الشعر المنثور

يدعى هذا النوع من الشعر الجديد Vers Libres بالإفرنسية وبالإنكليزية Free Verse أي: الشعر الحر أو بالحري المطلق، وهو آخر ما اتصل إليه الارتقاء الشعري عند الإفرنج وبالأخصِّ ع الأميركيين والإنكليز فملتن وشكسبير أطلقا الشعر الإنكليزي من قيود القافية وولت وتمن Walt Witman الأميركي أطلقه من قيود العروض كالأوزان الاصطلاحية والأبحر العرفية، على أن لهذا الشعر المطلق وزنًا جديدًا مخصوصًا، وقد تجيء القصيدة فيه من أبحر عديدة متنوعة.

وولت وتمن هو مخترع هذه الطريقة وحامل لوائها وقد انضم تحت اللواء بعد موته كثير من شعراء أُوروبا العصريين، وفي الولايات المتحدة اليوم جمعيات «وتمنية» ينضم إليها فريق كبير من الأُدباء المغالين بمحاسن شعره الجلية المتخلِّقين بأخلاقه الديمقراطية المتشيعين لفلسفته الأميركية؛ إذ إن شعره لا ينحصر مزاياه بقالبه الغريب الجديد فقط، بل فيه من الفلسفة والتصور ما هو أغرب وأجدُّ.

(١) الثورة

ويومها القطوب العصيب، وليلها المنير العجيب
ونجمها الآفل يحدِّج بعينه الرقيب
وصوت فوضاها الرهيب، من هتاف ولجب ونحيب، وزئير وعندلة ونعيب
وطغاة الزمان تصير رمادًا، وأخياره يحملون الصليب
ويل يومئذٍ للظالمين، للمستكبرين والمفسدين
هو يوم من السنين، بل ساعة من يوم الدين
ويل يومئذٍ للظالمين

•••

هي الثورة ويومها العبوس الرهيب
ألوية كالشقيق تموج، تثير البعيد وتنير القريب
وطبول تردد صدى نشيد عجيب
وأبواق تنادي كل سميع مجيب
وشرر عيون القوم يرمي باللهيب
ونار تسأل هل من مزيد، وسيف يجيب، وهول يشيب
ويل يومئذٍ للظالمين، ويل لهم من كل مريد مهين
طلاب للحق عنيد مدين، ويلٌ للمستعزين والمستأمنين
هي ساعة للظالمين
هي الثورة وأبناؤها الحفاة، وصبيانها المسترجلون العتاة
ورجالها الأشداء الأباة، ونساؤها المتنمرات
وخطباؤها وخطيباتها الفصيحات، وزعماؤها وزعيماتها المتمردات
ويل يومئذٍ للظالمين
أنذرهم بأغلال وسعير، بقنابل تفجر ويوم عسير
يوم لا ينهون ولا يأمرون، ولا يطلقون فيهربون
ويلٌ يومئذٍ للظالمين

•••

ألم يأتهم حديث الرومان
يوم شغف قيصر١ بالأرجوان، ومدَّ يده إلى الصولجان
فإذا هو صريع خناجر أحرار ذاك الزمان، قتيل مهان كثير الطعان
ويل يومئذٍ للظالمين

•••

ألم نقص عليهم قصص باريس
يوم دك البستيل وزفت المحابيس، يوم قطع رأس الملك لويس٢
وحزت رقاب كبار الفرنسيس وفرَّ الطاغون والمسيطرون من وجه هول باريس
ويل يومئذٍ للظالمين

•••

ونبأ الإنكليز
يوم بايع القوم بياع الجعة٣ وقالوا هذا ولي عزيز
يوم نادى الخمار بالناس والملك في حرز حريز
فإذا بالمستضعفين أشداء وشارل المليك ذليل نبيذ، بل على المشنقة يستعيذ
ويل يومئذٍ للظالمين، من كل متنمر متمرد مدين
ويل يومئذٍ للمفسدين، من نصر البنود الحمر المبين

•••

ونبأ العالم الجديد
ألم يروا لهيب الأتون في العالم الجديد، حيث يطرح كل جائر مريد
حيث يحرق الأرجوان وتذوب تيجان الحديد
حيث تحرر العبيد، ويموت ألوف البشر من أجل هؤلاء السود المناكيد
حيث قام الأذل على الأعز، والوضيع على الجبار العنيد
ويل يومئذٍ للظالمين، يوم يمتع الله المستعبدين
ويطلق في الشعوب سلطان روح كمين، بل يضرم من ناره البراكين
بل يثير في الجموع روح الأمين، روح كل زعيم صادق أمين
يوم يهب المظلوم سيف الظالم الأثيم
ويذيق المفسدين حرَّ عذاب أليم، في هذه الأرض لا في الجحيم
ويل يومئذٍ للظالمين من كل متنمر متمرد مَدِين
ويل يومئذٍ للمفسدين، من نصر البنود الحمر المبين.

(٢) ريح سموم

وبربك القيوم، ما الذي تظنه يدوم
صوت سمعته في الكروم، وقد مرَّت عليها ريح سموم، فجفت الأرض وعادت جزرة كثيرة الكلوم
سقطت الجفان عن فسائلها وفزعتْ أوراقها إلى الغيوم
صرخ صارخٌ من وراء النجوم، ما الذي تظنه يدوم

•••

من صروحٍ زاهيةٍ فخيمة، من رياض زاهرة كريمة، من بروجٍ شاهقة عظيمة، من معامل حديثة أو قديمة، ما الذي تظنه يدوم
من أسراب منوَّرة تحت الأنهار، من أرتال فيها يدفعها الكهرباء أو يجرها البخار، من بوارج ماخرات في البحار، من أساطيل تنذر بالدمار، من معالم ومعاهد في الأمصار، ما الذي تظنه يدوم
من أنفاق تحت الأديم ملؤها عجاجه، تنفثها وتثيرها القطر الولاجة
من قباب بين السحاب وهَّاجة، ما الذي تظنه يدوم
من جسور فوق المياه جسيمة، من جزائر على المياه عظيمة، من جبال تحت المياه قديمة، ما الذي تظنه يدوم
من سدود، محكمة منيعة من خلجٍ كَوَّنَتْها الطبيعة، من ترع تؤلف بين البحار، وتجمع بين بعيد الأقطار والأمصار، من خطوط حديدية تطوق الأرض، من أسلاك برقية تطوي المسافات في الطول والعرض، ما الذي تظنه يدوم
من أبنية ذات الطبقات العشرين، من أحياء في المدن الكبرى يأوي إليها جميع البائسين، من معابد وبِيَع لا أثر فيها للدين، من أصقاع لا صوت فيها للأحرار الصالحين، ما الذي تظنه يدوم
من قصور مكتنَفة برياض خضراء، من صروح الملوك والأمراء، من دور الرؤساء والأغنياء، من أكواخ البؤساء والفقراء، ما الذي تظنه يدوم
من شرائع ودساتير ونظامات، من تقاليد وعادات وخرافات، من أديان وعقائد وخزعبلات، من دول وممالك وحكومات، من أحزاب وطوائف وجماعات، ما الذي تظنه يدوم
صوت صارخ من وراء الغيوم، صوت ريح سموم، أي شيء يدوم
مهلًا مهلًا، إن هذه كلها لصالحة في ذاتها، إن هذه كلها لحسنة في وقتها
لكل شيء من العز والمجد أركان، لكل شيء من أبناء البطر والأشر أعوان، لكل شيء برهة من دهره الوسنان
ساعة أو عام أو قرن من الزمان، الطويل من الدهر في عين الأزل والقصير سيان
فلا تظنها إلى الأبد تدوم، لا وربك القيوم، مبدع الشمس والنجوم

