيكل اللبناني فرسخٌ أو فرسخان، تعالَ إذًا علنا نفوز هنا بضالتنا المنشودة، ادخل وسرِّحْ نظرك في هذا المعبد الجليل الذي شيده قبل الدستور البنَّاءُون، وهؤلاء البناءون لا يتعشقون الإكليروس كما تعلم على أنهم لا يكرهون الثوب الكهنوتي الذي يلبسونه في دور الرئاسة دائمًا وفي دور السياسة عند مسيس الحاجة.

هؤلاء الأحرار الكرام، وفيهم من الشبان العالِم والمصلح والحكيم وفيهم أيضًا من يحتاجون إلى كثير من العلم والإصلاح والحكمة، يعبدون الحرية فوق كل شيء ويُفادون اليوم وغدًا بكل لبنان من أجلها، فإن كان فيهم مَنْ يستحق أن يكون زعيمَ الشعب ألا تظنه يلبس الأرجوان ويغطي أُذنيه بقلنسوة من حرير إذ تَبَوَّأَ غدًا كرسيَّ الزعامة، دعنا من المجاز، ألا تظنه وإن كان رجل الشعب اسمًا يكون فعلًا رجل البنَّائين، هل أنت من رأينا، أوَلا تثق بهؤلاء الشبان المصلحين؟ تعالَ إذًا نطلب رجل الشعب بين شيوخ لبنان وأعيانه.

نحن الآن في كنيسة الجامعة اللبنانية وفيها هيكلٌ كبير في الصدر شفيعهم «مار نظام» له المجد وهيكلان صغيران إلى جانبيه للحرية والإخاء، وما قولك بهذا المجمع الجامع اللامع، هؤلاء هم أسيادُنا اللبنانيون الصادقون، هؤلاء هم الوطنيون الطاهرون الذين يبيعون أملاكهم كلها ليحافظوا — إن اقتضى الأمر — على امتيازات لبنان. هؤلاء هم الأبطال الذين يشترون النظام الجليل الثمين بدمائهم ودماء أولادهم ونسائهم، أيريبك قولنا؟ ألا ترى فيهم الأمير والشيخ والوجيه والصحافي والكاهن و«الكرخنجي؟»

ومَن مِن هؤلاء لا يبذل النفس والنفيس من أجل «مار نظام» العزيز! من منهم لا يحمل «المارتيني» إذا اقتضى الأمر دفاعًا عن وطنه وحبًّا بامتيازات وطنه؟ ألا تظن هذا «الكرخنجي» يصلح أن يكون رجل الشعب وهو أقرب الناس إلى الشعب وأعرفهم به وأنصفهم في معاملته؟ أولا تظن أن في هذا الحبر المفضال وهو أشدهم شغفًا بحب الشعب الذي يظن الربقة في رأسه طوقًا مقدسًا من سيدة حريصة، أو هذا الأمير …

ما بالك تضحك؟ ألا ترى رجل الشعب بين هؤلاء الأسياد الغطاريف؟ أتظنهم كلهم مثل إخواني الذين يعبدون سيدة بكركي في هيكل الاتحاد والترقي؟ اتبعني إذًا.

هذه سراي الحكومة، أتريد أن تدخل! لا! وأنا من رأيك، لماذا نضيع وقتنا وزيتنا سدًى! أشعل السراج إذًا وتقدم.

أتخيفك هذه الظلمات، نحن الآن في قرى لبنان وقد خيم الليل والسكوت، أما هذا النور الضئيل الذي تشاهده في كل قرية فهو نورُ الجمعيات التي تضم إليها اليوم كل من استفاق مؤخرًا من نومه وشفي قليلًا من مرضه. فهل تظننا نجد رجل الشعب فيها وأعضاؤها على الحالة التي وصفناها؟ امشِ إذًا ولا تيأس قد يكون رجل الشعب في حقول هذا الفلاح صاحب العباءة المُرقَّعة، أو قد يكون كامنًا في أحشاء تلك الفلاحة التي سلمت علينا. تباركت ثمرة بطنك أيتها الأخت الفلاحة وتبارك من يعرفها ويكرمها متى ظهرت في الناس لتقود وتهدي الناس.

الوداع أيها الرفيق فقد صرفنا بعض الوقت والزيت في البحث عن رجل الشعب ولم نصرفه باطلًا.

