سوريا ولبنان

لا شيء بلا شيء

حقوق الشعوب الصغيرة، حرية الشعوب الصغيرة، استقلال الشعوب الصغيرة؛ كلماتٌ يُردِّدها اليوم السياسيون والمصلحون في العالم المتمدن، ويردد صداها زعماء الشعوب الصغيرة وكُتَّابهم دون أن يدركوا أسبابها ويتدبروا معناها. ونحن السوريين من هؤلاء الشعوب وفينا من مرددي الصدى كثيرون، منهم المتحمس السليم النية الذي يقيس أُمُور بلاده بأمور بلادٍ أقام فيها وجهل تاريخها وتقاليدها، ومنهم الشاعر الناثر الذي يظن أن الكمالات في نظم القصائد وتحبير المقالات، ومنهم الصحافي الذي لا يهمه من الوطنية والاستقلال إلا ما جاء منهما في شكل الدينار، ومنهم التاجر الذي يجهل حتى تاريخ بلاده ولا يعلم من حوادث الماضي والحاضر إلا ما تنشره وتمسخه الجريدة التي يطالعها. وكلهم وطنيون إما قلبًا وإما قالبًا فقط، كلهم على اختلاف نزعاتهم وتبايُن مقاصدهم، ينشدون الحرية ويطلبون الاستقلال.

وقد فاتهم أنْ لا شيء بلا شيء، لا شيء مجانًا.

حقوق الشعوب الصغيرة، حرية الشعوب الصغيرة، استقلال الشعوب الصغيرة. مَلِيحٌ. على الرأس والعين، وقد طالما بشَّرنا بهذه المبادئ وطالبنا بها بين قومنا في الوطن — حتى في عهد عبد الحميد — وبين الأميركيين في هذه البلاد، ولكنه، وإن أكبرنا نظرية فيها الحقيقة، لا يفوتنا عملية فيها حقيقة أُخرى، فمن النظريات التي نعتقد بها ونُثبتها في الناس باللغتين العربية والإنكليزية أن ينبغي أن يكون للشعوب الصغيرة ما للشعوب الكبيرة من الحقوق المدنية والسياسية والدينية والاجتماعية.

على أنه إذا طالعنا التاريخ وتدبرنا مغزاه يتضح لنا أن الشعوب الكبيرة إنما نالت حقوقها بالسعي والجهاد، بالعلم والتهذيب، بالتضحية والمفاداة، وأن لها من القوة المادية والمعنوية ما يمكنها من حفظ هذه الحقوق والدفاع عنها عندما تهضم أو تمتهن، أجل، قد نالت حقوقها بالسيف وصانت حقوقها بالسيف، هذا ما يعلمنا التاريخ، هذا ما تعلمنا حوادث اليوم، بل هذا هو معنى الحرب الحاضرة.

وما كان في الماضي بالنظر إلى هذه الأُصول الاجتماعية والوطنية سيكون أيضًا في المستقبل، فكيف ننال حقوقنا نحن السوريين؟ أنظن أنها تجيئنا مجانًا من هذه الدولة أو من تلك الأُمَّة؟ أنظن أنها تُهدى إلينا لوجه الله أو من أجل الإنسانية والمبادئ الدموقراطية؟ لا شيء بلا شيء، لا شيء مجانًا، الحرية لا تُشْرى إلا بالدم، الاستقلال لا يُنال إلا بالتضحية.

إذا طلبنا الحرية والاستقلال إذن فبالسيف ينبغي أن نطلبهما، وإذا تم لنا ذلك فبالتهذيب والوحدة الوطنية نحافظ عليهما، قف معنا عند هذا أيها القارئ … إننا لا نكتب شغفًا بالكتابة ولا نتحرى في ما نكتبه مجرد الألفاظ الرنانة والتنميق الفارغ. إن في كل كلمة فكرًا نريده ونحب أن نقدمه جليًّا للقراء، قلنا بالسيف ينبغي أن نطلب حريتنا، أما إذا طلبناها اليوم بغير السيف، إذا طلبناها بالكلام، بالكتابة، بالعرائض، وإن كنا متحدين في ما نطلب، فلا ننال منها إلا شبه الحرية. أي: الحرية الناقصة المقيدة بإرادة من ساعدونا لننالها والمقيدة كذلك بمصلحتهم السياسية، وهذا معقول؛ لأن الطبع البشري وإن تغيرت الحكومات لا يتغير، ومن الحقائق الطبيعية أن كل شيء بين الناس وبين الأُمَم متبادَل، لا شيء بلا شيء، لا شيء مجانًا.

أنت مثلًا مظلومٌ، وظالمك أقوى منك، فلا تستطيع وحدك أن تنال حقك منه، ترى نفسك بين أمرين، الطاعة أو التمرد، فتعيش في الحال الأولي عبدًا وقد تموت في الثانية حرًّا. أما إذا أحببت أن تعيش حرًّا فتستعين على الظالم بجارك القويِّ، فيقول لك الجار: يدي ويدك عليه، فإذا قلت: لا أستطيع أن أُقاتل، يقول هو في نفسه سأُقاتل إذًا عنه وأتقاضاه من عمله وحريته شيئًا لقاء ما سأبذله في سبيله. وقد يقول لك: سأُقاتل إذًا عنك من أجل الإنسانية، فتقول: نِعم الجار، لو لم يكن دمي من دمه لَمَا كان يقاتل عني ليحررني من ربقة الظلم. ولكن الحقيقة هي أنه لا يقاتل عنك إلا إذا كان له غرضٌ فيك.

هذا كلامٌ صريحٌ يفهمه من يقرأ ولو ماشيًا، ونُحب أن يتدبره السوري ويجرد نفسه من الأوهام، لا شيء بلا شيء يا أخي، لا شيء مجانًا.

لننظر إذن في الحال التي نحن فيها الآن، نحن كأُمَّة محرومون حريتَنا واستقلالَنا، حريتنا بيد الأتراك، واستقلالنا بيد الدول المتحالفة، فهل نستعيد حريتنا بمجرد أن نطلبها من الأتراك؟ وهل ننال استقلالنا بمجرد أن نطلبه من الدول؟ هذا غير معقول.

أما إذا وَعَدَتْنا دولة من الدولة بحريتنا واستقلالنا ودعتنا إلى الجهاد معها في هذا السبيل فهل تظنها تفعل ذلك إكرامًا لسواد عيوننا؟ تركيا عدوة الأحلاف اليوم فمن مصلحتهم أن يتغلبوا عليها، أن يسحقوها، ومن مصلحتنا كذلك، ولكن إذا جاءتنا الحرية بهذه الطريقة السلبية فلا نحن مستحقونها ولا نحن نستطيع أن نُحافظ عليها، والحقيقة أنها لا تجيئنا صافيةً تامة إلا إذا كان لنا يدٌ في الجهاد في سبيلها.

علينا إذن أن ندعو إلى التطوع، وعلى القادرين منا أن يتطوعوا في الفرقة الشرقية، ذلك لأن الفرقة الشرقية وإن تكون إفرنسية فهي مؤسسة باتفاق خصوصي بين فرنسا وحليفاتها، ونحن ممن يعتقدون بصحة هذا المشروع، بوجوب هذه الحركة، بقداسة هذا الواجب، نحن ممن يدعون السوريين إلى التطوع؛ لأن التطوع اليوم إنما هو الخطوة الأُولى إلى تحريرنا وتحرير بلادنا، بل الخطوة الأُولى نحو استقلالنا التام في المستقبل.

