في النكبة

الصليب، أو يوم في بيروت١

دخلت المدينة التي كنت أعرفها فرأيتني فيها غريبًا، سرت في المدينة التي أَحَبَّها قلبي فهالني ما شاهدت، وقفت على منعطف جادة من جاداتها الكبرى، عَلَّني أرى أحدًا من أصحابي وإخواني، فمر أمامي أُناس بل أشباح من الناس لا أعرفهم ولا يعرفوني، لبثت حائرًا مستغربًا لا أدري أَبَيْنَ قومي أنا أو بين قوم من الأغيار بل من غير ذا العالم.

ولا شك أني في المدينة التي كنت أعرفها وكانت تعرفني ولكن قومي — أين قومي؟ أين إخواني؟ أين أحبابي؟ أفي هذه الأطمار من ودعت أمس سريًا؟ أهذه الأشباح ما تبقى من تلك النفوس الأبية؟ أفي هذه الهياكل من كانوا بالأمس من الكرام الأماجد ينشدون أسمى الأماني، ويشيدون للعلم المعاهد ويرفعون للآداب الأعلام؟ أفي هذه الأجسام المتداعية من عرفتهم رجالًا أشداء يتاجرون ويعلِّمون، يجاهدون ويسعدون، يأكلون ويضحكون ويلعبون؟

وقفت ساعة على منعطف الجادة والكآبة ملء فؤادي، ألقيتُ السلام على أحد المارِّين فلم يرد عليَّ، ولم يقف ليرى من سلم، ظل سائرًا في سبيله مثل سواه منكَّسَ الرأس، محني الظهر، واجمًا واجفًا، ساكتًا قانطًا، لله من ذي الهياكل وذي الأشباح، رأيتهم يمشون كأن في أرجُلِهِم قيودًا، رأيتهم يتسللون كأنهم هم المجرمون لا حكامهم، رأيتهم يتحايدون بعضهم بعضًا كأن فيهم جربًا، قلما يقف أحد منهم في الشارع، وقلما يكلم أحد أحدًا، كأن كل إنسان منهم غريب في البلد، منكسو الرءوس محنيو الظهور يسيرون.

وإذا رفع إليك أحدٌ وجهه ظننته أثرًا من الآثار، أو رمزًا من رموز الجوع والفناء، فترى العين منه جامدةً غائرة تكاد تختفي تحت جفن عليل ذليل، وترى الفم مفتوحًا مرتخيًا كأن في أعصابه شللًا، وترى الوجنتين كأنهما طُلِيَا برماد جبل بالدموع.

إنما هؤلاء أبناء المدينة التي كنت أعرفها وكانت تعرفني، المدينة التي أَحَبَّها قلبي، المدينة التي بثثت فيها شيئًا من نفسي، المدينة التي أحبت فيَّ الإيمان بالناس، وجددت فيَّ حب الوطن وحب الحياة، وأين هي اليوم من الحياة؟ وأين فيها اليوم مَنْ كانوا بالأمس من أُمراء الحياة؟

رُحتُ أبحث عن صديق لي منهم، وصلت إلى بيته فوجدت الباب والشبابيك كلها مقفلة، سألت صاحب الدكان قرب البيت فلم يُجِبْني، لم يكلمني، كررت السؤال فهز كتفيه متجاهلًا، قلت: إذا كنت لا تعرفني أفلا تفهم لغتي؟ أكلمك بالعربية، وأنا مثلك من هذه البلد، بل أنا أخوك ابن وطنك، لا مأمور حكومة ولا جاسوس، وما غايتي من السؤال سوى …

فقاطعني الرجل قائلًا: رُحْ عني يا شيخ، رُحْ عني.

ذهبت مطرودًا ورحت أبحث عن صديق آخر لي، بيته في حي الأعيان، وقفت في الباب أقرع الجرس، فجاء الخادم في زي الأرناوط يسألني ما الخبر، كلمته بالعربية فأجابني — وكأنه يسبني — بلغة لا أفهمها وأقفل الباب.

قفلت راجعًا والغَمُّ يقودني إلى بيت آخرَ في الحي، طرقت الباب ففتحه جنديٌّ سألني بالعربية حاجتي.

قلت: جئت أزور جرجي أفندي … فأجاب مستعجبًا: ليس هنا، هذا بيت تيمور باشا، فقلت: وجرجي أفندي؟ فقال: لا أعرفه، وأقفل الباب.

اجتزت الطريق في الجنينة أمام البيت وأنا متيقن أنه بيت صديقي؛ فكم مرة جلست وإياه في تلك الخيمة خيمة الياسمين التي لم أزل أذكرها، وكم مرة تمشينا مساء في ضوء القمر بين هاته الزهور وتحت هذه الأشجار، أشجار الليمون والنخيل نتباحث في شئون الحياة وفلسفة الوجود.

طفت حول البيت لا أدري من شدة اليأس والغم مسيري.

تيمور باشا من هو تيمور باشا؟ وبين أنا أردد الاسم هاجسًا مر ولدٌ في قميص بالية مقدودة وهو يلوك طرفها، فأوقفته سائلًا أتعرف من هو صاحب هذا البيت؟ فأجابني على الفور: وكيف لا أعرفه، هو بيت سيدي ومعلمي جرجي أفندي …

– وأين جرجي أفندي اليوم؟

– أنت تمزح، كأنك لا تعلم.

قطعت من هذا الحي رجائي، ورحت أبحث في حيٍّ آخرَ، طرقت بابًا طالما فتحه الخادم متأهلًا مرحبًّا وطالما دخلته باسمًا مسرورًا، دققت أولًا وثانيًا ولبثت أنتظر، ثم دققت بعصاي وهممت بعد هنيهة بالرجوع لظني أن هذا البيت أيضًا من البيوت العديدة التي هجرها الأماجد الكرام، فسمعت إذ ذاك وطء أقدام على الدرج ويدًا تعالج الباب، فتحت فيه النافذة الوسطى فلاح منها شيخ ملتحٍ طاعن في السن.

قلت: هل مختار أفندي في البيت؟

وما كدت ألفظ الاسم حتى أُقفل باب النافذة وسمعت الشيخ يقول: جاءوا يهزءون بي وبأحزاني … كلاب … خنازير …

استحال نور النهار في عيني ظلامًا وأحسست أني مثل سائر الناس أمشي والقيود في رجلي، همت في المدينة على وجهي لا أدري إلى أين يحملني اليأس، وأين تحط بي الكآبة.

أين أصحابي؟ أين إخواني؟ أين أولئك الذين كانوا بالأمس نور المدينة بل مصابيح الأُمَّة؟ وبين أنا سائر في زقاق من الأزقة رأيت امرأة جالسة على قارعة الطريق كأنها من شدة الهزال والعياء «مومية» مصرية، وإلى كِلَيْ جنبيها صبيٌّ ذابل رأسه في حجرها، وهي تَمُدُّ من أجلهما يدًا رجفة نحيلة، كأنها عظام يحركها شبح الموت.

– أعطوني الله يعطيكم، الله يتحنن عليكم، الله يفتح لكم أبواب الخير، الله يقيكم من الجوع، الله يصون حريمكم وأولادكم، حسنة للصغار، كانوا أربعة وصاروا اثنين …

فقال أحد المارين: صدقتْ، وغدًا تدفن الثالث وبعد غد الرابع.

ورأيت الناس — مع ذلك — لا يبالون، يمرون أمامها كأنهم عمي صم لا يرون صورة الشقاء في سواهم ولا يسمعون صوت البلاء في غير قلوبهم، لا تستوقفهم عاطفة الشفقة ولا تحركهم عاطفة الحنان، وهل يلامون وكل واحد منهم يحمل صليبه ويجر قيود بؤسه وغمه في مدينة الغم والبؤس، والجوع والدموع؟

ساعة واحدة فأحسست بثقل تلك القيود، فكيف بمن قُيدوا بها ثلاث سنوات؟ لا عجب إذا استحجرت قلوبهم.

وما مشهد الأم وأولادها بفظيع إلى جانب مشهد آخرَ شاهدته، هو ذا ولد مستلقٍ على الرصيف، ألصقه الجوع بالدقعاء فظننته إذ رأيته ميتًا، وهو ذا كلب قريب منه يصك عظمًا جريدًا، فلما رآه الولد طفق يدب على بطنه ويديه حتى وصل إلى الكلب فنزع العظم من فمه وهو لا يبالي بنباحه، وسارع زحفًا وهو يلتفت رعبًا، كأنه خاف أن يراه أحدٌ من الناس.