أما الآن فقد مضى العام على عهد الحرية عندنا واللبنانيون يجتمعون ويخطبون ويتباحثون ويتشاركون وينادون، بماذا؟ بلا شيء، وينددون ويؤلفون الجمعيات والأحزاب والوفود، ويحلون العقد والمشكلات بالتمويه والمسايرة والوعود.

مضى عامٌ على حريتنا ولم يمض معه شيءٌ من خمولنا ومُصانعاتنا ورخائنا من شقاقنا وادعائنا وعبوديتنا، مضى العام الأول على الدستور وأسيادُنا الأحرار هم أسيادُنا بالأمس، والشعب هو ذات الشعب المفلوج الضرير الذي قضى حياته في ظلمات الجهل والعذاب.

الشعبُ المفلوج الضرير ماذا تنفعه الحرية والنفس فيه صماء، الشعب الضرير المفلوج ماذا يفيده قولك له: «أنا من الشعب أنا رجل الشعب.» إن كنت من الشعب يا هذا فأسفي عليك. إن نفسك مفلوجة ضريرة، وإن كنت رجل الشعب بربك قل لنا: كيف تُعالج الفالج وكيف تداوي العماء، فإن كان عندك دواءٌ نافع هاته، هاته باسم الله، داوِ هذا الشعب بل هذه الأُمَّة، داوها إن شاءت أم لم تشأْ، داوها وإن اضطرك ذلك إلى تقييدها ليلة ونهارًا أو سنتين لتشفى، داوها بالسيف إن كنت تتأكد أنها بالسيف تبرأ.

إن كنت رجل الشعب أيها الزعيم المحبوب، إن كنت واثقًا أن العناية الإلهية اختصتك لتكون طبيب هذه الأُمَّة فلا تنتظر من الصحافة شهادتها ولا من الحكومة فرمانها، ولا تنتظر ريثما الناس يسمونك ويرشحونك وينتخبونك. وبعد ذلك يرذلونك …

ولكن قبل أن تنادي: «دَوَا الفالج دَوَا للعين» أرني إن شئت ما في خرجك، ما هذه المراهم والنباتات؟ أليست التي يُتاجر بها «المغربيُّ» ذاك الذي درس الطب ثلاثين سنة في مغارة دانيال.

ألا تعرف «المغربي»، أَمَا رأيته في زمانك راكبًا كديشه وصيدليته في الخرج وراءه، أما سمعته ينادي، دواء للرأس دواء للعين، إن أعشابك من أعشابه أيها الزعيم العزيز ومراهمك هي نفس مراهمه، فالأوفقُ لك وللأمة إذًا أن تبيع كديشك وترجع إلى بيتك.

تبغ وملح للفالج والعماء، سبحان الهادي، أتظن يا زعيمي المحنَّك المبنك أن زرع التبغ واستخراج الملح يشفيان فالج النفس وعماءها، أتظن أن التبغ والملح يستحيلان نورًا وهداية في قلوب اللبنانيين، أتظن أن المال في صندوق الحكومة يصلح الشئون إذا لم يكن في الحكومة من يعرف كيف يستخدم المال لخير الأُمَّة الأدبي والروحي قبل خيرها المادي؟

رُحْ في سبيلك أيها المداوي اللاوي وقبل أن تكرهنا أو تنسانا اذكر منا هذه الكلمة: خير لك أن تكون حمالًا أو إسكافًا من أن تكون مشعوذًا.

إن بلاءنا أيها الإخوان من (مغاربة) السياسة الذين درسوا المداواة ثلاثين سنة في مغارة دانيال وخانيال ونافقيال وشركائهم. إن بلاءنا من المصلحين الذين لا يُصلحون أنفسهم، إن بلاءنا من المشعوذين المدغلين الذين يسجدون في الهيكل التركي لسيدة بكركي. بلاء الشعب من أسياده الذين لم يزالوا يسخرونه ويرهقونه، بلاء الشعب من الذين أورثوا الشعب الفالج والعماء وجاءوا اليوم يتحببون إليه ليداووه «دوا للفالج دوا للعين»، ورب السماوات إن كنت لا تطرد «المغربي» من بيتك يا أخي وترمي بأعشابه إلى النار تموت لا شك مفلوجًا ضريرًا.

من المبكيات المضحكات أن تسمع اليوم من يتساءلون: ومن يا ترى يستحق أن يخلف رجل الشعب؟ هنيئًا لك يا رجل الشعب، فقد ارتحت في الأقل من المناداة «دوا للفالج دوا للعين» ومن دانيال وخانيال ونافقيال الذين لا يريدون أن تداويَ شعبك بغير المراهم الفاسدة والأعشاب السامة.