التطوُّع لازمٌ إذا كنا نريد حرية واستقلالًا، التطوع لازمٌ إذا كنا نُريد أن نكون أُمَّة من الأُمَم الراقية المتمدنة، التطوُّع لازمٌ إذا كنا نُحب أنْ نتحرر من ربقة الظالمين السفاحين. التطوع لازم إذا كنا نتوقع ممن ساعدنا من الدول أن تشاركنا بثمار النصر على العدو، التطوع لازم إذا كنا ندرك الحقيقة الأولية في التعاون والتضحية، التطوع لازم إذا كنا نُريد أن نكون أسياد أنفسنا وأصحابَ الرأي والعمل في شئوننا، وإذا كنا لا نضحي بشيء في سبيل حريتنا فلا نحن نستحقها ولا هي تليق بنا، إذا كنا لا نُفادي بأنفسنا في سبيل الوطن فلا حق لنا به ولا حق لنا أنْ نعترض على من يحررونه ويعمرونه.

نيويورك، في ١٠ تشرين الأول، سنة ١٩١٧

لنا ولكم

لا غِنًى للأُمم بعضها عن بعض وبالأخص المتجاورة منها، وما من أُمَّة مهما عظُم شأنها تستطيع أن تعتزل العالم فتقول لبقية الأُمَم: لا حاجة لي بكنَّ ولا حاجة لكنَّ بي، فالتبادلُ سُنَّة الاجتماع، والتعاضد سنة العمران. قد كان للصين سور هدمته التجارة، وقد كان للشرق نطاق من التقاليد والخرافة قوَّض التمدنُ قسمًا منه كبيرًا.

الأُمَم والشعوب في حاجة بعضها إلى بعض، والتعاون والتبادل من سنة الرقيِّ والنجاح، أجل، وسيكون لهذه السنة بعد الحرب شأنٌ عظيمٌ، سيكون لها من المكانة والنفوذ ما لم يكن لها قبل الحرب، كيف لا والمخلصون النزيهون من المصلحين ينادون اليوم بالاتفاق الدولي وبالتحالف العام؟ لا يضر التضامن بالاستقلال بل يساعد في تعزيزه، ذلك لأن الاستقلال الذي يضرب نطاقًا وهميًّا أو سياسيًّا أو تجاريًّا على أُمَّة ما لا يلبث أن يتلاشى بتلاشي قوى تلك الأُمَّة وخيراتها.

الشعوب لا تحيا إلا بمبادلة ثمار سعيها، والأُمم لا ترتقي إلا بمبادلة ثمار العلم والعمل فيها، فإذا كانت هذه سُنَّة العمران بين الأُمَم المستقلَّة بعضها عن بعض، حكمًا وسياسةً، فكيف بها بالشعوب التي هي من دم واحد وقُطْر واحد ولغة واحدة؟

السوريون من الشعوب المستضعَفة وهم لذلك في أشد حاجة إلى التفاهم والاتحاد، إلى التعاون والتضامن، لا حياة لنا إذا تقسمنا وتجزأنا أحزابًا وطوائف، مذهبًا وعصبيةً، بل في انقسامنا واعتزالنا بعضنا بعضًا موت الوطنية التي لم تزل في المهد، في انقسامنا بابٌ لاحتلال أجنبيٍّ لا حد له ولا شروط تقيده، وقد حان لنا أن نفهم ذلك.

فينا اليوم فريقان بل حزبان، حزبٌ رسم دائرةً صغيرة وقال: هذي هي بلادنا، هذي هي دائرتُنا، وكل مَنْ كان على غير مذهبنا هو خارجُ الدائرة، وحزبٌ رسم دائرة كبيرة حول الدائرة الصغيرة وقال: هذي هي بلادنا، وهذي دائرتُنا تضم دائرتَكم وتصونها. أصحاب الدائرة الأولى يقولون: لنا وحدنا. وأصحاب الدائرة الثانية يقولون: لنا ولكم. الدائرة الأولى لبنان، والدائرة الثانية سوريا. الأولى رمز لمبدأ النهضة اللبنانية، والثانية رمز لمبدأ الوحدة السورية.

فأي المبدأين أصحُّ أيها القارئ؟ وأي المبدأين تعتنق؟ المبدأ الثاني مبنيٌّ على الفكرة الاجتماعية السديدة أنْ لا حياة للشعوب الصغيرة المستضعفة إلا بالاتحاد، بالتعاون والتضامن، والمبدأ الأول مبنيٌّ على الفكرة الطائفية التي لا ترى الحق في غير الاعتزال، والتي أَمْسَتْ عند الأُمَم المتمدنة ضربًا من التقليد أو أثرًا من الآثار.

المبدأ الثاني مبنيٌّ على السنة الأساسية لا شيء بلا شيء، فإذا ساعدنا من يرغب بتحريرنا مِنْ ذوي الصولة والاقتدار ننال الصافي من غايتنا، وإذا ترددنا وانقسمنا وتفرقنا فلا ننال من حريتنا إلا ما تمنحنا إياه الدولة المتغلبة أو ما تراه موافقًا أولًا لمصلحتها. أما مبدأ أصحاب الدائرة الضيقة الصغيرة فمبنيٌّ على وهم أن فرنسا مثلًا تساعدنا وإن كنا لا نحرك ساكنًا في سبيل أنفسنا، وأنها تمنحنا حريتنا واستقلالنا — هذا إذا فازت بطرد العدو من بلادنا — حبًّا بتقاليد قديمة طوى ذكرَها الدهرُ، أو إكرامًا للصليبيين، لا أظن السوريين يؤخذون بمثل ذا التمويه.

لا شي بلا شيء — كما قلنا في مقال بنا سبق — والحقيقة التي ينبغي أنْ تكون فوق كل مصلحةٍ وكل سياسة هي: أن فرنسا تبتغي من بلادنا شيئًا لقاء ما ستُضحيه في سبيلنا، وهذا حقٌّ لا ينكره إلا المكابرُ أو الدجال، لنفرض إذًا أن اللبنانيين استقلوا استقلالًا تامًّا تحت رعاية فرنسا — كما يزعم المضللون — فماذا في لبنان من وسائل العمران التي نستطيع أن نُبادل فرنسا بها لقاء رعايتها؟

إي أصحاب الدائرة الصغيرة، أصحاب الفكرة البدوية العقيمة، إي إخواننا القائلين بمثل هذه اللبنانية، كيف نصون ديارنا ونحمي ذمارنا إذا اعتدى الجيران علينا؟ بل كيف نُحافظ على استقلالنا إذا حاولت الأكثرية في سوريا وهي من المسلمين أن تنزعه منا؟ بل قُولوا لنا كيف نصون حدودنا البرية والبحرية؟ أَبِأُسطول فرنسا؟ أبجنود فرنسا؟ وهل يُعقل أن فرنسا تبذل من مالها ودم أبنائها في سبيل استقلالنا لمجرد كوننا من سليلة الصليبيين — كما يزعم الزاعمون؟ أيظن الناس أننا على هذا المقدار من السذاجة؟ لنجردْ أنفسنا من الأوهام، لنقلعْ ساعة عن التضليل والتدجل، ولْنفكر في معنى الاستقلال تحت رعاية فرنسا أو غيرها من الدول.

