الفصل الأول

الشرق الأوسط عالم المعابر

غموض حول مفهوم الشرق الأوسط

الشرق الأوسط مصطلح جغرافي وسياسي شاع استخدامه على كل الألسنة في أجزاء العالم المختلفة، حتى نحن — سكان المنطقة — اعتدنا في الوقت الحاضر أن نطلق على إقليمنا التسمية ذاتها التي يطلقها عليه الآخرون، وليس في هذا عيب؛ إذ إن التسمية، ولو أنها قُصد بها وبغيرها تقسيم الشرق إلى أقسام حسب البعد والقرب من أوروبا، إلا أن الإقليم في الواقع هو إقليم أوسط بالنسبة لخريطة العالم بصفة عامة، والعالم القديم بصفة خاصة.

وبرغم ذيوع هذا المصطلح إلا أن الشرق الأوسط إقليم صعب التحديد بصورة واضحة أو قاطعة، كما هو الحال في بعض أقاليم جغرافية أخرى، ولا يرجع السبب في ذلك إلى أن الإقليم مجرد ابتكار لفظي في قاموس السياسة العالمية منذ أواخر القرن الماضي، فالإقليم له كيان جغرافي حقيقي، بكل ما تعنيه الجغرافيا من صفات وتفاعلات طبيعية وبشرية وتاريخية وسياسية، ولكن السبب في صعوبة تحديد الشرق الأوسط راجع إلى أنه إقليم هلامي القوام، بمعنى أنه يمكن أن يتسع أو يضيق على خريطة العالم حسب التصنيف أو الهدف الذي يسعى إليه باحث في مجال من مجالات العلوم الطبيعية أو الإنسانية، أو التصنيف الذي تتخذه هيئة خاصة أو دولية، أو وزارة من وزارات الخارجية في العالم.

وهذه الصعوبة — أو إن شئنا المرونة — في تحديد الشرق الأوسط نابعة عن أن هذا الإقليم يتكون من عدة متداخلات طبيعية وبشرية، ذات طبيعة انسياحية، شأنها في ذلك شأن معظم الأقاليم، وأنه على هذه المتداخلات يمتد بعد زمني هو أطول بعد تاريخي نعرفه عن أي إقليم آخر في العالم، وبالإضافة إلى ذلك يرتبط الإقليم بعامل جغرافي واضح الأثر في كل أرجائه: ذلك هو عامل المكان والعلاقات المكانية التي ميزت، وتميز، الشرق الأوسط كمنطقة مركزية منذ القدم في علاقات الشرق والغرب القديم، وحديثًا الشرق بمضمونه الحضاري الاقتصادي عامة في آسيا وأفريقيا الشمالية والشرقية، والغرب بالمضمون الحضاري الصناعي العام في أوروبا وأمريكا والاتحاد السوفيتي.

وعلى الرغم مما تتعرض له العلاقات المكانية من تغيرات، قد تكون جذرية، نتيجة متغيرات التكنولوجيا في مجالات النقل والمواصلات والنشاط الاقتصادي، فإن غالبية هذه التغيرات قد دعمت أهمية المكان الجغرافي للشرق الأوسط وأعادت تأكيد هذه الأهمية مجددًا، لكن هذه الأهمية المكانية جعلت الشرق الأوسط قبلة أنظار المتوسعين الأوروبيين في العصر الاستعماري ومحط منافسة حادة بين القوى الإمبريالية، وصراع بين الشرق والغرب ككتل سياسية معاصرة، فوق صراع قومي لشعوب المنطقة، فمنذ بداية القرن ١٩ ظهرت المشكلة الشرقية في قاموس السياسة الأوروبية، وتأكدت المنافسة الأوروبية بعد شق قناة السويس، وظهرت في بريطانيا فكرة «تأمين» طريق الهند، وهي الفكرة التي انتهت باستراتيجية «الأمان» الإمبريالي التي تنادي بها إسرائيل كآخر رأس جسر غربي في المنطقة، والآن تشترك فكرة «الأمان» الغربية مع مشكلة الطاقة العالمية في تفاعلات دولية تجابه دول الشرق الأوسط، وذلك منذ أن أصبح الإقليم أكبر مصدر للبترول وأكبر مخزن احتياطي له في العالم.