لا يا أصحابي لا يا أسيادي، إن رجل الشعب الحقيقيِّ لا يُنتخب ولا يُعزل ولا يقاوم ولا يموت، إن روحه تظل حية وعاملة في الأُمَّة بعد أن يقف نبضان قلبه، إن أعماله لا تموت إذا غُرست في قلب شعب حَيٍّ قويٍّ، أعصابُهُ سليمة ونظره سليم. إن أعمال الرجل العظيم كنهر يتدفق من أعالي الجبال في أودية الهيئة الاجتماعية وسهولها، ولا يكاد يخف ماؤه أو ينضب بعد سنتين أو بعد عصور طوال حتى يبعث الله رجلًا آخر عظيمًا فيحيي فيه الأرواح التي تلاشتْ على ضفتي النهر الأبدي.

أليس من المضحكات إذًا أن نتساءل: «ومن يا ترى يخلف رجل الشعب» وهل تظن أن الزعيم الثبيت الحر الصادق كمقالة أكتبها بساعة أو بيوم فتقرؤها وتفهمها بخمس دقائق، ألا يخطر في بالك أن لو كان صنع الرجال العظام أمرًا سهلًا لكان يولد في العالم رجل عظيم كل يوم، أتظن أن إرادتي وإرادتك وإرادة من هم أكبر مني ومنك — قناصل كانوا أو بطاركة — بل إرادة الملوك والسلاطين؛ تجعل «المغربي» حكيمًا والمشعوذ زعيمًا، أتظن أن في إمكان الأحزاب أن تصنع الزعماء كما يصنع الخزَّاف إناءً ثمينًا أو الصيقليُّ درعًا متينة؟

إن كنت تعتقد هذا الاعتقاد ولا تنبذه سريعًا نبذ النواة فمسيرك ومسير أتباعك وعبيدك إلى الهلاك، إن كنت لا تصرع اعتقادك الفاسد يا أخي فاعتقادك يصرعك، إن كنت تظن يا صاحب السعادة بل يا صاحب الدولة بل يا صاحب الجلالة أن زعيم الناس كإناءٍ من الفخار تصنعه كالفخاري بساعة واحدة وتكسره إن شئت بضربة واحدة فأنت إما مخطئ واهمٌ وإما جاهلٌ مكابر، وفي كلا الحالين لا خير فيك لوطنك أو لنفسك لا في أقوالك ولا في أعمالك، الزعيم الحقيقي يا مولاي هو من السماء ونصره وكسره في يد الله. ينبغي لك إذًا أن تُصلح عقيدتك قبل أن ترفع في سبيل الإصلاح عقيرتك، ينبغي لك أن تبيع كديشك وترمي بخرجك وعقاقيرك إلى النار وتقرأ في كتاب الحكمة والزعامة على عالميال وصادقيال لا على دانيال ونافقيال.

إن لبنان اليوم لفي حاجة إلى بطل حقيقي لا إلى رجل أو نصف رجل أو ربع رجل أو لا رجل يدعى زعيمًا، نحن في حاجة إلى من يستطيع أن يجمع شتات هذا المليون من ضعفاء بل من بؤساء البشر، نحن في حاجة إلى بطل يحكم هذه الأُمَّة ويهديها سواء السبيل، وهل تظن أن الطبيعة في لبنان تضن على أبنائه بمثل واشنطون أو أبي بكر أو كرَموِل ولو في شكل صغير؟ يشهد تاريخنا أنها لم تضن علينا بالأبطال في الماضي، وتشهد سماؤنا وتشهد شمسنا أنها لا تضن بهم في المستقبل.

وعندنا أن مثل هذا الزعيم العظيم يباشر إصلاحَ الجيش فيضاعفه وينظمه قبل كل شيء، ثم ينظر إلى الشعب المفلوج الضرير فيداويه بغير زرع التبغ واستخراج الملح وتأليف الجمعيات في القرى. لا ننكر أن هذه كلها لازمة مفيدة، ولكن الألزم منها أهم، وعلى الألزم منها تتوقف اليوم حياتنا، إن كروملنا أو أبا بكرنا يا سيدي الأمير لا يصيح كالمغاربة (دوا للفالج دوا للعين) لكنه يقبض المبضع بيد من حديد ويشتغل باسم الله. إن كروملنا بعد أن ينظم جيشه ينظر في البلاد إلى مَنْ كثرتْ أموالُهم وقلت أعمالهم كالرهبان مثلًا فيحاسبهم بعدلٍ وإنصاف ويبني بما يأخذه منهم المدارس العمومية في كل القرى والمدارس الزراعية الصناعية في كل الأقضية، هذا هو دواء الطبيب الصادق الماهر لفالج النفس وعمائها.