نحن في زمن ساد فيه مبدأ الاقتصاد وعلت على كل نزعاته المصالح الصناعية والعمرانية والمالية، فإذا كانت فرنسا أو غيرها من الدول ترغب في بسط حمايتها على شعب من الشعوب فلا تباشر في تحقيق رغبتها إلا إذا كان في بلاد هذا الشعب أبوابٌ لمشاريع صناعية، ومصادر تجارية واقتصادية، تقوم بنفقات هذه الحماية أو في الأقل ببعضها، هذا من أصول الحماية أو الاحتلال أو الاستعمار، ولا يخفى علينا أن فرنسا بعد هذه الحرب تكون في حاجة إلى المال شديدة، وكفاها ما في بلادها من الأرض الخراب والمدن المتهدمة التي يجب ترميمها وتعميرها، فهل تظنها أيها الأخ اللبناني تنفق من فضلاتها علينا وعلى بلادنا إكرامًا لسواد عيوننا أو إكرامًا لكوننا — كما يزعم الدجالون — من سليلة الصليبيين؟

لا شيء بلا شيء، لا شيء مجانًا. مبدأ قويم سديد لا ينكر صحتَه إلا الجهلاءُ أو المضللون، وإذا بسطت فرنسا حمايتها على بلادنا فلا مشاحة أنْ سيكون لها يدٌ كبيرة في تعمير البلاد واستثمار موارد الرزق فيه لتُنفق منها على ما تقتضيه الحماية من النفقات. وهذا عدل؛ لأننا إذا كنا عاجزين اليوم عن نيل حريتنا واستقلالنا وحدنا، وإذا كنا راغبين في أن تبذل دولةٌ من الدول شيئًا من قواها في سبيلنا، فالتبادل بالمنافع واجبٌ، وإذا كانت بلادُنا خالية مثلًا من سُبُل العمران ومصادر الرزق فلا يَغُرَّنَّنَا أن الدولة التي ستساعدنا تمنحنا حرية خالصة من كل شائبة، وتهبنا استقلالًا تامًّا صافيًا لوجه الله.

لذلك نقول: إن الفكرة اللبنانية، بل الفكرة القومية الطائفية، هي فكرة قديمة عقيمة، هي لو عمل بها اليوم ضربةٌ قاضية علينا، فقد كانت سبب تقهقرنا وبلائنا في الماضي، وستكون إذا سادتْنا سببَ تقييدنا في المستقبل، ولكننا واثقون بتعقُّل المستقلين رأيًا وعملًا من اللبنانيين، فسينبذون — ولا شك — هذه الفكرة آجلًا أو عاجلًا وسينبذون كُلَّ مَنْ بَشَّرَ بها إما جهلًا وإما تضليلًا.

وايم الله، ليس أحدٌ أشد غيرة منا على لبنان، وليس أحدٌ أشد رغبةً منا في أنْ يكون للبنان استقلالٌ نوعيٌّ على شكل ما كان له في الماضي، بل أبعد قصدًا من ذاك النظام وأمتنُ أساسًا. فنحن ممن يُطالبون باستقلالٍ محليٍّ لا يَخرج عن الرابطة الوطنية، فيكون لنا الحق مثلًا أن ننتخب والينا أو متصرفنا منا ويكون لأهل الشام وأهل حلب وأهل فلسطين نفسُ الحق ونفس الاستقلال. ولكننا نكون كلنا مرتبطين بالرابطة الوطنية، خاضعين لحكم وطني وحاكم عام، عاملين بسنَّة التضامن والتعاون التي هي سنة الاجتماع وسنة العمران.

لبنان، لبنان! قد زهَّدنا إخواننا السوريين بلبنان، كأن لأهل لبنان حقًّا لا حق به لغيرهم من السوريين، يا لها من عصبية تذل، يا لها من لبنانية ضيقة، إن السوري أخي والمسلم أخي، وإن الحق الذي أتمتع به وحدي لَيُضعفني أدبيًّا؛ لأنه يثير المحروم منه عَلَيَّ فيضطرني إلى أن أُقاتله ظلمًا وعدوانًا.

سوريا واحدة لا تتجزأ، فإذا نال السوري حريته ونوعًا من استقلاله يشمل ذلك اللبناني والفلسطيني، المسيحي والمسلم والدرزي على السواء. والذي يخاف من مثل هذه المساواة هو ضعيفٌ عاجزٌ لا ثقةَ له بنفسه، ولا هو أهلٌ للحرية ولا الاستقلال.

وإذا كانت فرنسا لا تستطيع أن تبسط حمايتها على سوريا كلها فهي لا تبسطها على لبنان وحده، والمستقبل شاهد على ما نقول.١

بين شاعر وعالم

في صفحة واحدة من «مرآة» اليوم قصيدةٌ ومقال يستحقان الذكر والإعجاب، أما القصيدة فلصديقي الشاعر أبي ماضي، وهي من جميل شعره مبنًى ومعنًى، إلا أنه يَندب فيها آماله الغوالي وأحلامه الحسان.

وأما المقال فلصديقٍ آخرَ اجتمعتُ به لأول مرة في باريس وقد استصحبه والدُه ليلقي عليه درسًا من لوح الوجود في التمدن الغربي وما فيه من محاسنَ وآفات، فشمت في زيدان الصغير حينئذ نفسًا سماعة، وفكرة واعية جلية، وهو اليوم صاحب الهلال يعالج في المقال الذي نقلته «المرآة» موضوع اليوم، فيبرهن بأجلى حجة على وجود الوحدة السورية الجغرافية والقومية.

القصيدة «زهرة من أقحوان» إنما هي أنشودة يأس تطرب وتحزن، والمقال «سوريا على مفترق الطريق» إنما هو نبراس علم ينير ولا يثير، وفي هذا كما في تلك وطنية صادقة صافية لا أذناب لها، ولا غبار عليها، على أن في القصيدة — كما في المقال — شائبةٌ تُعَدُّ نقصًا في نظر أُولي النهى والعرفان.

صاحب الهلال الشاب يحذو حذو أبيه في الإنشاء والتهذيب، فلا يمس في مباحثه الشخصيات شأن العالم الحقيقي، ولكنه يتحاشى حتى التقيةِ الإساءةَ إلى أحد من الناس، أو إلى حزب من الأحزاب، أو إلى طائفة من الطوائف.

بَحَثَ في المقال الذي نشرته «المرآة» في الوحدة القومية بحثًا علميًّا فوقف فيه عند حد المزالق والأخطار، ولم يُبد لنا رأيًا في حل مشكل المشاكل السورية، ولا أشار إشارة إلى طريقةٍ ما تُمكننا من التوصل إلى الوحدة القومية. ولعله كتب مقالًا آخرَ لم أَطَّلِعْ عليه يدلنا فيه — بعد أن وصف الدواء — إلى مَنْ يُحسن تركيبَ أجزائه، على أنه أَكَّدَ لنا في مقاله هذا أن «ليس من شأن الهلال خوض ميدان السياسة التحزُّبية»، والسياسة اليوم لا التهذيب قابضةٌ على نفس سوريا وعلى عقلها وعلى موارد تجارتها وعلى خيراتها الدفينة، فكيف يمكنَّا أن نُخلص بلادنا من قبضة السياسة التحزُّبية؟ أو كيف يمكننا — في الأقل — أن نجعل يد السياسة عليها يَدَ برد وسلام، يد حكمة واتحاد ووئام؟ هذا هو القسم الثاني بل القسم الأَهَمُّ من مقال صاحب الهلال تَرَكَه — على ما أظن — لغيره من الكُتَّاب، وسنكتبه عنه — إن شاء الله.

