الشعر المنثور

(١) النجوى١

يا ذا الجلال الأزلي، ألحفني بشيء من جلالك
يا ذا النور الدائم، امددني بقبس من نورك
يا ذا القوة غير المتناهية، ابعث منها في قواي

•••

إنما أنا مبدأ الحياة الأزلية، وعين الحب والقوة، وأني حي فيك، عليم بنجاويك

•••

أنت الحياة بأجمعها، أولًا وآخرًا، وإني لأحيا بك

•••

إنما أنا مصدر الإدراك البشري، وسأزيدك إدراكًا بأنك جزءٌ مني

•••

ساعدني اللهمَّ لأجمع قواي الروحية، والعقلية، والجسدية، في سبيل الحق والحب والحكمة

•••

إني أيها الإنسان مصيخ إليك، مطلق يديك، منعم عليك

•••

يا أيها الينبوع السرمدي،
المنبعثة منه أنوار الحب، المتدفقة منه مياه الحياة والعافية، إني أفتح لك عقلي وقلبي، وأبسط أمامك روحي، فلا تحرمني فيض مكارمك، ولا تبعدني عن ينابيعك

•••

إن ينابيعي لفي النجوم، وفي ما يربط النجوم بعضها ببعض، وفي ما ينشأ عن ذا الارتباط من قوة وعافية
إن ينابيعي لفي الحقول، وفي ما ينشأ فيها من الأزهار، وفي ما يبعث من الأزهار أريج الحب والجمال
وهي كلها أمام عينيك، وطوع يديك يد العقل والكشاف، ويد الروح الخالدة

•••

إنك إلهي، ولا إله لي إلاك

•••

إني نبض الحياة فيك، وروح الحب فيك، ونور الحكمة فيك، كن علينا أمينًا، فهي الألوهية دينًا ويقينًا.
الرياض، في ١ كانون الثاني سنة ١٩٢٣م

(٢) على رمل الإسكندرية

إيهٍ أيتها الأمواج الخالدة، كم شاهدت من أمواج الإنسانية ومن بحورها الفانية
أمام عيونك الزرقاء، وفي ظل ابتسامتك الفضية، كم تَبَخَّرَ بحرٌ ونضب، وكم تبددت تحت أقدامك موجةٌ هادرة شامخة من أمواج الناس
على هذا الساحل الذهبي الجميل لعبت الملوك قديمًا أدوارها، فتغنت بها أرباب الفنون ورددت صداها أَلْسُنُ الشعراء
بالقرب من صدى هديرك الهائل هاجت أمواجهم وماجت، فعادت إلى حيث لا يبلغ مدُّك ولا تبصر عيونك الرمل والصخور
عادت أمواجُ أنفسهم المضطربة إلى حيث لا نبع إلا نبعك الدافق من ميازيبَ ذهبيةٍ، في بساتين من النور الأزلي الروحاني
هناك نبعك أيتها الأمواج، وهناك أيضًا نبع الإنسانية
لقد هجتِ قديمًا في صدر الإسكندر فجئت به إلى هنا ليبني لك هذه المدينة الزاهرة
لقد حملتِ أنطونيوس إليها ليطفئ لوعة غرامه
لقد منحتِ القيصر قسطًا من عظمتك، فخاض عبابك طمعًا بملك عظيم، بل شغفًا بوجه وسيم
وأراك الآن هائجة في قلوب الصغار والأذلاء، كما هجت قديمًا في قلوب الملوك والأمراء
أراك مضطربة مبتسمة معًا إذ تشاهدين على ساحلك هذه الأمواج المزدوجة من بحر الإنسانية
هي تتمازج على الرمل في كنف الصخور تمازجك في بطن أمك
هي أمواج من النفس يحن بعضها إلى بعض، ويهيج بعضها على بعض، ويختفي زبد الواحدة تحت زبد الأخرى، ويذوب زجر الهائجة تحت مد المدبرة
الحب أيتها الأمواج يؤيدك
والحب يحمل إليك هذه الأمواج القلقة الفانية
ومهما عظم اضطرابها على سواحلك الذهبية فإنما راحتها في ابتسامتك الفضية الدائمة

•••

لا تعجبي من هياج هذا الإنسان واضطرابه فما هو سوى طوائف من الأسماك والحيوانات البحرية تختبط في بحر من النفس لا يُرى
إن مدينتنا من المدن الكائنة تحت أمواجك، أيها البحر الهائل أيها الرقيب الأزلي
وفيها من الحيتان والدلافين ما يزري بحيتانك ودلافينك
فيها يهدر بحر من هذه الإنسانية المتكالبة
ولكل موجة من هذا البحر الغريب لون يختلف عن الآخر
لكل موجة صوت لا يشبه أخاه
لكل موجة شكل ومنهج وعبوسة وابتسامة

•••

هذه الإسكندرية، وفي بحرها تشاهدين الآن ما لم تشاهديه فيما مضى من الزمان
أمامك الآن أمواجٌ مزبدة من نهر التايمس الهادئ، وأمواج هادئة من نهر المسيسبي المتدفق، وأمواج كرواسي الجبال من أنهر السين والرين والدنوب، وأمواجٌ عليلةٌ لطيفة من بحر الأحمر وبحر الهند وبحر فارس
هي الأمواج يتلاطم بعضها بعضًا، ويمتزج بعضها ببعض
هي الأمواج تقتل بعضها بعضًا، ويصبو بعضها إلى بعض
وفي هذه الحركة الدائمة تذوب الذات وتتلاشى الأصوات
في هذا العراك الشديد والضجيج المديد، تضمحل الأشكال وتنقرض الرجال
أجل، هم يشيدون الصروح وهم يهدمونها، هم يؤسسون الممالك وهم يبيدونها
ثم تطحن وجوههم تحت أقدامك، وأنت باسمة ضاحكة

•••

أيتها الأمواج الناطقة بلسان الفناء والأزل، الحاملة إلينا نباءً من الموت ونباءً من الخلود
إن بحر الإنسانية لَيفيض وينضب، لَيزبد ويهيج، لَيهدأ ويتبخر ويتلاشى، وأنت إلى الأبد في عين الشموس والأقمار
تشاهدين أباطيل هذا الزمان، كما شاهدت أباطيل الأزمنة الغابرة
تسمعين ضجيج أبطال هذا الجيل في اﻟ «بورص» كما سمعت من أبطال الأجيال الماضية صليل الرماح في ساحات القتال، وتستقبلين الشمس كل مساء لتلحفيها ليلًا بحبك، كما كنت تستقبلينها يوم لم تكن على سواحلك المدن
ولا عمران كان، ولا نبت ولا حيوان.

(٣) نبوكدنصر الشحاذ

ولِمَ تنبح الكلاب؟
من ذا الذي في الباب؟
إن في الباب مليكًا دوَّخه الزمان
إن في الباب شبحًا محنيًّا تحت وفاضه، متكئًا على هراوته، يمد يده باكيًا، ويهينم شاكيًا
شبح مخيفٌ يرتعد كالمحموم، لا يعرف أَمِنَ الناس هو أم مما فوق أو تحت طبقات الناس
طيف من أطياف العياء والمذلة، نهب داء وفاقة، يطوف البلاد كفارة عما اقترفه من الآثام سواه
تصرخ فيه معدة ظالمة، فتذل فيه صورة الصمد المتعال
تصفر في رأسه الرياح فتصرعه، فيردد صداها شبح الوساوس والأيام
يهذي فيتساقط اللعاب من فيه، أسير أسقام وأوهام
يدق صدره مستعطفًا فيرتجف هيكله الهشيم، ارتجاف قصبة في الرياح
إن في الباب شحاذًا يستنبح الكلاب
إن في الباب مليكًا دوَّخه الزمان

•••

وإليك بخبره من فيه
«أنا نبوكدنصر من بين النهرين — نبوكدنصر الشحاذ، الملك، ملك بابل وآشور — الله سبحانه يطوِّف بي في العالم مثقلًا بما ترونه من ذلة وفقر ومرض وصرع وجوع وأوجاع … أعطوني الله يعطيكم!»
ولله من ملك تخرق عيناه اللقمة، قبل أن تدخل اللقمة فمه
لله من ملك طي هذه الأطمار، في هذا الهيكل الهشيم المخيف
على كتفيه وفاضه، وعلى ذراعيه مواعينه، وفي يده هراوة يستعين بها على الدهر والكلاب
لله من ملك على رجليه من آثار المفاوز أشواكها، وفي سَاقَيْهِ جروحها، وقد ركمت عليها الأسفار غبارها
لله من ملك يتساقط الدم من أنفه، والدمع من عينيه، فيجمد على لحيته اللجين وعلى صدره الياقوت
ويورد الصرع خديه، فتلتهب الأحلام في محجريه
هنالك شيء من الهول ألبسه الدهر قميصًا حاكتها شياطينه
بل هنالك غور غدور من ظلمات الزمان، ونبأ من عصورٍ عقم فيها الهيكل والصولجان
وفي ناظريه ساعة الصرع غيظ يحتدم — ولا غيظ من عَلَوا العروش مجدًا
في ناظريه يتجسم الويل وقد ذاب عظمًا وعزًّا، ووجدًا
ها هو أمامك مغمي عليه
قد ذبل الورد في وجهه، واضطرم الوهم في ناظريه
قد ذهب التلجلج من فيه والرجف من يديه، فهو لا يهينم الآن شاكيًا، ولا يمد يده باكيًا
هو يرغي ويزبد لا كالصريع، بل كالمليك المنيع، وقد شخص إلى الفضاء يصب عليه لظى تَغَيُّظِه
كأن مُلْكَه في الفضاء، وكأن عرشه في كبد السماء
«أنا نبوكدنصر ملك بابل وآشور، تاجي، صولجاني، وزرائي، موعدكم غدًا. إليَّ بآلة الصيد، لا، أشعلوا الأنوار، أين الإماء الحسان؟ حركوا الأوتار، تعالي … تعالي إليَّ، ليس الآن وقت العبيد، سوقوهم إلى السجن، إلى النار، الخائنة، الفاسقة، إلى النار، آه عليك، آه عليَّ، أوَّاه على ملكي …»
وهذا مليكٌ دَوَّخَهُ الزمان، وعَضَّهُ الويل في الكبد والوهم في الجنان
إن في الخيال الثائب إلى رشده، الواقف أمامك الآن، الناطق بخليط من لغات العرب والكلدان، نبأ من غور ظلمات الزمان
إن فيه تجسم ظلم الدهور وعدل الزمان
بل فيه تتجسد أرواح من جاروا على الإنسان
بلى، إن في مثل هذا المتسول الصريع المجنون، ليتقنص الظالمون

•••

ولِمَ تنبح الكلاب؟
إنما نحيب الكلاب هذا لا نباحهم
نحيبهم على من في الباب، على مليك صرعه الزمان، على شحاذ عضه الوهم في الكبد والويل في الجنان
حتى الكلاب ينتحبون ويتساءلون
أين الروح التي نفخها الله في هذا الذي خلقه على شكله ومثاله؟
وأين الكرامة التي تميز البشر عن الحيوان؟
وأين الإباءة التي ترفعه على أسياده إلى خالقه؟
أين من الرجال عزة النفس والشرف والحمية والعزم والنشاط؟

•••

إن في الباب شحاذًا من بؤساء الكلدان ممن أرهقهم سيف ابن عثمان
طواف يطوف البلاد متسولًا كفارة عن ذنوبه وآثامه
بل عن جرائر حكامه
هو حجة الزمان، على طغاة الزمان
هو دمَّل من دمامل مجتمع الإنسان
هو ثمرة طغيانكم أيها الرؤساء والحكام،
هو صنع يدكم الأثيمة لا صنع يد الله.