خرجت من المدينة ونفسي كنفس تلك الأم، وقلبي كقلب هذا الولد، وبين أنا سائر إلى الحرج رأيت في حقل على بضعة أمتار من الطريق ما ظننته لأول وهلة قطيعًا من المعزى، فاقتربت منه فإذا هناك ثلاث نساء وولدان في قمصان سوداء بالية مجتمعون حول مزبلة يمدون إليها أيديهم فيبحثون فيها كالدجاج عن شيء يخففون به مضض الجوع، عفوًا ربي! قد كفرت بك وأنكرت عنايتك الإلهية، وجدفت على اسمك وسمائك، أتضن على مثل هؤلاء من أبنائك حتى بالموت؟ أبشر خلقوا على شكلك ومثالك يقتاتون من المزابل؟ ويسابقون الكلاب على عظم جريد؟ لله من ذي المشاهد البشرية الفظيعة المريعة! لله من نكبة سوَّدت يومنا! لله من جوع مسخ قومنا.

دخلت حرج الصنوبر واللعنة في قلبي وعلى لساني، نظرت إلى شمس المغيب من خلال الأغصان وفكرت بالبلاد التي ستُشرق بعد بضعة ساعات فيها، أتُشرق يا ترى في قلوب من هاجروا إليها فيسارعون بالنجدة، بالفرج، بالخلاص، قبل أن تنقرض أُمتهم؟ أيموت الأطفال في الأسواق، أيسابق الصبيان الكلاب على العظام، أيقتات الناس من المزابل، وأبناؤك يا سوريا في مصر وباريس وأميركا يتنازعون ويتطاحنون ويستشهدون على صفحات الجرائد؟ أفي الذل والشدة أنت تترقبين الفرج مع كل شارقة وكل غاربة، وأبناؤك الأحرار يستمهلونك بين هم يتناقشون في الاحتلال والاستقلال؟ إن كل سوري حي الجنان والوجدان، لَيودُّ قبل كل شيء خلاصَ بلاده وإنقاذ البقية الباقية فيها.

عدتُ إلى المدينة تحت جنح الليل في أَزِقَّة كأنها المقابر، عفوًا، إن المقابر تنور الأزهار وتغرد العصافير، وفي هذه الأزقة بيوتٌ بل أكواخٌ تبكي فيها الأطفال وتنوح فيها النساء.

وصلتُ إلى ساحة الاتحاد فوجدتها خالية مظلمة، تعثرت هناك بكلب فتحرك قليلًا ولم ينبح، الجوع والرعب يعقدان حتى ألسنة الكلاب، وما كدت أصل إلى وسط الساحة حتى رأيتني أمام مشنقة تدلت منها جثة في قميص بيضاء، فتراجعتُ مذعورًا فإذا أنا بين عدد من المشانق، بل بين أصحابي وإخواني شهداء الحق والوطن والحرية، وقد استحال ظلام الليل نورًا على وجوههم، عرفت معنى سكوت الناس في البلد، هو ذا مصدر الرعب السائد في قلوبهم، هو ذا مصدر البلاء المخيم على أنفسهم، وعرفت معنى تغيُّظ الشيخ وكلامه: جاءوا يهزءون بأحزاني … كلاب … خنازير … إي مختار أفندي … إي جرجي أفندي … إي إخواني كنت في المدينة نهارًا أبحث عنكم فها قد جمعني بكم الليل، جمعتني بكم نجوم السماء، ولكن النور الذي ينير وجوهكم حيَّر فؤادي، فتلفتُّ أستطلع مقامه فإذا في وسط المشانق صليبٌ كبير يعلوها كلها، وعند الصليب امرأة في ثوب الحداد جاثية ترفع إلى المصلوب يديها.

أمي، أُم أُمتي! هي خالدةٌ لا تموت، لا تموت وفي قلبها ذرةٌ من الرجاء، لا تموت وإن أمست أرضها غابًا من المشانق، لا تموت وفيها من أبنائها مَنْ يموتون شهداء الحق والوطن والحرية.

اقتربت منها وألقيت عليها السلام، جثوت قربها وطفقت أُقَبِّل يديها ورجليها، فنظرتْ إِلَيَّ تُسألني: من أنت؟

قلت: أنا أحد أبنائك من المهجر.

فقالت: لا بارك الله بأبنائي في المهجر.

– ولكنهم اليوم يفكرون في خلاصك، يسعون في إنقاذك.

فأشارت إلى الصليب قائلة: هو ذا خلاصي وتعزيتي الكبرى.

– ولكن أبناءك يموتون شهداء لتحيي حياة جديدة، وغدًا ترين جيش الحرية في أرضك.

– منذ ثلاث سنوات وأنا أسمع كل يوم هذا الكلام، وأعلل النفس بالآمال.

– ولكن أبناءك اليوم يتطوعون في جيش الحرية.

– لا أُصدق حتى أراهم وأرى بريق السيوف والرماح، فقد سمعت أنهم لم يزالوا منقسمين بعضهم على بعض، انظر إلى هذه المشانق، تأملْ هؤلاء الشهداء في ساحة الاتحاد — الاتحاد بالموت، الاتحاد بالشهادة — فهل تعرف المسلم وهل تعرف المسيحي؟ هل تُميز بين اللبناني منهم والسوري؟

– ولكن في أبنائك يا أُمِّي مَنْ يطلبون استقلالك.

فصاحت بي وقد استوتْ واقفةً ترفع إلى السماء يديها: استقلالي! أواه! أواه! استقلالي بماذا يا بني؟ أبالموت والجوع والذل والهوان؟ استقلالي بالمشانق؟ استقلالي بالقبور؟ أتطلبون استقلالي يا بني وأنا في آخر نسمة من الحياة؟ خلصوني أولًا ثم اسعوا في استقلالي.

– ولكن بعض أبنائك يا أُمِّي لا يريدون خلاصك على يد فرنسا، فمنهم من يفضل إنكلترا، ومنهم من يُؤْثر العرب، ومنهم من لا يدري ما يفعل ويقول، ومنهم الجبناء الإِمَّعِيُّون الذين ماتت فيهم روح الحنان وعاطفة الشرف والوجدان، أما أبناؤك الأحرار فستشاهدينهم غدًا شاكين السلاح، يحاربون في أرضك من أجلك، يفادون بأنفسهم في سبيلك.

فنظرتْ إليَّ نظرة يأس واسترحام، وقالت: منذ ثلاث سنوات يا بُنَيَّ وأنا أترقب طلائعَ الخلاص، منذ ثلاث سنوات وأنا جاثيةٌ عند الصليب أسأل الله أن يعطف على أبنائي، أن يفك قيودهم، أن يخفف — في الأقل — شدة النكبات المتوالية عليهم. منذ ثلاث سنوات وأنا مقيمةٌ في ظل المشانق، في ظل الرعب والهول، في ظل الجُوع والتجويع، أترقب لأبنائي في أرضي طلوع الفجر، فجر الفرج، فجر الخلاص، فجر الحرية …

وأبنائي في مصر وباريس والمهجر يتنازعون ويتحزبون ويتخاذلون، وأنا اليوم لا أطلب سوى الفرج وكسرة من الخبز ليأتِ الفرج يا بني ولو عن يد القرود، ليأتِ الخلاصُ ولو عن يد الشياطين …

أخت البلجيك

حُكي أن يوسف لما ملك خزائن الأرض كان يجوع ويأكل من خبز الشعير، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.

إخواني السوريين: إذا كنا لا نخاف أن نشبع فننسى الجائع أفلا نخاف أن يُقال فينا: إننا أناس لا نعرف التأسي والإحسان، أناس لا أثر في قلوبنا لتلك العاطفة الشريفة عاطفة البر التي تُميِّزُ الإنسان عن الحيوان؟ سوريا اليوم أُخت البلجيك، أُختها في الشدة والأسى، أُختها في الفاقة والجوع، ونحن في بلاد أميركا راتعون في بحبوحة من العيش تحت سماء الأمن والسلام.

