على الأرض السلام

«على الأرض السلام» مقالة طالعناها في جريدة تدعى الأَبوقَلِبْس، ننقلها إلى قراء اللغة العربية لا خدمة لدولة من الدول المتحاربة، ولا تعزيزًا لمبدأ من المبادئ السياسية المتغالبة، ولا من أجل أُمَّةٍ من الأُمَم المنكوبة، ولا إكرامًا للحقيقة المُهانة المصلوبة، ولا حُبًّا بالوطنية التي أسكتت المدافع حكماءها، وبلبلت المخلصين من أبنائها، ولا بغية أن نهدي أحدًا أو نضلل أحدًا من الناس.

ننقل المقالة إلى قراء اللغة العربية؛ لأنهم ألفوا في هذه الأيام المنقول — معقولًا كان أو غير معقول — والمألوف غالبًا مستحب، والمستحب حجته برقبته، ونأسف أننا لا نستطيع أن نهدي كل واحد من القراء وبالأخص السوريين بركة من الأثر الذي عثرنا على الجريدة فيه، فالسوريون أجدرُ الناس بمثل ذي البركة والإكرام.

كيف لا ونحن أرقى الشعوب فكرًا وأعظمهم قدرًا، وأشرفهم نفسًا، وأسلمهم عقيدةً، وأبعدهم نظرًا، وأشدهم على جواهر العقل حرصًا، كيف لا وفينا شيء من كل الأُمَم ما سوى جنون الأمم، كيف لا، وقد رفضنا أن نُحارب من أجل الوطن أو نبذل في سبيله استقلالًا قليلًا مما هو اليوم أبخس الأشياء، ولكن الدم السوري عزيز والنفس السورية أعز، والسوريون حتى البقالون منهم لم يؤخذوا بخزعبلات الوطنية وبما يزينه من الأوهام أدعياء الوطن، فهم أبعد الشعوب نظرًا، وأثقبهم فكرةً، أي والله! وأسماهم عقيدةً، وأشرفهم نفسًا، فالسلام على السوريين أينما حلوا، وكيفما ضلوا، وإليهم خصيصًا نزف هذه المقالة من جريدة الأَبوقَلِبْس.

وقد يتساءلون: وما جريدة الأبوقلبس؟ ومن هو كاتب المقالة التي نشرفها اليوم بحلة عربية؟ فهاكم القصة:

لما كنا السنة الماضية في إسبانيا خرجنا ذات يوم من مدينة على شاطئ البحر المتوسط نبتغي النزهة، فوصلنا بعد أن اجتزنا مسافة خارج الصور إلى صخور تغسل أقدامها الأمواج وبينها بقايا مركب عرفنا من حرف على صفحة من حديد مكسرة مصدئة أنها غواصة (صبمارين) ألمانية، وبين بقايا هذه الغواصة عثرنا على فرد وجمجمة منشور رأسها وقد سد بالورق، فرفعنا السدة ففاحت من الجمجمة رائحةُ الخمر، فقلنا: وهذه من فظائع الألمان، يشربون الخمر اليوم بجماجم الأعداء مثل أجدادهم في غابر الزمان، ثم كشفنا الأوراق فإذا بها جريدة الأبوقلبس وفي صدرها ما يلي: «جريدة بشرية.»

تصدر في رأس كل سنة في أي لغة كانت في أي مكان كان، يحررها فريق من الكتاب لا وطن لهم ولا دين.

ويساعد في تحريرها بعض من كانوا بالأمس وزراء، وأصبحوا اليوم ممن ينطقون حقًّا، ويقولون صدقًا، اشتراكها جمجمة من جماجم الأعداء.

وعلى هامش إحدى صفحاتها كتب بقلم رصاص ما يلي:
أنا جوهان شميت قبطان الغواصة 100-U أغرقتُ في شهر واحد خمسين مركبًا من مراكب العدو، منها باخرة كبيرة أقلت ركبًا كثيرين فيهم عدد من النساء والأطفال، ما نجا منهم واحد. ومنها مركب شحن عجبت لشجاعة قبطانه فخلصته واثنين من بحريته وأنزلتهم غواصتي، وأقمت وإياهم يومًا وليلة تحت الأمواج وفوقها إلى أن أوصلتهم إلى الشاطئ سالمين فأعطيتهم مئونة يوم من الخبز واللحم المقدد وقنينة من الخمر، فوضعها القبطان في الحقيبة التي كان قد خلصها وودعني قائلًا: «يا هر شميت»، أنت ألماني شريف النفس، كريم الأخلاق، فعسى أن تجمعنا التقادير بعد هذه الحرب فنردد ذكرى هذه الأيام العصيبة وأكافئك على معروفك حق المكافئة.