إلى الذي صلب

من ديوان ولت وتمان Walt Whitman الشاعر الأميركي الشهير.٢
إن روحي أيها الأخ الحبيب لَتصبو إلى روحك
لا تبالي إذا كان الكثيرون يرددون اسمك مرنمين ولا يفهمون
أنا لا أُردد اسمك مرنمًا، ولكني أفهمك، وهناك آخرون مثلي، إني لأختصك بحبي أيها الرفيق العزيز
سلام عليك، وعلى الذين معك، من قبل ومن بعد، وسلام كذلك على الآتين
ألا إننا نعمل معًا لنعقد في الناس عهدًا واحدًا، ونحيي فيهم وصية واحدة
نحن القليلين، المتساوين، لا نحفل بالزمان، ولا حدود عندنا للبلدان
نحن المحيطين بطبقات الناس جمعاء، وبقارات الأرض كلها
نحن المسلِّمين بكل الأديان
نحن المحبين، المؤاسين، المدركين، المؤلفين بين الرجال
نمر بالخصومات والمزاعم ساكتين، ولكننا لا ننبذ شيئًا مما زعموا، ولا ننكر أحدًا من المتخاصمين
إن لغط القوم وضجيجهم لَبمسمع منا في كل حين
إلينا تتصل شقاقات العباد، والمعاير، والأحقاد، من كل جيل وبلاد
هي تكتنفنا لتعتقلنا يا رفيقي، ولكنها عبثًا تسعى
إننا أحرار، نسير في العالم، ولا قيد فيه يقيد مثلنا
نضرب في مناكب الأرض وسهولها، نجوب أنجاد الحياة وأغوارها، لنترك في الزمان وفي الناس آثارنا الخالدة
بل لنشرب الأجيالَ روحَنا والدهور، فينشأ الرجال والنساء في مقبل القرون، وهم إخوان مثلنا محبون.

نيويورك

أبنت التمرد في العالم القديم، وعروس التفرد في العالم الجديد، وأم الفوضى في العالمين. ويلٌ لأبنائك وعُشَّاقك
أطليقة الهنود بالأمس، ومحظية اليهود اليوم، وحاملة بنود الثورة غدًا، ويل لأبنائك وعشاقك
مهدك الحقول وفيه ثعابينها، سريرك المعادن وفيه سمومها، عرشك جبال الثروة وحوله وحوشها. ويلٌ لأبنائك وعُشَّاقك
أحشاؤك من الحديد وفيها عقمه، صدرك من الخشب وفيه سوسه، فمك من النحاس وعليه صداؤه، جبينك من الرخام وفي جماله جموده. ويلٌ لأبنائك وعُشَّاقك
تشربين ذوب الإبريز، وتأكلين معجون اللجين، وتنتعلين أجنحة العلم، وتلبسين الفاخر من الحرير النادر من الحلي، وقلبك قار يشتعل، ويل لأبنائك وعشاقك
أبنت الألوان والأنوار، شعرك في الليل أشقر، وأسحم في النهار، تصبغينه لكل مراود وتغسلينه لكل مغيار. ويلٌ لأبنائك وعُشَّاقك
أبنت الهمس والصياح، ليس في صوتك نغمة من أنغام الفجر والصباح، بل في صوتك رنة الذهب وجموده، إنْ في الملاهي وإنْ في الأسواق، إنْ في المصارف وإنْ في الكنائس. ويلٌ لأبنائك وعُشَّاقك
أبنت الثروة والاحتكار، في مخازنك خيرات الأرض، وفي خزائنك الأموال والحلي، وفي قصورك عجائب الحضارة، وفي جاداتك بهاؤها وضجيجها وهولها وعجيجها، وفي أكواخك الظلمة والفقر والجوع والأنين، ويل لأبنائك وعشاقك
في أسلاك قلبك أبناء الحب والخداع، وفي عروقك أعباء التجارة والأطماع، وفي أعصابك اهتزازات شرور السرور، وفي ربلاتك شهوات صرعى الغرام، ويل لأبنائك وعشاقك
لله منك حرة نعارة، تاجرة فاجرة، عذراء الجنون أنت وزانية الفنون، في فسقك وفي برك سلطانة أثيمة. ويلٌ لأبنائك وعُشَّاقك
مهلًا بنت المعادن والكهرباء، مهلًا ربة العمل والغناء، إن من ذي الأرض جمالك لا من السماء
جمالك نور في زجاج يزول إذا كسر الزجاج، جمالك في قصورك لا في خدورك، في مسراتك، لا في مبراتك
جمالك يملأ الفضاء نورًا والنفس ظلامًا، نبت أثيل أوراقه جسيمة وأزهاره سقيمة، هذا جمالك
نهر من الكهرباء، على ضفتيه جمال من الرخام، وغابات من الحديد، هذا جمالك
ليل باهر، نجومه من معامل الإنسان الفانية، لا من معامل الله الأبدية، تعسًا لذا الجمال
ساعة، أولها ابتهاج، وآخرها تثاؤب، قبحًا لذا الجمال
مسرح الأهواء واللذات والأطماع صدرُ جمالك. آخر ما اخترعته المدنية من آيات الكذب والمصانعة عينُ جمالك
ضخامة تتمخض بها التجارة، فيلقبها التجار بالعظمة والفخامة، لقد كذبوا — واللهِ — وكفروا
جمالُ معبودهم كدولار، صُكَّ في الليل وطلي في النهار، تبًّا لذا الجمال

•••

أفي ساعديك عروسُ العالم الجديد يعظم حسنك، أفي أصغريك يضمحل أفي سفاهتك يحيا، أفي بداهتك يموت؟
أَيتلألأ في عيونك ازرقاقُ نور المجون، وينطفئ في قلبك سناء شعلة الشعر والفنون؟

•••

أعروس العالم الجديد، عرس من أنت اليوم، وغدًا عرس من تصبحين؟
أمن خدر الهنود، إلى خباء اليهود، إلى قبضة القرود؟
أمن أكواخ الحرية، إلى مخادع الفسق، إلى صروح الثروة، إلى هاوية الثورة والويل والهلاك؟
رحم الله أنفسًا عرفتك طاهرة، ويل لأنفس عشقتك عاهرة

•••

«نيويوركليم» حسدتها اليوم أورشليم
«نيويوركليم»، وفيها العبرانيون يمرحون، ولا ينتحبون، ويل ﻟ «نيويوركليم»
أفي صحافتك كما في تجارتك، أَمِنْ على منابرك ومسارحك، يعلو صوتُ إسرائيل أصوات أبنائك الحقيقيين؟
أتملأ «تامار» أسواق الليل دعارة وملاهيه فسادًا؟
أتقبض «ياعيل» اليراع اليوم كما قبضت السيف في سالف الزمان؟
وشتان بين عدو وعدو، بين الظلم «سيسرا» الأمس والحق وهو «سيسرا» اليوم

•••

أبنت اليهود والقرود، أين منك اليوم فضائل الجدود؟
ماضيك من النور والنار، وحاضرك نور مستعار
ومستقبلك؟ لا بد للمستعار من أن يزول، «وحسن الوجوه حال يحول.»

•••

في حسنك لعنة جَسَّمَها الله في ذي الأبراج تحت سمائه
أصاغها من التبر، وضَمَّخَها بالطيب، وكَلَّلَها بالتيجان ذات القباب المذهبة
قباب هي دمامل الأرض، وأنفس تحتها هي دمامل الحياة

•••

وغدًا تصير أبراجك في أنفاقك، ويدفن مجدك الكاذب تحت أنهارك، فتبكيك عندئذ نينوى وتترحم عليك بابل.
نيويورك، في كانون الأول، سنة ١٩١٠

(٤) بلبل الموت والحياة

في القفص يُغرِّد البلبلُ، وفي الأودية تُوَلْوِلُ الرياح
والأشجار تنثر أوراقها على أزاهر تموت في الحقول
ومن اليَمِّ يتصاعد السحاب فيُثير في قلب الآفاق أشجانًا تسوقها رياح تُذيب السحاب
أراها ثائرة حول صنين فيسمعني الوادي صدى نشيدها، وأرى أوراقَ الغاب على صدور الرياح فيسمعني الحب صدى آمالها وأرى زجاج النوافذ وقد قبلها الشتاء فيسمعني الليل بكاءها، ويُريني الفجر دموع أسرارها
إنه لَيوم السكينة، ليلُهُ وليل أعاصيره سويَّان، وصوت النعي وصوت البشير فيه شبيهان
إنه لَيومٌ سكينتُه من القبور، وصراخه من أعماق قلب الديجور
في الأودية والأحراج وفي السهول والجبال تتقطع أنامل الطبيعة في نول آمالها، ويذوب قلبها على مذبح جمالها
إننا لفي الخريف، وإلى جانب الموقد على جلود الصوف تجلس أنفس الجبال لتسمع في النار نشيد الزمان
والزمان يندب ابنه المشرف على الموت، يندب العام الذي دفن الأزاهر تحت ما تناثر من أوراق حبه، وجاء يحفر قبره في الثلوج
وفي القفص يُغرِّد البلبلُ، وفي الأودية تُوَلْوِلُ الرياح

•••

ألا قف بي على أطلال العام، نرَ مشهدًا شيدت فيه هياكل الحزن والهيام، هياكل يرفع الربيع تماثيلها فيسقطها الشتاء الهدام
إن صوت النعي لينتشر في الغابات والحقول، في المروج والجبال وبين الأشجار والصخور
إنه ليخرج من الصخور كهدير الأمواج حول طنين الأجراس، ومن الأشجار ألحانًا تحسبها منظومة من مراثي أرميا ومزامير داود
وإنه ليهز أدواحًا راسخة في أرضها فينبه فيها شمائلها
يتشامخ الصنوبر كبرًا وعتوًّا فتغمز أعناقها الرياح
يتماوج الزيتون حبًّا وحنوًّا فيبدو على أغصانها نثار فضي كالنجوم الماثلة بين الغيوم السوداء في الليلة الليلاء
وإنه لَيهمس في قلب السماق واللوز فتختال غنجًا ودلالًا
وإنه لَيضرب على أوتار الأرز فيسمعنا نشيدًا قديمًا، ويرينا — ولو في القبر — سحرًا حلالًا
وإنه ليصرخ في الأرض صرخة حقٍ تزعزع السهول من الأرض والجبال
وإنه ليسكت فتنصت السماء، وتنصت البحار، وتتناثر من الأشجار أوراقُ آمالها ذات اليمين وذات الشمال
فتحملها رسل الخريف لتكلل بها العام وهو في حال الاحتضار
ورقة بالية، من شجرة عالية، تحملها العواصف إلى حيث لا تدري الأيام، أهذي هي الحياة؟ أهذا هو الموت؟
في القفص يُغرِّد البلبل، وفي الأودية تولول الرياح

•••

أسدل الظلام على الآفاق سدوله
من البحر إلى الجبال تتسارع الغيوم السوداء وعلى أهدابها زبد يكلل الأمواج إذا هاجتها الأعاصير
إنها لَبحر من السحاب زاخرٌ فوق بحر هائج من الماء
وفوق جبال يذرِّي ثلوجَها الهواء
وفوق أودية تتقصَّف فيها الأشجار
وفوق سهول يغشى اخضرارَها الغبار
وفوق كنائسَ مهجورة تصفر في كواها الرياح
وفوق مقابر لا يخيفها الليل ولا ترعبها الأعاصير
وفوق كهوف فزعت إليها وحوشُ الغاب
وفوق أنهار تجرف إليها الزوابعُ الصخور والأشجار
من أعالي الجبال إلى أعماق الأودية والبحار
من سهول الحياة وجبالها، تحت سماء الليالي وسحابها، إلى أعماق بحار الأبدية
أهذي هي الحياة؟ أهذا هو الموت؟
في القفص يُغرِّد البلبل، وفي الأودية تولول الرياح

