بلادي

إن الأزهار في بلادي١ ألاعيب الطفولة، وهي هدية من الطبيعة ثمينة تتحفنا كل عيد بها، حتى إنها في عيد الميلاد تنادي الصغار وتدعوهم إلى القلل المتوجة بالثلج لتفاجئهم هناك بأزاهر البنفسج البرية. فيأتون بها إلى محراب القديس المحلي الذي يعدهم بتحقيق رغباتهم إذا كانوا يصلون بينا يقطفون الأزهار باسمه.

وأذكر أني صليت مرة في نوبة غضب وحسد فدعوت بالموت على ولد سبقني إلى نقطة مستحبة تظللها صخرة وقد نبت فيها طيِّب البنفسج الغزير، وما هو إلا أسبوع حتى انتشر الجدري في القرية فذهب بحياة ذلك الولد رفيقي في اللعب، فنقمت على القديس؛ لأنه استجاب طلبتي، وآليت على نفسي ألا أصلي له بعد ذلك وألا أجمع الأزهار باسمه؛ لأنه إذا كان قد سمع صلاتي فما أحراه أن يسمع مني أيضًا صوت الندامة.

وهكذا قد داخل الشك إيماني منذ حداثتي، إلا أن الطبيعة لم تبرح تتحفني بهداياها — الأزهار — وهذا ما جعلني أصبو إليها بكليتي، حتى إني أقمت منها نفسًا قديسًا لنفسي دعوته: مار زهر المسيح٢ في غابة الصنوبر أقمته وفي حمى الصليب.

وما الذي وفق بيني وبين الكنيسة؟ لم أكن عندئذ أعلم، ولا أنا أعلم الآن، على أن هيكلي اليوم ومسيحي قائمان في غابة الصنوبر بين الأزهار.

وسواءً كان محب الطبيعة شاعرًا أو فيلسوفًا يلبي دعوة الأزهار التي تنور كل سنة عند محراب إيمانه، والطبيعة لا تذهل ولا تغير عادتها فلئن كنا في أقصى بلدان العالم فهي تُسمعنا أبدًا صوتها، وإلا فلماذا — وأنا أقاسي الموت كل مرة — أجتاز المحيط لأزور وطني؟

أميركا أيضًا أرض ميلادي، ميلادي الثاني، وهو أرفع في نفسي من وطني الأول، وفيها أيضًا أجدني في قلب الطبيعة آمنًا مستأنسًا، فهذه الأقاحي من أجمل ما تصنعه التربة والحرارة والغيث، إلا أن جمالها عندي يشوبه ألم الذكرى، فالأقاحي التي عرفت دلال حبي في صباي، والتي دعت تمتمة قلبي المملوء أوهامًا، هي أذكى رائحة وأبهى طلعةً وشكلًا، وها هنا جنات تفوق ينابيعها وبراعة يد الإنسان فيها جمال الطبيعة، إلا أني كيفما أتجه النظر في محاسنها، لا أرى بعين المخيلة إلا رسم حوض الريحان الذي كان لأمي.

وها هنا ينبت أيضًا زهر المسيح، وهو أنمى وأجمل من النباتات النحيفة التي تطلع من بين شقوق الصخور في بلادي وفي ثقوبها وظلالها، إلا أني حين أتصورها يحملني الخيال إلى حقول الفتوة فأراني راكضًا حافيًا في تلال لبنان، مصعدًا طورًا في هضابه وقد كستها الأزهار، وطورًا نازلًا لأقطب في الوادي (يوم الجمعة العظيمة) طاقة أحملها خاشعًا إلى الكنيسة وأضعها عند قدمي المصلوب العزيز.

وما أعلى الشربين في وطني الثاني وما أجمله وما أعظمه، ولكن صنوبر لبنان أقرب إلى قلبي، وللصنوبر فضلٌ عليَّ لا أجحده دانيًا أو قصيًّا، فقد عشت في ظلاله ردحًا أنتفع بغيثه ونفحاته الطيبة؛ لذلك لا أتحول عن حبي أشجار صباي وذكرى ألاعيب الطفولة وتلك السذاجة الطاهرة الأولى.

لله من غضب الآلهة، إن إلهة وطني لناقمةٌ عليَّ.