وما منا مَنْ ليس له في الوطن المنكوب أُمٌّ أو أَبٌ أو أخٌ أو أختٌ أو نسيبٌ، فهلا ذكرناهم اليوم إذا كنا لا نذكر سواهم؟ أننسى سوريا أمنا وهي اليوم تستغيث؟ أننسى البائس فيها والجائع وفي كل ساعة في هذه البلاد يَتَجَلَّى لنا البر والإحسان في أشرف الحلل وفي أجمل المظاهر البشرية؟ أفلا نشارك الأميركيين أنفسهم — وقد كانوا السابقين — في جمع شيء من المال لإعانة المنكوبين والبائسين في سوريا؟ هي فرصة نقرر فيها — في الأقل — شأننا في هذه البلاد، هي فرصة نُثبت فيها أريحية طالما رددتْها أمثالُ العرب، وكرمًا هو عنوان الشرقي، ووطنية لا تعرف اليوم التحزُّب والتفريق، وطننا في حاجة إلى المال بل في حاجة إلى ضرورات العيش، فهل نرد فارغةً يدًا مُدَّت إلينا؟

ينبغي أن نجمع — في الأقل — عشرة آلاف ريال نبعث بها إلى الوطن، ولو كل سوري في الولايات المتحدة يدفع ربع ريال فقط لجمعنا أضعاف هذه القيمة.

فيا أخي السوري — أنت المقيم خارج نيويورك — زكِّ مالك الآن. ريالًا واحدًا تبذله في سبيل الوطن المنكوب اليوم خيرٌ من مائة ريال تبذلها غدًا في سبيل إصلاحه واستقلاله. أرسل ما تجود به نفسك إلى الجريدة التي تقرؤها، أو إلى المحل التجاري الذي تتعامل معه، أو إلى صندوق اللجنة لإعانة منكوبي سوريا في نيويورك، وإن ما تجمعه اللجان المختلفة يصل إلى اللجنة الأميركية التي عرضت علينا مساعدتها فيُرسل — إذ ذاك — إلى الوطن.

عارٌ علينا وكلنا آمنون نابَ الجوع أن ننسى اليوم الجائعَ في بلادنا، عارٌ علينا أن يدعونا الغريبُ إلى إعانة وطننا المنكوب فلا نُلَبِّي الدعوة.

في كتاب جاءني من الوطن أن بين الأيدي الممدودة للاستنداء أَكُفًّا لم تتعود ذلك، فكيف بعامة الناس إذًا؟ سوريا اليوم أخت البلجيك، أختها في الشدة والأسى، في الفاقة والجوع، فهل نسمع نداءها ساكتين، وفي عروقنا ينبض دمُ أجدادٍ كرام، وفي صدورنا عاطفةٌ بشرية حية؟

إن الكريم وإن كان فقيرًا يقاسم الجائعَ كسرتَه. فكيف بالغني؟

لا نسألكم أن تقاسموا الوطنَ ثروتَكم، إنما نسألكم بَذْلَ اليسير مما لديكم.

نسألكم أن تقتدوا بيوسف الصديق فتذكرون — في الأقل — الجائع، لا نطلب منكم اليوم اكتتابًا باسم مشروعٍ خيريٍّ أو نهضة وطنية، إنما نستحلفكم باسم الإنسانية أن تُبرهنوا على أنكم من أبنائها، وبرهنوا للوطن أن العاطفة الوطنية لا تزال حية في صدوركم، وبرهنوا للأميركيين على أنكم أسرعُ منهم في إنقاذ إخوانكم من الجوع.

أجل، إن خير البر عاجله، وإن سادات الناس في الدنيا الأسخياء.

نيويورك، في ٢٥ ك٢، سنة ١٩١٥

صوم وإحسان

أُمَّةٌ تصوم أشهرًا، أُمَّة تجوع وتجوَّع، أُمَّة غشت الدموع بصرها فأمست لا ترى غير يد القضاء وقد استل سيف النقمة أُمَّة جمد الدم في عروقها، برد الدم في قلبها، فأمست لا تستطيع حتى النداء مستغيثة، مستجدية أُمَّة تتلاشى سغبًا، تموت جوعًا، فريسة ظلم تواطأ والقضاء، ونحن من دمها ولحمها، من صميم قلبها من خيرة أبنائها، ناءون عن هول أولئك البرابرة وعن هول ذلك القضاء، آمنون شر الاثنين، راتعون في بحبوحة من العيش حريزة، في بلاد جزل خيرها، وعم اليوم برها، بل نحن في بلاد تقرأ علينا روح الغيرية فيها أمثولة جميلة كل يوم، أمثولة في نكران الذات، في الشفقة والإحسان، في الرحمة والحنان.

فهلا أخذنا عن تلك الروح روح الغيرية في الأميركيين وهلا سمعنا لها واقتدينا بها؟ هلا وقفنا على المنكوبين في بلادنا يومًا واحدًا من أيام عملنا؟ يومًا واحدًا نقدسه للوطن المهدد بالاضمحلال، يومًا واحدًا نجرد فيه أنفسنا من كل آمالنا المادية، من أغراضنا الدنيوية، من غرائزنا الحيوانية، من مهامنا التجارية والخصوصية كلها، يومًا واحدًا من نكران النفس والضحية، نتجه فيه نحو ذلك الوطن المنكوب وطننا، ولا نفكر فيه بغير إخواننا الذين يموتون اليوم جوعًا.

لست في ما أكتب الآن مبشرًا، ولا مقرِّعًا منذرًا، وليس في قصدي النظر إلى الصوم من وجهته الدينية، ولا من وجهته الصحية، كلمتي هذه تمليها عليَّ نفسٌ متألمةٌ متوجِّعة، من القلب هي لا من الرأس، فإذا دعوت السوريين إلى الصوم يومًا واحدًا كاملًا فذلك لِأُنَبِّهَ فيهم العطف والحنان، فيشعرون بما يقاسيه إخوانُنا في الوطن.

البعد جفاء، وما لا تراه العيون لا ترثي له القلوب. في مدن سوريا وفي سهولها، في قرى لبنان وأوديته وهضابه أُلوف من إخواننا اليوم يقتاتون بالأعشاب، بل يسقطون في الطرق من الضنى، بل يموتون في البرية سغبًا وجوعًا، ونحن البعيدين عن هذا المشهد المريع قَلَّمَا نُدرك معنى ما فيه من البؤس والويل، قلما نشعر بحقيقة أهواله.

لذلك أقول: صوموا يومًا واحدًا فقط تعرفوا معنى الجوع، يوم واحد تحرمون فيه لذيذ العيش يدنيكم من أولئك البائسين المقضي عليهم بصوم طويل مهلك، المقضي عليهم بالموت جوعًا، يوم واحد من التقشف يقربنا من الوطن، يقربنا من البلية الهائلة المخيمة عليه، فيحيي فينا الحنان، ويوقظ فينا عاطفة الإحسان.

وماذا يكلف هذا العمل؟ شيئًا من العزم، وقليلًا من الإرادة، احسب نفسك أيها السوري مضطرب المزاج تشكو تلبكًا في المعدة فيصف لك الطبيب الحمية أو القليل من اللبن، أفلا تمتنع إذ ذاك عن الأكل عاملًا بنصيحة الطبيب؟ احسب نفسك في بلاد من بلدان العالم المنكوبة اليوم، أفلا تضطر — إذ ذاك — أن تصوم؟

حكي أن يوسف لما ملك خزائن الأرض كان يجوع ويأكل من خبز الشعير، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.

وقد أنسانا الشبع الجائعين، حسبك يومًا من التقشف تكفر فيه عن إحجام منك في سبيل البر وإهمال، حسبك يومًا من الصوم يقيك — إن شاء الله — ألم الجوع وذله، فلو كنت في سوريا اليوم وقيل لك: إن إخوانك في المهجر لا يسمعون ولا يلبون نداءك فماذا كنت تقول؟ لو كنت أسيرًا في الوطن اليوم أيها الغني فماذا يفيدك مالك وأنت لا تستطيع أن تبتاع به لوازم العيش؟ بل لو كنت من أصحاب السيادة والجاه هنالك وجاءك أمرُ الحكومة أن ادفع ألف ليرة عن بلادك، فإنك تدفعها صاغرًا، وتراها تُصرف في سبيل الظالمين العتاة من يجوعون اليوم إخوانًا لك في الوطن.