•••

يُولِّي الخريف وتبقى ظلمات يومه، فنشاهد غروب شمسه، ونرتشف شفاه نوره
ظلمات تذوب من قبلات الشمس وقد مالت إلى المغيب، فبدت أشعتها من خلال الضباب المتكاثف فوق اليَمِّ، فلمست أسلاك سحر بيوت الجبال، فتلألأتْ في زجاج نوافذها قطعٌ من الماس المنقطع النظير، ولا ماس أمراء الهند ولا ماس معادن أوفير
تغرب شمس الخريف فيتكون حولها من أنيق الأشكال وجميل الألوان ما يعجز عن وصفه البيان
وأَنَّى نحاول تصويرها على القرطاس وقد سكرتْ منا الحواس
إن أمواج النور على جبين الخريف لَكَنَدَى الفجر على زنبق نيسان: هذا تشربه الشمس وذاك يشربه الظلام
تعالَوا إخواني نرتشف كأس الشمس وكأس الظلام
ففي القفص يُغرِّد البلبلُ، وفي الأودية تُوَلْوِلُ الرياح

•••

الغروب في مجده وفي أجمل بلاد الله من يستطيع وصفه؟
من يستطيع تصوير شيء من جمال حركاته وسكناته، مِنْ بديع ألوانه وخيالاته، من هول اضطرابه وهدوئه، من بهاء بعده ودُنُوِّه
لا يتوقعنَّ القاري أن ننقل إليه طرفًا من سماء سوريا على صحيفة من القرطاس
إن ما يتنوع فيها من الألوان، وما يتعدَّد فيها من أشكال الجمال ساعة مغيب شمس الخريف؛ لَيستحيل استخراجُهُ من هذا السائل الأسود «الذي يسود الوجه والقلب أحيانًا.»
جُلُّ ما نستطيعه أن نُشير إشارة إلى جمال الطبيعة وغموضها، إلى غرائب شمسها وأسرار غسقها
يقصد السياح جبال سويسرا لِيشاهدوا منها غياب الشمس، والشمس هناك تغيب في الأحراج أوْ تختفي في الثلوج
وشمسنا — شمس سوريا — تستحم في البحر فتَتَوَرَّد من مشهد استحمامها الجبال
قف معي والجبال نشاهدها الآن، قف معي والبلبل ننشد جمالها
ها إنها قد دنت من الماء فتجسمت حولها الألوان جبالًا وسهولًا، وبسطت الغيوم أودية وحقولًا، وبدت الأنوار في الضباب جزرًا وصخورًا، وغزلت من أناملها في المياه خيوطًا براقة وفسولًا
هي تبعث حبها في الغيوم فتشعلها إشعالًا، فيخيل للناظر أنها عرائسُ راقصاتٌ، في مروج خضراء، على شواطئ بحيرات من دم المحبين حمراء
بل حول جبال كأنها البراكين، ترقص أرواح المحبين
سوَّتْهُنَّ الشمس من الغيوم فأحيتهن قليلًا نارُها، ثم احتجبت عنهن فاستحلْنَ جمادًا، ثم ظهرت قليلًا فأبدعت وودعت، ثم أرسلت في الجماد نورها فكونتهن بوارج، والبوارج تجري ملتهبة في بحر رهو من اللؤلؤ المذاب
والغيوم أشكالًا، وقد أُشعلت إشعالًا، شبيهة بمدينة أحرقها أهلها خوف أن يحتلها العدو
ألا في الضباب وقد بدت أشباحًا أثرُ الهاربين، وفي السهول الخضراء وقد جرت فيها السواقي الحمراء كتائبُ الفناء
من مدن النور، إلى ساحات الحرب، إلى ظلمات الليالي. أهذي هي الحياة؟ أهذا هو الموت؟
في القفص يُغرِّد البلبلُ، وفي الأودية تُوَلْوِلُ الرياح

•••

ومن ساحة القتال، تنتقل النفس إلى مملكة الحب والجمال
عند المدينة المحترقة المُدمَّرة أرى قصرًا فخيمًا، حوله بحيرات صفراء، على وجهها خيالات من الضباب الشفاف، تبدو من لمح البصر وتغيب
كأن كل ما في العالم من العنبر، وكل ما في السهول من الزعفران يذاب في تلك البحيرات، لتغتسل فيها بنات النور بل الحب والسرور، حول أميرتهن أميرة البدور
وإلى جانب هذه البحيرات الراكدة بحرٌ هائجٌ من عصير الرمان، تعلو أمواجه حباحب من عصير الفل والأقحوان، وعلى شاطئ هذا البحر ظلال مدينة قائمة في الفضاء، حولها سواقٍ جارية زرقاء، وفي السواقي صخور كبيرة شهباء، ووراء الصخور سهول فسيحة خضراء، وفوق السهول جبال سوداء وبيضاء، وفوق الجبال نجمة واحدة حمراء
مدينة سماوية في أرض سماوية تستمد الشمس منها النور، فتعكسه خيالات وألوانًا كالموشور
إنما الشمس موشور الله، وإن ما نشاهده من غريب ألوانها وأشكالها لهو فيض نور الله منعكسًا على الشمس، فتظهر لنا العجائب وتخفيها قبل أن يفيق القلب من سكرة الابتهاج لينطق بالتسبيح
في القفص يُسبِّح البلبلُ، وفي الأودية تُسبِّح الرياح

•••

أشرف النهار على الموت كما أشرف الخريف
يموت الخريف تحت جنح الظلام على صدر العاصفة، ويموت النهار معانقًا الشمس وهي تقترب من الماء بما فيها من جمال وبهاء
إن النهار ليغتسل معها عريانًا، فيغرق معها فرحًا ولهانًا، بل يموت على صدرها ميتة الغرام نشوانًا
مليكٌ من مُلُوك البحار فاجأه الموت ساعة الحب والحبور
وقف الموت إلى جانب سريره، والملك معانق مليكة قلبه
ناداه الموت، فنهض الملك مسرعًا وقد ارتعشت جوارحه وامتقع وجهه
نهض مسرعًا مُلَبِّيًا، فتسربل بأفخر الأرجوان، ولبس درعه وخوذته، وامتشق حسامه وركب مركبه، فأضرم فيه النار وأسلم شراعه إلى الرياح
خاض المركب عباب البحر محترقًا ملتهبًا، وعلى ظهره الملك، وعلى وجه الملكِ ملكُ الموت
وكأني بالنهار هذا الملك الجبار
إنه يموت موتًا جميلًا، يموت موت إله من آلهة الرومان، متوجًا بأفخر التيجان، وقد رصعه بأبدع الحجارة، مكللًا بأجمل الأزاهر التي تقدمها الأرض إلى ابن من أبناء أميرها الزمان
بل تقدم إليه في الخريف ما أعطاها في نيسان
إن في تاجه العجيب لَمن الجواهر أفخرها وأغربها
إن فيه لتمتزج الألوان، فمن زُرْقَة الزمرد، إلى حمرة الياقوت، إلى بياض اللؤلؤ، وبينها تَتَمَوَّج صفرة الفيروز وبريق الماس
كلها تذوب وتمتزج حول رأسه امتزاجًا عجيبًا
كلها تتموج وتستحيل أشكالًا من حال إلى حال، تسير مسرعة، سرعة البرق أو الخيال
هناك منها سهولٌ من الزعفران ورُبًى سربلتها الأقاحي
وهناك بساتين من الورد وجنات من السوسن، وهذا فراش من القرنفل، وذاك وساد من الجلنار
كل تلك الأزاهر وهاتي الجواهر سوَّتها الشمس ونثرتها حول حبيبها المشرف على الموت
نسجت منها الأكاليلَ والتيجان لِتُزَيِّنَ بها ضريحه، أذابتْها لتغسل ذراعيه ورجليه
أجل إن كل ما على وجه الأرض من الأزاهر، وكل ما في معادن الأرض من الحجارة الكريمة، وكل ما في أعماق البحر من اللؤلؤ والمرجان؛ تُذاب الآن حول النهار الذي قضى على صدر الشمس لتزيد موته مجدًا وغرامه جمالًا
أَوَمن أجل الموت كل هذا الجمال؟
أَوَمن أجل الموت كل هاته الأزاهر والجواهر السماوية؟
أَوَمن أجل الموت تنشر الطبيعةُ على الآفاق عبيرها وشذاها، فتختم الفجر بمسك حبها، وتضمِّخ الغسق بسوسن أحزانها؟

•••

في القفص يهينم البلبل، وفي الأودية تحشرج الرياح
قد اكفهر جبين صنين واستحالت الألوان البهية قطعًا من الليل
تبدد طيب الرياحين في الفضاء، وراء الغيوم السوداء
سقطت المدن المنورة واضمحلت، ولَّت العرائس الراقصات، غاصت الجزر الفضية في البحار، استحالت البحيرات الذهبية بِرَكًا من الزفت، وسكب الليل منه كأسًا شَرِبَها الموت
أَوَّاه قد دفن النهار، دفن في ضريح من الماء، مكفنًا بكفن نسجته يد الليل من نور أقمار السماء
وقد سكت البلبل في القفص، وسكتت في الأودية الرياح.
الفريكة، في ١ شباط، سنة ١٩١٣

(٥) الأناشيد الثلاث (من كتاب خالد)

وضعه المؤلف باللغة الإنكليزية وهو مقسوم إلى ثلاثة أقسام عنوان الأول «في السوق» والثاني «في الهيكل» والثالث «في كل مكان» وقد افتتح كل قسم بأنشودة: رمز فيها إلى معناه، أولها وهي فاتحة القسم الأول: «إلى الإنسان» والثانية: «إلى الطبيعة» والثالثة: «إلى الله».

إلى الإنسان

مهما جزل خيرك، ومهما تفاقم شرك، لا أزال أخاك، مهما عليت في مدارج الحياة، ومهما تسفلت لا أزال أُخلص لك، وأُؤمن بك، وأحبك. أَفَلَسْت عالمًا بما فيك، بما يأسرك، وبما يناديك؟ أَلَمْ تدمني تلك البراثن، أولم تشفني تلك الأجنحة؟ تعال إذًا، تَطَلَّعْ إلى العلياء، ها هو الهيكل الكلي الأكبر وقد جعل محطًّا لنا لا محجة.

ولقد تشيد عند معالم المشرق والمغرب، فوق الجبال المشرفة على الغرب تحتها وعلى الشرق، هيكل الأُمَم جمعاء لا تُعبد فيه آلهة كاذبة باطلة. فإن آلهة الفلسفة واللاهوت والآلهة التي صورها الإنسان على صورته البشرية الفانية وآلهة الكهان والأنبياء؛ لَمدفونةٌ كلها تحت ينبوع الهيكل، وقد غدا مذبحًا ومحرابًا — ينبوع الهيكل الذي تتدفق منه روح بارينا الأزلية — بارينا المحيي المميت، يغضي الطرف حين تنشب البراثن في قلبنا، ويبتسم حين تظهر الأجنحة في جروحنا، وحقًّا إن رب الدموع والابتسام ربنا، وينبوعه في ذا الهيكل فائضٌ مدى الدهر، قف ها هنا وارتوِ، قف ها هنا وارتوِ.

إلى الطبيعة

أيتها الأُمُّ الأزلية، السماوية الجهنمية، المكتنفة الأكوان، المغذية أحياءها، الملتهمة أبناءها، إني لك أبدًا سرمدًا، أيتها الآلهة المتوجة بالنجوم، المنتعلة الدرر واللآلئ؛ إني لك أبدًا سرمدًا ولئن كنت وليد هزيمك وجيشانك، أو ثمرة من ثمار أحشائك، أو شعاعًا روحيًّا من نورك، أو فلذة صماء عمياء كُوِّنَتْ من دمعك وابتسامك، أو يراعة آبدة من العقل الذي فيك أو في ما فوقك، فإني لك أبدًا سرمدًا، ها أنا ذا أمامك، أخر ساجدًا عند قدميك، أسلم نفسي وكلي إليك، المسيني أيضًا بقضيب سحرك الإلهي، اطرحيني ثانيًا في بودقتك السرية، أعدي صنعي ولا تحرميني مما فيك شيئًا، أكثري فيَّ من سكينة جبالك، وسمو سمائك، وهول بحارك، وقدس أحراجك، وصفاء ينابيعك، وشمم أرزك وثبات الراسيات في أرضك.

