أصوات السكينة

من المشاهد الطبيعية ما يستوقف القلب، ومنها ما يستوقف القلب والعقل معًا، ومشاهد لبنان المشهورة من هذه التي تُحير الإنسان فتعقل منه اللسان.

على كتف وادي قاديشا أو عند مغارة أفقا أو في ظلال الأرز يقف المرء ساكتًا خاشعًا مدهوشًا، ولا غرو فإن لهاته المشاهد الجليلة مزية معنوية فوق مزيتها الطبيعية المدهشة، أجل إن فيها من آثار تاريخ الإنسان وأديانه ومن تذكارات خرافاته وأباطيله ما لا تمحوه يد الدهر ولا تدرسه السيول والأعاصير.

ومن هذه ما نراه عند مغارة أفقا تحت جفن الجبل القائم حولها كقلعة من قلاع الفينيقيين، هناك آثار هيكل بناه الرومان للزهراء وشجرة جوز وارفة الظلال يقدسها المتاولة المقيمون اليوم في ذلك الوادي، وفوق هاته الشجرة وذاك الظل تخيم سكينةٌ رهيبةٌ عجيبةٌ يتخللها نقيق الضفادع وتغريد الحساسين وحفيف أجنحة النسور، وهذه — لعمري — أصوات السكينة التي تُدفن فيها عقائدُ الإنسان وأضاليله.

كان الرومان في أفقا وكانت الزهراء، كان الإنسان في ذاك الزمان يعبد الجمال وكان الجمالُ ينبوع ملذات الإنسان ومبراته، ومصدر ما تسامى من آدابه وفنونه، واليوم في أفقا يوم التعاويذ بل يوم أولياء الجوز والجميز! أسفي على امرئ يدب حول جذور الدين في قيود من الإيمان صدْأى، فإن ما بقي من إدراكه وأمله لشبيهٌ بتلك الرقاع البالية التي يعقدها في أغصان الجوزة ليقيه وليُّها من تصاريف الدهر وكوارث الزمان، رقعة بالية، على شجرة عالية، في ظل مغارة الجهل والخوف والغرور. أهذا ميراثك يا ولي الجوزة؟ ألا يسمعك الحسون شيئًا من نشيد عبَّاد الزهراء؟ وأنت يا ربة الحب والجمال ألا تسمعين في نقيق الضفادع بكاء عبَّاد هذا الوادي؟ أولا تسمعين همس الحكمة الأزلية في حفيف أجنحة النسور؟

وقفت بين حجارة هيكلك عند الجوزة فرأيت حجرًا كبيرًا كأنه رأس صنم، في فمه وعينيه شيء من التراب وقد نبتت فيه ونوَّرت أزهار العصفر البيضاء والصفراء، وسمعت الصنم يخاطب الجوزة فيقول: أجمل الرومانيات قبلنني وهذي أزهار حبهن في فمي.

فقالت الجوزة: أعظم الكائنات عروسي، حجابها الربيع وجلبابها الصيف، وأزهاري وثماري من نور حبها وحرارته.

فقال الصنم، ولكن الإنسان يشوِّه أغصانك برقاع خرافاته وأباطيله.

فقالت الجوزة: أما أنت فقد دنسك بغي الرومانيات وخلاعة الرومانيين.

فقال الصنم: إن نار الحب طاهرة مطهِّرة.

فقالت الجوزة: وإن رقاع الإيمان كفلس الأرملة …

فقاطعها الصنم قائلًا: بل هي كورق التين يستر بها الحارض من المؤمنين عورة إيمانه.

فعظم إذ ذاك هدير المغارة وسمعتها تقول: أفي باب أم النهر المقدس نهر أدونيس، ينبوع الحياة الدائمة، تفاخرون بما يشيده الإنسان ويقدسه؟

فأجابت الضفادع الناقَّة: نعم، نعم.

وغرَّدت الحساسين: لا، لا.

ومر النسر فوق جفن المغارة مسرعًا وهو يهمس بجناحيه كلمةً قَلَّ من أدرك سرها من الناس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