ثم أخرج من حقيبته جمجمة فأهدانيها قائلًا: هي أعز ما لديَّ الآن أرجوك أن تقبلها ذكرًا مني، فقد كان صاحبها من أبناء وطنك ولم يكن شبيهك بغير الشجاعة، أسرني ذات يوم في وسط الأوقيانوس وجوعني ورجالي ومثَّل بأحدهم ترويعًا ولكن على الباغي يا «هرشميت» تدور الدوائر، المثل بالمثل في هذه الأيام السوداء، سن بسن، وجمجمة بجمجمة، فإليك أهديها، أعيدها إلى ألماني كريم الأخلاق، وهذه الجريدة طالعها فإنك على ما ظهر لي ممن يعرفون الحقيقة ويحبونها، في جانب الله كانت أو في جانب الشيطان.

نعم «جوهان شميت» يحب الحقيقة ويعرفها إن كانت لابسة خوذة ألمانية أو قبعة إنجليزية، فقد طالع هذه الجريدة الصغيرة وخطت يده هذه الأسطر على هامشها قبل أن قبضت على المسدس الذي خلصه من جهنم هذه الحرب. ولا يظن أحد أني هربت من واجبي أو أني جبان، أنا قبطان «الغواصة» 100-U خمسين مركبًا من مراكب العدو أغرقتها في شهر واحد، فما بقي إلا مركبي أُغرقه ودماغي أُبعثره، وأنا في عملي الآن أخدم ألمانيا العتيدة، بل أخدم الإنسانية التي ستقيم في الأُمَم سيادة علوية جديدة.
قبطان الغواصة
جوهان شميت
هذه قصة الجريدة التي لقيناها على شاطئ البحر المتوسط في إسبانيا، وفيها قصة القبطان الألماني الشجاع، الكريم الأخلاق، أما المقالة الرئيسية فيها فهذا عنوانها كاملًا:

«على الأرض السلام» «ورصاصة مسك الختام» «لام.»

ومغزى المقالة هو أن كاتبها الذي يتمنى أن تنتهي هذه الحرب بل يصيح بالأُمَم المتطاحنة صيحة إنسان عاقل مجرد من الغايات السياسية والجنسية والشخصية يطلب من الدول باسم الإنسانية المصلوبة والشعوب المنكوبة أن تقرر أمر الحرب بالتصويت العام لا في الاجتماعات السرية في النظارات الحربية والخارجية. فلو سئل كل امرئ في الأُمَم المتحاربة اليوم ما إذا كان يُريد أن تستمرَّ الحربُ أو تنتهي بمهادنة يتبعها صلحٌ عامٌّ لأجاب قائلًا: لتنته الحرب، ليستتب السلام، وكاتب المقالة وزير من الوزراء أدار شئون الحرب في نظارته سنتين ثم اعتزل السياسة.

أما عنوان المقالة ففيه غموضٌ بل نكتة يعسر علينا بادئ بدء فهمها، ولكننا بعد أن تصفحنا الجريدة كلها وجدنا أن محرريها متفقون بإلقاء مسئولية هذه الحرب على رجل واحد في أوروبا، وهذا الرجل يدعى: «وليم هوهنزولرن.» وهم متفقون أيضًا في أن جزاء العمل من مثله، ولكن من يقتل الملايين من الناس أو يسبب قتلهم يمسي خارج الشرائع العادية، الطبيعية منها والاجتماعية، فما معنى إذن «ورصاصة مسك الختام، لام؟» ليست «اللام» اسم الكاتب ولا هي عبارة مختزلة غامضة من مثل ما يفتتح بها المحرر أكثر مقالاته وآياته، وإنما هي لام بسيطة أي «ل» الجر أو الوصل، وغموضها ينجلي في عبارة صريحة نقتطفها من الجريدة، وهاكها:

حرية الفكر في العالم اليوم مقيدة، لذلك نلجأ في الأحايين إلى الألغاز، وقراؤنا الألباء يكتفون بأول حرف من الكلمة أو بأول برعم من الفكرة.