عانقيني واهمسي في أُذُني بعض أسرارك، املئي حواسي وكياني من نفحاتك ونسماتك، افتحي أمامي أعماق روحك المخيفة الهائلة، اطرحيني على صدر عواطفك يسر إليَّ بعض ما فيك من قوة وعز وعظمة وجلال، اغمسيني في مغيب شمسك عَلَّنِي أفوز ببعض شيء من إلهيات فنونك. أنشديني نشيد السر أيتها الأُمُّ الأزلية، كأسًا من حبك السماوي الجهنمي، فإني لأقبل الرأفة والعسف منك لِأعرف السر في عسفك ورأفك.

امسحيني بزيت البداهة المقدس لأظل قمينًا لك، ولا تَصُدِّينِي ولا تجفيني، فيضمحل في الصميم من الحب، العميم من العطف والمبرة، يا أيتها الأُمُّ الأزلية مليكة العرش الأزرق والقبة الزرقاء، إني أبتهل إليك، وأُقبِّل رجليك، وأطرح بنفسي بل بكلي لديك، ولست متشوفًا إلى ما عسى أن يكون ومنك، فلئن صرت مجمرة في يد كاهنك الأكبر غدًا، أو بخورًا مني في المجمرة، أو يراعة في هيكلك، أو سراجًا مطفيًّا في محرابك أو لو صرت كوكبًا في منطقتك، أو شمسًا في تاجك، أو لؤلؤة في نعلك، لتريني قانعًا راضيًا لأنني متيقن أن ذلك خير كله وسلام.

إلى الله

عبثًا طلبتك أيها الرب الإله في أديان الناس، وعبثًا بحثت عنك في سرداب عقائد الناس، وعبثًا كنت أنادي وأنادي كثيرًا في مساجد الناس، ولكني لقيت في كتب العالم المقدسة بعض آثار سماوية طامسة، فلقد توضح لي حرف ساكن من اسمك في «الفيدا»٣ وحرف في «الزند آفستا»٤ وحرف في الإنجيل وحرف في القرآن، أجل وفي كتاب الجمعية العلمية الملكية وفي سجلات جمعية المباحث النفسية، بعض الحركات التي لا يحسن الجنس البشري الطفيل أن يحرك بها اليوم الأحرف الساكنة المركب منها اسمك، وأنَّى لأُمَم الأرض — ولم يزالوا في طفولة الحياة يلكنون ويتلعثمون — أن يحسنوا النطق باسمك، ناهيك بإدراك كنهه؟ ممن تجيئنا أحرف العلة التي بدونها لا تلفظ ولا تفهم الأحرف الساكنة في الكتب المقدسة؟ من يهدينا إلى تلك الهمزات همزات الوصل الإلهية التي تجمع بين الكواكب البعيدة المتقابلة في أطراف الأفلاك السماوية؟

فلقد خطَّت على نقاب السر الأبدي كلمات وأمحت كلمات، ثم خطت وأمحت، وكل أُمَّة من أُمَم الأرض المتمدنة فسرت حرفًا من هذا النباء الطامس العظيم، ولكن الحركات وهمزات الوصل التي لا بد أن يأتي بها علماءُ المستقبل والأنبياء لتحيي جمودًا في أحرف الكتب المقدسة الساكنة وتبعث فيها سلاسة الماء والهواء، وتزيل اللكنة من لسان هذا الجنس البشري الطفيل ومن قلبه.

خالد

(٦) هجروها٥

هجروها وبانت الهديل ينحن على آكامها
لعنوها وجروحهم مضمدة بأعلامها
في أجمل بقعة من أصغر عوالمك، تحت أقدس الأبراج من سمائك، حول أعذب الموارد في خير مروجك، بين أنقاض دفنت فيها أنوار وحيك، جلست هنيهة أستريح
أسندت رأسي إلى جزع أرزة وارفة الظلال تقبِّل أغصانها بقية عمد هيكلٍ خَرِبٍ قديم
وسمعت أصواتًا شبيهة بأصوات رياح الشتاء في مقابر الجبال
وبدت أصحابها كالأشباح يضجون في الأنقاض ويولولون، ينعون، ويكبرون، ويقتتلون
وبينما هم كذلك وإذا بحية جميلة على عمود من المرمر تشير برأسها إلى بيت تحت العمود من العنكبوت
نظرت إلى البيت فرأيت الرتيلاء تحوك أخياطها آمنة فيه، وحيات صغيرة تلعب حوله ولا تؤذيها ولا تؤذيه، ورأيت الأشباح يقتتلون فيهدمون الأكواخ التي ابتناها الإنسان في الأنقاض
أشباح الماضي يبنون في أخربة الماضي ويهدمون ما يبنون
فاستوت الحية على عمود الهيكل وشرعت تقول: ويل الإنسان إذا فكت في الظلمة قيوده، ويل الأُمَم إذا أطلقت في الليل سجناؤها، ويل البلاد إذا قدست فيها سيادة هي كالظل في رواق الهيكل بل كطيف الموت في أنقاض الحياة
هجروها والحية تندب أطلالها
لعنوها والعنكبوت آمن في ظلالها

•••

سمعت قرقعة القيود فظننتها صليل السيوف والرماح
فابتسمت الحية وأومأت إليَّ أَنْ أتبعها
سرنا بين الأنقاض حتى خربة الهيكل فدخلناها وإذا فيها أُلوف من الرماح والصلبان مكردس بعضها فوق بعض
وفي الزاوية قناة رمح وبقية صليب تحوك الرتيلاء حولهما بيتها السري العجيب
فقالت الحية: إني لأرى ما لا تراه
فقلت: وماذا ترين؟ فقالت: أرى زنبقة نامية فوق الصليب محنية فوق الرمح تُقبِّله، وأرى وردة حمراء في الرمح تنور فوق الصليب
وعلت — إذ ذاك — أصواتُ الأشباح في الأطلال فقالت الحية: وإني لَأسمع ما لا تسمع
فقلت: وماذا تسمعين؟ فقالت: أسمع صوتًا يقول: وهذه قيود الجهل فكتها يد الأطماع
وقيود الفاقة حطمتها أنياب الجوع
وقيود الاستعباد قطعتْها سيوف الضلال
وقيود الدين أذابها الصداء
وقيود الجور كسرتها الضغائن والأحقاد
وأما ضمير الأُمَّة فلم يزل في قيوده ونفسها لم تزل راسفة في الأغلال
هجروها والفتنة تنفخ في نارها
لعنوها والليل ينسج في دارها

•••

رأيتهم خارج المدينة ينحبون، سمعتهم تحت أسوارها يجدفون، اقتربت منهم فزجروني، بعدت عنهم فلعنوني
قالوا: أنت منا ولست منا
وقالوا: أنت معنا ولست معنا
فقلت: حقًّا ما يقولون، وسرت في سبيلي بعيدًا عن الهاجر والمهجور، أُردد قول حية الأطلال، وأتأمل الرتيلاء التي تحوك من قلبها بيتًا للرمح والصليب
هجروها وآمالهم مكفنة بأعلامها
لعنوها والبرق يشق غيوم آثامها

•••

والشهب في الظلمات، والذئاب في الغابات، ورماد المحرقات، تحت أنقاض الخرافات، وعذارى الهيكل الباكيات، إن الهلال والصليب لَيحترقان تحت قدمَي رب السماوات، وقد مال بوجهه إلى البرابرة في الصحاري والفلوات
ربي، إن في أمتي لَبقيةٌ صالحة
ربي، إن في بلادي لمطلعًا لم يزل عامرًا بأنوارك
ربي، إن في ضفاف النيل لعرشًا حوله شموع العلم والهدى نيرات
إن في أرض فرعون لَبقيةُ رُوح حية علمية، طاهرة زكية، تبهج الناصري وتثلج قلب الهاشمي
إنها لَحية في الآداب، زكية في أنوار العلم، عَلِيَّة في الفنون، طاهرةٌ في إمارة الشعر وأُمرائها
ما رأيت مُلْكًا للسيف يدوم، ولا سيادة تعزز بغير البر والعدل والحجى
إن لِشَمْس اليقين غيبات وعودات، ولآمال النفس هجمات ويقظات
وفي ترب الحياة بزرة وإن تراكمت فوقها ألف خريف، وثلوج ألف شتاء، تظل حية طيبة يسمع تنهُّداتها الشاعر ويرى النبي نور شذاها، تُشرق شمس يوم هنا فتذيب الثلوج، فتهب الرياح، فتنتثر الأوراق، فنسمع — إذ ذاك — ما يسمعه الشاعر ونرى ما يراه النبي
ليهجروها حانقين ضالين، ليلعنوها يائسين قانطين

•••

سرت في طريقي أنشد مجدًا لأمتي بعيدًا، فسمعت على ضفاف النيل لصوت عصر المأمون صدى جميلًا جديدًا
ورأيت الشاعر والفيلسوف والأديب إلى جانب الأمير جالسين، وعلى أنقاض هياكل الظلم والخرافة معاهدُ تشيد للعلوم والفنون والآداب
فقلت في نفسي: وهل تُحقق حلمَنا أيامٌ آياتُها أعجبُ من أعاجيب الموحيات فتمجد نفحات الشعراء، وتعزز شوكة الأمراء؟ ويسير الفريقان في طريق واحدة إلى محجة واحدة، وتصبح مصر كعبة العلماء، وقاعدة ملك النبوغ والذكاء
أجل، إن دولة العلم والأدب لَأعظمُ شأنًا، وأسمى مجدًا، وأثبت أعلامًا من دولة النار والسيف والدماء.
الفريكة، نيسان، سنة ١٩١٣

(٧) الشرق

تمهيد

تتمثل في هذه القصيدة حالة الشرق الحاضرة في ظل تقاليده وعاداته، تمثيلًا يشمل بعض الإشارات من لفظ ومعنًى تقربه حيًّا من بصر القارئ وبصيرته. ولكن القصيدة لا تحيط بالشرق كله، وقد تنحصر بالشرق الأوسط والشرق الأدنى؛ لِمَا للإسلام فيهما من حرمة وسيادة. ويسمع للهند فيها صوت شديد تختلط فيه أصوات الماضي الجامد بأصوات الحاضر الثائر؛ لما للأجانب والكهان في الهند من السيادة والنفوذ، والشرق بين الاثنين حائرٌ اليوم، تتنازعه عواملُ العلم والدين فيَثور تارةً وطورًا يعتريه الفُتُور فيعود إلى القديم الجامد وعينُهُ في الجديد اللامع الخَلَّاب. وبكلمة أُخرى: إن الشرق يتكلم فتسمع في كَلِمِهِ صوتَ الشاعر وصوت الفيلسوف وصوت الأمير وصوت الصحافي وأصوات الكهان والعلماء — أُم أُم! الله الله!

والعجيبُ الغريبُ أَنَّ ذكاء بعض الأُدباء والشعراء في مصر كَبا كَبْوَةً عند هذه الكلمة التمثيلية، فاستعاذ بالله من طمطمانيات الشعر المنثور، واعتصم منها بشيء من الأدب القديم العقيم، وبأشياء من السخافات في النقد والمبتذلات.

١

أنا الشرق
أنا حجر الزاوية لِأول هيكل من هياكل الله، ولأول عرش من عروش الإنسان؛ لذلك تراني مَحْنِيَّ الظهر، ولكني قويم الرأي ثابت الجنان
أنا جسر الشمس
من أعماق ظلمات الأكوان إلى الأفلاك الدائمة الأنوار تصعد كل يوم على كتفي وتكافئني مكافأة جميلة
أجل إن في جيوبي، وفي يدي، وفي نفسي من ذهب الفجر ما لا نظير له في معادن الأرض كلها
تزودني الشمس للترحال، وتزود مني البصر أيضًا والجنان، وأنا على ثباتي في رحلة دائمة، كالكواكب لا تبصر حركاتها
إن أول القافلة، قافلة نفسي، لَيتصل بالجوزاء
وإن آخرها … لست أدري اليوم أين آخرها
قد يكون واقفًا مستكشفًا في أبواب ليفربول
أو نائمًا تحت عرائش الياسمين في سمرقند
أو جادًّا على ضفاف النيل
أو ضائعًا في السكة البيضاء في نيويرك
ولكني قنوع رَضِيٌّ مطمئن؛ لأني وإن كنت لا أرى ساقة القافلة فإني مبصر قادتها
وإني لَأسمع طنطنة الأجراس عند المساء
وصوت الرسول يجيئني كل صباح مسلِّمًا
وفي يده ثوب جديد ألبسه ليومي
نسج من لا ينسج إلا لصاحب الجلال، رب الليل والنهار.