ولعل الغموض الذي يكتنف تحديد إقليم الشرق الأوسط راجع إلى أن هناك نوعًا من المفهوم المسبق عند كثير من الناس يؤدي إلى التباس بين ثلاثة مصطلحات: الشرق الأوسط، العالم العربي، العالم الإسلامي. ومعروف أن العالم العربي يشتمل على الجزء الغربي من الشرق الأوسط، ويمتد خارجه إلى شمال أفريقيا ونطاق السفانا من السنغال إلى السودان، أما العالم الإسلامي فيشمل كل الشرق الأوسط ويمتد فيما وراءه في شتى الاتجاهات الجغرافية، وأكثر الغموض الذي يجعل تحديد الشرق الأوسط أمرًا غير سهل المنال، راجع إلى كثرة الأسماء والمصطلحات التي استُخدمت في الماضي، وتُستخدم في الحاضر، للإشارة إلى كل الإقليم أو إلى جزء منه، وفيما يلي تناول موجز لبعض تلك المصطلحات والتسميات الشائعة.

الشرق الأوسط بين المصطلحات المختلفة

ربما كان الشرق الأوسط من المصطلحات الإقليمية الغامضة بالمقارنة بكثير من الأقاليم الرئيسية في العالم، فقد استخدم كُتاب وباحثون وهيئات حكومية ودولية عدة مصطلحات للإشارة إلى كل الإقليم أو جزء منه، ومن المصطلحات التي تتداولها الكتابات المختلفة، أو التي كانت متداولة في وقت ما، أو يتداولها الكُتاب بمفهوم معين، ما يلي:
  • الليفانت Levant.
  • الشرق القديم أو الأقدم Ancient East, Most Ancient East.
  • الصحارى الكلاسيكية  Classical Deserts.
  • جنوب غرب آسيا South-West Asia.
  • الشرق القريب Hither East.
  • الشرق الأدنى Near East, Naher Osten, Nahost.
  • الشرق الأوسط Middle East, Moyen Orient.

واصطلاح الليفانت (= الشرق، المكان الذي تشرق منه الشمس) اصطلاح قديم لعله يعود إلى العصر الإغريقي الروماني، وكان يشير إلى سكان البحر المتوسط الشرقي — سوريا ولبنان وفلسطين — وبذلك فهو لا يعبر عن المنطقة كلها، ولا يزال هذا المصطلح مستخدمًا بمعناه القديم، وقد يستخدم في العربية كمصطلح مختصر بديلًا لمصطلح شرق البحر المتوسط، ويستخدم علماء الآثار والحضارة مصطلح الشرق القديم أو الأقدم بصورة عامة للدلالة على المنطقة الممتدة من مصر إلى الأناضول وغرب إيران، بحيث تشمل المناطق التي نشأت فيها حضارة العصر النيوليتي — العصر الحجري الحديث — الذي اكتشف فيه الإنسان الزراعة واستئناس الحيوان، وهي أيضًا المنطقة التي نشأت فيها الحضارات العليا القديمة في مصر والعراق وفينيقيا ووسط الأناضول وغربي إيران، وعلى هذا فإن المصطلح حضاري بحت، ومثله في ذلك مصطلح الصحارى الكلاسيكية، الذي يعني منطقة الصحراء العربية وهوامش الأراضي الزراعية فيما بين النيل والفرات. أما مصطلح جنوب غربي آسيا فهو مصطلح جغرافي بحت يشمل المثلث الأرضي الممتد من أفغانستان في الشرق إلى الأناضول في الغرب واليمن في الجنوب، وأخيرًا فإن مصطلح الشرق القريب قد شاع فترة زمنية بديلًا للشرق الأوسط أو الأدنى، ولم يعد مستخدمًا الآن.

يتبقى لدينا من هذه المصطلحات الشرق الأدنى والشرق الأوسط، ومصطلح الشرق الأدنى كان يستخدم في الإنجليزية في أواخر القرن الماضي للدلالة على الإمبراطورية العثمانية، بامتدادها في البلقان من ألبانيا وشمال اليونان إلى الجزيرة العربية ومصر والسودان وولاية طرابلس (الغرب).