مثل هذا الرجل إذا دخل مجلس الإدارة ورأى الأعضاء يدخنون الأركيلة وينعسون يطردهم قائلًا: إلى بيوتكم، دخنوا هناك وناموا إلى الأبد، وإذا كان اللبنانيون لا ينتخبون من لا يدخن ساعة العمل وينام فأنا أنتخبه أنا أعينه، وإذا رأيته يدخن بعد ذلك في المجلس أكسر — واللهِ — الأركيلة على رأسه.

في مثل هذه اللهجة كان كرومل يكلِّم مجلس نواب الإنكليز، ولما رأى ذات يوم أنْ قد استفحل أمرهم معه أخرج ساعته من جيبه ورمى بها إلى الأرض قائلًا: «إن لم تستقيموا أُحطمكم مثل هذه الساعة»، وبعدئذ طردهم وقال: «أُريد في المجلس أناسًا صادقين عادلين.»

مثل هذا الزعيم إذا تصدد له أولئك الأفاضل المحنكون المبنكون الذين ترسلهم الدول الأوروبية ليتعلموا عندنا السياسة الشرقية بل ليكذبوا عنها في الدوائر الرسمية يقول لهم «وبأي حق تتداخلون في الصغير والكبير من شئوننا؟» فإذا أبرز القناصل أوامر وزرائهم يقول لأولئك الذوات الكبار «لما سالت دماؤنا في الماضي آستنا حكوماتكم وضمدت جروحنا بهذا الذي ندعوه نظام لبنان، حمتنا لتحمي نفسها من حروب أُوروبية طاحنة وفي كل حال نحن لها ولكم شاكرون، أما الآن وقد برئ الجرح فلم نعد في حاجة إلى العصابة ولا إلى عناية هؤلاء الممرضين قناصلكم، بل قد صرنا رجالًا أصحاء نأبى الضيم والحيف مثلكم، ولا نسألكم سوى هذا أن تعاملونا كما تريدون أن تعاملوا.»

هذا هو رجل الشعب هذا هو بطل الأُمَّة ولا تظن أيها القارئ أن في إمكان الصحافة أن تُوجِد مثل هذا الرجل، لا، ولا الأحزاب ولا القناصل ولا البطاركة ولا الشعب يوجده. البطل هو ابن السماوات والأرض ولا يوجِده في الناس — كما قلنا — إلا الله، فإن كنت يا أخي اللبناني تشعر أن في جلدك شيئًا من البطل — ولا فرق عندي إن غطأت جلدك هذا بعباءة مرقعة أو «بالفراك الأتوركا» أو بالحرير والأرجوان — إن كنت واثقًا متأكدًا أن في قلبك شيئًا من نور الله اظهر باسم الله واحكمني وسخِّرْنِي في سبيل الحق والوطن، اظهر فلا تظل طويلًا مجهولًا، إذا كانت تلك الروح العظيمة داخل جلدك وذاك النور الإلهيُّ في قلبك يتبعك الناس ويطيعونك بل يُؤَلِّهونك ويعبدونك.

نعم يا إخواني، نعم يا أسيادي، إني أؤكد أن السماوات والأرض في لبنان لا تضن علينا ببطل لبناني في المستقبل، ولكن متى يظهر وأين …؟ إن نبوءتي لا تتجاوز هذه الحدود.

والسلام عليك يا بنة لبنان.

تباركت ثمرة بطنك أيتها الأخت الفلاحة، تباركت في أحشائك جرثومةُ الأبطال، وتبارك من يراها ويعرفها ويمجدها متى ظهرت في الناس لتقودَ وتهديَ الناس.

١  ترجمها إلى العربية جميل بك معلوف وطُبعت في مطبعة المناظر بسان بولو برازيل.
٢  تركيا الجديدة وحقوق الإنسان تأليف جميل بك معلوف — طُبع في مطبعة المناظر بسان بولو برازيل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