٢

أنا الشرق
قد جئتك يا فتى الغرب رفيقًا
فكن صبورًا، إذا كنت لا تحسن السكون
إني مثقل أحمالًا لا تراها العين التي ترى الأقطان وتشتهي الثروة والجاه
ولو رأت عيناك بعض ما أنا حامل لخررتَ ساجدًا، ولرحت شاهدًا
وفي جيوبي أيضًا وفي يدي أشياء من حقول النفس ومن جبالها، وأشياء من أغوار الحياة
أشياء ترضي الله، وترضي الإنسان، وأشياء لا ترضي لا الإنسان، ولا الله
منها ما أوده نبذه لو استطعت دون أن أضر بسيدي صاحب الجنود والمدرعات
ومنها ما أود إخفاءه لو أني لا أستحي من نفسي الباصرة
ومنها ما أود إصلاحه، لو كان لصناع هذا الزمان ضمير يشفع باليد الرجفة والبصر الكليل
وهناك أشياء يا فتى الغرب، لك فيها الحبور والسعادة
عندي ما يسكن نفسك المضطربة وينعشها
عندي ما يشفي ما في قلبك من أمراض التمدين
عندي ما يبعث فيك عدلًا يتجاوز استياءك، وحرمة لما يقدسه سواك
عندي ما يقيدك رجلًا ويدًا لتهدأ وتستريح، فترى الكونَ — والعقلُ منك مطلَقٌ والقلب مطمئن — وتتأمل كذلك أسرار الوجود.

٣

أنا الشرق
لي عرس في الليل القديم البهيم لا تفارقني أبدًا
ولي أيضًا في كل يوم بكر من الحسان
تجيئني ممتطية جواد الفجر، لتخبر البصر مني والجنان
أراها فتهتز جوارحي طربًا
وأرى صباي أمامي يهتف للفجر
لجلال الفجر الذي يجري في النفس مثل سلسبيل فضي في الجبال
فتبدو خلاله الأعشاب الخضراء، وهي تعانق الحجارة والصخور، فتبعث فيها روحًا يستحيل التجويد عندها نشيدَ حب وتشويق، نشيد وطن يستفيق.

٤

أنا الشرق
أنا شبح يا فتى الغرب الباسل
شبح في موكب الزمان، في موكب الحياة الدنيا
ولكن للشبح صوتًا بل أصواتًا، تسمع شيئًا منها اليوم وستسمعها مليًّا غدًا
أصواتٌ متضاربةٌ، متنافرةٌ، إلا أنها من قلب واحدٍ، لها صدًى في هياكلي كلها، ولها صدًى في كليات بلادك
صوتٌ يضج في الخَلَوات، ويتراجع في الأماكن المقدسة
وصوت يحدو في الصحراء ويملأ جبال تقواي سكونًا طيبًا
وصوت يهمس في أُذُن أدواتك رغبةً جديدة مستطلعًا قَصْدَها ومغزاها
وصوت يَتماوج سلامًا على وجه المياه في الأنهُر المقدسة
وصوت يحن شوقًا في ظلال الحرمين
كما أنه يئنُّ ويطنُّ في المنابر الجديدة، منابر الوطن
صوت ينشد «نرفانا»٦ لإلهة من ذهب ذي عيون من زمرد جاحظة
ويتغنى ﺑ «كرما»٧ وبالقضاء والقدر في أكواخ البؤس والإثم والشقاء
وصوت يهتف استحسانًا في ملاهي بلادك يا فتى الغرب وفي مراقصه
كما أنه يحدث في قهواتك، حول كأس من الخمر، بأحدث رأي علمي في الجاذبية، وبأحدث رأي سياسي في عصبة الأُمَم.

٥

أنا الشرق
أحتمي من العالم بنفسي
أستعيذ من العالم بالله
«أم، أم!» — الله! الله!
ساعة، ثم سكرة، ثم آية
إله عينه سوداء،٨ وشيطان عينه حمراء،٩ وملك عينه زرقاء،١٠ يلبسون الحياة، ويعيدون إليَّ قديم الحياة
يرقصون في ظلال البنيان والنخيل
ويحرقون البخور في هيكل أحلامي
ويهمسون، وينشدون، ويصيحون، طالبين الإطلاق — الإطلاق — إطلاق النفس، والعقل، والروح، والجسد
يهمسون: «واه أُم، واه أُم، واه!»١١ ويرقصون
يصيحون: «لبيك اللهم لبيك» ويسجدون
ثم في ساحات المدينة يخطبون، وبالأبواق ينفرون، وعلى الثورة يحرضون
«لبيك اللهم لبيك.»
«واذكروا الرجيم الأجنبي وإن كان حاملًا إنجيلًا»
«ولا تخافوه وإن كان حاملًا مدفعًا رشاشًا»
«ولا تعاملوه وإن كانت بضاعته هبة»
«واه أُم، واه أُم، واه!»
«لبيك اللهم لبيك»
ساعةٌ من الابتهاج الروحيِّ حول سرير الوطن، يتلوها استسلامٌ طويل تحت عرش الله
ساعةٌ، ثم سكرةٌ، ثم أعجوبة
أبحث عن ذي العين السوداء، وذي العين الحمراء، وذي العين الزرقاء؛ فلا أجدهم
بل أسمع ما يشبه أصواتهم في سراب اﻟ «كرما» وفي فيافي القضاء والقدر
أنغامًا شجية روحية تُذيب الشهوات أشواقًا، وتحوك للنفس أحجبة من خيوط الشمس، وتفرش لها طريق الفرقدين أزاهر سرمدية
ولكني وا أسفاه! أستغرب ذي الأنغام اليوم، ولا أستحبها وبالأخص عندما أُطالع يا فتى الغرب صحافة بلادك الفضاحة التي تُنبئني بما لطياراتك من الصولة والاقتدار، وكيف يُمكنها أن تَنسف أساطيلك البحرية وتبيدها.

٦

أنا الشرق
عندي فلسفات، وعندي أديان، فمن يبيعني بها طيارات
أتحسبها سفاهةً مني، أَوَتظنها تجديفًا؟
قد يكون ذلك، قد يكون
أنا نفسي أجهل اليوم صوت نفسي، صوت المجالس، وصوت المنابر، وصوت الصحافة
أجل، إن لي أيضًا صحافة فَضَّاحة يا فتى الغرب
ولي منابر قد لا ترضى بها آلهة أجدادي
ولكنها منابر جديدة، حريتها فتاة لا تعرف التمويه
فلا تُسمعك ما يسر إن لم تَجئها بما تريد
وهناك سر أهمسه في أذنك يا فتى الغرب
ليست الأديان والفلسفات ما تظنها
وليست ما تظن أني أظنها
فلا للحراثة هي، ولا للتجارة، ولا للسياسة، ولا للتقشف
إنما الأديان والفلسفات كمصافي الماء
هي مصافي الحياة، تصفيها — في الأقل — من بعض الحشرات والجراثيم.

٧

أنا الشرق
عندي تذوب الألوان كلها وتمتزج، فتتماوج نورًا بعضها في بعض تحت ريشة رسَّام الزمان
ألوان الغروب، وألوان الفجر، وألوان الليل السرية، لها كلها أُفُق واحد عندي، وسماء واحدة
من الأخضر الناضر لذي النبوة التي تزرع الثريا بذورَها، إلى الأصفر الفاقع لذي السر الذي يخلع العذر والعذار، إلى الأحمر القاني لذي إرادة لا تُذعن لبشر أو جن، إلى الأزهر الباهي لخيال يسحر الساحرين بيانًا
هذا سلم من النفسيات لا تجده عند سواي
وهناك الأرجوان لسفاهة تجلس على العرش والزعفران لمجد هوت عروشه
والجلنار يتماوج ظلالًا حول عرش الأهواء والشهوات
والرماد المنتثر لما كان في سماء الفكر كوكبًا نيرًا
والأسود القاتم لدمقراطية شابة تحمل عصا التأديب
والأبيض الناصع لمصرية تحمل غصنًا من النخيل
كلها تمتزج في آفاق نفسي
وتذوب في سماء آمالي
وتستحيل خمرًا في كأسي
أجل إن خمر الأجيال الغابرة، وخمر الأجيال الحاضرة، التي لم يحسن تصفيتها الزمان؛ لَتملأ الكأس التي أشربها كل يوم، فتعيد إليَّ روح النبوة القديم المجيد، وتُثير فِيَّ ألم الذكرى وتُجدد فيَّ حب الجهاد.
مصر، في ١٤ فبراير، سنة ١٩٢٢

(٨) مصر١٢

١

هي أكبر الشرقيات الباسمات للدهر، وهي أحدث الشرقيات الناهضات
هي أول من هزت الشمس سريرهن، وأول من قبلهن الليل على ضفاف النيل
هي أول من لعب في ذرى الصناعة والفنون، وأول من رقص والقمر تحت النخيل
هي أول من بنى ركنًا للعلم، وبيتًا للحضارة، وأول من شيد للحيوان هيكلًا وللموت قصورًا
هي أول من نطق في قلب العالم كلمة العبادة والابتهال
هي أول من أضرم في ليل الحياة نار الإيمان
هي أول من نَحَتَ تمثالًا جميلًا، ورسم ذكرًا وأملًا للإنسان
هي أول من كوَّن من شتات الغيب عالَمًا حقائقُه أغرب من خرافاته
هي أول من نصب للحق الأنصاب، وأحرق البخور للخرافات، هي أول من شيد للخيال معالمَ تُباهي معالم الحق جلالًا وخلودًا
هي أولُ من حمل ميزان القسط، وأول من استرقَّ العباد
لها الصولجان المرصَّع ماسًا، ولها السوط الملطَّخ دمًا
هي أول من قال للموت لا، وأول من قال للحياة نعم
لها في الموت حياةٌ، ولها في الحياة المآثر الخالدات
هي مصر
آية الزمان، ابنة فرعون
معجزة الدهر، فتاة النيل.

٢

هي في هيكل الحب إلهةٌ تسجد لها آلهةُ الأُمَم
هي في هيكل الجمال ربة لا تخضع لآلهة الزمان
ورد خديها من وادي الصفاء، وزنبق جبينها من جبال البر وذهب شعرها من معدن الفجر، وقرمز فمها من بساتين الخلود
هي في السراديب مِشكاةٌ فيها مصباح يضيء، وهي في الفضاء نار على علم
هي ابنة رموز أسرارها في فم العاصفة، وفي قلب النسيم
لها صوت يهيج حتى النخيل إلى الخيال، ويبعث حتى في الرمال شوقًا إلى النيل
هي ربة العشق، وربة الموت، وربة الخلود
هي مصر
آية الزمان، ابنة فرعون
معجزة الدهر، فتاة النيل.