أما الآن فأعود إلى القصيدة التي راقتْني جدًّا، قد أجاد إيليا أبو ماضي شعرًا وأحسن خيالًا، ولكنه خدع نفسه والقارئَ معًا في استسلامه في أول القصيدة إلى القنوط، قد ظن نفسه يائسًا، ظن رأيه دفينًا، ظن فكره ذبيحًا، ولكن ربة الشعر أَتَتْهُ بمعجزة من معجزاته فأَرَتْهُ في النهاية يَأْسَه الدفين وقد نوَّر أملًا جديدًا.

ساقني روحٌ خفي
نحو ذَيَّاك المكان
فإذا بالسر أضحى
زهرة من أُقحوان

زهرة الأمل ما أجملها، وإن كانت بنت يوم تجدد حياتها الأيام، لا يا أخي الشاعر، آلهةُ الشعر لا تعلم اليأس، وربة النبوغ لا تعرف القنوط.

بكى أرميا أورشليم، وأورشليم لا تزال على وجه الأرض، ولعن أشعيا إسرائيل وإسرائيل، لا يزال حيًّا يعد النقود ويصيغ منها قيودًا للناس!

ابسم يا صديقي الشاعر للأيام وإن كانت عصيبة، القنوط سم للنفس، والبكاء لا يفيد الأُمم، ولا يخفى عليك أَنَّ مِنْ شأن الشاعر في المواقف الوطنية أن يشحذ النفوس ولا يكسرها، أن يُنير القلوبَ ولا يحرقها.

وأنت يا صديقي العالم أكرمْ بك وأنعمْ من بَحَّاث نَقَّاد مجرد من الغايات النفسية والمآرب السياسية. ولكن البحث في شئون الأُمَم بحثًا علميًّا لا يفيد وحده، التعليل حسن، وإزالة العلل أحسن، ونور الشمس للعليل خير من الاثنين، أجل، إن العلم الصحيح ما أقام إلى البناء دليلًا، وأَوْجَدَ إلى العمران سبيلًا.

قرأتُ قصيدة أبي ماضي فقلتُ في نفسي: إن اليأس في من يحسن مثلَ هذا الشعر، ويتجلى له مثلُ هذا الخيال لَمِنَ المخيرات لا المصيرات، هو يأس اختيار لا يأس اضطرار.

وكنت وأنا أُطالع مقال زيدان الابن أَتُوق دائمًا إلى شعلة حماس في حججه الدامغة، والحماس لا يشين علم العالم، وإن كان مثل الشاعر فوق الأحزاب، وإن موهبة الواحد في نظري لهي شطر من موهبة الآخر.

العالم عين الأُمَّة والشاعر روحها، وإن أُمَّة فيها عالمٌ واحدٌ وشاعر واحد لَأُمَّة حية راقية، لا تضمحل وإن تشتت أبناؤها في أربعة أقطار العالَم. فعلى الشاعر أبي ماضي وعلى العالِم زيدان؛ سلامٌ من أخٍ لهما، يَحزن لِمَا صارت إليه بلاده ولكنه لا يبكيها ولا يندبها، فإن أُورشليم رغم مراثي أرميا لا تزال على وجه الأرض، وإسرائيل رغم تشتت أبنائه لا يزال حيًّا عزيزًا بما له من نُفوذ في بلاد الله، وسوريا أُخت أُورشليم، والسوريُّ جنسًا — في الأقل — ابن عم إسرائيل.

نحن اليوم في موقف يستوجب — فوق كل شيء — الشجاعةَ والصبر، ثم الشجاعة والصبر، والسياسة وإن بلبلت شعبًا ما فهي لا تستطيع استئصاله. أجل، إن الأُمَّة التي لا تقنط لا تموت، فإذا حُرمنا نحن اليوم التمتعَ بأمنيتنا الوطنية لا بد — إذا واصلنا الجهاد في سبيلها — أن يتمتع بها أبناءُ سوريا في المستقبل.

التطور والاستقلال

أنا سوري أولًا، ولبناني ثانيًا، وماروني بعد ذلك، أنا سوري أنشد الوحدة السورية، القومية، السياسية، الجغرافية. أنا سوري أُجلُّ مسقط رأسي لبنان، وأحترم مصدر لغتي العرب، وأستوكل في ديني الله وحده. أنا سوري لبناني أفتخر ببطولة المردة، كما أني أفتخر بصدر الإسلام وبمجد بني أُمية في الأندلس، أنا سوري لا ينسى نهضة العرب على الأتراك ومن شاركهم بها واستبسل في سبيلها من السوريين واللبنانيين، ولن ينسى شهداء الوطن وما قاساه اللبنانيون من الأهوال حبًّا بفرنسا والفرنسيس. أنا سوري يودُّ أن يرى في سوريا حكومةً دستورية لا مركزية، أساسها العدل والمساواة بالحقوق والواجبات، وعمودها الوحدة الجنسية الجغرافية.

أنا سوري لبناني أعتقد بفصل الدين عن السياسة فصلًا تامًّا دائمًا، لا قولًا فقط بل فعلًا وشرعًا؛ لأني مدرك — كما يدرك كل عصريٍّ عاقل حر — أن حجر العثرة الأول في سبيل الوحدة القومية إنما هو التحزُّب الديني. أنا سوري لبناني ماروني أنظر إلى الماضي مُوَدِّعًا، وأتطلع إلى المستقبل مسلِّمًا مستبشرًا.

قلت مرارًا ولا أزال أقول بفصل الدين عن السياسة، قلت مرارًا ولا أزال أقول برفع العصبية الوطنية على العصبيات الدينية كلها. كان السوريون في الماضي — ولا يزال أكثرهم اليوم — ينتسبون أولًا إلى دينهم، ثم إلى مسقط رأسهم، ثم إلى وطنهم فيقول اللبنانيُّ الماروني: أنا ماروني شبابي مثلًا لبناني. ويقول الدمشقي المسلم: أنا مسلم دمشقي سوري، فقلبت الآية لتوافق روح الزمان بل روح التطور والعمران. ولا خلاص لنا من التحزبات الطائفية، المبددة، المهلكة، إلا بنموِّ هذه العاطفة الجديدة فينا. الوطن أولًا في قلب من يُحبُّ الوطن حقًّا ويُجاهد في سبيله، والطائفةُ أولًا في قلب من يتشدق بحب الوطن وهو لا يريد بالوطن غير طائفته.