•••

إلى حين يا أخي إلى حين، كل ما في العالمين، أي ورب العالمين، إلى حين
وبعدُ فقل لي هل أنت من الممترين، هل أنت من القائلين السائلين، وبعد ذلك وبعد حين
أما في زمانك تأملت المغاور في الصخور، فاذكر أن الأمطار والرياح تكوِّنها، والأمطار والرياح تهدِّمها
إن كل ما هو محترم معبود، من أضاليل الزمان والجدود، يظل في حرز حريز إلى أن يظهر في الناس رجل عظيم عزيز
بطل تجود به الأيام، فيصرخ في وجه الأئمة والحكام، صرخة تردها البحار والآكام، وهو قائم على المظالم البشرية، مناضلٌ عن الحقيقة والحرية، باذلٌ مهجته في سبيل الإنسانية
أجل إن كل شيء لحريزٌ في موضعه حصينٌ، إلى أن يزلزله رجل حصيف رشيد، أو امرأة عظيمة ذات رأي سديد
ومهما كانت حصونُكم متينة منيعة، فساعة الزلزال والدمار شديدة سريعة
ساعتئذ يتحدث الركبان في صنيع لأحد العظام جميل، أو عمل لإحدى العظيمات جليل
أجل إن كل شيء لحريز في موضعه حصين إلى أن يقف أمام القوم رجل صالح ذو رأي سديد، حرٌّ فصيح عنيد، أو امرأة صالحة ذات رأي سديد، حرَّة فصيحة، لسانها من حديد
يومئذٍ يعلو صوت المطالب بحقوق المستضعفين المستذلين المستعبدين، صوت الأمناء والأمينات من زعماء وزعيمات على كل ظالم جبار مهين

•••

وبعد أن تلاشتْ ريح السموم فوق الجبال، تلاها نسيم لطيف الاعتدال، فدخلت في أثره غابة من الصنوبر كثيفة الظلال، وسمعت من خلال الأغصان، صوت المحبة والمعروف والحنان
سمعت صوتًا يقول: ورب الأكوان، لا يدوم إلا الإحسان والعرفان
لا يدوم إلا السجايا الروحية الفريدة، سجايا النفس البشرية الخالدة
لا تدوم إلا آثارُ النهضات الجليلة، ومآثر الأنفس السامية النبيلة
وما أسخف الجدل والمنطق والبرهان أمام مشروع جليل، وما أوهن التعاليم الوضعية تجاه خَطْب جسيم، وما أوهى الأقوال والآراء إذا قُوبلت بنظرة من رجل عظيم، أو صادفتْ نفحة من نفحات حكيم
عندما يرفع مثل هذا البشر رأسه وصوته ولا فرق عندي رجلًا كان أو امرأة يقف دولاب الأعمال، ولا يبقى شيءٌ على حال
عندئذ يبطل الجدال، وتنكسر شوكة المال، وتحشر الرجال، وتكبر الآمال
يومئذ تنقلب المجتمعات، وترتعد فرائص الطغاة الحفاة
يومئذٍ تنقلب العادات والعبادات، وتهب على الأرض الذاريات السافيات
فيسأل السائل من وراء النجوم: أين مالكم ونفوذكم وشوكتكم، أين تقاليدكم وطرائقكم ولاهوتكم، أين شرائعكم ودساتيركم وحكوماتكم، أين حصونكم وصروحكم وسجونكم وجنودكم، أين مصانعكم ومعاهدكم، أين زخرفكم وسفاسفكم؟
فقل إن هي إلا برهة من الدهر الوسنان، ساعة أو عام أو عصر من الزمان
قل ورب الأكوان، لا بقاء لما سوى الجد والعرفان، والمعروف والحب والإحسان
فهي هي الجبال الراسيات، وهي هي الحصون الواقيات وهي هي الباقيات الصالحات
بلى ورب السماء والنجوم، لا يفلح المستكبر المظلوم، ولن تدون إلا آثار النفوس الذكية السامية ووجه ربك الحي القيوم.

(٣) تحت الرماد وفوق النجوم

تحت الرماد وفوق النجوم، ما لا تراه مما يدوم
رأيت فضيلة اليوم تجر أذيال الفخر والتبجح في شوارع الرياء وفي أزقة الورع والقداسة فكرهتْها نفسي
ورأيت ما يسميه الناس رذيلة تقضي حياتها في ظلمات السكون والكتمان وراء ستار الخمول والنسيان فحنَّ إليه فؤادي
لِمَ إذًا نبغض الأشرار، ولِمَ إذًا نعبد الأبرار
لماذا نميل وجهنا عن الفقراء الأذلاء، ونعفره أمام الأغنياء والأمراء؟
إن علية القوم أوطاهم أيها الإخوان فاحذروا من تكرهون ومن تحبون، من تحتقرون ومن تجلون
وغدًا ينير الله قلوبكم فتعرفون الحق وتعبدون
لا والله، أنا لا أشمخ بأنفي على أصغر صعلوك ولا أُعفِّر وجهي أمام أكبر الملوك
(إن تحت الرماد وفوق النجوم، ما لا تراه مما يدوم)
اعلموا أن الكل في عيني سواء من الوجهة التي أنظر منها إلى الناس، كيف لا وتحت رماد نفس هذا الشرير جذوةُ خير حية، وفي بستان ذاك الصديق كثيرٌ من الجذور السامة والنباتات الكريهة الرائحة. كيف لا وفي الصعلوك نفسٌ تكبر إذا انطلقت من القيود والأغلال، وفي الملك نفس تصغر إذا جُرِّدت من ترهات الأُبَّهة وأباطيل الإجلال
لِمَ إذًا يحسد الإنسان هؤلاء الأغنياء والأقوياء، وأولئك الملوك والأمراء؟ إن أفقر البشر حالًا، وأوضعهم شأنًا وأقلهم مالًا، لهو من أعاظم الناس، إن كان لا يحسد أحدًا من الناس
(إن تحت الرماد وفوق النجوم، ما لا تراه مما يدوم)
أنا لا أغبط من أبناء آدم إلا الرجل الحر حقًّا، الحر بكل معنى الكلمة، ولكن أين أجد مثل هذا الرجل لأعبده لا لأغبطه
أما الأغنياء والأقوياء والملوك والأمراء — تباركت أسماؤهم — فعظمتهم إما مكتسبةٌ اصطناعيةٌ، وإما خِلْقية طبيعية، وجُلُّ ما في القوة المكتسبة مسروقٌ منهوبٌ، ومعظم العظمة الاصطناعية مختلسٌ مسلوب العظمة العرضية الاصطناعية، هي كالسوس في عظام القوة الحقيقية، ومن يحسد السوس في العظام، أو الذباب فوق الطعام، أو الجراد على الآكام؟
وأما العظمة الخلقية الطبيعية فهي جير من روح الله
وأنا أطأطئ رأسي أمام كل قوة بشرية فيها شيء من جوهر الذات الإلهية
وإن أسمى ما في قلب الإنسان من العواطف الشريفة هي تلك التي تتجلى في اتضاعه وخشوعه أمام العظمة البشرية الخلقية التي هي حقيقة الله في الناس
(إن تحت الرماد وفوق النجوم، ما لا تراه مما يدوم.)

(٤) داويني ربة الوادي

داويني ربة الوادي داويني
ربة الغاب اذكريني، ربة المروج اشفيني
ربة الإنشاد انصريني