وإلا فما الذي ينبه الروح فينا ويستحوذ على قوانا العقلية ويقودنا بالعواطف إلى أمصار ندعوها الوطن أو مسقط الرأس؟ إني جاهل حائر فلا أعتبر الوطنية وجلها سياسي، ولا حب الوطن وكنهه الأنانية، ولم أكن قطعًا وطنيًّا في أيهما ولا في ما حدده دجنسون٣ من الوطنية.
وفضلًا عن ذلك أن وطنًا لم تتحقق فيه الحريتان الشخصية والروحية لا يستحق الحب والإجلال، وأن المرء يستطيع أن يخدمه وهو في بلاد بعيدة عنه، ولقد عالجت وطني قريبًا وبعيدًا، وكنت في الحالين واحدًا وكان الدواء واحدًا، ولكن الداء عضال والشفاء التام قلما يكون.٤

كفانا ما تقدم في الوطنية، ولكننا نتسائل كيف ينشأ حب الوطن؟ وما هي أسبابه؟ أهل هو في اللغة؟ إن الإنكليزية عزيزة عندي كالعربية، أم هو في المعيشة الأهلية؟ أم في العادات والتقاليد؟ فما أحببت وطني لما كنت فيه، وما راقني فيه عيش رأسه البساطة والسذاجة ولا كنت أعرف إلا القليل من جماله، لذلك كنت مسرورًا يوم ودعت لأول مرة أهلي وهجرت الوطن.

أو لعل حب المرء بلاده ينشأ عن المذهب القومي؟ أو ينحصر في دين آبائه وأجداده؟ لا أدري ولكني أعلم أن تلك البلاد التي أدعوها وطني كانت ولا تزال محرومة من مذهب قومي خاص، كانت في عهد أنطيوخس الكبير بل في أيام زميلي الكاتب الفينيقي سنشوناثون كما هي الآن، أما دين أجدادي فقد كان في جيب قبائي الذي خلعت يوم ركبت البحر مرتحلًا.

ما هو السر إذن في حب الوطن أو في ذاك المرض الوطني المزمن؟ ألعله سحر الكهان أو دعاء آلهة الأوطان! قد ألبي الدعاء فأعود فأرى الهيكل خرابًا، وقد أعود مسحورًا فتحل رقية السحر عند الباب.

أو هي هدية الطبيعة بل هداياها عند الباب ودونه، التي تعاون الساحر وتعطر كلمات الآلهة ونفحاتها؟ أراني ألتمس في ذا الموضوع نور الفكر لا نور العاطفة؛ لأن الجمال وحده لا يخفف من آلام الحب والمعرفة.

أو لعل ألاعيب الصبا تمسي عندنا ألاعيب الروح؟ ها هنا إخالني اقتربت من الحقيقة، أجل إن علينا أن نعود ثانيةً إلى الطفولة لنفوز بشيء من البهجة والحبور في حب الوطن، وفي تلك المناظر المطبوعة صورها بالأذهان منذ أيام الصبا.

أجل إن أحلام الفتوة وسذاجتها الجميلة النقية وجمال الطبيعة الظاهر والكامن معًا، لتتصل أسبابها بأشجار الوطن وأزهاره وبسواقيه ومروجه وهضابه، أجل، إن كل ما يشغف الولد في سنيه المقدسة لينطبع في ذاكرته النقية فيكون منه لنفسه حياة روحية، أبدًا جديدة، ولكنها كالأزهار تخضع لناموس التطور ومشيئته، فهي تنمو، وتبرعم، وتذبل، وإذ تذبل تفرش من أوراقها سجادة تحت أقدام الذكرى، وتطلي بالذهب الباهت شفق الروح وتملأ ما يستقر عندها أريجًا منعشًا طيبًا.

إن روح الولد مستنبت يمسي جنة أَسَرُّ ما فيها أزهارُ الذكرى وأَحْزَنُها أشواكُ الهجر، وهذا — على ما أظن — السر في الحنين إليها. بل هي معبد دُفنت فيه ملائكُ أحلامنا وأبطال التصور والأمل.

وسيكون زهر المسيح شفيعي لدى القديس في كنيسة القرية، بل لدى الإله إلهي في معبد الوادي، فإني عندما أقتلع تلك الأزهار من مكامنها في الصخور أجتهد أن أحافظ كذلك على أوراقها المطرزة، وعلى كل عقدة من لفافتها القرمزية النحيفة، فأشاطرها حياة الهجر وحياة أُخرى منشأها الحب الإنساني. وإني لأجد في الاثنتين لذة لا يماثلها شيء في الأحلام والآمال المادية.