٣

هي في قلب العالم سيدة الإيوان الجديد، إيوان البر والحق، إيوان الحرية والحجى، لسانها عربيٌّ، وقلبها شرقيٌّ، وعقلها غربيٌّ
لها في ظل الهرم أثرٌ خالدٌ، ولها في ظل تمثال الحرية زاويةٌ للحكمة والعدل
هي التي شاركت إيزيس هيكلها، ورعمسيس عرشه
وهي التي تتغنى اليوم بأنغام النور الذي كلل — هذا الصباح — رَأْسَ أبي الهول
لها صوت سمعتْه قبل الهرم الصحراءُ، ونسمعه اليوم نحن الواقفين في ظلال الأجيال التي شاهدها ذا الهرم
من ضفاف النيل، إلى ضفاف بردي، إلى شاطئ الفرات، إلى وادي الكنج، صوت مصر يتماوج كالنسيم، ويزمجر كالرعد، ويخترق ظلمات الجمود كالنور
إن كلمة مصر لَكلمة العرب، وإن كلمة العرب اليوم لَغيرها بالأمس، ولغيرها غدًا
ولكنها أبدًا كلمة مصر، مصر الخالدة، مصر الفراعنة، مصر المماليك، ومصر «الزغاليل.»
كلمة عِلْم تنطق بها مصر تنير مصابيح الهدى في الأُمَم العربية، الدنية والقصية
كلمة عطف تفوه بها مصر تُنعش قلوبًا خَدَّرَها ريب الزمان
كلمة حق في وادي النيل يردَّد صداها في الشام وفي بغداد، بل يتراجع صوتها بين طنجة وسمرقند، في كل بلد عربي القلب واللسان
آية الزمان، ابنة فرعون
معجزة الدهر، فتاة النيل.

٤

حَيَّتْني بغصن من النخيل، وبزهرة من السوسن
أسمعتْني نشيدًا سمعه قبلي كاهنُ إيزيس، وأديب الرومان، وشاعر العرب
همست كلمة في أذني ملأتْ فؤادي من فيضها القدسي، فيض الذوق والشوق والهيام
فتحت لي باب خدرها فبُهرت نورًا، فسُكرتُ حبورًا
ذكرت يومًا كان فيه ابنُ مصر عبدَ الملوك وهو اليوم سيدٌ تنصت له السلاطين
ضحكتْ مصر في ليالي الغم، وبكت في فجر الابتهاج
وضحكتُ لضحكها، وذرفت لدمعها الدموع
ضحكنا سخرية، وبكينا سرورًا
جالستني مصر يا فرعون، وهي تذكرك وتقول: هل كان في من شيدوا الأهرام رجل واحد حر؟
بسمت لي مصر يا فرعون، وهي تذكرك وتقول: هل في مصر اليوم رجل واحد يطيق العبودية؟
تبارك أبناؤك يا مصر، وتباركت بناتك الناهضات
إن فيك ينور سر التجديد والخلود
إن سحرك يا مصر لَيبعث الحياة في سكان أهرامك
إن فضلك يا مصر لَيُنطق حتى أبا الهول
إن روحك يا مصر لَكالندى في الأكمام، بل كأشعة الشمس تكلل الندى
إن جمالك يا مصر لَكالخمر في كأس من النور، بل كالنور يسير على وجه النيل
آية الزمان، ابنة فرعون
معجزة الدهر، فتاة النيل.
مصر في ٢٠ فبراير سنة ١٩٢٢

(٩) رب العراق١٣

١

أصافحه والقلب في يدي
أحييه والروح على لساني
أكبره وكلي كلمة الإكبار
أقف أمامه فتنكشف أمامي أعاجيبُ الزمان
أنظر إليه فتنظر منه إليَّ ربات الأقاليم
ألمس ردنه فيرتعش جسمي، فينتعش، فيهتز ابتهاجًا
ولا عجب وهو كثير الأطوار غريبها
يكلل رأسه السنديان، ويجثو عند قدميه النخيل
تقيم له الجبال الهياكل، وتنبسط لقدومه السهول
يُقبِّلُ الثلج فمه، وتقبل الرمال أعطافه، وتمتزج أنفاسه بالخليج والبحار
له كلمة تخيف، وله كلمة تثير، وله أُخرى تحيي وتميت
وهو يسير في سبيله هادئًا مطمئنًا
يولي وجهه تارةً الغرب وطورًا الشرق، ولكنه ثابت مستقيم في الحالين
يحمل الخير من الشمال إلى الجنوب
من إقليم إلى إقليم يجيء بفيضه، ويتحول غربًا وشرقًا لتعم بركاته البلاد
تقول له الجبال: أقرِئ السهول سلامَنا، ويقول هو للسهول: أقرئي سلامي قَحطان ومضر.

٢

هو رب العراق، وهو حياته الخالدة
عينه عين الدهر، ولسانه لسان الزمان، وحافظتُهُ حافظة الخالد من الأكوان
قد شاهد من الممالك ما قام منها بالسيف، وما قام منها بكلمة سحر حلال، وما قام منها بالعلم والفنون
تلألأت على ضفافه أنوار السرور والأهواء، وجرت في ظلال نخيله مواكب العزة والمجد — إلى حين
ثم انطفأت الأنوار، ودرست القصور، واضمحلت آثار العظمة كلها — إلى حين
وظل هو سائرًا في سبيله هادئًا مطمئنًّا.

٣

هو رب العراق، هو حياته الخالدة
كلمةٌ سحرية أوجدت في أرضه التوحيد، وبعثت من فيافيه صدى التكبير والتمجيد
كلمة سحرية استعادت من بابل علمها، ومن آشور مجدها، واستعربت من آداب إيران، وكللت الثلاثة بالسامي من الإيمان
كلمة سحرية، كلمة الإسلام، أحيت دار السلام
فنشأت فيها معاهد العلم والفنون، ونبغ الشعراء والمولدون، وظهر من الحكمة والأدب كلُّ كنزٍ مكنون، ومرحت في ظلال غرائبها العبقرية وشقيقاتها الخيال والمجون
كلمة سحرية، نشأت بعدها «الليالي العربية»١٤ التي أصبحت للأُمم جمعاء
بل هي «الليالي البشرية» بنات العبقرية العربية
بل ليالي النفس، التي ينعشها أبدًا الخيال، وتحييها أبدًا الآمال
لله أنت يا بغداد الرشيد، فلا يزال ذكرك يعطر أرجاء الآداب الغربية
لله أنت يا بغداد المأمون، فلا يزال نورك يشع بين أنوار العلوم البشرية
لله أنت ما كان أقصر يوم الحكمة فيك، وما كان أقصر ليالي السرور
وكل عزيز قصير الأجل
كل عزيز مطمح الصائلين والطغاة
سقطت بغداد، نهبت، دمرت، ضربت عليها الذلة، خيم فوقها الليل البهيم، فنامت نوم الأسير وهو يئنُّ من وطأة الكابوس
ثم نامت نوم المثقَل جسمه بالمخدرات
ولكن الكارثة الأسيوية لم تغير مقدار ذرة في من هيكله في الجبال، وعباده في السهول
فظل سائرًا في سبيله هادئًا مطمئنًا.

٤

إن رب العراق، مثل آلهة الهند، ليتجسد من حين إلى حين في بشر كريم
من حامورابي، إلى آشور بنوبال، إلى نبوكدنصر، إلى المنصور والرشيد والمأمون؛ هذه مراحل سعيدة ما شكا إلا قصرَها الزمان
ثم لبس الزمان الحِدَاد، ودام الحداد ألف سنة
ورب العراق يسير في سبيله هادئًا مطمئنًا.

٥

أرب العراق!
جلست إلى جانب طريقك، جلست يا دجلة على شاطئك، ونور القمر يُلبس بغداد اليوم ثوبًا من السحر مؤنسًا باهرًا
جلست يا دجلة على شاطئك، ونور الشمس يكشف عما في بغداد اليوم من أشباح الحياة، وقديم المحزنات
جلست على شاطئك يا دجلة، وظلمة الليل تحجب بغداد وتعطف عليها، فلا تخدعها كالقمر، ولا تفضحها كالشمس
وسمعت إذ ذاك صوتًا يقول: ليحيَ قحطان، ليحيَ العرب
وسمعت صوتًا آخر: لتحيَ المدنية، وليحيَ كلُّ من أشعل مصباحًا من مصابيحها إنْ في الغرب، وإن في الشرق
وصوتًا ثالثًا، أشد وقعًا من الاثنين يشق يمينه الظلمات: ورب العراق، إن قلب العراق حيٌّ إلى الأبد
ورب العراق، إن روح العراق لَتُبعث اليوم من ضريحها القديم
ورب العراق، لقد قرب زمن التجسد الجديد
وسيتجسد ربك في هاشميٍّ كريم، يعيد مجد بني العباس الكرام
وسيتجسد كذلك في أُمَّة ناهضة كريمة، تُضيف إلى ذلك المجد مجدًا رفيعًا جديدًا.
بغداد، في ١٤ أيلول، سنة ١٩٢٢

(١٠) رفيقتي١٥

هي رفيقتي في السفر، بل هي المبتدأ في حياتي والخبر
عرفتها في بلاد الغربة صغيرًا، وعشقتها شابًّا، وعبدتها كهلًا، وأمست في حياتي في منزلة ذات الحب والحكمة والحنان
كانت أول من أشعل في طريقي مصباح الفكر، وأول من هداني إلى مروج الخيال، بل كانت أول من استغواني، فتَغَلْغَلْنا في أدغال الشك، وخرجنا منها إلى بساتين اليقين
قالت عندما كلمتها: نعم، ثم قالت: لا راحة لك معي ولا خير في حياتك بدوني، فقلت: لا راحة لي دونك، ولا خير براحة بعيدة عنك
هي عشيقتي المقصودة، وإلهتي المعبودة، ورفيقتي النصوحة الودودة
قبلنا قسمتنا كما نقبل الشمس، وكما نقبل السموم، دون أن نمجد الأولى كل يوم، أو نشكو الثانية كلما قامت تصيح وتنوح
أقمنا في بلاد الغربة زمنًا خبرنا فيه هناك حلو الحب، ومر الجهاد
ثم رحلت، والشرق محجتي، وبلاد العرب منها قبلتي السعيدة، سافرت من نيويورك وحدي، ولكني، عندما مرت الباخرة بتمثال الحرية، أحسست بيد تستوقفني، وبصوت يعيد إليَّ الذكرى، ويلحفني بالخجل والعار
هو صوتها، وهو وجهها، وقد ازداد نورًا وجمالًا

•••

قالت — وهي تبتسم: أفلا تخجل من نفسك؟ أتسافر وحدك إلى البلاد العربية؟
قلت: أخشى عليك منها؛ من وعورة المسلك فيها، من جُمود الأفكار، من تَجَهُّم النفوس، من تعدد المذاهب، من وحشية البدو، من ترفض الحضر
فقالت — والحنق يشعل لهجتها: أيعجزني ما لا يعجزك؟ لا والله
أما الترفض والتجهم والجمود والجهل فمن أجلها خصيصًا أرافقك الآن
ولكنك لا تعرفين طبائع القوم وعاداتهم، ولا تحسنين المداراة والمجاملة، ولا هم ألفوا مثل صراحتك، وقد تجرحهم نصال كلماتك
فأجابت — وصوتها الهادئ يكمن الحب والغضب: خير لك أن ترجع إلى بيتك من أن تسافر وحدك إلى البلاد العربية
إن لي في تلك البلاد من أحبوني، من تَعَشَّقُوني في الماضي، وأبناؤهم اليوم يُعيدون ذكراي، ويتشوقون إلى مرآي
إن لي في تلك البلاد آثار مجد تتوق إلى زيارتها نفسي
وإن لي فيها قولًا جاءت ساعته، وعملًا قرُب يومه، وقصدًا دنا أجله
أما أنت فقد تجاوزت الأربعين، فنَعُمَ صوتك، ولانت كلمتك، فما الفائدة إذن من زيارتك البلاد العربية؟
لو كان لي أن أزورها وحدي لقلت لك: ألزم البيت والكتاب وضع لوحة التعليم فوق الباب
ولكني اخترتك رفيقًا، فلا تكن عقوقًا
هي رفيقتي في السفر، بل هي المبتدأ في حياتي والخبر