وفي الوقت نفسه كان الإنجليز يطلقون مصطلح الشرق الأوسط على إيران وأفغانستان ومنطقة السند — باكستان حاليًّا — وتستخدم وزارة الخارجية الأمريكية مصطلح الشرق الأدنى للدلالة على المنطقة التي تشمل مصر والسودان ودول شبه الجزيرة العربية والمشرق العربي، وإيران وتركيا وقبرص واليونان، وتقسم الخارجية الأمريكية شئون الشرق الأدنى على مكتبين: الأول خاص بتركيا واليونان وإيران، والثاني خاص بالدول العربية في المنطقة حسب التحديد السابق، ومعنى ذلك أن أساس التقسيم قائم على التفريق اللغوي والخلفية الحضارية التي تضم المجموعة العربية كلها في مقابل الانتماءات السياسية التي تربط أمريكا بإيران وتركيا (الحلف المركزي)، وتركيا واليونان (حلف الأطلنطي).

وتستخدم الهيئات الرسمية وغير الرسمية في ألمانيا مصطلح الشرق الأدنى أيضًا، للدلالة على الإقليم الممتد من بحر قزوين والقوقاز والبحر الأسود في الشمال إلى البحر العربي في الجنوب، بحيث يشمل كافة الدول الممتدة من إيران وتركيا في الشمال إلى دول جنوب الجزيرة العربية والسودان في الجنوب، والمنطقة الممتدة من إيران في الشرق إلى ليبيا في الغرب، ويطلق الألمان مصطلح الشرق الأوسط على إقليم مختلف تمامًا: المنطقة التي تشمل أفغانستان وباكستان والهند وبنجلاديش وبرما ونبال وسريلانكا — سيلان — وبذلك فإن الألمان أكثر توفيقًا في استخدامهم للمصطلحات للدلالة على القرب أو البعد المكاني من أوروبا: الشرق الأدنى، الشرق الأوسط (جنوب آسيا)، الشرق الأقصى (شرق آسيا).

وبرغم ذلك فإن الكتابات المختلفة تكاد تُجمِع في الوقت الراهن على استخدام مصطلح الشرق الأوسط كبديل للمصطلحات السابقة، ففي الإنجليزية والفرنسية والعربية، وفي تصنيفات الأمم المتحدة، وفي كثير من الكتب السنوية التي تعالج أقاليم معينة، يتردد اسم الشرق الأوسط على أنه الإقليم الذي يشتمل على الدول الممتدة من إيران إلى مصر ومن تركيا إلى اليمن، وقد يضيف كاتب أو هيئة ليبيا والسودان أو إحداهما، أو برقة وشمال السودان فقط،١ وبذلك يقتصر الشرق الأوسط على مجموعة دول غرب آسيا بإضافة مصر — والسودان وليبيا في بعض الأحيان — وتخرج اليونان، برغم أنها حضاريًّا (= طرق المعيشة وكثير من العادات والنشاط الاقتصادي) تشبه إقليم الشرق الأوسط.

المقومات الرئيسية في بناء الشرق الأوسط

سواء كان هذا التصنيف أو ذاك، فإن هناك سمات وصفات طبيعية وبشرية معينة تشترك فيها معظم المنطقة المعينة، وعلى رأس هذه الصفات الرئيسية ما يلي:
  • (١)

    المناخ الجاف وشبه الجاف الذي يسيطر على الإقليم، وله آثار واضحة في نمط الزراعة ومحاصيلها ووسائلها، وتكنيك تطويرها وتحسينها، وهذا النوع من المناخ قد ساهم بصورة رئيسية — إلى جانب الأنهار دائمة الجريان، ومعظمها قادم من خارج المنطقة — في تحديد مناطق العمران والمساحات الزراعية أو القابلة للزراعة والاستخدام السكني، وهو بذلك يشكل نقط القوة أو الضعف في التركيب الاستراتيجي لدول الشرق الأوسط.

  • (٢)
    عمران كثيف ومستقر في (أ) الواحات ومناطق ينابيع المياه الباطنية. (ب) على طول الوديان النهرية الطويلة والقصيرة، الدائمة الجريان أو غير المنتظمة في جريان مياهها. (ﺟ) في السهول الساحلية الضيقة الممطرة.٢ (د) في المرتفعات والهضاب التي تستقبل كميات لا بأس بها من الأمطار.٣ وفي مقابل ذلك نجد نمط السكن المتخلخل المتنقل في البوادي والجبال التي تحتل مساحات شاسعة داخل الشرق الأوسط، ويجب أن نلاحظ أن مقومات السكن الكثيف المستقر — الواحات، الأنهار، السواحل والهضاب المطيرة — غير منتظمة التوزيع جغرافيًّا في داخل الشرق الأوسط ككل، وكذلك غير منتظمة التوزيع داخل كل دولة من دول المنطقة، وقد ترتب على ذلك توزيع سكاني وعمراني غير متعادل بالمرة، ويبرز دول الشرق الأوسط، من بين غالبية دول العالم، بنمط فريد لا نظير له في كافة مجالات العمران والنشاط الاقتصادي، وفي تكوين مراكز الثقل والاستقطاب في تركيب دول المنطقة.
  • (٣)