إخوان لنا هنالك يعيشون اليوم في هولين؛ هول المشانق وهول المجاعة، الفقير يموت سغبًا، والغني يموت رعبًا، ونحن في هذه البلاد آمنون شر الاثنين يومنا زاهر وليلنا هنيٌّ، لا رعب يحرمنا النوم ولا جوع يحرمنا صفاء العيش. ومع ذلك ترانا نتردد إذا جاءنا مستنجد باسم الوطن فنتعلل، وفي تعليلنا الرياء، ونبذل النصح، وفي نصحنا العار والبلاء. والحق يقال إن أماجد فينا لا يشعرون قطعًا بما يقاسيه إخواننا في الوطن، قد خمدت فيهم المخيلة، اضمحلت قوة التصور، فلا عين لهم سوى تلك الظاهرة في رءوسهم، ولا بصيرة سوى تلك التي تنبهها فيهم أقرب الأشياء إليهم. إني أرتأي إذن أن يصوم كل سوري يومًا واحدًا كاملًا ليذكر — إذ ذاك — الجائع، أجل، لنَقْتَدِ ولو يومًا واحدًا بيوسف الصديق.

وللصوم فوائدُ جمة غير التي تعدها الكنيسة ويحددها الدين، على أني أقول للمتدين التقي: صم واسأل الله الفرج واليسر لإخوان لك في الشدة، وإلى الأديب أقول: صم تتنبه فيك المخيلة، وتنفتح فيك عين الروح، وإلى الغني أقول: صم تَرَ الجائعَ ولو كان بعيدًا عنك ألوف الأميال فترثي لحاله، وإلى المتألم من المعدة أقول: صم تَبْرَ، وإلى النهم الأكول أقول: صم يومًا تتحقق النعمة التي أنت فيها، وإلى النساء أقول: صمن وحرضن الرجال على الصوم.

لا أريد أن أُزعزع إيمان مَنْ آمن بالصوم والصلاة، ولا أن أُدغدغ ريب مرتاب، فلكلٍّ طريقته أو بالحري قصده في الصوم، ولِكُلٍّ فائدة، إن الصوم من وجهة دينية مفيد، ومن وجهة علمية مفيد، ومن وجهة اقتصادية مفيد، ومن وجهة صحية مفيد.

وليس الغرض من مقالي هذا أن أذكر الجائع فقط، بل أُريد أن يكون له من صومنا قليلٌ من العون على جوعه، فإن ليوم الصوم الذي ينبغي أن يكون عموميًّا فائدة مادية كبرى، كل منا يصرف دولارًا — في الأقل — على طعام يومه، دولارًا نحرمه أنفسنا ونعطيه الجائع، فأية خسارة نخسر؟ إنما هو عمل جليل جميل مبتكر، فيه دليل واضح على قوة روحية فينا تدعمها الإرادة ويزينها رقيق الشعور والإحسان.

في الولايات المتحدة وكندا مائتا ألف سوري، فلو صام كل منهم أو أكثرُهم يومًا واحدًا وبعث بمصروف ذلك اليوم دولارًا أو دولارين أو نصف دولار إلى لجنة إعانة المنكوبين لجمعنا بهذه الطريقة وحدها في الأقل مائة ألف دولارًا.

إني وربي جادٌّ مخلص في ما أقول، ولست أبتغي الباطل المستحيل، إن مثل هذا العمل لا يستوجب سوى شيءٍ من العزم وقليل من الإرادة، وحبذا الجرائد المعقبة على هذا الرأي إذا استحسنتْه، وحبذا الإكليروس مبشرين به، يوم صوم عمومي، نادوا به وادعوا إليه الناس، يوم مقدس يُسجل لنا في تاريخ نكبتنا، ناهيك بأن مثل هذا العمل يكبره الأميركيون فيذيعون خبره في جرائدهم، وفي هذا فائدةٌ كبرى، فائدةٌ أُخرى لنا، يوم صوم تعينه اللجنة أو الإكليروس فنتوفق فيه — إن شاء الله — إلى جمع مائة ألف دولار في الأقل، وما أجمله يومًا إذا تقدم اليوم الذي سيعينه رئيس الولايات المتحدة لإعانة المنكوبين في سوريا، فإنه ينبه الأميركيين إلينا فتكون التبرعات في الكنائس ضعف ما قد تكون.

من أغنيائنا من يصرف عشرة وعشرين دولارًا على عشائه، ومنهم من يصرف مائة دولار في ليلة واحدة، زادهم الله خيرًا وكرمًا، ولكن عشاءً واحدًا يحرمه الغني نفسه ويخصص به الجائع؛ لَأجمل في عين الله والناس من مائة مأدبة فخيمة، وما فضل الإنسان على الحيوان إذا كان لا يستطيع أن ينكر ذاته يومًا واحدًا ليقي أخاه ويل الجوع؟ ما فضل المرء إذا كان لا يستطيع التقشف يومًا واحدًا في أيام يسره وإقباله؟

وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الآية).

وقد يزيل الله نعمته عنك غدًا أيها الغني فتكرَه على تقشف لا فضل لك فيه، وقد تذكر إذ ذاك الجائع ولا تستطيع إسعافه فتندم على ما فات ولا ينفع الندم، اذكر الجائع في إقبالك، خصصه بشيء من يسرك صافٍ لوجه الله، صم يومًا واحدًا مع من يصوم أشهرًا وكن من المحسنين المقربين.

كراغزمور، نيويورك في ١ آب، سنة ١٩١٦

الجوع

إذا نضبت في البلاد الأنهار، واستحالت السماء نحاسًا حاميًا ترسل أشعة شمسها نقمة وانتقامًا، فتحرق الأشجار، وتأكل النبات، وتجفف الأرض، وتجعل الحقول كالصحراء، يحدث في الناس مجاعة لا يد جانية فيها للإنسان.

وإذا غزا الجرادُ زرع أُمَّةٍ ومروجها، يلتهم الأخضر واليابس كشمس النفود في الصيف، فلا يترك وراءه شيئًا يصلح للغذاء؛ يحدث في البلاد مجاعة لا يد أثيمة فيها للإنسان.

وإذا ألقى الوباء في أُمَّةٍ عصاه، وشرع يفتك فيها فتكًا ذريعًا أوجب عليها النطاق الصحي فأبعدها عن خيرات الأرض دون تخومها، قد تُجهز عليها مجاعة لا يد جانية فيها للإنسان.

وإذا كانت أُمَّة في حرب فحاصرها العدو وحبس عنها الزاد فأبت التسليم صاغرة، قد تهلك جوعًا، ولا ذنب في ذلك على العدو أو عليها. أما إذا وطأ الجيش المحاصر أرضها، وأبت البقية الباقية الرضوخ والاستكانة، ملجة في العصيان، فقد يتخذ الفاتح التجويع طريقه للاستيلاء التام، وقد يكون الذنب في ذلك عليها.

ولكن أُمَّة طائعة أولياءَ أمرها، أُمَّة مخلدة إلى السكينة، أُمَّة بريئة طاهرة الذيل، تربأ على الضيم صبورة، سكوتة، جلودة، لا تزال تربتها في الأقل جيدة، وأنهارها جارية، وسماؤها مقيمة على عهودها، ترسل غيثها رحمةً وخيرًا؛ في مثل هذه الأُمَّة لا تحدث مجاعة إلا لأحد أمرين، لجهل فيها أو لجور في أولياء أمرها.

والمجاعة التي لا يد فيها للطبيعة أو للقضاء أو لله إنما هي جناية الإنسان الكبرى على أخيه الإنسان.

إن خيرات الأرض لَتكفي أبناء الأرض. وإن التكافل والتعاون لَمن أوليات الوجود الإنساني، الوحشي منه والمدني. فإذا أغفلنا الآن البحث في أسباب المجاعة ونظرنا في نتائجها فقط تَحَتَّمَ علينا النظر أيضًا في الطرائق الفعالة لإزالتها، ولإزالتها سريعًا.

أُمَّة صغيرة في بقعة قصية من الأرض تتضور اليوم جوعًا، وأُمَّة كبيرة، عزيزة الشأن، عظيمة الصولة، يفيض عنها من خيراتها، أليس من العدل إذًا، بل من الواجب المقدس، أن نأخذ مما فاض عن هذه لنطعم تلك الجائعة؟ نعم، وما يصح في الأُمَم يصح في الأفراد. هذا التعديل في خيرات الأرض عدلٌ لا فضل فيه لمن أعطى ولا شُكْرَ عليه ممن قبل العطاء.

الأُمَّة المنكوبة أُمَّتنا أيها الناس. الجياع فيها إخواننا. وإن الفائض عنا اليوم لا حق لنا فيه. لا والله، ليس ما فاض من خيرنا اليوم لنا بل هو للجياع في بلادنا. ولو كنت من أُولي السيادة والسلطان لَأخذت اليوم من الشبعان لأُطعم الجائع. لَفرضت على كل سوريٍّ مقدارًا من المال يدفعه — راضيًا أو مكرهًا.