أما مستنبتات أمهاتنا — وفيها الحبق والريحان — فكم لقينا في تخريبها من أزهار السرور، وتلك الأزهار نفسها وتلك النباتات الطيبة الزكية التي كنا نتلفها لاعبين، ما زالت تنمو وتبرعم لتنشر حولها ثقة بالنفس وأملًا بالحياة، وهذا كل ما يتطلبه البشر الفاني المتعثر في فيافي الخوف والشكوك.

أفلا ترى إذًا أن تلك الألاعيب — ألاعيب الصبوة — وتلك الرموز — رموز الروح — لَتحيا حقيقة في الأزهار التي كنا نجمعها لقديس القرية، وكم مرة ضللنا الطريق واقتحمنا العواصف في سبيلها؟ أفلا تراها في غض الكلاء وكثيف الأدغال حيث كنا نتغلغل فرحين ونضيع لاعبين؟ أفلا تراها في الأشجار التي كنا نتسلقها ابتغاء ثمارها ولا تزال أغصانُها تحن إلى استماع أغانينا الجبلية؟ أفلا تراها في الجداول الفضية المتدفقة التي كنا نجتازها في الشتاء مزدرين أخطارها؟ أفلا تراها في الكروم البَهِجَة التي كنا نسرق عنبها الذهبي والقرمزي وفي الحقول الخضراء المطرزة بالأزهار التي كنا نجمع منها لأحد الشعانين الحندقوق وشقائق النعمان؟

إن حب الوطن المجرد من هذه المحسوسات الطاهرة والتذكارات الروحية لَحُبٌّ سياسي مادي لا يشغل العقل منا ولا القلب.

أما تاريخ بلادي فهو — والحق يقال — تاريخ بلاد بلا علم ووطن بلا نشيد، ولكن رسالتها الروحية أضرمت قديمًا قلب العالم، أما تقاليدها فهي تقاليد أُمَّة ولا ملك ولا زعيم. تقاليد شعب ولا حقوق ولا حرية. تقاليد نفس ولا هيكل ولا إيمان. ولكن روحها القديمة لا تزال حية تتألم ولذلك ستنهض للجهاد والفداء، ولئن كانت أسوارها المتهدمة وجناتها الذابلة المهجورة قائمة بين رمال البادية وأمواج البحر — بين عقمين خالدين — فإن إرثها الخالد الصليب، ومجدها الدائم الأزهار.

سوريا، بلادي، بلاد الورد والفل والوزال، أنت مهد الآلهة وفيك قبورهم، أنت الصليب والمصلوب، أنت الوطن الروحي لكل شعوب الأرض، فلَمَّا عبدت بابلُ تموز، ولما عبدت بعلبك المشتري، ولما استظهر الجليل على اليهودية، ولما انتصر قريش على الجليل؛ كنتِ ينبوع حياة جليلة تتهافت على مواردك الأمم، بل كان هيكلك هيكلَ المجتمع الإنساني، وكان صوتك صوتَ الله.

إيهٍ سوريا بلادي، فمن دجلة إلى البحر الأحمر، ومن الطور إلى الحجاز، كانت روحك جنة الوحي وكان جمالك مطمح الملوك، وإذا كانت قد خلت جبالُك من الأنبياء اليوم فإن بلابلك لا تزال تغرد في سهولك وهضابك، والورد لا يزال ينور في قلبك، والأرز لا يزال — من أعاليه وقد كللها الثلج — يمد ظلاله وينشر طيبه فوق رمالك الذهبية.

سوريا بلادي، بلاد الورد والفل والوزال، مهد الآلهة ولحد الآلهة، إنك — وإن غدوت قفرًا سبسبًا — لَكعبة الروح إلى الأبد ومطمح أنظار الممالك والأُمَم.

١  كتبت أصلًا باللغة الإنكليزية.
٢  ويدعى أيضًا دويك الجبل.
٣  صمويل دجنسون كاتب إنكليزي مشهور بأقواله وحكمه المأثورة، ومنها: إن الوطنية آخر ملجأ يلجأ إليه المنافقون.
٤  وهذه أُوروبا اليوم بل العالم بأسره يئن من أدواء أولها وأشدها الوطنية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