•••

ألا تذكرين يوم رددت وحيك بين قوم لا يشركون مع البعل إلهًا
ويوم قدمت ذبيحة للزهرة من يد من لا يعرف من الآلهة سواها
ويوم ناديت باسمك في هيكل إيزيس فطردني من الهيكل الكهان
ويوم تصاعد دخان بخورك على الأولمب فاكفهرَّ منه جبين رب الأوثان
أنا من وضع بخورك في مجامر خُدَّام هياكل الرومان
أنا من عقد أوتارك في قيثارة راقصات بابل وقين اليونان
أَوَنَسيتِ ما زرعته يدي حول هيكل تموز من الأشجار
وما حاكته يدي لربة الفينيقيين من أكاليل الغار والأزهار
وما خطته يدي في كتاب عبدة الشمس والنار
وما حطمته يدي من تماثيل الطغاة ودمى كبار الأبرار
داويني ربة الوادي داويني
ربة المروج اشفيني، ربة الإنشاد انصريني
انشديني على قيثارك من الألحان التي تردد صداها اليوم طيور الغاب وشحارير البستان
انشديني من الأنغام، التي يطرف بها الرعاة الأنعام
صوت نايك في الدجى، وصوت أرغنك في الضحى، أسمعيني
إلى صوت عبادك على ضفات الأنهار، وصوت أولادك في القفار، اهديني
انشري الآن حول سريري، ما كمن في الحقول من عبيري
اسكبي الآن فوق رأسي، ما تركته الأحقاب في كأسي
ألحفيني بحبك، ضَمِّخِيني بطيبك، أنعشيني بهمس شفتيك، وبلمس أناملك
رَدِّدِي على مسامعي الآن، ما نسيته مما علمتني من الألحان
أسمعيني الآن، ما رددته عنك في مجالس قين بابل واليونان
داويني ربة الوادي داويني
ربة الإنشاد أصلحيني
أنا ناي الرعاة من عبادك
أنا عند العشاق من عبادك
أنا أرغن المتشرد من عبيدك
أنا كنارة الراقصات ليلة عيدك
أنا النفس التي يتجلى فيها جمالك، وينبعث منها نورك، وتنطبع عليها أسفار حكمتك، وترف فوقها بلابل سحرك
أنا صوتك جسدتْه الدهور، أنا روحك أُنزلت في الفيدا وفي الزبور
أنا رسولك إلى صفوة العباد، إلى خير من زين الأحلام في المعاد، بل إلى كل من هام في كل واد
أنا وحيك في نشيد الإنشاد، أنا نورك في نفس من سربل التوبة بالإنشاد
أنا في قيثارك نغمة حبسها الجهل ضمن جدران الأهرام
بل أنا أُغنية رددتها الليالي على الأعوام
أنا في قيثارك روح الفقنس تحت رماد المنون، بل روح أرفيوس فوق أمواج الفنون
أجل أنا قيثارك، وأنا صوتك، وأنا نشيدك
ولكن يدًا أثمية خنقت البلابل في القيثار، وقطعت منه الأوتار
فجاءت اليوم بنات الهديل تداوي بسجعها سجعي العليل
داويني ربة الوادي داويني
ربة المروج اشفيني، ربة الإنشاد انصريني

•••

المسيني بأناملك تعيدي إليَّ بهاء ملكي
عوديني في الأسحار، تشتد من نسماتك الأوتار
اغسلي جراحي بموجات من فيوضاتك الإلهية
ضمدي أوتاري برقية من رقياتك الموسيقية
أعيدي إليَّ ما سَلَبَتْني الآلام من مجد الحياة الشعرية
ضميني إلى صدرك بنت الأزل والخلود، فتزول عن جفني كآبة الأجيال، ويثمر فيَّ عقم الجدود
من يوم هجرت وإياك الجفان في قديم الزمان، ما رأيت أجمل من الحب فيك إِلَّا الحنان
فحتام اليوم هذا الصد والجفاء وهذا الهجر والنسيان
اذكرني ولو مرة في ظلامي
عُودِيني ولو مرة في منامي
انصريني قبل أن تذبل بأيامي.

(٥) غصن من الورد

ركبتُ في الأمصار البعيدة هواي وأرحته من عنانه
غرست في بساتين الغرباء حبي فنَوَّر قبل أوانه
غرستُه في أرض سمراء جديدة فناحت عليه زهور زمانه
طرحت بذور حبي جزافًا ذات اليمين وذات الشمال
طرحتها في سهول الحرية فأحرقها قيظُ الفوضى وداستْها أرجلٌ همجية
طرحتها في أنجاد العلم فأيبس ما نبت منها الصرُّ وحملت رياح النزاع البقية إلى حيث لا أدري
طرحتها على شواطئ نهر الفلسفة الراكد فذوت في ظلاله الظليلة — ماتت لأنها لم تَرَ نور الشمس
غرست حبي في غياض الحضارة الغيضاء، فأدمته الأشواك، خنقه العلَّيق، قتلته الجذور السامة
غرسته في أرض الأحباء والخلان فمات بالاستسقاء من مستنقعات الكذب والرياء
غرسته في حقول التجارة، تجاه طواحين التمدن، بين بيت الصرَّاف وبيت الكاهن، فتواطأ الاثنان عليه ومدَّا في قلبه البلاط رصيفًا للصوص
لأولئك اللصوص الذين يؤاكلون ويشاربون القضاة
ذهبت بحبي إلى الفقراء والبؤساء فغرسته في أرضهم الجدباء فلم ينبت
غرسته قدام بيت أُمِّ الحي فاقتلعتْه ورَمَتْهُ بوجهي وهي تقول: اذهب في طريقك، جاءنا قبلك مغرون فقتلوا، صلبوا، حرقوا، نطلب إنصافًا وعدلًا لا تعزيةً ورحمةً
جزتُ حي البُؤَساء إلى مغاورِ اللصوص والأشقياء، إلى المنبوذين والممقوتين
ذهبت فغرست بينهم غصنًا نضيرًا من حبي فعاش قليلًا نحيلًا ومات قبل أن يبلغ أشده
في ظلمات قنوط المنبوذين قضى نحبه، دخانُ تجديف الجاحدين أعماه، خنقتْه روائحُ بذاءة اللصوص والقتلة فكَفَّنَه الفاجر بلعنته وجلقت الفاجرة فاها فوق جثته
هجرت المدن وهذه المدنية وركبت البحار
نثرت على المياه حبي كما تنثر شمس تموز ألماسها ولآليها
نثرته صباحًا فتلونت الأمواج من شهواته، نثرته مساءً فتوهجت من نيرانه الآفاق
كلم حبي السحاب فأجابه، فدعا البحر فلَبَّاه
لمس حبي الآفاق بأنامله فارتعدت وتموجت مبتهجة متوهجة

•••

في صبح يوم من أيام الربيع بعثتُ حبي رائدًا في صحراء جديدة، فمضى ولم يعد إليَّ
ناديته من قِمَم لبنان فلم يُجبني
فتَّشت عليه في الآفاق وورائها في مشرق الشمس ومغربها فلم أَجِدْهُ، تركت حبي يهيم ثانيةً على وجهه
فركب هواه مرة أُخرى وتركني أتحسر وأتأسف عليه، آه عليَّ أواه عليه

•••

في وطني في أرض أجدادي في التربة التي ذاقت قديمًا حلاوةَ ضربةِ معولِ رجلٍ قوي، غرست غصن ورد طري
غرسته والآمال تدفعني والعزم يعقد شفتي
غرسته في مكان عزيز جعلته في حرز حريز بعيد عن الحضارة والناس
لا فرق عندي الآن إن صُمَّت مسامعهم وإن فُتحت
لا يهمني إن استحجرتْ قلوبُهُم واستحالت طينًا أو ذابتْ ماءً معينًا
أنتِ أيتها الأرض أُمِّي وسأفرحُ يوم تضمني إلى قلبك كما تضمين الغصنَ الذي أنا الآن غارسه
أنتِ أيتها الأرضُ حية أبدًا، أبدًا تحبلين وأبدًا تلدين
مهما كان ظاهرك فالشعور فيك لا يموت، النار في قلبك لا تخبو
الخريف يزيل الوقر من أذنك والشتاء يُلين قلبك والربيع يحرك لسانك والصيف يريك ثمرة أحشائك
ومن أفصح منك في الربيع وأكرم منك في الصيف
من أعظم تهيجًا وعطوفًا منك في الشتاء، من أشد سمعًا في الخريف
من أرحم منك أيتها الأرض، من ألطف وأشفق وأحلم
تقبلين منا الأقذار وتعطينا عوضها الأزهار
تستنشقين نتانة أمراضنا وروائحها وتعيديها إلينا شذاءً طيبًا
تسكب لك السماء كأسًا من الماء الزلال فيعكره الإنسان فتفيضين عليه مكافأة خيراتك ومراحمك
أرض أجدادي افتحي الآن لي قلبك
لا تجهميني، لا تعبثي برجائي وعملي، لا تحبسي حبي عني دهرًا
أيتها الأرض التي نقبها أبي وصلَّت تحت أشجارها أُمِّي لا تُودِعي آمالي الصخور، لا تحمليها إلى قمم الجبال فتموت هناك من الثلوج وشدَّة الرياح