وماذا يضر السوري لو دفع اليوم دولارًا واحدًا لإغاثة إخوانه في الوطن؟ دولارًا واحدًا على كل سوريٍّ الفقير والغني سواء.

إني من أصحاب الرأي لا أصحاب السيادة. لذلك لا أستطيع أن أضرب ضريبة هي حق — والله — على كل سوري. ولكني عملت بطريقتي وبحقي فدعوتُ إخواني في المهجر في مقالٍ سبق إلى الصوم يومًا واحدًا يدفعون ما يوفرون فيه إعانةً للمنكوبين. وقلت إننا إذا خبرنا الجوع نرثي لحال الجائع فنُسرع لإغاثته.

وكي لا يُقال إني أُبشر بما لا أفعل؛ بدأت بنفسي عاملًا برأيي. فإني محاسب لقلبي إذا مال وللساني إذا قال. لذلك صمت عن الأكل والشرب والتدخين يومين وصالًا، ودفعت نفقة يومين إلى اللجنة، وجئت في هذا المقال أُطلع القارئ على ما خبرته من نتائج الصوم ومفعول الجوع، وإذا كانت كلمتي في الصوم ذهبت أدراج الرياح فعسى أن يؤثر عملي فيحمل إخواني في المهجر على الاقتداء بي.

من الساعة السابعة مساءً حين بدأت أصوم حتى الساعة الثالثة بعد الظهر في اليوم الثاني لم أشعر قط بالجوع. ولكني أحسست بطنين في أُذني، وبتجفُّف في لساني، وبشيء من المرَّة في فمي. على أني في الساعة السابعة، أي: بعد مرور أربع وعشرين ساعة، بدأت أشعر بالجوع وبالعطش وبشيء من الدوار.

كنت أصيل ذاك النهار أَتَمَشَّى وصديق لي في أحد شوارع المدينة، فمررنا بمطعم صُفت في شباكه أنواعُ الخبز والكعك والحلويات، فوقفت أمام الزجاج الحائل دوني وتلك الجنة ناسيًا ذاتي أتمثل في نفسي ولدًا فقيرًا جائعًا لا فلس في يده يفثأ به سورة جوعه. اخترقت الزجاجَ عيناي وما فيهما من نهمة إلى الأكل، فتحلب اللعاب في فمي، فغصصت بمر مذاقه، ثم غصصت هذا وأنا لا أشعر حقًّا بمضض في الألم في معدة فارغة وقلب يقتر شواءً، لأني أجوع مختارًا، والمسكين الذي صورته أمامي، بل أمام تلك المآكل المصفوفة وراء الزجاج، يجوع مكرهًا. إن جوعي ينتهي ساعة أُريد، وأما جوعه فلا يزول إلا ساعة يتصدق عليه أحد المحسنين. ألا إن حالة اجتماعية تُوجِد مثل هذا المسكين الجائع لَحالةٌ ذميمةٌ، منكرة، فاسدة، جهنمية. وإذا كانت كذلك فكيف بها والمسئولون عنها يجوِّعون عمدًا أُمَّة بأسرها؟

لقد شاركتك جوعك يا أخي فتعال أقاسمك كسرتي، عله تعالى يبعدني من ذي الحاجة والاستجداء الذي هو أشد ويلًا من مضض الألم الذي يولِّده الجوع. ألا فليردد كل سوري هذا الكلام، هذا الابتهال. وليتمثل حول مائدته الفاخرة صبيًّا فقيرًا عضَّه الجوع، أنهكه، أقعده، أضناه، أورثه الهزال والخبل، فيسارع إلى إغاثته.

من غريب أمر الصوم أن صاحبه لا يشعر بالجوع إلا في الساعات التي اعتاد أن يأكل فيها. فإني بعد أن نمت الساعة العاشرة استفقت نصف الليل ولا أثر في نفسي للصوم كأني قضيت البارح وقد أكلت — على عادتي — ثلاث مرات.

ولكني نهضت صباح اليوم الثاني وفيَّ ساعة الفطور نهمةٌ إلى الأكل. هذا — ولا شك — من قبيل العادة. على أَنَّ مظاهر الجوع ازدادت نوعًا وشدةً. فتحت فمي فإذا به كالقطن جفافًا. بلعت ما تَحَلَّبَ من رضابي إذ مررت بركوة القهوة فإذا به أَمَرُّ من الحنظل. نظرت إلى لساني فإذا به أبيض كالحليب. لمسته بإصبعي فإذا به كعباءة الراهب خشونة. أما أذناي فازدادتا طنينًا، وأحسست أن رأسي جسم غريب رُكِّب مؤقتًا بين كتفيَّ. نزلت الدرج وعدت إلى غرفتي فانتابني نوبة من الارتعاش شديدة أقعدتْني بضع دقائق وأنا أرتجف حتى أطرافي. وكنت أثناء ذلك أُحس بموجات حارة تتماوج في داخلي — وبالأخص في جوار المعدة.

فقلت في نفسي قد عضك الجوع يا رجل، قد دنوت من إخوانك في الوطن. نعم بدأت في اليوم الثاني أشعر بالجوع وأتألم من شعوري. كيف لا وهذا الضعف في رجلي — وبالأخص في مفاصلي وركبتيَّ — إنما هو احتجاج المعدة على صاحبها، بل على باريها، بل على من في أيديهم خزائن الأرض، المسئولين عن توزيع خيرات الدنيا على عباد الله.

مررت بركوة القهوة ثانيةً فوقفت أمامها راغبًا مترددًا. ثم امتنعت لأني آليت على نفسي أن أصوم يومين كاملين. وفي البيت المقيم فيه أُناس في الدور الأسفل يطبخون طعامهم فتتصاعد أحيانًا روائح المطبوخات فتسطع في منزلي وتزعجني جدًّا. ولكن اليوم يوم الصوم والجوع. وإن امرأً يقتر شواءً يتصاعد صوت نشيشه من فوق النار إلى منزلي لَأحب عندي من مطرب أو مطربة. وإن روائح الشواء. والأبازير في أنفي لَألذُّ من روائح المسك والبخور.

وَلَّتْ ساعة الفطور ووَلَّى معها مضض الجوع ولا غرو، فإن للعادة حتى في الأكل — كما قلت — تأثيرًا شديدًا. إذ ما السبب يا ترى في رغبتي بالطعام ساعة اعتدنا الأكل وفي نسيانه بل الرغبة عنه في سواها؟ أما الفكر مني ففي اليوم الأول من صومي كان لا يزال رائقًا صافيًا، ولكنه في اليوم الثاني أصبح خاسئًا حسيرًا.

ومن غريب أمر الصوم أيضًا أن الذي يصوم يومين يستطيع أن يصوم خمسة بل عشرة وصالًا. في مساء اليوم الثاني لم أشعر بشهوة إلى الأكل شديدة كمساء اليوم الأول. وقد قرأت أخبار أُناس صاموا أسبوعين وثلاثة دون أن يتعطل فيهم عضو من أعضائهم الحيوية كالكبد أو الكليتين أو الرئة أو القلب. ومعلوم أن الأقدمين كانوا يُكثرون من الصوم والتنحس. فقد قال ابن خلدون: وقد شاهدنا من يصبر على الجوع أربعين يومًا وصالًا.

على أنه لا ينكر أن الصوم أيامًا وصالًا يفقد المرء قواه الجسدية والعقلية. فإن العضلات والأعصاب لتتقلص وتذوب من الاقتيات مما كونت منه، وإن العقل ليخسأ ويمرض من تشرب دم لا غذاء فيه. وبكلمة أُخرى: إن الصائم طويلًا، الطاوي أيامًا؛ يعيش على لحمه ودمه، يأكل بالحقيقة نفسه. نعم إخواني، إن الجائع يعيش على لحمه ودمه، والجائع كرهًا يقاسي من مضض الذل — ذل الحاجة وذل الطلب — ما هو أشد من مضض الجوع.

كتبت مرة نبذة أنتقد فيها بعض التعابير العربية التي نرددها نحن الكتاب وقلما نتحقق معناها. من جملتها قولنا: «الجوع المدقع» فاستغربت إذ عدت إلى القاموس النعت وقلت إن لا أحد يجوع جوعًا يلصقه بالدقعاء — أي: التراب — إذ مهما اشتدت سورة الجوع لا تبلغ درجة يصح أن ننعتها بالدقوع.