•••

هي الحرية
جاءت تزور البلاد العربية، وتزرع فيها بذورها الطيبة الصفية
هي الحرية التي أستمد منها الحياة، وهي الحياة أُوقفها على خدمة هذه الأُمَّة التي لا يجمعها اليوم غير أمل وخيال
هي الحرية رفيقتي، شاهدت قلب ما شاهدت، وسمعت كنه ما سمعت، وكان سرورها وكان حزنها أضعافَ ما اعتراني من الحزن والسرور
ابتسمتْ في الحجاز ابتسامة المريض، وبكت في تهامة بكاء اليائس، وضحكت ثم تأوهت في اليمن، وجلست تستريح في العراق
هي الحرية تخاطبك أيتها البلاد العربية
هي الحرية تخاطبكم يا أسيادي أصحاب العظمة والجلالة
أيها الملوك والأئمة والأمراء والسلاطين، إن في يدكم كنزًا أنتم عليه أوصياء
إذا صنتموه من الأجانب فلا تستهدفوه للجهل
إن في يدكم إرثًا استحفظكم به الله
إذا حميتموه من كل نفوذ سياسي خبيث، فاحموه أيضًا من التعصب الذميم، ومن روح الرجعة الوخيم
إن في يدكم أُمَّة لا تعرف خيرها الحقيقي، وهي لجهلها طعمة لكل صائل وكل نهاب
إذا رددتم عنها الطغاة المستعبِدين، فلا تكونوا أنتم من المستعبِدين الطغاة
أيها الملوك والأئمة والسلاطين والأمراء، إن في كلمة واحدة اليوم حياة هذه الأُمَّة
والكلمة لكم، فهل أنتم بها ناطقون؟
الكلمة: «الاتحاد»، فهل أنتم في أمر واحد متحدون؟
والأمر الأول الجوهريُّ «الصلح»، فهل أنتم بالصلح راغبون؟
والصلح أساسُ الوحدة العربية، فهل أنتم في سبيل الوحدة مجاهدون؟
والوحدة العربية أساس الحرمة القومية، فهل من حرمة تعززون؟
وحرمة الأُمَّة لا تعزز بغير العلم الصحيح، فهل من معاهد العلم الصحيح تشيدون؟
إذا كنتم تفعلون فإني، أنا الحرية، وأقيم بينكم وأُبشركم بمستقبل مجيد
وإلا فسأعود إلى أقصى البلاد، وألبس على بلادكم العزيزة الحداد.
بغداد، في ١٨ أيلول، سنة ١٩٢٢

(١١) العود إلى الوادي١٦

أنخت بمنعطف الوادي وقلبي يحدثني بالرحيل
أرسلت في الأحراج والكروم رائد الحب فعاد يَنشد بلاد النخيل
قلت: ولبنان؟ فقال عليل
ولكن الوزال سلم عليَّ والسنونو رحب بي والصنوبر استبشر بإيابي
فتيقنت أنه بيتها، وإن كان الخادم من غير ذي المكان
كلمته، فأجابني بلسان لا أفهم اللكنة فيه
كلمته ثانيًا، فعلم من لهجتي أني صاحب الدار، فأدخلني البستان وتركني وشأني
فبادرت إلى البيت فإذا هو كالطلل وحشةً وسكونًا
فها الشوك وقد امتد إلى أسكفة الباب، وها العشب وقد نبت خلال الأحجار في الجدران
بيت أبكم، أصم، لا كوة مفتوحة فيه تسمع الصوت، ولا شق في الباب يحيي الجاي
بابًا كباب اللحد قرعت، فلم أسمع جوابًا
فجلست أنتظر لعل الأهل غُيَّب أو نيام
جلست في ظل شجرة من الأزدلحت نَوَّرَ زهرُها فعطر طيبه الهواء
وكان الأصيل وكان النسيم اللعوب، فتساقط الطيب من الأغصان في حجر السكون كأنه ذَوَب الشعر في قلب الليل، أو شوارد الروح في بحيرة الأحلام
وتغلب النسيم، فنمت، وقلبي يحدثني بالرحيل

•••

انتقلت من بستان في قلبه السكون والجفاء إلى بلد ضوضاؤه تملأ الفضاء
وسمعت أصواتًا تعددت النعرات فيها وتنوعت اللهجات، من سجون الحياة في المدينة وفي الجبال
أصواتًا تنادي وتستغيث، وأصواتًا تتأوه وتئنُّ، وأصواتًا تصيح الويل والثبور، وأصواتًا تنجد في الجدال وتغور، وأصواتًا فيها تهديد ووعيد، وأصواتًا في المجالس لا تعلم ما تريد
ثم سمعت صوتًا يهمس في أذني: أيدهشك ما تسمع؟
قم بنا، وليدهشنك ما سترى
عرفت صاحب الصوت، رفيق الأسفار والأفكار، فتبعته
وقفنا في الباب، فإذا بالخادم هناك يرحب بنا باسمًا
دخلنا البيت، فإذا هو مشين بصور سخيفة في آطار مذهبة، ومفروش بالكماليات الغالية من صناعة الغرب، إلا غرفة واحدة فيه لا تزال كما كانت يوم هجرناه
فاستأنست عند وقوفي في الباب بحصيرها ومسندها، بعمودها وموقدها، بجلد الغنم حول الموقد والشمعدان، وبما تلبَّد على الحائط وفي السقف من الدخان
فهتفت قائلًا: هذا هو بيت أمي، تبارك بيت الأُمَّة
مشى الخادم أمامنا وهو يبتسم ويفرك يديه كفًّا على كف كأنه يقول: إن عملي حسن وستستحسنونه
ووقف في الزاوية عند هيكل أشار إليه بيده إعجابًا، ثم قال: ترانا نحترم معابد الناس
فراعني ما رأيت، وأحزنني ما سمعت
حزنت، حنقت، خجلت، جزعت
كأنه لطمني بتلك اليد يده، وذبحني بتلك الكلمة من كلماته
هناك، في ذاك الهيكل، بين الشموع والدمن والأزهار الصناعية، رأيت إلهًا مرعبًا مخيفًا، إلهًا شبيهًا ببعض آلهة الهند، وحشيًّا فظيعًا، إلهًا من آلهة الشر، تعددت في جسمه الواحد الأيدي والرءوس
وفي كل رأس عينان حمراوان تنظران إلى الآخرين شذرًا، بل نقمة وانتقامًا
وفي كل يد خنجر يقطر دمًا، وفي مقبض كل خنجر نجمةٌ رسمت بالماس والياقوت
كأنها رمز الثراء، وبراءة من السماء
ملت بنظري عن الهيكل، وأسرعتُ إلى الباب، وقلبي يحدثني بالرحيل

•••

رأيتها خارج البيت، خارج البستان، بعيدة من الهيكل، جالسة وأحزانها في قارعة الطريق
عرفتني فقامت تلاقيني، وفي خطواتها وَهَنٌ وارتجاف
جلسنا على صخرة، في ظل تينة هرمة، يغرد في أفنانها الحسون، ويداعب حولها الفراشُ الأقاحي، وينثر تحتها الهواء حريرَ زهر القرقفان
وخيم علينا السكون، وسارعت إلينا الهواجس والظنون
– ظننتك سعيدة يا أمي
– خلتك تعلم يا بني
– أصدقيني الخبر يا أمي
– لا تسأل سؤالًا قد يحزنك جوابه
– هل أنت تعبدين ذلك الإله الفظيع؟
– اسأل الخادم في البيت
– وهل هو أعلم منك بما في فؤادك؟
فابتسمت هزءًا وقالت: هو عالم بكل شيء
– وهل في ذاك الإله الوحشي الفظيع ما يعزيك يا أمي، أو يفيدك، أو ينعش أملًا واحدًا من آمالك؟
– اسأل إخوانك، أبنائي، أولئك الذين لا يخافون لا خادم الهيكل ولا الخادم في البيت
– وهل أنت راضية عنهم يا أمي؟
فأطرقت ثم قالت: وهل تظنني راضية عنك يا بني
ثم نظرت إليَّ وكأنها تجيب على سؤال أفصحت عنه عيناي: ذنبك الأول الهجر، وذنبك الثاني العود إليَّ
– أفلا تسرك إذًا عودتي؟
– وما الذي جئتني به، بعد هجر طويل، من البلدان التي سحت فيها؟
– جئتك بسكينة الدهناء والنفود، تلك التي تملأ النفس ورعًا وخشوعًا، فتزيل منها الهواجس كلها والهموم
– لا تنفعني يا بني، لا تنفعني
– جئتك بقناعة البدوي ومروءته، بشجاعة البدوي وحريته، باستقلال البدوي واطمئنانه
– لا تنفعني يا بني، لا تنفعني
– جئتك بالشمم العربي والإباء، بالشهامة العربية والوفاء، ببساطة العيش وكرم الأخلاق، بالجرأة والبطولة في الشدة وفي الرخاء
– لا تنفعني يا بني، لا تنفعني
– جئتك يا أمي، بفكرة سامية من المدن الأوروبية — العمل الصالح أصح الأديان — وجئتك كذلك بحُرِّية الإفرنسي في ثورته، وبنشاط الأميركي في عمله، وبإيمان الأحرار أجمعين بالحياة وبالناس
– لا تنفعني يا بني، لا تنفعني
– وماذا تبغين يا أمي، يا روح الأُمَّة التاعسة الحزينة، ماذا تبغين
– رءوس الإله الذي رأته عيناك — إله التفرقة والتعصب والشقاق — لا أبتغي اليوم سواها

•••

بعد برهة من الزمان، وأنا عائد من الوادي، التقيت في الطريق بخادم البيت وخادم الهيكل، بذاك الذي يحترم معابد الناس وذاك الذي يرتزق منها. وكلاهما حامل عصاة يتوكأ عليها
فقلت — بعد أن سلمت: ما الخبر؟
فقال خادم البيت: إلهكم مات
وقال خادم الهيكل: والويل للقتلة الكافرين
قلت: وإلى أين الآن؟
فقال الأول: إلى البحر، وقال الثاني: إلى البادية
قلت: والحمد لله، وسرت في طريقي مسرعًا إلى البيت
فلما وصلت إلى منعطف الوادي لاقتْني امرأة خارج البستان، ما عرفت منها، أول وهلة غير الجمال
بل هي فتانة هيفاء، في حلة بيضاء، وقد زينت شعرها الأسود بأربعة أزرار من الورد، وحملت بيدها قمقمًا ترش منه ماء الزهر
أدخلتْني الدار، فإذا فيها أربعةُ أنوار، باهرة الضياء، ومرآةٌ كبيرة تنعكس فيها آياتٌ على الحائط خُطَّتْ بماء الذهب
فقرأت الأولى: أربعة قلوب في جسم واحد
والثانية: أربعة هياكل في قلب واحد
والثالثة: أربعة حقائق في عقل واحد
والرابعة: أربعة عقول في ذات واحدة
وكانت دهشتي الكبرى، وفرحي الأكبر، في غرفتها الخاصة، في الزاوية المقدسة، في مكان الهيكل منها
دخلت وهي آخذة بيدي وتقول: قد رأيت معبدي الجديد يا بني، وسأجمعك الآن بإخوتك خدامه؛ بابن الشام، وابن لبنان، وابن حوران، وابن فلسطين
اليوم عيدي يا بني وعيدهم أجمعين.
في ١٧ أيار، سنة ١٩٢٣

(١٢) أراك يا بلادي بعينين١٧

١

أيها السائح الأديب، إن في البلاد السورية غير جمالها الطبيعي ومحاسنها الشعرية
أيها الوطني الكئيب، إن في البلاد غير البؤس والجمود والتقهقر والخمول
إن في رأسي عينين، عين السائح وعين الوطني
أرى شمس الصباح تغسل رءوس الجبال، وتدفئ صدور الربى فيتماوج طربًا كل ما تلمس وكل ما تنير، ثم تدخل بيت الإنسان فتراه في ظلمات من الكلام وفي بحر من الدموع
أسمع الحسون يغرد ساعة الفجر، وأسمع سحابة النهار انتحاب أُمَّةٍ مات في قلبها البلبل والحسون
ألمس في النسيم روح المجد الذي يصيغ في خرائب التاريخ إكليلًا من النور والخيال لربة الذكرى والجمال
وأبحث في الخرائب الجديدة عن أثر مجيد فلا أرى غير جثة هامدة عند ركمة من الرماد
أحمل فكري إلى الغاب هربًا من فكر وطن مجذوم فأعود وفيَّ حنين إلى الجذم
أقف عند الغروب على قمة الابتهاج أودع الشمس فأسمع الألوف على شاطئ اليأس يودعون الوطن
أجالس السكينة الزكية في ظل الصنوبر فأسمعها تقول: كنت أسمع أمس وقع المعاول وغناء الفلاح ولا أسمع اليوم غير أبواق السيارات وثغثغة المتفرنجات
وأجالس المتفرنجة فتصارحني قائلة: أتفضل أن تراني مثل تلك الفلاحة في فسطان كالجرس شكلًا وقبقاب من خشب؟
يمر النسيم في ظلال الأودية فيحرك الأوراق في الأشجار والأدغال، فأرى خلالها خيال تلك الفلاحة الساذجة التي كانت تكشف ساقها للشمس، وشعرها للهواء، وأصبحت اليوم تلبس أجربة الحرير والقبعة الخضراء، وتلمس بيد غنجها السماء
همست في أذن المتفرنجة: أين الفلاحة منك؟ فوبختني بلحظة باريسية ووقفت تودع، فمشى القلب معها إلى الباب
إن في قلبي عينين، عين السائح وعين الوطني المغروس بين الصخور.