•••

على كتف هذا الوادي الذي ردد صدى صراخي وغنائي صغيرًا، في هذه الأرض التي هجرتها قبل أن هجرتني الصبوة؛ غرست غصن ورد طري
كلمت الأرض بيدي لا بلساني، حصَّبتها ونقبتها بمعولي الصغير
طعمتها من ذاك الأسود الذي تفرزه المواشي ومن ذاك الأصفر الذي يكاد يشتعل في الصحراء من قبلة الشمس، ويكاد يذوب على السواحل من قبلة الأمواج
سقيت غصني من ماء الفؤاد، وحجبتُ عنه النور في أيامه الأولى
رفعتُ فوقه سرادق ودِّي وهيامي، ونثرت حوله في الشتاء أوراق الخريف البالية
ولبثت — إذ ذاك — أنتظر جواب الأرض وحكمها
كم مرة زرت غصني وهززته مستخبرًا فلم تبد عليه لا إشارة الموت ولا علامة الحياة
كم مرة افتقدتُه وقلَّبْتُ فيه الطرف مستقصيًا أخباره
كم مرة وقفتُ أمامه والفؤاد يتموَّج بين اليأس والرجاء
تباركت أرض أجدادي فقد حسن في عينها اجتهادي
تباركت أرض أمي فستريني الورد على غصن تعبي وهمي
نعم الأرض كلمتني، أجابت الأرض سؤلي، رَدَّدَت الأرض صدى حبي، ها إن غصن الورد ينطق كالطفل
بدت على شفتيه لفظة الحياة وأثمرتْ في قلبه الكلمةُ الحية التي تساقطت عرقًا من أناملي ومن جبيني
في فمه لؤلؤةٌ ملفوفة بلفافة ذهبية، وفي صباح الغد تستحيل لفافة لازوردية وتبدو اللؤلؤة زمردة نحيفة ندية
وبعد غدٍ أو بعده ينشأ من الزمردة صدفةٌ خضراءُ في قلبها بُحُورٌ من الورد لا تُرى وأجيالٌ من الحياة لا تُعدُّ
في قلبها أوراقٌ خضلة صغيرة ملتفة حول عرق نحيف طري، لا يعرف بعدُ اسم الشوك ولا معناه
في قلبها أغصانٌ وفي قلب الأغصان ورد وفي قلب الورد بذور وفي البذور الأبديةُ والخلود

•••

كلمتني أرض أجدادي، أحيت فيَّ الرجاء ضَمَّتْ إلى صدرها طفل حبي وأنعشتْه بعد أن كاد يموت
نفخت فيه من رُوحها الأزليِّ فتحرك لسانه
هو ينطق بما تُلقيه إليه من آيات الحب والجمال والحكمة والرجاء
أين فصاحتي من فصاحتها
الأرض لا تنطق إلا لتحيي، لا تتكلم إلا لتزهر وتثمر
ما قالت «لا» بزمانها قط، فإن كان جوابها إيجابا «فنعم» وإن سلبًا فسكوتًا أبديًّا
كل آياتها جميلة كل أقوالها منعشة مُحْيِيَة
وليتها تعلم بنيها القول المثمر المنعش الجميل
أو ليتها تعلم بنيها السكوت

•••

كأني بالأرض تقول: ليكن عندك ذرة من الإيمان فيَّ وأعطني ساعة من العمل، فأعطيك عوضها مائة بل ألف ضعف من الحب والرجاء، من السرورة واللذة من العزم والنشاط، من الحياة البسيطة النقية التي لا سعادة للإنسان إلا بها

•••

كل جرثومة على غصن الورد الذي غرسته هي لفظة من ألفاظ الأرض العذبة، هي رسالة حب من الأُمِّ لبنيها
كل برعم من هذه البراعم هو عقدةٌ من عُقَدِ الكون، هو سر من أسرار الحياة
في أَيِّ عصر وُلدتِ أيتها الوردة، أي أرض شاهدتْ أولَ زهرة من أزهارك واستنشقت أول نفحة من أريجك
مَنْ زرع بذرتك الأولى، من غرس أول فرع من فروعك
أول غصن من أغصانك الأصلية الأولى؛ مَنْ نقله من الحقل إلى البستان، من الوادي إلى حديقة الإنسان
أيتها الوردة البرية بل الوردة السريَّة من أي دغل نشأت وفي أي سلم من النبات الشوكية رقيت
لا تتكلم الأرض إلا ألغازًا، الأرض لا تأتمن بنيها على أسرارها
احترزْ من شرك العلة الأولى، لا تبحث في أُصول الأشياء
مَتِّعْ نظرك ونفسك فيما تراه وتسمعه وإن شئت الدخولَ إلى هيكل سِرِّ الأسرار فتَجَرَّدْ عن الجسد قبل أن تطأ أسكفة الباب

•••

إني لَأَجِدُ لَذَّةً شهيةً غريبة في مُشاهدة هذه البراعيم الجديدة، وفي مراقبة نشوئها ونُمُوِّها
عددتهم — واللهِ — مرارًا كما تعد الأم أسنان طفلها
افتقدتُهم مرارًا كما تفتقد الطيور عشوشها
تلهفت — وأي تلهف — على برعم واحد نثرتْه الرياح منها
ولكن زمن السرور قصير، تكاد زبدة الأشياء تذوب قبل أن تجمد

•••

أَوَّاه، صرت أخشى الاقتراب من وردتي فقد أثَّت فروعها والتفت أغصانها وقسيت أشواكها
أَوَّاه، صرتُ أنظر إليها بغير العين التي شاهدتْ نُشوءَ براعيمها ونمو فروعها
لهفي على وردة الحياة، تريني ألف شوكة قبل أن تفيح بنفحة واحدة من شذاها
تجرحني مائة مرة قبل أن تُعطيني زرًا واحدًا من أزرارها

(٦) فؤاد٤

عند مهد الربيع

عرفتك قبل أن اخضرَّت من نسمتك الأُولى صدورُ الحقول وجوانب الربى
وقبل أن نَوَّرَ المهد من حر شفتيك
وقبل أن بَدَّدَ نور عينيك غيوم الشتاء فهدأ البحر وانجلت السماء

•••

عرفتك قبل أن حاكت لقصورك الجبال طنافس العصفر والأقاحي والخزامى
وقبل أن أُعِدَّتْ لسريرك النمارق من الرياحين وريش الصنوبر وشقائق النعمان
وقبل أن ملأوا كأسك من دهن اللوز وماء الورد وعصير الرمان

•••

عرفتك قبل أن نصبت لك العاصفة الأخيرة قوس نصر من دمها ودمعها وزفيرها
وقبل أن ولت من الغيوم الباكيات وأقبلت الضاحكات تجر ذيولها الفضية فوق صنين
وقبل أن لحفتك شمسُ الضُّحى بأشعة الحب والحنان
وقبل أن رفعت فوق سريرك عند الغروب قبة من نورها الولهان

•••

عرفتك قبل أن سدلوا على وجهك نقابًا من الغمام ليحجبوا هناك هنيهةً رب الأنام
عرفتك قبل أن عرفتْ عيناك معنى الدموع وأسرارها
وقبل أن ذابتْ عن أهدابك الثلجة الأخيرة وسقطت عليها القطرة الأُولى من ندى العشق والحياة
عرفتك قبل أن نوَّر في خديك الورد وتلألأت على شفتيك الابتسامة
وقبل أن غَرَّدَتْ في الغابات أطيارُك وعطرت الآفاق رياحينك وأزهارك
عرفتك قبل أن سمعتْ أذنك هتافَ الأنهر وعويل الرياح
عرفتك قبل أن عرفت من الحياة الغسق والليل والصباح
هززت سريرك بأنفاس كانت لهيبًا قبل أن صارت نسيمًا
وأصبحت حياة بعد أن كانت سديمًا
وكان ربك بذلك عليمًا
هززت سريرك باليد التي احترقت مرًا فاستحالت مسكًا وبخورًا حول السرير الكمين
باليد التي اكتسبت زغبًا تحت رأس أمير الرياحين
باليد التي نوَّر في أناملها الجلنار وفي راحتها النرجس والياسمين

•••

هززت سريرك قبل أن نما الفؤاد مني آسًا وغارًا تحت قدميك
وقبل أن فاض ابتسامي نورًا فوق عرشك
وقبل أن هطل غيمي دمعًا حول سريرك
هززت سرير طفل الربيع قبل أن سار كلي قسمًا من سريره
هززته في الأعماق ففاح أريجه في الآفاق
هززته في أعلى عليين فغردت بلابله في الرياض والبساتين