    انتشار الحضارة الإسلامية بصفة عامة في كل أرجاء الإقليم، وتختلف أقدار كل دولة في مدى نصيبها من مجموعة مكونات الحضارة الإسلامية: الدين واللغة والبناء الاجتماعي، وفي العالم العربي في الشرق الأوسط نجد أكبر تركيز لمكونات الحضارة الإسلامية — مع هامش مسيحي في بعض مناطق الليفانت ومصر — بينما تنقص اللغة من بين مكونات الحضارة الإسلامية فقط في الهضاب الإيرانية الأفغانية والتركية.

  • (٤)

    تتفق هذه المجموعة الرئيسية من الصفات والسمات الطبيعية في «علاقات مكان» جغرافية تجعل الإقليم منطقة «وسط» بين عدة عوالم مختلفة اختلافًا بينًا في تركيباتها الجغرافية والحضارية والاقتصادية: العالم الهندي التركماني في جنوب ووسط آسيا، والعالم الأوروبي فيما وراء البحر الأسود والمتوسط، والعالم الأفريقي في معظم أفريقيا.

الشرق الأوسط الكبير

وعلى هذا النحو من التحديد تشترك مجموعة كبيرة من الدول في الشرق الأوسط على عكس ما هو متصور دائمًا، ويتداخل الشرق الأوسط في قارات العالم القديم الثلاث، ففي أوروبا تدخل اليونان وتركيا الأوروبية، وفي آسيا تركيا وإيران وأفغانستان والجزء الغربي من باكستان وكشمير، بالإضافة إلى كل الدول العربية في الجزيرة العربية والهلال الخصيب، وفي أفريقيا مصر وشرق ليبيا ومعظم السودان ومعظم إثيوبيا والصومال والصومال الفرنسي (إقليم العيسى والأفار) (انظر الخريطة رقم ٢٢).

وقد يبدو هذا التعريف للشرق الأوسط واسعًا وفيه كثير من المغالاة، ولكن علينا أن نعرف أن الأقاليم لا تتحدد بحدود قاطعة مثل الحدود السياسية، فالإقليم تركيب شاركت في بنائه الظروف الطبيعية والمكانية والحضارية على مر فترة زمنية طويلة، بينما تتحدد الوحدات السياسية بخطوط يصطنعها الإنسان في وقت محدد، ولهذا فإن حدود الأقاليم أكثر انسياحًا وتداخلًا، وتشتمل على كثير من المناطق الانتقالية، وفي حالة إقليم الشرق الأوسط الكبير نجد مؤثرات طبيعية وبشرية متداخلة، وخاصة في أطرافه، ففي آسيا توجد مؤثرات شبه القارة الهندية — مناخ موسمي وبقايا حضارات هندوكية — في باكستان وكشمير، وتوجد مؤثرات تركمانية حضارية في شمال أفغانستان وشمال إيران.

fig21
خريطة (٢٢).

وفي المنطقة الممتدة بين بحر قزوين والبحر الأسود نجد «موزاييك» حضاري ولغوي نظيره قليل في العالم: تركماني وأرميني وجورجاني وشركسي وعشرات من المجموعات الحضارية اللغوية الصغيرة، كلها تدور وتتداخل في خلفية تستقطبها المجموعات الحضارية الرئيسية في المنطقة: إيراني وكردي، وتركي، وروسي.

وفي المنطقة التركية اليونانية من الشرق الأوسط في جنوب أوروبا الشرقي، نجد تداخلًا واضحًا بين مجموعة المؤثرات الحضارية اللغوية التركية والألبانية الإسلامية مع الحضارة اليونانية والمجموعات اللغوية المقدونية والبلغارية والصربية على خلفية المسيحية الأرثوذكسية، وفي الشرق الأوسط الأفريقي يوجد التداخل الحضاري العربي مع مؤثرات بربر شمال أفريقيا في مناطق متفرقة من ليبيا حتى واحة سيوة المصرية، والتداخل الزنجاني اللغوي في جنوب السودان والتداخل الحامي — الكوشي — اللغوي في الصومال وإثيوبيا وأجزاء من شرق السودان وجنوب شرق مصر، ولكن كل هذه التداخلات الحضارية في الشرق الأوسط الأفريقي تدور على خلفية قوية ومؤثرة ترتبط بالإسلام واللغة العربية كلغة تخاطب رئيسية (انظر الخريطتين ٢٣، ٢٤).