هب أن زعماء الطوائف السورية كلها اتفقوا في حكومة واحدة سورية وقاموا يؤسسونها كإسلام ومسيحيين بل كسنيين وشيعيين ودروز وموارنة وأرثوذكس ويهود؛ فاتحادهم لا يدوم طويلًا، وإذا دام لسبب ما يظل متزعزعًا واهيًا لا يؤلِّف من القوميات الدينية قوميةً واحدةً وطنيةً، لا، لا. ما زال المسلم في دار الأحكام مسلمًا، والمارونيُّ مارونيًّا، وقس على ذلك. ما زلنا أُمَّة مقسَّمة عاجزة تُؤْثر صالح الطوائف على صالح الوطن، بل تفضل المآرب الذاتية على الصوالح العمومية.

إني ممن يعتقدون، على كل ما حدث في سوريا في السنة الماضية٢ أن التطور سنَّة طبيعية، وأن فصل الدين عن السياسة من نتائج التطور السياسي والديني؛ لذلك لا أُوافق إخواني اللبنانيين في استقلالٍ ينشدونه غير مدركين أن نصفه وهم ونصفه تعصب ديني. كما أني لا أوافق مواطنيَّ الدمشقيين في استقلال تام ناجز يطالبون اليوم به وهم في حاجة إلى مال الأوروبيين وعلم الأوروبيين في بادئ أمرهم، بل هم في حاجة إلى جُنْدٍ مُنَظَّم يستأصل شأفة العصابات المجرمة ويُوجِد الأمن والطمأنينة في البلاد.

أجل، إني لم أزل أعتقد بمشارفة أوروبية إلى أجل محدود؛ حتى يطمئن المسيحيون إلى إخوانهم المسلمين فتنمو بين الشعبين تدريجًا ثقةٌ تمكِّنهم من التآلف والاتحاد. فإذا كان إخواننا في دمشق شريفين نيةً، مخلصين عملًا، فليفتحوا قلوبَهم وعقولهم إذًا وليرحبوا بمن يُريد مساعدتهم.

إنهم يطالبون اليوم بالوحدة السورية، ويَعِدُوننا بحكومة دستورية حرة مؤسَّسة على سنن الدمقراطية بل على سنن العدل والإخاء والمساواة، نعم الغاية غايتهم، ولكن حكومة مستقلة في قلب بلاد يستولي الغير على أبوابها البحرية لا تفي بواجب الاستقلال، ولا تنعش أملًا في حياتنا الوطنية، فاللبناني وهو يستنجد الإفرنسي مذعورٌ خائف، مذعور مما حدث، وخائف مما قد يُعاد من ماضٍ أليم.

فيا إخواني الدمشقيين، قولوا لفرنسا — إذا كنتم مخلصين في ما تطلبون وتعدون: إننا نود أن نكون وهذا الشعب اللبناني أُمَّةً واحدة لهم ما لنا وعليهم ما علينا، بل عليهم أقلُّ مما علينا إكرامًا لتقاليدهم وعملًا بما تُوجبه طبيعةُ بلادهم. تعالَي إذن راقبينا خمس سنوات مثلًا فتتأكدين حسن نيتنا وتتحققين — إن شاء الله — حسن عملنا. إننا لنرحب بك يا فرنسا إذا ساعدتينا في تعزيز الوحدة القومية الجغرافية، ولكننا نصدك، نقاومك، نهدر دمائنا في محاربتك إذا حاولت قتلها.

ولا شك عندي أن سياسة فرنسا السورية ستكون منذ الآن فصاعدًا سياسة توحيد لا تفريق،٣ ولا شك عندي أن الأمير فيصلًا وهو الزعيم البصير الحكيم يستطيع أن يقف بالمتهوسين عند حد التعقُّل والاعتدال، فإذا كان السوريون في المنطقة الشرقية يريدون استقلالًا وطيد الأركان فلْيعلموا أنْ لا سبيل إليه إلا باتحادهم واللبنانيين، وما زال في البلاد فئةٌ من الناس تفزع إلى حكومة أُوروبية، ما زال شبح الاحتلال منتصبًا فيها يهدد كيان القومية الوطنية.

وبكلمة أوضح ما زال لبنان يقبل بالمشارفة الإفرنسية بل يطلبها، والسوريون في الداخلية يرفضونها، فستبقى الحكومةُ المشارفة مضطربة الرأي، متزعزعة الأصول، لا تدري أتخرج من لبنان أو تبسط سيادتها في المنطقة الشرقية أيضًا. وقد كان هذا موقف فرنسا منذ دخلت سوريا حتى الشهر الماضي، فكان — ويا للأسف — سببًا من الأسباب التي شجعت عصابات الأشقياء في ما ارتكبوه من الفظائع باسم الوطن. إلا أن هناك أسبابًا أُخرى قد تتعامى في غيرتنا المذهبية عنها. ليست المسئولية في هذه الفظائع على حكومة دمشق، ولا على العصابات فقط، ولا على الحكومة المحتلة وحدها، لنسجل الحقيقة وإن كانت علينا، فإذا تقصينا الأسباب يتضح لنا المسئولية في بادئ الأمر إنما هي على اللبنانيين أنفسهم، وقد وكلوا أُمورهم السياسية إلى رئيس طائفة مسيحية، فاستحالت المسألة وقد اكتسبت صفة دينية، احتجاجًا على الإسلام صريحًا جليًّا، ناهيك باسترسالهم إلى حب فرنسا حتى الهوى، حتى الجنون، فكرهوا المتعقِّلين من المسيحيين إيَّاها ونَفَّرُوا المسلمين.

ولا بد من تسجيل حقيقة أُخرى — وإن كانت مؤلمة: إن المسلمين لَأشد إخلاصًا في وطنيتهم من المسيحيين، وأَسَدُّ رأيًا وخطةً؛ فهم يطلبون استقلالًا تامًّا دون وصاية أُوروبية وهذا صريحٌ جليٌّ، والمسيحيون يتغنون بالوطنية ويطلبون استقلالًا ناقصًا بمشارَفة هذه الدولة أو بمساعدة تلك الأُمَّة. ولا بأس بالحماية بل نراها اليوم واجبة إذا كانت محدودة الأجل، مرتبطةً بشروطٍ لا تقدح بالوحدة القومية ولا تضر بمصالح الوطن.

ولكن الأقلية المسيحية ستظل — على ما يظهر — أقلية، وهي تنقص بسبب المهاجرة يومًا فيومًا، والأكثرية الإسلامية ستظل أكثرية في البلاد السورية. إن المسيحيين لَفي حاجة إذًا إلى حمايةٍ دائمة، والحمايةُ الدائمة احتلالٌ، والاحتلال إنما هو الاستعمار، فهل الاستعمارُ يا ترى نوعٌ جديد من الاستقلال؟ وهل ينطبق مثل هذا الاستقلال الموهوم على وطنية اللبنانيين؟ أيرضون بمشارفة إفرنسية دائمة بل باحتلالٍ بعيد الأجل، بل باستعمارٍ يُفقدهم تدريجًا جنسيتهم، ولغتهم، وتقاليدهم، فيمسون كأبناء الجزائر والتونسيين؟ بل يُمسون لا لبنانيين يُعرفون ولا فرنسويين.