•••

عرفتك قبل أن ودعتك السماء وقبل أن عرفتك الغبراء
ولكنني استغربت صراخك يا بن الربيع ويا بن السماء
إن لفي بكائك سرًّا لا تذيعه الأزهار
وإن لفي سكوتك لغزًا حفظته النجوم والأقمار
وإن لفي نظراتك المبهمة الندية شيئًا من غوامض البحار

•••

فهل جئتنا من ألم الفراق باكيًا أم جئتنا الوحشة شاكيًا
أين منك الروح التي تُلقي في العيون سحرًا حلالًا فيذوب حُبًّا وجمالًا
أين مِنْكَ الإدراكُ الذي يلتهب في العالم نجمًا فيشع في الشاعر خيالًا
بل أين من نفسك الآن ما حَيَّرَ البرية في الإنسان
أين منك تلك القوة التي أغلت الصاعقة وأذلت البحار واسترقت الرياح والكهرباء والبخار

•••

أتحلم ملائكة السماء بفراش الأرض وخنافسها
أوتذكر الفراشة يوم سارت تحت جناحها الشمس
أفي خطوط هذه اليد الصغيرةِ البضة آثارُ حبك النجوم وأسرارها
أو تحت هذه الأهداب الناعمة قبسٌ من نورها ونارها
أتذكر شفتاك الكأس الذي سقتكه زنبقة الوادي
أتذكر الغدير الذي كان يغسل قدميك يوم كنت مضطجعًا مع الدفلة تحت ظل الدلب والصفصاف
أي ابن الوادي، إن فيك من بهاء الربيع ما فيك من مجد السماء
إن لفي هذه الوردة البشرية جذوع الماضي وأريج الحاضر وبذرة المستقبل
أقبل رجليك؛ لأنني لا أنكر الماضي ولا أنبذه
وأُقبل عينيك؛ لأنني أراك شاخصًا إلى العلاء
وأُقبل سرتك لرمز فيها بليغ جميل
ففي السرة سلسلة الحياة التي لا تتم حلقاتها إن لم تقطع
يقطعها الإنسان فيعيد وصلها الله
فاذكر قُبُلاتي الثلاث إن عدت في مستقبلك البعيد إلى ماضيك هذا القريب
واذكر أيضًا أن في كل قبلة حسرة ما زادها العلم إلا اشتعالًا

•••

عرفتك قبل أن ودعتْك السماء وما عرفت من سر هذا الوجود سوى الحاء والباء
عرفتك قبل أن عرفت الربيع وقبل أن هززت سريره الخفي
عرفتك قبل أن أسرنا فصرنا بديع قوافٍ لشعر إلهي
نظمنا الإله وأودعنا سرًّا من أسرار بيانه الأزلي
وقال عليكم بنجم سريع فهو فيكم ومنكم يضي
بهاء الحياة ومجد الحياة إليكم بنوري إليكم يدي
فجبنا نجوم النفوس عراة وفينا الخجول وفينا الخليع
أشدنا هناك بسعد تساوى الملاك العصي به والمطيع
شهدنا هناك ظلامًا تلاه بهاء تلاه ظلام سريع
وقفنا حيارى وفي الظلمتين ضياء الحياة يضي ويضيع
شهدنا الدياجي وفيها الأحاجي فهذا الإله وهذا الربيع
ذهلنا فقلنا لربي لماذا، فقال اسقطوا من مقام رفيع
وقفنا دهشنا سألنا سقطنا فجئنا وسر القريض نذيع
فديوان ربك هذا الوجود وفيه السخيف وفيه البديع
وأنت ابن أُختي بيت القصيد وخالك شاعر رب الربيع

عند لحد الربيع

ومثل خيالي أشرقت يومًا وغبت قبيل الصباح فؤاد
ومثل خيالي أنسيتني نعيم الحياة وبؤس العباد
ومثل خيالي أسكرتني فقلتُ «اليراع» فقلتَ «الحداد.»
ومثل خيالي حيرتني رحلت وسرُّك في ذا الجماد
بهاء جمالك في تربة عجبت لتربٍ جمالًا يعاد
ونور عيونك في ظلمة عجبت لنورٍ شديد السواد
وبلبل نفسك في وحشةٍ، بل بلبل نفسيَ في تِي البلاد
وحلو ابتسامك تحت الأزاهر ألبس روحيَ شوك القتاد
فراحت إلهة حبي تهيم وتبكي فؤادي في كل واد

•••

لله أنت من وردة سرِّية ناطقة فرطتها يد القضاء
لله أنت من شعاع فهم عجيب زال كالظل في البيداء
لله أنت من طير أَسَفَّ فوق بحر الحياة فذاق ملحه وعاد إلى الفضاء
لله أنت من طفل سجدت له أطفال السماء
إيهٍ أطفال السماء! وهذا ربيعي أصبح ثلجًا فليت الربيع بل ليت المعاد
وليت النجوم تحدث عنه فهذه تجاليده في جماد
وحلو ابتسامه تحت الأزاهر ألبس روحي شوك القتاد
بنات خيالي أنيري حول خيال فؤادي في كل واد

•••

كشفق من أشفاق الأيام، كحلم من جميل الأحلام كوميض لاح في الظلام، كذلك كان ابتسامُ الحبيب
كنفحة من نفحات الجنان، مرت مع نسيم الفجر في البستان فرنحت الورد والبيلسان وأيقظت الشوك في القرقفان، كذلك كانت حياة الحبيب كفراشة مختبئة بين الرياحين، أمسكها عدوٌّ كمين، فدفعها إلى جهلة ظالمين، سمعت أدواتهم الأنين، فبكتْ حظ مثل هؤلاء البنين، كذلك كان نصيب الحبيب
ويلاه من طب أجهز على الحب
ويلاه من طب هو الشوك في نبت غمنا، ومن طبيعة هي أُمُّنَا، ومن قبور هي لحمنا ودمنا
بهاء جمالك في تربةٍ عجبت لتربٍ جمالًا يعاد
ونور عيونك في ظلمةٍ عجبت لنورٍ شديد السواد

•••

ركضت حولي في الدار فعلمتني حب الصغار، حبًّا طاهرًا صافيًا كله أزهار
وقفت إلى جانبي في عزلتي فكنت حبيبي وسيدي ومعلمي
فتحت أمامي أبوابًا عجزت عن فتحها يدُ حكمةِ الحُكَمَاء، وسدتني بما لا تضاهيه شوكة الملوك والأمراء، وهديتني سبيلًا ضلت في سبيله العلماء
أنكرت سلطة المسيطرين، فجئتني وسلطتك من أعلى عليين
لله من أطفال هي ملوكٌ في قلوب الرجال
لله من ضعفٍ صولجانه فوق صولجان ملوك الزمان
كفرت بحب الأطفال فبعثك الله إليَّ رسولًا
وصرت عندما أُشاهد طفلًا أحييه باسمك ساجدًا وأقبله واجدًا
إنما هؤلاء رسل الله في الناس
رسل هم الأطفال، رسل الحب والحنان والواجب والجمال
رُسُلٌ كلماتهم سلام، وسيوفهم ابتسامٌ
لله من رسول أنت أخلصت لك الإيمان وكنت لك أطوع من البنان
ولكنك اليوم حَيَّرْتَنِي رحلت وسرك في ذا الجماد
ومثل خيالي أشرقت يومًا وغبت قبيل الصباح فؤاد

•••

أقمت في وادينا صيفًا واحدًا كنت فيه الصيف والربيع وكتبت في قلوبنا آياتٍ هي خلاصةُ البيان والبديع
نظرت إلى السماء مساءً فأدهشك كوكب هناك
مددت يدك إلى القمر كأنه راحة في ذراك
سمعت أنغام الموسيقى فطربت لها كأنها بانت بديهك وذكاك
عطفت على الأزهار وأحببت الرياحين كأنما صنعتها يداك
حسدك الحسون على زقزقتك، والحمام على حركاتك والورد على شذاك
حييت كل عابر طريق باسمًا وفي كل امرئ حبيت أخاك
كدت تشعر بالخطوب قبل حدوثها فأدمعك قبل أن يدمعنا بلاك
كللناك بالورد والغار يا حبيب الرياحين والأزهار
وفي ربيع السماء الخالد دموعنا طلٌ في الجلنار
بل زهور في أفلاك تدار
بهاء جمالك في تربةٍ عجبت لتربٍ جمالًا يعاد
ونور عيونك في ظلمةٍ عجبت لنورٍ شديد السواد