ولكني تحققت اليوم خطئي. فإن الجوع يوهن، يهزل، ينهك، يقعد، يهلك. وإن كان الجائع هائمًا في البرية يطلب الأعشاب يقتات بها فليس من الغريب أن يسقط في الطريق من شدة الجوع. نعم، رأيت كلاب السوق في الشرق في جوع ألصق بطونهم ووجوههم بالتراب، وكنت أُجِلُّ البشر عن ذلة الكلاب وجوعهم.

فوا أسفاه! إننا لَنتحقق اليوم من حال بلادنا صحةَ التعبير العربي، بل تحققنا التقصير فيه لا الغلو. إن ألوفًا من إخواننا مطروحون اليوم في الطرق والأسواق تتلاشى أجسامهم عضوًا عضوًا، عيونهم شاخصة إلى الشمس نهارًا وإلى السماء والنجوم ليلًا، يسألون باري الأكوان كسرة من الخبز. قلوبٌ واجفة، أبصار خاشعة، نفوس حزينة حتى الموت، معد تلتصق بالأضلع منهم كما تلتصق أجسامهم بالدقعاء. بالتراب. في فمهم المرة الصفراء — مر الحياة — يبتلعونها ثم يبتلعونها، وفي أعصابهم المتقلصة غصص الرعشة، وفي أجسامهم المرض والوهن.

شيوخٌ وأطفال، نساءٌ ورجال، يسارعون إلى المدينة من الجبال عَلَّهُمْ يلتقون في أسواقها ومن فضلات ذوي اليسار فيها كسرة من الخبز، فيتساقطون في الطرق كورق الخريف، وقد استحوذ عليهم الجوع المدقع. أفلا تشاركهم جوعهم يومًا واحدًا. أيها السوري؟ أفلا تمدهم بنفقةِ يومٍ من أيام يسرك؟

لو مر بهؤلاء المناكيد الجياع وحشٌ ضارٍ أو عقاب كاسر لَمال بوجهه عليهم، لَرثى لحالهم. وإننا نعلم أن في الحيوان غريزة هي أشرف من غريزة الإنسان التي أفسدتْها المدنية والتكالب فيها. من الطيور من يطعم صغارها من قلبها إذا لم تجد لهم رزقًا.

أيها السوري النائي عن إخوانك المنكوبين، جئت أُخبرك خاشعًا لا مفاخرًا أني صمت يومين، فأنهكني، أقعدني يوم واحد من الجوع. فكيف بمن يصومون أيامًا، بل أسابيع؟ اليوم اليوم! من كان غنيًّا فليستعفف من كان مترددًا في التبرع فليتقدم. من كان متقاعدًا فلينهض. من كان في سبات فليستفق. وما الفائدة من القول: غدًا غدًا. إن مثل هؤلاء المستحجرة قلوبهم الذين يلوِّحون بثربدتهم للجائع لَأقربُ إلى الضاري من الحيوان منهم إلى الإنسان.

قد يُنعم الله بالبلوى وإنْ عظُمت
ويبتلي الله بعضَ القوم بالنعم

الصوم! التقشف يومًا واحدًا تملكون تلك النفس منكم الشارهة إلى اللذات. إن مثل هذه السيادة على أنفسكم لَأشرف من وجاهة يجرها لكم المال. صوموا يومًا واحدًا وتصدقوا علينا بدولارين مما رُزقتم. الأُمَّة أُمَّتنا جاثيةٌ على قارعة الطريق تئنُّ من ألم الجوع — الجوع المدقع — الجوع المهلك. فهلا تسارعنا بل تسابقنا إلى إغاثتها؟ «أليس بلسان في جلعاد؟»

الشحاذة

من أنعم النظر في الصالح من أعمال الناس، كبيرها وصغيرها، ظاهرها وباطنها، خصوصية كانت أو عمومية؛ تحقق ما للمآرب النفسية فيها من المكانة والأهمية. وبعد النظر في طائفة منها، في الطبقات العالية كانت أو في ما دونها من الهيئة الاجتماعية؛ يرى أنها تقسم إلى قسمين: تلك التي تنحصر تمامًا في الأنانية، وتلك التي تتجاوز الأنانية إلى شيء من الغيرية.

وبكلمة أوضح: من أعمال الناس ما تنحصر فائدتها في أصحابها فقط، ومنها ما يلحق الغير بعضُ فوائدها. وقد يندر اليوم العمل المجرد عن كل مأرب نفسي أو غاية ذاتية، العمل الذي فيه نكران الذات، وصافي المبرات. أما نكران الذات ففكرة قتلها التمدُّنُ الحديث. وأما صافي المبرات فلا تجدها اليوم سوى في كتب الأقدمين وسِيَر القديسين.

وقفت عند كتابة ما تقدم لأُشعل القنديل، فوقع نظري على كتاب كنت قد طالعت الليلة البارحة فصلًا منه أزال من نفسي مفعولَ ساعاتٍ في أحد الملاهي. الكتاب للقديس إفرنسيس الأسيسي وفيه من جميل أعماله، وعجيب كراماته، ولطيف سيرته، ما قد يضحك رجل اليوم المُفاخر بروح العصر، المكبر نفسه، العامل إطلاقًا لها. ولكنه ينعش ويبهج من لا يزال في قلبه شعلة من الإيمان.

فتحت الكتاب وقرأت فصل العشرين منه وفيه أن إفرنسيس الأبرَّ ذهب يومًا إلى الغاب خارج المدينة ليقابل الذئب الذي كان يغشوها فيقتل من أهلها ويخرب من أعلاقها فالتقى به وهو قادم البلد يطلب فريسته. فكلمه باسم الرب والسيد المسيح وخطب وداده، وأمره أن يرعوي عن غيه، وهداه فوق ذلك إلى الدين المسيحي! قرأت القصة ولبثت برهة بين مصدق ومكذب، بين مؤمن ومرتاب. وأظنني ضحكت منها في قلبي إذ ألقيت الكتاب جانبًا لأعود إلى ما باشرت من هذا المقال.

جمح القلم في يدي إذ جلست إلى المنضدة أفكر في أسلوب لكتابة ما خبرته في يوم سبق من أمر الشحاذة. ولا أكتم القارئ أني شحذت يومين من أجل المنكوبين في بلادنا وقد علم أني صمت من أجلهم يومين أيضًا. ولكني لم أصم على طريقة الأبرار والقديسين. وهذا ذنبي. عملت عملًا لا شك أنه صالح ومفيد ولكني شوهته بمقالة أعلنته فيها، فألفت أنظار الناس من عملي إلى نفسي. على أني أتعزى بكلمة للإمام علي — رضي الله عنه — «سيئة تسوءك خير عند الله من حسنة تعجبك.»

لماذا إذًا أعيد اليوم فعلة أخذني فيها شيءٌ من الندامة؟ ما الدافع إلى الكتابة؟ العجب، الشهرة، المجد الباطل؟ لا أنكر ولا أدفع ما نالني منها. إلا أني لست وحدي المسئول عنها؛ إذ لو كان لي أن أتنكر لفعلت. ولو جاءني جِنِّيٌّ بالقبع الأخفى للبسته وخرجت أشحذ لوجه الله. وهل أكون راضيًا تمام الرضا بالتنكر وما فيه من نكران الذات يا ترى؟ سؤالٌ لا أستطيع الجواب عليه؛ لأنني لم أخبر حقيقة أمره، وقد لا يأتي بالفائدة التي أتوخاها.

وهل في الكتابة في الشخاذة الآن شريف قصد أو كبير فائدة؟ لست أدري. ألا تدري؟ إذن لا تكتب. إن شر ما يسوِّده ويبيِّضه الكُتَّاب اليوم مقالٌ لا يقين ولا اعتقاد فيه.

سمعت هذا الصوت خاشعًا وقلت: طوعًا وكرامةً. إذن لا أكتب. وإذ هممت بتمزيق ما سوَّدت من الأوراق طرق الباب طارقٌ ففتحت فإذا هنا شيخٌ طاعن في السن، نحيل الجسم، بهيُّ الطلعة، في ناظريه ضياء وهَّاج، وعلى فمه ابتسامة جميلة، وهو يستأذن بالدخول.

دخل وجلس على الديوان، فجلست على كرسي قباله قائلًا: أيتفضل حضرة الزائر باسمه وقصده.

فقال — والابتسامة تنير وجهه: رأيتك البارح في الشارع يا ريحاني ورافقتك متنكرًا.