أَوَما حان لبني لبنان أن يفهموا أن فرنسا تريد بسط حمايتها في البلاد السورية كلها، وأنها تلعب بساداتنا اللبنانيين وبالإكليروس لعب الأكر؟ فلما كان موقفها متزعزعًا في سوريا، لما كانت تخشى أن تتغلب السياسة الإنكليزية على سياستها كما تغلبت سنة الستين؛ أخذت تُشجع اللبنانيين في طلب استقلالهم مقرونًا بمشارفتها، أجل، وقد شجعتهم إلى حد أنْ أذنت برسم الأرزة في العلم الإفرنسي وبرفعه علمًا لبنانيًّا في الجبل، ولكنها حين تَعَزَّزَ موقفها في ما أقره مؤتمر سان ريمو غيرت خطتها اللبنانية فأمرت بطَيِّ العلم — علم المجد والاستقلال الموهوم — بل منعت رفعه والمظاهرات به لأسباب قد تكون غامضة عند أعضاء مجلس الإدارة، ولكنها واضحة في نظر ذوي الألباب.

إننا نلوم فرنسا على مثل هذه السياسة، وإننا نحترم الصراحة وإن كانت علينا، فلو أحسنتْ فرنسا النصح للبنانيين منذ البدء، ولو لم تمالئ الإكليروس اللبناني وتمده بسكوتها٤ في حماسه الطائفي؛ لَما حدث ما حدث من المظالم والفظائع في المدن المجاورة المنطقة الشرقية، فهل كان في سوريا خوف من العصابات قبل سفر البطريرك الماروني إلى باريس؟ وهل أخلص المسيو كليمنصو النصح للوفد الديني اللبناني؟ كلا، ثم كلا، فلو عمل هذا الإفرنسي الكبير بمبادئه الحرة وسلك في سياسته اللبنانية المسلك الذي يسلكه في سياسته الإفرنسية لقال للبطريرك وحاشيته: خير لكم أن تتحدوا وجيرانكم ونحن في البداية نشارف على هذا الاتحاد إلى حين، لو قال لهم هذا القول بدل أن «يجاملهم» فيعطي البطريرك تعهدًا ارتبنا بقيمته في ذاك الحين وتحققنا قلة قيمته اليوم؛ لما أمعن اللبنانيون بالهوس الذي جرَّ عليهم الويلات، إن كليمنصو الحر كان رجعيًّا في سياسته اللبنانية.

المردة والصليبيون

يُكثِر الناشدون استقلال لبنان، المتغنُّون بحب فرنسا، من ذكر المردة والصليبيين، وقد فاتهم أَنَّ أحوال الماضي لا تنطبق قطعًا على أحوال الحاضر. قد حارب المردة في قديم الزمان من أجل دينهم لا من أجل استقلالهم المدني السياسي، قد تحالفوا وملوك بيزنطة لا لأن بيزنطة كانت أقرب إليهم من دمشق، ولا لأن الروم من جنسهم ودمهم؛ بل لأنهم كانوا مسيحيين. وقد حارب الموارنة العرب لا لأن العرب جاءوا يقوِّضون استقلالهم ويحتلون بلادهم بل لأن العرب مسلمون، فلو كان الاستقلال السياسي المدني في نظرهم أَعَزَّ شيء يذودون عنه لَمَا رضوا بعدئذ بسلطة الأغيار يوم تحالفوا والصليبيين باسم الدين أيضًا ورغبوا بهم أسيادًا في البلاد ما يزيد على المائة سنة.

إن مقاومة اللبنانيين العرب إذًا لَمِنْ أجل الدين لا من أجل الاستقلال، فقد كانت المسألة في تلك الأيام دينية بحتة، واليوم نرى الموارنة يُؤْثِرُون الفرنسيس على سُورِيِّي دمشق؛ لأن الفرنسيس — على ما فيهم من كره لمزج الدين بالسياسة — لا يزالون يمالئون الموارنة على سبيل الدين، والموارنة لا يزالون يقاومون العرب لا حبًّا باستقلالهم بل لأن العرب مسلمون.

والبرهان على ذلك أنهم يرضون بمشارفة إفرنسية لا أجل محدود لها، مشارفة تستحيل تدريجًا إذا شاءت فرنسا احتلالًا تامًّا دائمًا، ولا يؤاخون مواطنيهم في البلاد ويتحدون وجيرانهم. إن اللبنانيين من هذا القبيل رَجْعِيُّون، ونزعاتهم لا تزال دينية كما كانت في أيام المردة والصليبيين.

وا أسفاه! أفلا تغير ألف سنة شيئًا من هذا الشعب اللبناني الجامد في بلاده الناهض في بلاد الأجانب؟ وهل يظل منقادًا إلى الإكليروس وإلى الأعيان عبيد الإكليروس، أولئك الذين لا يهمهم من استقلال لبنان غير أن يظلوا متبوئين كرسي السيادة، قابضين على نفوس اللبنانيين وعلى عقولهم؟ أتعد المشارفة الأوروبية غير المحدودة الأجل استقلالًا؟ أَوَيمكن أن يكون لها أجل محدود والحال التي توجبها، أي الأكثرية الإسلامية والأقلية المسيحية، حالًا دائمة لا تتغير؟ أنسلك اليوم ونحن في القرن العشرين مسلك أجدادنا أبناء القرن العاشر؟ أهذا ما نسميه منعة ومجدًا واستقلالًا؟ أتتطور الأُمَم في سائر المعمورة عملًا بسنة الارتقاء ويظل اللبناني مقيدًا بقيود التقاليد العقيمة، قيود العصبية الطائفية، قيود صاغها الإكليروس والأعيان في الأجيال الغابرة ولا يزال الإكليروس والأعيان يستخدمونه اليوم لمآربهم الذاتية؟

ولكن البحر مفتوح لبني لبنان والعالم الجديد يناديهم، فضلًا عن الأحوال الاقتصادية التي تحول دون إقامتهم في بلاد ضرب الفقر فيها عصاه وخيم البؤس على ربوعها.

قد كان من حق الموارنة بل المردة في الماضي أن يحاربوا العرب الذين جاءوهم ينادون: الجزية أو السيف أو الإسلام، ومن حقهم أن يرفضوا الثلاثة، ولكن لا جزية اليوم ولا سيف ولا إسلام، إنما هي دعوة إخوان لنا في الوطنية، دعوة سلام وولاء، دعوة إلى التعاضد والتضافر في تشييد وطن أساسه الحرية والعدل والمساواة، فهل يتقدم السوريون المسلمون ويتأخر اللبنانيون المسيحيون؟ هل يرفع علم سوري في دمشق وعلم إفرنسي في لبنان؟

قلت في بدء مقالي إني سوري أولًا، ولبناني ثانيًا، وماروني بعد ذلك، أي: أني وإن كنت من سلالة المردة، ابن هذا الزمان، وبيني وبين أجدادي ألف سنة من التطور، والرقي والعلم والعمران. فإذا قلبت الآية لا أكون خائنًا بلادي، جاحدًا ديني، بل أكون مخلصًا لنبوغ أُمَّتِي، عاملًا بسنة التطور التي ينبغي أن تسود بلادي وشعبي.