•••

من هضاب جللتها السماء إلى مدينة خيم فوقها البؤس والشقاء
حملناك — والغم يحملنا — إلى منبت التمويه والتلبيس والادعاء
إلى حمى الأطباء
ضُربت في موطن الفهم والنور، فكان داؤك ذكاك، دماغ هو النبراس في غشاء هو القرطاس
ويلاه من هذا الشهاب، وهذا الالتهاب
في فترة من الزمان سقيت من مر الحياة مما يغص به جبابرةُ الزمان
يوم أسففت وقعت فكنت أحجية في دائك كما كنت أحجية في ذكائك
قال المداوون وقالوا، وضربوا في ميدان الحدس وجالوا، وأنت بعيد عن جهلٍ هو عندهم اليقين
مَدَّدُوك على لوح التشريح وأنت مسرع إلى من لا يحدس في شئون العالمين
أشمموك المخدرات وأنت في غنًى عن هاته الترهات، كيف لا وقد أشلك الداء وخدرك الدواء؟
جاء الجزار وأعوانه بأدواتهم وعقاقيرهم، وأحاطوا بك؛ ليبعدوك عن ملائكةٍ أسرعوا إلى لقاك
بضعوا الجلد، كسروا الجمجمة، أجالوا أدوات في الدماغ، ويلاه من أطباء يخبطون بل من جزارين يجربزون
قطبوا الجرح، لفوا رأسك بالشاش، كفنوا وجهك الأصفر بأوهامهم
ضمخوك بروائح العذاب والموت، وتركوك على سريرك
لأمك، لأبيك، لخالك، لربك
كَفَنَّاك بأغشية قلوبنا وكلمناك بالورد والرياحين، بكيناك باسم كل ما أحببتهُ وأحبك في وادي الأمين
بهاء جمالك في تربةٍ عجبت لترب جمالًا يعاد
ونور عيونك في ظلمةٍ عجبت لنورٍ شديد السواد
وحلو ابتسامك تحت الأزاهر أَلْبَسَ روحيَ شوك القتاد
فراحت إلهةُ حُبِّي تهيم وتبكي فؤاديَ في كل واد.

(٧) النفس الراحلة

تذكارًا لراحيل دريان المتوفاة في ١٣ آذار سنة ١٩١٠

على أبواب الجنة تنتظر الأرواحُ أحبابها
بل تنتظر الأحبابُ أرواحَها
آه على المحبين، المودعين والراحلين

•••

أقف عند جثماني، لأودع أصحابي وخِلَّاني
ومن فوق نعشي، أُحيِّي الأعزاء المودعين
تَخَذْتُ الموت منبرًا، فرأيت من عُلاه ما لا ترون، وسمعت ما لا تسمعون
جموعٌ مثلكم يعولون في شمال الأرض وجنوبها، وأرواحٌ مثلي ينتحبون في السفينة التي تعبر نهر الموت والحياة، من أبناء الأرض عظماء وعظيمات
هم رفاقي الآن إلى الجنان
فلا تيأسوا، ولا تجزعوا
الموت خرافة مرهبة، الموت صورة فانية، الموت منبر الخلود، الموت هو الدرجة الأخيرة من سلم العذاب، فلِمْ تنحبون، أيها الأحباب
على أبواب الجنة تنتظر الأرواح أحبابها
بل تنتظر الأحباب أرواحها
آه على المحبين، المودعين والراحلين

•••

ما بالكم تنحبون، أَوَّاه، ودمعة الفراق مَنْ يكفر بها، دمعة الوداع من يجهلها؟
دموعكم كالوابل المتساقط على بحر هاجت أمواجه
دموعكم تسكن الرياح
دموعكم تُنوِّر حول الراحلين زهرًا، وتتكون في صدف الحب لؤلؤًا ودرًّا
دموعكم نورٌ يضيءُ ساعة الفراق المظلمة الموحشة
دموعكم قط كلمات سفر الحياة
دموعُكم أزهار على ضفتي نهر الأحزان ودموع الراحلين طلٌّ في كئوس هاته الأزهار
آهٍ على المحبين المنتحبين، المودعين والراحلين

•••

ساعة أزمعت الفراق، بدت لي أشياء من هناك، من وراء الكواكب والأقمار
ساعة علتْ صيحةُ الأحباب، رُفعت إِلَيَّ أعلامٌ جميلة من خلال الضباب
على ضفاف أنهر الأبدية، في ظلال السدر الندية، رأيت الراحلين، على فرش من السوسن متكئين، وسمعت أطيارًا تغرد حولهم، «إلى حين أيها المنتظرون إلى حين.»
في تلك الظلال أحبابي، حيث الورد لا يذوي والربيع لا يزول
حيث الحب يلعب متلهبًا عن التنائي في جمع أصداف الحزن ولؤلؤ الرجاء
هناك على إحدى الروابي، أنتظر أحبابي
وأنسج لهم من أزهار الدموع والسرور، أكاليل مجد لا تبور
وأدخل وإياهم بيتًا جميلًا خالدًا من الحب والحبور

•••

على أبواب الجنة تنتظر الأرواحُ أحبابها
بل تنتظر الأحبابُ أرواحها
آهٍ على المحبين المنتحبين، المودعين والراحلين.

(٨) معبدي في الوادي

إيهِ أُم الطبيعة بل أُمي، جئت أجدد معك آمال الحياة وسرورها
جئت أجدد عهدي وإيماني مع كلاء الحقول وزهورها
جئت أردد تحت هذه الأفنان الخضراء، ابتهال أبنائك الأتقياء
وقفت على ضريح الشتاء ليلًا، فشاهدت هناك مشهدًا جليلًا
شاهدت ربة الربيع تُقبِّل جبين أبيها، فينور الأقحوان تحت شفتيها
رأيتها تكتب بدموعها سفر الخلود، فيردده العصفر في الجلمود
ورأيت الأولاد في الحقول حفاة، يقطفون الزهور لخير من تألم في الحياة
فقلت في نفسي: ونِعْمَ الإيمان في قلوب الصبيان

•••

إن في قلبي اليوم شيئًا مما في قلب جاري، وفي قلب الغاب أثرًا من آثاري
ألا إن قلبي في عقل هذا القروي، وعقلَه في قلبي الخفي. والذي يراه تحت الكلاء أراه أنا في السماء، والذي يراه في الأرض المنبثق منها نور العالمين، أراه في أكمام الورد أو في براعم الياسمين
فإذا كنت أرى ذلك في الحقل فلماذا أبرح الحقل؟
أَلِأَسْمَعَ في الكنيسة وعيد من لا يعرف من أسرار الحياة سوى ما قرأه في كُتُب اللاهوت والصلاة
إن في ورقة من أوراق التوت سرًّا لا يكشفه اللاهوت
إلى الوادي إذًا، هناك بين أشجار البطم والزمزريق وتحت أدواح الصنوبر والسنديان، أشيد هيكل الإيمان
أراني هنا في بيتي، بل في بيت الطبيعة، بل في بيت الله
ورفقائي هم حقًّا أحبائي، هم إخواني، حبًّا بحبي وإيماني
إن هيكلي لقريب من سلسبيل فضي ذهبي، يجمع بين الدم الجاري في العروق والصبيب المتصاعِدِ في الأشجار واللبن الذي يجدد في النبات حياتَها وفي الأزهار أريجَها وألوانها، ومنبر مرشدي هو مرسح الإنشاد والتغريد، لا منصة التحذير والوعيد
أسمع همس الأفنان، وهي تسبِّح — في قلبها — الرحمنَ، وقد أحياها النسيم العليل الذي جاءها اليوم من بلاد الجليل

•••

سماع قد بدأ الدوري بتلحينه والسنونو بإنشاده
سماع أَنَّ من حلق الحسون الذهبي تتدفق الأنغام الفضية
أَنَّ الأطيار تدعوك إلى تجديد إيمانك وآمالك في الحياة
هي تفتح لك أبواب السماء مغردة، ولا تبعدك عنها متهددة
هي تدعوك إلى العمل، وتنفخ فيك روح الجد والأمل
أي ربة الغاب إن رؤساء هيكلك يرددون صدى نشيد الربيع لا صدى منطق «الغوري» والمعضلات
وشتان بين «الغوري» والدوري، وبين الحسون والخوري