– أمر عجيب!

– عجيب في نظرك لا في نظري. وقد سمعتك الآن تناجي نفسك وتناقشها الحساب.

فأدهشني بل هالني كلامُهُ فاستحوذ عليَّ السكوت.

ثم قال: «جميل ما فعلت. ولكنك لست مقيمًا على الجميل من فعلك وليس في طاقتك احتمالُ نتائج الخمول ونكران الذات. أنت ابن عصرك مثل سائر الناس. وفي قلبك مرض هو مرض هذا الزمان. تقرأ في كتب القديسين فتضحك أحيانًا مما تظنه وهمًا وخرافةً. وتحاول الاقتداء بالأبرار فتشوه بالإجهار أعمالك. على أن هذا مما لا يدعو إلى اليأس في مثل حالك. إذا خلت الأرض من أناس يأتون بعجيب الآيات فيلينون أطباع الذئاب ويهدونهم سواء السبيل — وفي مدينتكم اليوم كثير منها في صورة البشر — فذلك لأن الإنسان قد فقد نعمة الإيمان وأعماله كلها — كما قلت في بدء مقالك الذي هممت بتمزيقه — منحصرة في نفسه، مملوءة من أنانيته. ولكن كبار النفوس والأخلاق يقومون بأعمال قد يفيض من منافعها على الناس. فيغتفر إذ ذاك ما فيها من حب الذات والغرور بالنفس. قلت: إني رافقتك أمس ولكني لم أُشاركك سرورك بفوزك، فإن الذين سألتهم ريالًا للجياع في بلادك فسبقت منهم الروحُ اليدَ والبشاشةُ العطاء؛ لَخيرٌ منك. بارك الله فيهم وأصلحك.»

قال هذا ونهض مودعًا، فقلت وفي نفسي اضطراب يمازجه شيء من الغيظ: ولكنك يا سيدي لم تتفضل عليَّ باسمك.

فنظر إليَّ مبتسما مطمئنًا ومد يده إلى جيبه وأخرجها فإذا هي نورٌ يضيء كأنه مصباح من الكهرباء كبير أُشعل في غرفة صغيرة مظلمة. ملأ النور منزلي فأخفى الضياء الباهر كل ما فيه من فرش وصور وكتب إلا كتابًا. هو كتاب القديس إفرنسيس الأسيسي. فدهشت، ذهلت، ارتعبت، وفركت بعد هنيهة عيني محملقًا، فإذا أنا وحدي في الغرفة والباب مقفل، والنور مضيء كالعادة، والأوراق التي كنت قد هممت بتمزيقها لم تزل في يدي.

تبارك الله وتباركت آياته! فإني وإن صغرتُ دونها لمن الناظرين إليها في الفترات الروحانية بعين الإجلال. وإني وإن كنت ممن لا يستحقون أن يلمسوا أردان أصحاب المبرات والكرامات لمن الذين يجلون أعمالهم ويحبذون في مثل هذه الأيام العصيبة الاقتداء بالقليل السهل منها.

احمل عصاك إذًا وامشِ إلى الشحاذة، باسم المنكوبين ومن أجل الجياع في وطنك. وإذا كان لا بد من الكتابة أيضًا فللتذكير فقط. علَّ أفرادًا من إخوانك يتنبهون إلى ما فيهم من الإيمان الحي فيكبرونك برًّا ويفوقونك عطفًا وإحسانًا.

وما أجمل المباراة في المبرَّات!

التعميم والتخصيص

التعميم والتخصيص، كلمتان شغلتانا شهرين عن نكبة الوطن. كلمتان زرعتا في قلوبنا بذور الشقاق، أبعدتانا — كسوريين — بعضنا عن بعض، بعثتا في جاليتنا النيويوركية نزعات ونعرات كاد يتلاشى ذكرها. كلمتان ألقتا بيننا الأحن والفتن، أضحكتا منا السوريين داخل البلاد، وستحملان السوريين في مصر والأميركيين في هذه البلاد على ازدرائنا واحتقارنا.

التعميم والتخصيص، كلمتان لا يعرفهما الموت، ولا تكترث بهما المجاعة. ولَعمري إن من واجبات السوريِّ الأُولى بل من واجباته المقدسة في هذه البلاد بالأخص أن ينسى أو يتناسى اليوم كل ما يفسد جوهر الأُمور، كل ما يَحُول دون المشروع لإغاثة المنكوبين.

منذ بَاشَرْنَا العملَ وأنا وبعض الإخوان نحبِّذ الاتحاد وننشد الوفاق. قلت — ولا أزال أقول: إن مشروعنا هذا لا ينجح نجاحًا تامًّا دون أن نوحد كلمتنا، ونوحد غايتنا، ونوحد عملنا. وأشهد بالله أني وإخوانًا لي في اللجنة وخارج اللجنة مجردون عن كل غاية سوى الغاية الجوهرية الكبرى من المشروع. وإني لَأرفع هذه الغاية على كل قانون، وكل نظام، وكل فلسفة، وكل حزب، وكل عظيم فينا.

أنا في هذه اللجنة خادم المنكوبين في سوريا، لا المتحزبين والمشاغبين في نيويورك. وطني الجائع، وطني البائس، وطني المشرف على الموت، لا أرى اليوم سواه، ولا أسمع نداء سواه ولا أعرف سواه، ولا أكبر مصيبةً سواه. وفي هذا أنا من المخصصين لا المعممين.

ولا يظن السوريون أني متفرد بهذه العاطفة الوطنية. كلا. إني أرى فينا — في نيويورك وخارجها — كثيرين ممن يقولون قولي، ويشعرون شعوري، ويعملون عملي.

لا يزال — والحمد لله — في الجالية السورية النيويوركية بصيصٌ من الضمير الحي. لا يزال في السوري — على ما فيه من الأنانية الشديدة — عاطفةٌ سامية جميلةٌ تغلو على أمياله وأهوائه. لا يزال — والحمد لله — فينا مَنْ يتطلع من كوى النزعات القروية والسياسية والشخصية إلى اللب دون القشور. فهو إذا قال: بلدتي، وأبناء بلدتي. يعمل في الحقيقة لوطنه، وللجياع في وطنه.

التخصيص والتعميم، كلمتان في كلتيهما حق، وفي كلتيهما تضليل. جميل بالمرء أن يخصص أولًا أبناء بلاده بإحسانه. وأجمل من ذلك أن يتناول إحسانُه غير أبناء بلاده.

ولكننا نحن السوريين من الأُمَم الصغيرة والمستضعَفة. ومع ذلك ترانا نحسن دائمًا إلى سوانا. أذكر أننا في نكبة الطليان في سيسيليا كان سوريو المهجر في مقدمة من مدوا يد الإحسان لإغاثة المنكوبين في تلك الجزيرة. وغيري يذكر غيرها من أمثولات البر التي تبرهن على غيرتنا، على إنسانيتنا، على عاطفة كرم هي من أخص حسنات السوري.

فما بالنا — وشعورنا الإنساني لم يزل حيًّا سالمًا فينا — ننادي بالتخصيص؟ ما بالنا — وكلنا سوريون، سليقة الكَرَم فينا شرقية، وعاطفة البر فينا غريزية — نتقاعس ونتردد في إغاثة المنكوبين في وطننا العزيز؟

إن التخصيص القروي في حالنا، ونحن بعيدون عن الوطن ولا علم لنا بأماكن النكبة ومقدار شدتها في كل قرية؛ لَمن المبادئ الفاسدة نظرًا وعملًا.

أنا من قرية صغيرة في لبنان تدعى الفريكة. سكانها لا يتجاوزون المائة عدًّا كلهم من المزارعين. ولا ريب في أنهم كلهم اليوم في حاجة إلى الإسعاف. فلو قلت بالتخصيص القروي أو البلدي، لوجب عليَّ وحدي في هذه البلاد إغاثة أبناء قريتي. وقد لا أتوفق إلى ذلك. ومثلي — لا شك — كثيرون من القرى الصغيرة في سوريا ولبنان. فهل التخصيص من هذه الوجهة حق، وهل يأتي بالفائدة المرغوبة؟

وهناك سوريون كَثُرَ عددهم، وجزل خيرهم، قاموا يخصون بلدتهم بإحسانهم. وقد لا تحتاج بلدتهم إلى كل ما يجمعونه من المال. فهل يجوز يا ترى أن يمنعوا إحسانهم عمن لا عضد ولا عون لهم؟ وهل يستقيم في عملهم معنى الإحسان الحقيقي؟ إذا كنا ننهض نهضة واحدة — كسوريين — لإغاثة الأجانب في نكباتهم أفلا يجدر بنا اليوم أن نعمل كذلك لإغاثة إخواننا في الوطن؟

التخصيص من هذه الوجهة مبدأٌ فاسدٌ. في مثل هذا التخصيص تضليلٌ وتقصيرٌ، ناهيك عما فيه من الأثرة وحب الذات.