على رسلكم إخواني، إني لبناني مثلكم، ولكني أعتقد اعتقادًا شبيهًا بالإيمان وهو أنْ لا حرية ولا استقلال لسوريا إلا إذا كان كل سوري يقلب الآية ويسلك بموجبها، فيقول الأرتودكسي اللبناني: أنا سوري أولًا، ولبناني ثانيًا، وأرتودكسي بعد ذلك. ويقول الدمشقي: أنا سوري أولًا، ودمشقي ثانيًا، ومسلم بعد ذلك، ويقول الحوراني: أنا سوري أولًا، وحوراني ثانيًا، ودرزي بعد ذلك، ويقول الفلسطيني: أنا سوري أولًا، وفلسطيني ثانيًا، ويهودي بعد ذلك.

أجل إخواني، إن الوحدة الوطنية لا تكون إلا بمثل هذا الانقلاب الديني بل هذا التطور الاجتماعي الوطني، وإن الوحدة القومية وإن بدت اليوم حلمًا من الأحلام كائنة لا محال، هي حلم ستحققه الأيام. إي إخواني اللبنانيين لنتطلع إلى الأمام، فقد شغل الفينيقيون دورًا من التاريخ كما ينبغي، وقد استبسل المردة في سبيل ملوك بيزنطية السفاحين من أجل الدين، فمثلوا دورهم في ذاك الزمان كما ينبغي، وقد مثل الموارنة الذين حاربوا مع الصليبيين دورهم كما ينبغي، ونحن اليوم في زمان غير زمانهم، وأحوالنا غير أحوالهم، وعالمُنا السياسي غير عالمهم، يجب علينا إذن نحن أبناء هذا الزمان أن نمثل دورنا كما ينبغي لنا. إن مزج الدين بالسياسة يقضي على الاثنين بالفساد، وإن وطنية فيها مساعدة إفرنسية دائمة هي وطنية فاسدة في بادئ الأمر، زائلة لا محال في آخره.

إني أغارُ يا إخواني اللبنانيين على مصلحة لبنان كما تغارون، وأُجاهد في سبيله كما تُجاهدون، إلا أني أرى حدودًا أوسع من الحدود التي ترون وتطلبون، ولا أخاف على اللبناني إذا شارك في بعض أُموره السياسية والاقتصادية الدمشقيين، بل أعتقد أن اللبناني فردًا إنما هو في منزلةِ أرقى الشعوب، ولا يكون مغلوبًا على أمره حيث كان وكيف كان. أَوَمن حاجة لأن أُشير إلى نبوغه ونشاطه ونهوضه خارج بلاده؟ أضف إلى ذلك أن العقل يسود دائمًا في شئون الأُمَم وسياسات الدول، العقل هو الأكثرية، وإن خوفنا على اللبناني إهانةٌ له.

أجل إننا نهين اللبنانيين عندما نطلب لهم استقلالًا ضمن دائرة صغيرة كلبنان الصغير أو الكبير، بل نظلمهم إذا حصرنا مواهبهم وقُوَاهُمْ كلها في صخور لبنان.

عشرون حجة

لو لم أكن أعتقد اعتقادًا تامًّا أن مصلحة جبلنا وخير أبنائه إنما هما في اتحادنا مع إخواننا في الداخلية لَمَا كنت — واللهِ — أقول كلمةً في هذا السبيل، بل لَكنت من الداعين إلى عكس ذلك. أجل، إن خلاصنا، وسعادتنا، ونجاح بلادنا في الحال والاستقبال؛ تتوقف على أمر واحد نُقرره اليوم، وهو اتحادنا وإخوانُنا السوريين، ولا أسأل النازعين إلى الانفصال العدولَ، ولا أتوقع في ما أقوله القبولَ، دون أن تسمعوا بُرهانًا بل براهين فإذا كنت أقول بالاتحاد وأعتقد أن ما أقول هو الحق فلي على ذلك عشرون حجة:
  • (١)

    إن تقسيم البلاد السورية إلى ولايات مستقلة تمامًا بعضها عن بعض يقضي على استقلالها ووحدتها، ويمكِّن منها الطامعين بالاستعمار.

  • (٢)

    إن تقسيمها إلى «دوائر نفوذ» أوروبية يعيد إلى الوجود المسألة الشرقية التي كانت السبب الأول في بلائنا وتأخرنا، كيف لا وقد كانت بلادنا — لا أذكر الجبل وتدخُّل القناصل في شئونه كلها — مسرح أطماع الدول الأوروبية، وكنا نحن ضحية سياستهم الخارجية وأغراضهم التجارية.

  • (٣)

    إذا استقل لبنان عن الداخلية تنقطع عنه أهمُّ لوازم العيش، باب الحنطة وهو في حوران يقفل دون حاجته وطرق النقل وأهمها في يد السوريين تمنع عنه، أو يُمَيز في أجورها عليه.

  • (٤)

    أكثر من نصف تجارة بيروت هي مع تجار المدن في الداخلية فإذا استقل لبنان خسرت بيروت أهمَّ موارد تجارتها، وقد بدأ البيروتيون يشعرون بذلك ويتألمون.

  • (٥)

    إن فصل لبنان عن الداخلية خطأٌ جغرافيٌّ وقسمةٌ غير طبيعية؛ لأن في يد لبنان أبواب البحر ولا حاجة له بها كلها، وفي يد دمشق وسائل النقل ولا سبيل لاستخدامها كلها لتنتفع بها البلاد السورية قاطبة.

  • (٦)

    حياة البلاد الاقتصادية تضطرب، وحياتها الصناعية وهي في حاجة إلى حرير لبنان تختنق تدريجًا، وحياتها المالية تُمسي في قبضة سماسرة «القطع» والمتاجرين بالصكوك والأوراق.

  • (٧)

    البريد والتلغراف وسكك الحديد وهي في أيدي الضغائن والمنافسة تكون معرضة أبدًا للخلل والتخريب؛ إذ يتجاذب طرفيها شعبان نافران بعضهما من بعض، قائمان بعضهما على بعض.

  • (٨)

    بدلًا أن يكون في البلاد جمرك واحد تتعدد الجمارك ومزعجاتها وأضرارها في كل المدن الكائنة على حدود اصطناعية، فتُجْهِز على الصناعة والتجارة، وتكرِّه إلى الناس — وعلى الأخص المصطافين في لبنان والسائحين — السفر في سوريا.

  • (٩)

    بدل جند واحد يناسب عدد سكان البلاد تضطر البلادان إلى تجنيد جندين على نسبة جائرة لا تطاق لتحمي تخومها من تعديات جارتها، ويكون لبنان من هذا القبيل مظلومًا جدًّا؛ لأن اللبنانيين — وهم الأقلية — يُمْسُون في خطر دائم من هول عصابات الجهل والتعصب.