هذا مفهومٌ، و«مسك الختام رصاصة» مفهومٌ أيضًا، ولكن رصاصة لمن ﻟ «وليم هوهنزولرن» ولا ريب. وكاتب المقالة يقترح أن تهدى الرصاصة إليه يتصرف بها كيف شاء، ومن رأي أحد قراء تلك الجريدة أن يقرر ذلك في مؤتمر السلم وأن يستحضر ممثلو الأُمَم في المؤتمر بربريًّا من برابرة إفريقيا ليحمل الرصاصة إلى «وليم» المذكور. وهذا حكم الإنسانية على عدو الإنسانية، ونقتطف أيضًا من جريدة الأبوقلبس مما يتعلق بالموضوع ويجلي غوامضه ما يلي:

المجرمون الصغار تقاصهم الحكومة، والمجرمون الكبار يقاصهم الله، وما لمن ينكره من هؤلاء حتى الله، ويأبى أن يدنس ناموسه به، إلا زبانية الجحيم يناديهم قائلًا: قاتل نفسه يقرئكم السلام.

وإلى قراء العربية بعض آيات باهرات من جريدة الأبوقلبس:
لس عود،١ ورب الوجود، للبشر عدو لدود، رأسه الجنود، والطبول والبنود، ومعامل البارود.
لحل٢ ورب الفكر والعمل، لا تقطع الأمل، ولا تكن من المتعصبين، للوطنية أو للدين، الحروب وكروبها، على الملوك والسياسيين ذنوبها.

•••

سنح٣ والمقيد ما فلح، عقل الأُمَم اليوم في صحافتها والصحافة في القيود، تمجد البنود، وتكثر السجود، لرب القرود، المقدس الحدود، ارفعوا الأبيض من البنود، أو الأحمر وكسروا القيود.

•••

الحقيقة المصلوبة تناجي ربها، وتستعيذ ممن يدَّعون حبها.

•••

سنح، ومن فلح، لا تنتهي هذه الحرب حتى تشترك بها كل الأُمَم، فسارعي أيتها الأُمَم إلى السلاح، على جارتك أَشْهِرِيها لذنب أو لغير ذنب ليشبع البشر من الحرب، ليشبعوا اليوم.

دقوا الطبول قبل أن تكسروها، ارفعوا البنود قبل أن تمزقوها، الوطنية اليوم — أيها المجانين — والإنسانية غدًا.

•••

لسبيم٤ والرب الكريم، وزبانية الجحيم، كان للبشر في ما مضى من الزمان ثلاثةُ أعداء: الجهل، والنعرة الدينية، ورؤساء الدين. وللبشر اليوم ثلاثة أعداء: الجهل، والنعرة الوطنية، والجرائد.
وقاف٥ وسورة الأحقاف، ورب الأحلاف، التعصب الوطني مثل التعصب الديني. لكلٍّ أجل.

الصحافة المضللة مثل رؤساء الدين المضللين. لكلٍّ أجل.

السيادة العسكرية مثل السيادة الخرافية. لكلٍّ أجل.

وليم هوهنزولرن مثل نقولا رومانوف وعبد الحميد. لكلٍّ أجل.

والاشتراكية الكاذبة مثل الأديان الكاذبة. لكلٍّ أجل.

الباسيفيست الأعمى مثل الجندي الأعمى. لكلٍّ أجل.

حكم الفوضى مثل الحكم المطلق. لكلٍّ أجل.

أدعياء الحرية مثل أدعياء الدين. لكلٍّ أجل.

صياح الزعماء مثل تمويه الوزراء. لكلٍّ أجل.

سفسطة المتكلمين مثل تفوق المتوحشين، لكل أجل.

الشعوب المظلومة باسم الوطن مثل الشعوب المظلومة باسم السلطة المطلقة. لكلٍّ أجل.

جشع المتمولين مثل نفاق الاشتراكيين. لكلٍّ أجل.

من يغتنون اليوم من معامل المدافع والقنابل مثل الجياع والمرضى في البلدان المنكوبة. لكلٍّ أجل.

وقبل أن ينقضي أجلهم كلهم عبثًا ننادي: على الأرض السلام، على الأرض السلام!

لس عود، ورب الوجود، لسنا من المقيدين إلا بالإنسانية ولسنا من الساجدين إلا لرب البشر.

•••

عدو البشر العنيد، اضربه بالحديد، وهات جمجمته، نزين بها قصر السلم الجديد.

١  لس عود: أي: لسنا من المتعصبين وطنًا أو دينًا.
٢  لحل: أي: لسنا من حزب الحكومة أو من حزب العمال.
٣  سنح: أي: بسم الإنسانية والحرية.
٤  لسبيم: أي: لسنا من الباسيفيست «السلميين» أو الميليتاريست «الحربيين.»
٥  وقاف: أي: والحق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