•••

في ظل القويسة والغار، وبين الصعتر والوزال والخنشار وبالقرب من ضحضاح يشفُّ عن نبات حية تحت الماء وفوق النهر الجاري تحت قدمي هذا الوادي الرهيب؛ أبني لك أيتها النفس هيكلًا من الإيمان يَؤُمُّه في المستقبل البعيدُ من إخواني والقريب
بل أُقيم فيه تمثالًا للوداد والإخاء وأدعو إليه كل بشر تحت السماء
فيه أُحيي اليوم أنفس المستقبل ومستقبل الأنفس العظيمة
وحياتي لا تزري بحياة الخنافس والدبابات؛ لأن الناموس الذي يحركها تحت الكلاء يحرك النجوم في حبكها والسيارات في بروجها

•••

إن الأريج المنتشر من هذه الأدغال هو البخور الذي يحرقه الربيع على مذبح الحياة والإيمان
هو أريج الزعرور والقندول المختبئة أشواكهما الآن تحت نقاب جميل من الأزاهر الصفراء والبيضاء
بين هذه الأدغال الشذية وتحت شعاع ابتسامة الأشواك يلذ لي التأمل في من مات ليُحييَ الحب والوداعة في الناس
بين هذه الأشواك تحملني تصوراتي إلى حيث وضع الأكليل على رأس رأس الشهداء
على أن الزمان لم يبق منه سوى الأزهار التي تنوِّر كل عام في قلوب الأتقياء مثلما ينوِّر القندول والزعرور في الغابات
باسمك أيتها النفس الإلهية أصنع لإيماني إكليلًا من أزاهر الزعرور لا من أشواكه
باسمك أُشيد لحبي هيكلًا من خشب السنديان وأزينه بالصنوبر والنيلوفر وبأقمار البيلسان
وإلى أتباع الذي صُلب وبني الذين صَلبوا أقول: تعالوا نسبحه أجمعين في وادي المسرة لا في وادي الدموع، تعالوا نتصافح تحت السماء، حيث لا حاجز يحول دون الحب ولا ما يحول دون الإخاء.

(٩) إنَّا غريبان ههنا أو جمعة الآلام

كلمةٌ همسها النسيم في رعاة الجليل فسمعتْها الدهور ورددتها الأجيال
كلمة من أغصان الزيتون في أورشليم زلزلت العروش وأسمعت ملوك الأرض صوت ذي الجلال
كلمة زرعتها دموع المرأة تحت الصليب، فنورت في السماء وكان فيها مسك ختام النحيب
هي كلمة الربيع في كل عام، بل نشيد الأطيار على الدوام، بل أغنية الأزاهر في الحقول والآكام
وإن أَنْفُسَ الناس النبيلة، لتتجسد في مظاهر الربيع الجليلة
إن في كل نفحة من نفحات الربيع روح بشر عظيم وديع
إن العلم في هذه الأيام يحتفل بفوز أُمراء الحرب وملوك السلام
وإن إكليل الشوك لَأَعْظَمُ من تيجان القياصرة، وكأس المر لَأَطْيَبُ من خمرة الأكاسرة، وقد يدرك هذا الإنسان، فيظل من عبيد الزمان بل من أسراء الغرور والبهتان

•••

جئت الكنيسة لأردد اليوم مع الناس، ذكر أمير الناس، بل ذكر الحقيقة التي يعز نصرها بالعذاب، وتحلو بمر الشراب
دخلت الكنيسة وفي نفسي من أحد النخل والزيتون ما لا ينسيني إياه يوم الجمعة الأليم
بل في نفسي من السرور والابتهاج ما لا يضاهيه فرح الناس في العيد العظيم
إن في هذا اليوم يجتمع القمر والشمس، فيشرق الغد على المستقبل، ويشرق على الحاضر الأمس
في مثل هذا اليوم ولد على الصليب الكريم روح بشرٍ صميم
إنه لَيوم حبور أيها الأتقياء، لا يوم حزن وبكاء، بل لبس ورياء

•••

وإنما نحن في جنازة المسيح، وهذا وربي تجديف قبيح
إن وراء ذاك الستار الأسود الصليب، وأمامه الآباء ووجه كُلِّ قطوب كئيب
هم يجنزون من لا يعرفون، بل يدمدمون وينعبون، والناس إليهم شاخصون
ويلاه، أأنا الوحيد الذي لا يرى ما يراه الآباء، ولا يشعر بما يشعر به هؤلاء الأتقياء
ها قد مشى في الجنازة المدمدمون، وهم في الكنيسة يطوفون
وهذا الصليب، وقد تصاعد وراءه النحيب، وأمامه البُخُور والطيب
وصل الموكب إليَّ، فما جثوت على رُكبتيَّ
سرحت في الناس نظري فرأيتهم كلهم ساجدين، ورأيت بمقرب مني رجلًا آخر من الواقفين
فقرأت في وجه هذا الغريب، ما خالج قلبي الكئيب، وصرخت ساكتًا: إلهنا، إنا غريبان ها هنا
ثم كلمت الغريب فقلت: ولمَ الجناز، ومن صُلب قد فاز
ولمَ هذه الصلوات المبكيَّة، وقد أشرقت على الأرض ابتسامة إلهيَّة، فمال بالنظر إليَّ، ولم يجبني بشيء

•••

ها قد دفنوا الصليب تحت الزهور، وانجلت غيوم البخور
وطفئت الشموع، وكفكف المدمدمون الدموع
خرجنا من الكنيسة أنا والغريب، ونفسي تناجي ذاك الحبيب
فسرنا معًا إلى بستان من الزيتون خارج المدينة
وجلست تحت شجرة هناك فجلس الغريب إلى جانبي
نظرت إليه ونظر إليَّ، وقد استولى علينا السكون والعيُّ
فكأننا حبيبان، فرق بينهما العرفان، فجمعهما الحب والحنان
وفي مثل هذه الساعة تفسح اللحاظ، عما تعجز دونه الألفاظ، على أنني حرت في أمره العجيب وقلت في نفسي: مَنْ يا ترى الغريب؟ وما كاد يخطر ذاك في البال، حتى وقف أمامي كالخيال
فعرفت الطيف في الحال، وقد أنكرته في شكل الرجال
وناديته مدهوشًا: أخي، رفيقي، سيدي! هذا فؤادي ها يدي
نفحةٌ من جنانك كلمة لإخوانك
أسمعت خدامك ينعبون؟
أَلِتمثالك الناس يسجدون، وهم عنك بعيدون؟
سيدي دعني أُلقي على كتفك رأسي، فيذوب ثلج فُتوري ويأسي، أقربني من فؤادك؛ لأتزود من الحب الذي لا يعرفه أحدٌ من عبادك، سيدي اسقني من الحرية والحقِّ والإخاء ما لا يشوبه الخوف والرياء

•••

وبين أنا أُكلمه في البستان، طل البدر من شرفة لبنان
فتركني ذو الجلال، مكانه كالخيال، وذاب في القمر فوق الجبال.