وقد يقال إن هذا التوصيف للشرق الأوسط يدخل كثيرًا من اللغات غير العربية في المنطقة، وصحيح أن هناك التباسًا عامًّا عند غالبية الناس في ربط الشرق الأوسط باللغة العربية؛ نظرًا لأهمية المنطقة العربية وثقلها السياسي في منطقة العبور العالمي — شرق المتوسط وقناة السويس والبحر الأحمر وخليج عدن — وثقلها البترولي — دول الخليج العربي المنتجة للنفط — لكن الحقيقة أن المتكلمين بالعربية لا يحتلون وحدهم منطقة الشرق الأوسط، فحسب المصطلحات الشائعة وتحديدات الإقليم التي سبق أن أوردناها، فإن التركية والفارسية تدخلان، على الأقل، جنبًا إلى جنب من العربية لتكون اللغات الرئيسية في الشرق الأوسط، فماذا يضير لو دخلت لغات أخرى في التصنيف الإقليمي للمنطقة ما دامت الشروط العامة للمقومات الطبيعية والمكانية والحضارية منطبقة على مناطق يتكلم أهلها لغات أخرى غير العربية؟

fig22
خريطة (٢٣).
فإذا عدنا إلى تلك الشروط والسمات العامة لنحللها ونرى مدى انطباقها على منطقة الشرق الأوسط الكبير، فإننا سوف نجد ما يلي:
  • أولًا: الجفاف والظروف المناخية شبه الجافة مسيطرة بدون نزاع على القدر الأكبر من مساحة كل دولة من الدول الداخلة في المنطقة، من الأناضول إلى الصومال ومن ليبيا إلى أفغانستان وغرب باكستان.
  • ثانيًا: شكل الاستقرار إما واحي كما هو الحال في أفغانستان وإيران والجزيرة العربية وليبيا، وإما مرتكز على ضفاف الأنهار كما هو الحال في الأناضول والعراق وسوريا ومصر والسودان وباكستان، وإما مرتبط بالسهول الساحلية الضيقة الممطرة أو التي تنتهي إليها المياه الباطنية من المناطق الجبلية المتاخمة، كما هو الحال في سواحل تركيا واليونان وشرق البحر المتوسط وقبرص وسواحل جنوب وجنوب شرق الجزيرة العربية والصومال، وإما بالجبال والهضاب الممطرة كما هو الحال في تركيا وإيران وشمال العراق، وفي سوريا ولبنان وفلسطين الوسطى والشمالية، وبرقة وعمان واليمن.
  • ثالثًا: يسيطر نظام البداوة ورعي الحيوان بأنواعه المختلفة على النشاط الاقتصادي للسكان غير الزراعيين، ويؤدي إلى بنية اجتماعية متشابهة، والحيوان الرئيسي في الشرق الأوسط الكبير هو الجمل بنوعيه: العربي في كل القسم الغربي من الشرق الأوسط ابتداء من سهول العراق إلى سهول الصومال والصحراء الليبية، والبكتيري ذو السنامين الذي يسود في منطقة الهضاب الإيرانية الأفغانية، ويمتد إلى ما وراء الشرق الأوسط إلى منغوليا وتركستان الصينية (سنكيانج).
    fig23
    خريطة (٢٤).

    وإلى جانب الإبل تظهر حيوانات الرعي الصغيرة داخل كل الأقاليم، وفي مناطق معينة يظهر رعي الأبقار كنوع من التأقلم على البيئة، كما هو الحال في السودان وإثيوبيا وجنوب الصومال، وهذه هي مناطق التداخل والانسياح داخل أفريقيا الزنجانية طبيعيًّا وحضاريًّا، وفي باكستان تظهر تربية الأبقار والجاموس أيضًا في منطقة الانتقال الهندية، وقد سبق أن ذكرنا أن الديانة والحضارة الإسلامية تشكل الغالبية الساحقة بين سكان الشرق الأوسط، مع استثناءات قليلة في مناطق العزلة الجبلية في الليفانت وجبال الحبشة، وحتى في هذه الحالات القليلة فإن النمط الحضاري العام للسكان غير المسلمين متفق مع النمط العام الحضاري الذي يمكن أن نسميه «شرقي» أو «عربي» أو «إسلامي».