على أننا إذا قلنا بالتعميم في إحساننا، إذا قلنا بإغاثة المنكوبين في وطننا الأشد حاجة منهم فالأشد، ففي قولنا هذا شيءٌ من التخصيص. بل فيه معنى التخصيص الحقيقي. فاللجنة السورية اللبنانية لإعانة المنكوبين إنما هي لجنةُ تخصيص بالنسبة إلى اللجنة الأميركية العمومية. وهذا التخصيص في التعميم إنما هو المبدأ الوطني الذي لا يزال سائدًا معزَّزًا في العالم. وجديرٌ بالأُمم المستضعَفة — في الأخص — ألا تسترسل إلى نزعة هي أصلًا بدوية، نزعة القبائل التي يُقال فيها: «إن عيشها في رماحها» كل قبيلة، بل كل عشيرة، بل كل بيت لنفسه.

إن ضعفنا كأُمَّة صغيرة لَمِنْ دواعي الشدة التي نحن فيها. فكيف بنا إذا جَزَّأْنَا ضعفنا مائة جزء، لا صلة بعضها بين البعض ولا عاطفة وطنية أو عاطفة إحسان تربط بعضها بالبعض. إنما هذا عود إلى البداوة أيها الناس ونحن عن البداوة اليوم بعيدون. فأناشدكم بالله أن نعمل كأُمَّة جمعتْ كلمتها ووحدت غايتها؛ ليكون لنا من ضعفنا شيء من القوة.

قلت إن لا يزال في الجالية السورية النيويوركية بصيص من الضمير الحي، من الإحسان الحقيقي، قد يستحيل غدًا لهبة جميلة، بل نورًا سماويًّا. وبرهاني على ذلك آخُذُه من قانون بعض اللجان الخصوصية التي أُنشئتْ لغاية محدودة ولوقت محدود، فهي كلها تعترف بوجوب بل بوجود لجنة عمومية. وتقرر في قانونها أنها لا تناهض عقدها، بل تعضد كل مشروع وكل لجنة عمومية لإعانة المنكوبين. فهذا بصيص من الضمير الحي حول رماد الغايات الذاتية، والمآرب الخصوصية والمنافسات السياسية.

إخواني السوريين: لست — وأيم الله — ممن يحملون عليكم بالتشنيع والتقريع. إني لَعالم بضعفنا وبمواطن الضعف في سوانا من الشعوب. فلا فائدة اليوم في التأنيب والتثريب.

قلت: إن اللجان الخصوصية أُنشئت لغاية محدودة ولوقت محدود، ولا ريب عندي أنها كلها اليوم أجزاء حية عاملة مخلصة من اللجنة العمومية. وغدًا — إن شاء الله — تجتمع الأجزاء وتتوحد وتتدعم في اللجنة السورية اللبنانية لإعانة المنكوبين.

لجنة واحدة في نيويورك لا غير، لجنة واحدة عمومية. وسيحق لنا — إن شاء الله — أن نفتخر بها، وبنتيجة مسعاها. لجنة واحدة نُباري فيها لجنة إخواننا في مصر. لجنة واحدة تبرهن للسوريين في الوطن وفي المهجر أننا كلنا اليوم نعمل يدًا واحدة، وقلبًا واحدًا، وروحًا واحدة.

قد جمعتنا النكبة أيها الإخوان فقمنا نسعى للمنكوبين في الوطن أين كانوا. في بيروت أو في لبنان، في الشام أو في طرابلس، في حمص أو في حلب، وللمنكوبين من كانوا مسيحيين أو مسلمين. قد جمع الجوع بين أبناء الوطن، فليجتمع أبناء الوطن على الجوع.

كتاب إلى صحافي

حضرة الصديق الفاضل محرر جريدة …

أدهشتني منك كلمة في مقالك «إعانة المنكوبين» بل أحزنتني. قلت — أعزك الله ولا أعز مقالك: الأمر المهم الآن هو أن يؤلف اللبنانيون المهاجرون لجان إعانة محلية — أي: أن أبناء كل قرية لبنانية في المهجر يؤلفون لجنة … إلخ.

فيا صديقي الذي كان حُرًّا، هل أنت حقًّا من دعاة الوطنية الجديدة؟ هل أنت من المُبَشِّرين بالروح القومية التي لا تعرف التقسيم والتحزب؟ هل أنت من أنصار المبادئ الوطنية الشاملة العامة؟ هل أنت حر تسير أمام قرائك إلى الأمام؟ هل أنت من قادة الرأي العام الذين سيُذكرون في المستقبل إذا ذكر البناءون والمصلحون؟ إذا كنت كذلك فالرأي الذي أبديته لا ينطبق قطعًا على المبادئ التي نحن ننصرها ونسعى في تعزيزها. إذا كنت كذلك فاقتراحك تأسيس لجان محلية اقتراحٌ مضرٌّ بخطة وطنية طالما فاخرتَ بها وجعلتها شعار جريدتك.

إن بليتنا الكبرى يا صديقي لَهي في التفريق والتقسيم والتحزب، في التفريق الجنسي، والتقسيم القروي، والتحزب الديني، بليتنا أننا لا نفكر في أُمورنا الوطنية كوطنيين، كسوريين، بل كشويريين وكسروانيين ومرجعيونيين ودمشقيين … إلى آخره من السخافات والضربات القروية. وما زلنا نفكر كذلك ونعمل كذلك، وما زال فينا مِنْ قادة الرأي العام أناس يؤيدون هذه الفكرة السخيفة العقيمة الذميمة، فلا أمل — والله — بوطنية ننشدها، ولا رجاء بتحقيق مبادئنا القومية الجديدة.

الفكرة القروية يا صديقي إنما هي السبب الأول في تقهقرنا وانحطاطنا، في شقاقنا وضعفنا وفسادنا، الفكرة القروية فكرةٌ سخيفةٌ عقيمةٌ، خسيسةٌ ذميمةٌ. إن الفكرة القروية لَمن أكبر أعداء الوطنية. فهل أنت وطني أم قروي؟

إذا سمحت لي أن أُجاوب عنك أقول بعد الجواب: لا تغمد سيفك إذًا إلى أن تُصرع الفكرة القروية فنراها أمامنا مائتة. إن سم هذه الفكرة لَمن أخبث السموم، ومن أول نتائجه أنه يسري إلى البصر فيجعل صاحبه قصير النظر. خذ لك مثلًا: قصدت الحكومة اللبنانية مرة تبني طريق عربات بين قريتين وقررت أن يتقاسم أهل القريتين النفقات مناصفة، فاحتج أحد الفريقين، أنهم لا يدفعون إلا ربع المصاريف؛ لأنهم لا يسافرون كثيرًا مثل سكان القرية الأخرى!

أَمِثل هذه العاطفة تُدعى يا ترى عاطفة وطنية؟ أَوَبمثل هذه العاطفة تُشيد أعلام العمران وتُرفع أركان المدنية؟ إذا كنا لا نرى في التكافل والتضامن مصلحتنا الخصوصية التي تتألف منها المصلحة الوطنية، فتربيتُنا السياسية ناقصةٌ فاسدة، ووطنيتنا من زخرف الكلام الذي قلما نُحْسن سواه.

ساعدنا يا صديقي لننفي عنا هذه التهمة، ساعدنا لنقتل الفكرة القروية، التي هي عدوة الوطنية. ساعدنا لنعزز — قولًا وعملًا — المبادئَ القومية الجديدة التي لا تعرف التقسيم والتحزُّب والتفرقة، ساعدنا لنزرع في العقل السوري بذور الحقيقة السياسية الكبرى، وهي هذه: المصلحة الوطنية تتألف من المصالح الخصوصية، والمصالح الخصوصية لا تقوم إلا بالتضامن والتعاون، الفرد للكل والكل للفرد، فإذا عملنا بهذا المبدأ صرنا أُمَّةً ذات شأن، وإلا فعلى آمالنا الوطنية السلام.

١  نشرت في جريدة من جرايد المهجر سنة النكبة في سوريا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