٢

أيها السائح الفيلسوف، إن في البلاد غير ما يوحي إليك الشعر ويقرأ على مسمعك من كتب الأنبياء
أيها الوطني الذكي الفؤاد، إن في البلاد غير ألواح العلم والأدب، ترددها فخورًا قانعًا بما اكتشفه الإفرنجُ راضيًا بما اخترعه العرب
إن في البلاد حياة بشرية لحمها ودمها من لحم ودم الشعراء والأنبياء
إن في البلاد أنصابًا وآثارًا فيها من أبواب العلم والأدب ما لا تجده في كتب العرب وكتب الإفرنج
وإن في البلاد أيها السائح الحر تقاليد دُكَّتْ أمس في بلادك معالمُها، أفترى في زماننا ما رآه أجدادك في زمانهم؟
إذا كنت من الإخوان الذين ينصرون الحقيقة في كل مكان، فهلا وقفت في سياحتك لترفع في سبيل الحقيقة صوت أدبك؟
أترضى أن يكون السيف الذي أورث وطنك شرفًا وعزًّا — هما رأس مالك اليوم — في غمد الخطل تحت أمر الطمع والظلم؟ أتمر به ساكتًا بل مطمئنًّا ثم تقف على منابر البلاد لتثني على جمال الطبيعة فيها؟
إنك أخ لنا وإن اختلف اللسان، ونأسف أن يكون في رأسك عين واحدة لا عينان
أو أنك تركت في بلادك سلاح الحق والحرية، وجئت تنشد في بلادنا الروح الشعرية
أيها السائح الإفرنسي جئتنا غابنًا وعدت مغبونًا
إننا نعلم بما ستكتب وبما تبتغيه، ونعلم ونود أن تعلم أن الشعر في القلب لا في صخور الجبال والغابات، وأن القلب الذي لا يشعر بما يقاسيه الإنسان يُحرم من موحيات الشعر وإن ازدهت حوله بكل ما في الطبيعة من جمال وجلال
وأنت أيها الوطني الفصيح، إن في الحياة فصاحةً غير فصاحة اللسان، وشعرًا غير شعر الكلام
إن في الحياة من القوى التي فيها مجد — إذا استخدمها العلم والإخلاص. وفيها — إذا استخدمها الجهل والنفاق — ذُلٌّ وهوان
إن في الحياة — إذا عدت إليها — مفكرًا حرًّا عاملًا جريئًا؛ ما يعيد إليك الثقة بالنفس، والأمل بالناس، والإيمان بالله
خذها مني ولا تأخذها لا من الإفرنج ولا من العرب
كلمة خشنة صادقة هي لك ومنك خيرٌ من دُرر الألفاظ والمعاني التي كان لها يوم، وكانت لها دواوينُ ومقامات
حقيقة صغيرة تكتشفها أنت خير من فلسفات ثمينة يهديكها من قد يروم استعباد أَعَزَّ ما فيك
إن لي عينين، عين السائح وعين الوطني.

٣

أيها السائح الأديب، إنك تبغي الجمال في الحقيقة، وجئت لا تنشد غير جزء منها
إن الحقيقة كلها لَمثل ربك جمال يدوم
أيها الوطني الأديب، إنك تبغي الحرية في بلادك وقد ذبحتَها ذبح الشاة في فؤادك
إن فيك ما في السائح ولكنه دفين الدموع، وإن في السائح ما فيك ولكن حب الذات يطفيه ويخفيه
وإن فيَّ ما فيكما وهو حي، حر، صالح، منير
حقيقة هي كالشمس، وحرية هي كالجبال
خذها عني ولا تأخذها لا عن العرب ولا عن الإفرنج
أريدك عاملًا أولًا ثم كاتبًا مفيدًا
أريدك حرًّا أولًا ثم ثورويًّا مريدًا
أريدك عاشقًا أولًا ثم شاعرًا مجيدًا
إي أخي الوطني، إن معولًا تحيي به باعًا من الأرض خير من يراع تدبج به المقالات الإصلاحية التي لا تصلح شيئًا ولا تفيد غير أعدائك
إي أخي السائح، إن صوتًا ترفعه على جور من أهل بلادك في البلاد، تأباه أنت وتقاومه في بلادك، لَخير من تآليفَ تقص فيها قصص شعب فقير في كل شيء سوى كرم الأخلاق
أجل، إن في البلاد حياة عرفت من الأحزان أشدها ومن الفرح أسماه وأصفاه
فيها صُلب صفوة العالمين، وفيها رقصت عشتار ربة الفينيقيين
وفيها يصلب كل يوم أمل من الآمال ويرقص في كل يوم وهم من الأوهام
فهل أنت أيها السائح الأديب ممن حملوا اليراع على آمال الشعوب، أم على أوهامها؟
إننا نرى ما في بلادك من حقيقة وجمال في العلم وفي الفنون
أفلا ترى ما في بلادنا من شدة يقاسيها شعب صبور قنوع، ومن عطف مع ذلك يزين أُمَّةً وديعة كريمة؟
خذ عنا فلا تضل، نأخذ عنك فلا نموت.
الفريكة، في تشرين الثاني، سنة ١٩٢٣

(١٣) نفحة من لؤلؤة١٨

يا أيتها الساكنة قعر ذاك النهر القصي، يا أيتها الراقدة تحت تلك الأمواج الغريبة، لا تجزعي، ولا تخافي
أنت أميرة اللؤلؤ، واللؤلؤ هناك يلاقيك مرحبًا
أنت ملكة المرجان، والمرجان يمجدك منشدًا
يا أيتها الزنبقة المدفونة في مياه الغربة، ليست الغربة بعدك بعيدة
وليس القعر دائمًا رمز السقوط والحزن والبلاء
أنت في غرقك ترتفعين، وفي هبوطك ترتقين
وقد كنت بعيدة عني، فأدناك مني الموت، فأصبحت حية في ذكر لا يموت
أنت في مخيلتي تنيرينها، أنت فيها شمس الحب والذكرى، إلى أن تفنى المخيلة
أحببتك حبًّا روحيًّا، وروحك لا تزال رفيقتي، على مَ الدمع إذًا والحداد؟
أبعدتك الهجرة الأُولى، فأدنتْك الهجرة الثانية، وأنت الآن في أفئدة محبك وفيها من اللؤلؤ والمرجان، ما يندر في نهر الأمازان

•••

نعم فقدناك محدثة مطربة
فقدناك ووجهك ينير المجالس والقلوب
ولكنني لا أزال أسمع نغمات صوتك، وصدى كلماتك، وأنت تنشدين أو تحدثين
وهو ذا وجهك أراه حيث أوجه نظري في كل مكان، أراه في النور وفي الظلمة، في ليل الحزن وفي فجر المسرَّة، على الجدران، وعلى الأشجار، في الوادي، وفي رءوس الجبال على وجه الفجر وعلى وجه الأمواج الضاحكة
أراك في الصفصاف وأذكر حنوك
أراك في أغصان البان وأذكر صباك وجمالك
أراك في السوسن وأذكر شذى حديثك
أراك في الغدير وأذكر نغمات صوتك
أراك في البنفسج وأذكر حشمتك ولين جانبك
أراك في خمائل الورد وأذكر جميل غيرتك
أراك في النور الذي ينبثق على العالم فيذكِّرني بكرمك
أراك في الشفق الذي يودعنا كل يوم إلى يوم واحد وأذكر وفاءك وصدق عهدك
أراك على قمم الجبال وأذكر شرفَ نفسك وعظيم إبائك

•••

نهضت باكرًا أتفقد زنبقة في بيتي، وجدتها، ورأسها على صدرها ذابلة
ماتت الزنبقة عطشًا
لله من سر في ذا الماء! نقطة منه تحيي ونهر يميت
نظرت إلى الزنبقة المائتة فارتعشتْ نفسي، ولطالما انتعشت من مرآها
أين قلبها اليوم يخفق حبًّا وأين شذاها؟
إن نيسان ليبعث ما دفن في كانون، فيطرب لذلك الإنسان، ويبتسم منجل الزمان

•••

أي منجل الزمان، إن في الوجود حروجًا أزاهرها من روح الله
وهي التي نورت قبلُ وستنور بعدُ أيامك وتبتسم دائمًا لابتسامك
وأنت من تلك الأزاهر أيتها الروح اللطيفة الطاهرة
كنت في حياتك الدنيا محجة الأفئدة المحبة، وكعبة القلوب الصافية، ولا تزالين كذلك
لا تزالين عندي أُعجوبة البعد والزمان
كلما رأيت لؤلؤة أسألها عنك
وكلما رأيت مرجانة أرى فمك، وأسمع كلماتك الدُّرِّية.
١  هي الصلاة التي كتبتها في الرياض عاصمة نجد وكنت أُصلِّيها في البادية، وكم في الحياة البشرية من بوادٍ لا جوهر في وجودها غير الله وتلك الروحية التي تصبو دائمًا إليه.
٢  راجع الشعر المنثور في الجزء الثاني من الريحانيات صفحة ١٨١.
٣  كتاب من كتب الهندوس المقدسة.
٤  كتاب أزردشت واضع ديانة المجوس قديمًا والفرس  Parsis اليوم.
٥  تليت في الحفلة التي أُقيمت للشاعر الكبير خليل المطران في مصر.
٦  «نرفانا» أي: سماء الهندوس والبوذي، أو ما تصبو إليه نفسُهُ من السكينة الدائمة في اللانهاية.
٧  «كرما» أي: ما هو مقدَّر على الهندوس من سعد أو شقاء، أو ما يتبعه بموجب مبدأ التقمُّص من ثمرة إثمٍ له سابق أو فضيلة.
٨  إله عينه سوداء — أي: رب الدين.
٩  شيطان عينه حمراء — أي: رب السياسة.
١٠  ملك عينه زرقاء — أي: رب الأدب والشعر.
١١  ألفاظ يرددها كاهن الهندوس في صلواته كما يردد الدرويش «الله الله» مثلًا في حلقة الذكر.
١٢  تلاها المؤلف في الحفلة التكريمية التي أقامها له أحمد زكي باشا في سفح الأهرام، في ٢١ فبراير، سنة ١٩٢٢.
١٣  تلاها المؤلف في الحفلة التكريمية التي أقامها له الحزب الحر العراقي في بغداد.
١٤  أي: كتاب ألف ليلة وليلة.
١٥  تليت في حفلة المعهد العلمي ببغداد.
١٦  تلاها المؤلف في الحفلة التكريمية التي أُقيمت له في بيروت.
١٧  كُتبت بمناسبة زيارة الكاتب الإفرنسي بينار بيتوا البلاد السورية وخطاب ألقاه فيها.
١٨  تذكارًا لصديقة غرقت في نهر الأمازان بأميركا الجنوبية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