(١٠) عشية رأس السنة

قم أيها الناعس المتقاعس، قم أيها البائس من الحياة
قم أيها العالم الفاتر الشعور القليل الاكتراث
قم أيها البخيل النائم على الصكوك الأوراق والكواغد
قم أيها المقامر العبوس المكتئب، وقم أنت أيها المسرور المحبور المبتهج
قم أيها الساخر بأفراح الشعب البسيط
انهضوا كلكم واخرجوا معي إلى أسواق المدينة هذه الليلة
انهضوا من رقادكم، اخرجوا من سجونكم، أطلقوا النفس من قيودها
أحيطوا بهذا الجسم النحيل، أعطوني أياديَكم ولا تخافوا
تعالوا معي ولا تأسفوا على شيء فات أو مضى
اسمعوا اسمعوا، إن الأبواق تناديكم بأصواتها والأجراس تستقبلكم بألحانها، والليل يبتسم ابتسامًا لخروجكم

•••

نعم نحن في منتصف الليل
ولكن شمس تموز في رائعة النهار لا تُنير الأرض كما أنارت المدينة ليلتها هذه
أزاهر أيار كلها لا تُبهج النفس وتفرجها كأزاهر هذه الأنوار
كيف لا، ومن أصوات السرور في الليل ينوِّر الأثير في الفضاء وتزهر جنان الجوزاء؟
تعالوا وإياي إلى أكبر شارع وأجمل جادَّة أُريكم هناك جمعًا عجيبًا من البائسين والبائسات، يموجون كالبحر الهائج، ويهتفون هتافًا عظيمًا جميلًا
وما هذا الشعبُ بشعب ثائر، بل هو محبورٌ فاز بالحياة ساعة بعد أن عاش في حياض الموت خلال العام المنصرم
إليَّ لنرى أحقرَ الأكواخ وأظلمَ المضايق وأقذرَ أزقةِ المدينة، أريكم هناك أغنى الناس وأكيسهم، أرفعهم وأشرفهم
قد جاءوا هذه الليلة ليُآسوا الفقراء ويعزوهم جاءوا ليتفقدوا شئون البؤساء
ولكنهم قصدوا الأكواخ والمضايق والأزقة فوجدوها خالية خاوية
في هذه الليلة يخرج الغنيُّ من قصره، والفقيرُ من كوخه، والبائس من سجنه، والعبد من قيوده، في هذه الليلة يتحرر الإنسان

•••

إليكم أيها الساخرون بأفراح الشعب البسيط
تعالوا معي إلى الملاهي فأُريكم أنها مهجورةٌ وإلى رداه الرقص فأُريكم أنها مظلمة، وإلى مجالس الأُنس لتروْا كيف هي فارغة وإلى بيوت الشعب فتشاهدوها مزينة بأغصان النخل والشربين والأنوار الصينية المنوعة الألوان، في هذه الليلة يتحرر الإنسان
يتحرر الإنسان ولو ساعة واحدة في رأس كل عام
ولو ساعة واحدة في السنة تتساوى أفراد الأُمَّة وطبقاتها ويخرج البشر من السجون التي بنتها البشر
تنطلق الرجال من القيود التي صنعتها الرجال
في هذه الليلة لا يذكر الإنسان شيئًا سوى أنه حُرٌّ سعيد محبور
ينسى الفقير كونه فقيرًا وينسى الغنيُّ كونه غنيًّا وينسى الشريف كونه شريفًا وينسى البائس كونه بائسًا، وينسى الفاعل كونه عبدًا
إن فرح الناس في هذه الليلة لَعظيمٌ، تكاد المدينة تضيق على ما في قلوب أولادها من السرور والابتهاج
نعم في مثل هذه الليلة يخرج الإنسان من كل ما بناه الإنسان وشيده، الملاهي والحانات والمعابر ورداه الرقص، وبيوت اللذات كلها، كلها لا تشفي له غليلًا، كلها ضيقةٌ مظلمةٌ، كلها صغيرة واطئة
لا شيء هذه الساعة في العالم يستحق أن يقف الإنسان تحته متهللًا ممجدًا إلا الفضاء غير المتناهي، إلا السماء الشهباء المرصعة بالنجوم المزينة بالكواكب والأقمار
في هذه الليلة يخرج أولاد المدينة وبناتها ورجالها ونساؤها ليودعوا العام المنقضي وليستقبلوا العام الجديد
يطوفون في الشوارع متهللين فرحين نافخين في المزامير والأبواق هاتفين هتاف الصبيان في الأسواق، وهذا — وربِّ الناس — جميل

•••

هلموا إليَّ أيها الساخرون بأفراح الشعب البسيط
تعالوا فانظروا كيف يسير الغني بجانب الفقير في هذه الليلة، والشريف بجانب الفاعل، والصالح بجانب الأثيم، والصاحي بجانب السكران، والكاهن بجانب الجاحد
تعالوا وانظروا كيف العاهرات المومسات يمسسن بمناكبهن مناكب الطاهرات من النساء والعذارى من البنات
وكلهم رجالًا ونساءً صبيانًا وبناتًا يهتفون هتافًا واحدًا، ويسيرون تحت سماء الله أول ساعة من العام الجديد بين ألحان الأجراس وأصوات المزامير والأبواق
بين صفوفٍ طويلةٍ من الأبنية الشاهقة المنوَّرة المزينة بسعف النخل وأغصان الصنوبر والشربين
يموج هذا الجمع موجًا في الشوارع والأزقة
يموج والكتف إلى الكتف، وكلهم في الإنسانية إخوانٌ وأخواتٌ، لا يعرف الواحد منهم الآخر
بل كلٌّ يعرف الجمع بأسره
لا ضغينة هذه الساعة ولا بغض ولا حسد
لا حقد هذه الليلة يكدر صفاء قلوب الناس
نعم يسير الشريف إزاء الفقير ولا يتقزز من رائحة ثيابه
يسير الصاحي قبالة السكران ولا يشمئز من رائحة فمه
يسير الجاحد والكاهن ولا أحد منهما يعفر خده ويشمخ بأنفه
يسير الصالح والأثيم معًا مبتسمين
تسير العذراء قرب الزانية ضاحكة مستبشرة
والكل يهتفون هتافًا واحدًا ويفرحون فرحًا واحدًا

•••

رحماكم أيها الساخرون بفرح الشعب العام
عودوا وإياي إلى زمان الصبا والطهارة
إن بين هذا الشعب المزدحم ولدًا سوريًّا غريب السحنة نحيل الجسم أسمر اللون مفلطح الرأس طويل الأرنبة غليظ الشفتين
يفتح بمنكبيه طريقه ويتقدم مع رفاقه الأولاد الأعاجم هاتفًا هتافهم، نافخًا مثلهم في البوق، مرددًا أغانيهم ونكاتهم قاسمًا أيمانهم لاعنًا — في الأحايين — لعناتهم

•••

من لا يأسف على زمان الفتوة وأيام اللهو والسرور الطاهر؟
من لا يقول هذا القول المبتذل ويردد مرارًا في أيام الكهولة هذا الكلام المطروق؟
ويلاه أمن اليوم أندب الصبوة، أتخدعنا السنون نحن شبان هذا العصر، أتسقينا كأسًا واحدة وتتقاضانا ثمن خمسين ومائة
أتكسر إلهةُ الشباب الكأس بعد أن تُرينا إياها
أُقسم بالله أيها القارئ، إن الساعات التي قضيتها في تلك الليالي لَأَلَذُّ وأجملُ ساعات شبابي
بل هي أَلَذُّ ساعات قضيتها حتى اليوم. ساعات سرور بسيط طاهر صبياني
ولكن الساقيَ كسر الكأس وحطمها
أَوَّاهُ، سحق الساقي الكأس وسقاني مسحوقها
وإن طعم هذا المر ليُذكِّرني اليوم بتلك الكأس الواحدة العذبة
يذكرني اليوم بتلك الليالي فأضحك عندما أتأمل فيما كنا نقوله ونفعله أنا ورفاقي الأعاجم
إي واللهِ، حتى إني لم أزل أذكر أسماء بعضهم من صبيانٍ وبنات
أذكر كيف كُنَّا نخرج فنودع العام المنقضيَ ونستقبل العام الجديد
وكيف كنا نقف على منعطف الشارع كل مع حبيبه ونعد الوعود ونعقد العهود
رحم الله الأحباء وودادهم، رحم الله الحبيبات وعهودهنَّ
والآن، ولا سمير للروح سوى الطبيعة، ولا رفيق غير الكتاب وبعض الأحرار الصالحين تهواهم الأذن وتتشوق إلى رؤياهم العين
غير أن المناجاة تغني في الأحايين عن المصافحة
ويا ما أُحَيْلَى من نتعشقهم عن بعد قانعين صابرين.
١  يريد به يوليوس قيصر وروايته مشهورة.
٢  لويس السادس عشر.
٣  كرومويل وهو زعيم الثورة الإنكليزية التي انتهت بمقتل شارل الأول.
٤  ابن أخته فؤاد يوسف صادر، ولد في ٢٧ نيسان سنة ١٩٠٨ وتوفي في ٢٠ ت٢ سنة ١٩٠٩ فاستقبله بالقصيدة الأولى وودعه بالثانية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