  • (١٠)

    لا يستطيع لبنان وحده أن يقوم بنفقات حكومته المدنية، فكيف يقوم بنفقات جُند كبير؟ إن العجز في ميزانيته أمرٌ معلوم، خذ لك مثلًا، قد بلغت ميزانية الجبل سنة ١٩٠٩ تسعة وخمسين ألف ليرة، فلو فرضنا أن لبنان استعاد الأراضي المسلوخة عنه — لو فرضنا لبنانًا كبيرًا — فلا أظن الميزانية تبلغ أكثر من مائة ألف ليرة، أضف إليها دخل الجمرك الذي لا يبلغ أكثر من مائة ألف ليرة سنويًّا، ثم دخل البريد والتلغراف والملاحات — قل مائة ألف ليرة أُخرى — فتبلغ ميزانية الجبل ثلاثمائة ألف ليرة، فإذا كان مستقلًّا يقتضي له جند لا يقل عن العشرة آلاف عدًّا، ونفقاته دون المعدات، إذا فرضنا ثلاث ليرات راتب الجندي شهرًا تبلغ ثلاثمائة ألف ليرة، فمن أين نجيء بعد ذلك بما يلزم لدفع رواتب المأمورين والمشارفين على المأمورين فضلًا عن نفقات الشرطة والمدارس والمشاريع العمومية لترقية الصناعة والزراعة في البلاد؟

  • (١١)

    إن خيرات لبنان الدفينة لا تُستثمر بغير المال والعمال والأخصائيين، فإذا كان دائمًا مهددًا بالعصابات، ولا أحد فيه يأمن على ماله وحياته، وكانت أحواله وجيرانه كأحوال الجمهوريات الصغيرة في أميركا الجنوبية، أي: دائمًا في احتراب، فالعمال يهجرونه، والمتموِّلون لا يبذلون مالًا فيه، والأخصائيون لا يفادون بعلمهم ووقتهم إكرامًا لأجدادنا الذين حاربوا مع الصليبيين.

  • (١٢)

    المشارفة الإفرنسية على لبنان مستقل عن الداخلية تتدرج إلى احتلال دائم، والاحتلال الدائم يقتل روح القومية، فيُمسي لبنان كتونس أو الجزائر، ويفقد اللبنانيون روحهم القومية، وآدابهم العربية، وتقاليدهم الوطنية والاجتماعية.

  • (١٣)

    من الحقائق التي لا يُنكرها من كان له إلمامٌ بتاريخ فرنسا الاستعماري أنها لا تبذل من خزينتها شيئًا من المال يُذكر في ترقية مستعمراتها، فإن خطتها الاستعمارية مبنيةٌ على القول المأثور عندنا «مِنْ دِهنُه سَقِّيلُه» ودهن لبنان لا يكفي وا أسفاه! طبخة واحدة من طبخات العمران في هذا الزمان …

  • (١٤)

    إن الرأي العام في فرنسا والأحزاب المعارضة الحكومة يُقاومون كل سياسة خارجية، وكل خطة دولية، تستوجب إرسال جنودًا إفرنسية إلى الخارج، وفي الحوادث السورية الحاضرة برهانٌ واضحٌ على ذلك، وإن جندًا لبنانيًّا بقيادة ضباط فرنسويين لَأشبهُ بجند تركي بقيادة ضباط ألمان، بل هو أقرب إلى الفوضى منه إلى التنظيم. فإذا كان المأمور اللبناني يتذمر من سلطة المستشار فكيف بالجنديِّ، ونظامُ الجندية الحديث كالحديد لا يلين لأحد، ولا يذوب حتى في نيران القتال؟

  • (١٥)

    إن روح الزمان المادية لَروح احتكار واستئثار، وهي رغم ما تفكك من ملك ضخم، ورغم ما تَأَلَّفَ حديثًا من الدول الصغيرة لا تزال أشد ميلًا إلى الكبيرة منها، بل هي عدوة الأُمَم الصغيرة باطنًا وفعلًا، وعلى الأخص إذا كانت في بقعة من الأرض طالما تطاحنت فيها الشعوب، ولا تزال تشرئبُّ إليها أعناق الاستعماريين في أُوروبا، وإن أُمَّة لا تتجاوز المليون عدًّا لتذهب ضحية ذوي الأطماع القريبين منها والبعيدين.

  • (١٦)

    إن الحرب الاقتصادية في العالم اليوم تقضي على الأُمَم بالوحدة الجغرافية في الأقل وبالتضامن والتكاتف، لتصون مصالحها، وتحفظ كيانها، وتمهد سبيل رُقيِّها المادي.

  • (١٧)

    السوريون جيراننا لهم ما لنا من خير يُرجى، وعليهم ما علينا من شر يُتَّقى، فضلًا عن أن الجار — مهما كان دينه — أقربُ إلينا من الأغيار؛ بما يربطنا وإياه — في الأقل — من روابط الجنس واللغة والجغرافية، وإن مأمورًا أكلمه بلغتي خيرًا من مأمور أضطر إلى ترجمان لأعرض عليه أمري.

  • (١٨)

    إن انفصالَنا عن إخواننا في الداخلية دليلٌ على تَعَصُّبٍ فينا ديني وسياسي، بل هو دليلٌ على أننا نُؤْثر حب الذات على حب الوطن، أو أننا جبناء نخشى الأكثرية فلا نصلح لتكوين أُمَّة حرة، راقية، مستقلة.

  • (١٩)

    إن في لبنان من جودة العقل والنشاط والذكاء ما يرفع شأنه ويُعزِّزُ اسمه أين كان، بل يكفل له المساواة ويصون حقوقه ومصالحه وإن كان من الأقلية في البلاد.

  • (٢٠)

    وأخيرًا، إذا تم اتحادنا نستغني في مدة خمس سنوات — أو عشر بالأكثر — عن المشارفة الأجنبية، وإذا ظللنا منقسمين فلا أمل لنا بالاستقلال. أما إخواننا المتحمسون في دمشق فخيرٌ لهم أن يذعنوا إلى أميرهم الحكيم فيفوزون باستقلال يضم تحت رايته الأقليات في البلاد، ولكن الاستقلال الناجز التام والأقليات لم تزل ذعرة خائفة نافرة لا يحقق أمنيتهم وأمنيتنا بوحدة سورية قومية شاملة. وهناك أمرٌ خطير قد يكون فاتهم وهو أن الخطر التركي لا يزال مخيمًا في الشمال، والخطر البُلشيفي يمتد جنوبًا، فهل نستطيع يا تُرى أن نرد الخطرين ونتخلص منهما في بادئ أمرنا وليس لدينا من الجند وعدة الحرب ما يكفي اليوم لردع عصابات الأشقياء في البلاد؟

    فإذا تم اتحاد الدمشقيين واللبنانيين، وتمكنوا من تأسيس حكومة دستورية ثابتة، تستطيع حفظ الأمن والنظام، وتكفل للأقليات حقوقها، وتجري في أحكامها على سنن العدل والمساواة؛ تنتهي عندئذ مهمة الدولة المشارفة، ولا عذر ولا حق لها — إذ ذاك — بالبقاء في البلاد.

    الطريقة الوحيدة إذًا لحل قضيتنا المعضلة هي أن يتحد اللبنانيون والدمشقيون ويتفقون على مشارفة إفرنسية محدودة الأجل.

    إن الهوس غالبًا ضلال، والعناد في غير الحق قتَّال، وإن امرأً يرتئي رأيًا أو يعتقد اعتقادًا ثم ينبذه إذا تحقق فساده لَأكبر نفسًا ولأشد جرأة من المستبسل في ساحة الوغى. أجل، إن الجرأة الأدبية هي أن نقول الحق في ما يتجلى لنا منه، وإن كان قولنا اليوم ينفي قولنا بالأمس.

١  وهذه سوريا وويلاتها تزكي على لبنان الشهادة.
٢  أي: حوادث مرجعيون.
٣  سبحان من يزيل الشكوك ويعيدها.
٤  ثم بمالها ونفوذها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