  • رابعًا: يحكم الرباط «المكاني» أقدار مجموعة الدول المتشابهة في الصفات الطبيعية والحضارية سالفة الذكر، في صورة مثلث كبير تمتد قاعدته بحذاء الحدود الشمالية لليونان وتركيا وإيران وأفغانستان، ويمتد ضلعه الأيمن من كشمير إلى الصومال عبر باكستان والبحر العربي، بينما يمتد ضلعه الأيسر من الصومال شمالًا في قوس خفيف الانحناء عبر السودان وليبيا في اتجاه وسط البحر المتوسط، وهذا التكتل المساحي الكبير لا يتكون من مساحات أرضية متصلة، بل تتخلله البحار والخلجان في أشكال واتجاهات مختلفة، كما لو كانت تريد أن تلتقي، وقد ساعدها الإنسان على الالتقاء في أضيق نقاطها، فشق قناة السويس مكونًا بذلك أكبر طريق مائي عالمي عبر الشرق الأوسط، وعلى وجه العموم فإن دول الشرق الأوسط الكبير في معظمها تشارك بصورة أو أخرى في الإشراف على ممرات العبور الدولية سواء الجبلية منها أو البحرية أو الجوية، مما يدعونا إلى أن نطلق عليه «عالم العبور» (انظر الخريطة ٢٥).
fig24
خريطة (٢٥).

الشرق الأوسط «القلب»

في داخل الشرق الأوسط «الكبير» مثلث آخر صغير، لكنه يحتل قلب الشرق الأوسط بصفاته المكانية، وسماته الطبيعية والحضارية التي سبق ذكرها، وقاعدة المثلث القلب هذا تمتد في شمال البحر العربي إلى جزيرة سقطرة، بحذاء الساحل الجنوبي للجزيرة العربية، مشتملًا على خليجي عمان وعدن، والخليج العربي والبحر الأحمر، ويمتد ضلعه الأيمن مع جبال زاجروس موازيًا للساحل الإيراني على خليجي عمان والعربي، ومكملًا سيره مع جبال كردستان وبموازاة الحدود العراقية الإيرانية، ثم يخترق هضبة الأناضول في اتجاه الشمال الغربي إلى أن نجد رأس المثلث في منطقة المضايق التركية — البسفور والدردنيل — أما الضلع الأيسر للمثلث فيمتد من خليج عدن مشتملًا على شمال الصومال وكل البحر الأحمر ووادي النيل ودلتاه في مصر، ويعبر البحر المتوسط وبحر إيجه ليلتقي برأس المثلث في تركيا الأوروبية، وبذلك فإن الشرق الأوسط القلب يضم كل دول الجزيرة العربية والعالم العربي الآسيوي وقبرص، وأجزاء من إيران في الشرق، ومعظم تركيا في الشمال، ومعظم المعمور من مصر في الغرب وأجزاء السودان وإثيوبيا والصومال المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.

ومن الطبيعي أن تكون أطراف الشرق الأوسط الكبير أقل أهمية كعالم عبور دولي من قلب الشرق الأوسط، وأقل تمثيلًا للصفات المشتركة في بناء سمات الشرق الأوسط القلب، وذلك بحكم أن هذه الأطراف تتاخم أقاليم أخرى وتتأثر بها كما سبق القول، وفي الحقيقة فإن المثلث القلب، وإن لم يفضل بقية الشرق الأوسط في جفافه، إلا أنه يفضله في عدد من الاعتبارات نذكر من أهمها:
  • (١)

    سيادة اللغة العربية على غالبية سكان قلب الشرق الأوسط، وذلك باستثناء طرفه الشمالي حيث تسود التركية، أما أطراف إيران الغربية الداخلة في قلب الشرق الأوسط فتسود فيها رسميًّا اللغة الإيرانية، لكنها منطقة تداخل كبير بين (أ) العربية (إقليم خوزستان أو عربستان أو حوزستان أو الأهواز حسب التسميات الإيرانية والعربية المختلفة، بالإضافة إلى تداخل عربي على طول سواحل إيران على الخليج العربي حتى هرمز). (ب) الكردية أو اللار في جبال زاجروس وكردستان. (ﺟ) الفارسية في المدن الساحلية والواحات الداخلية مثل كزرون ومسجد سليمان وشيراز وبندر عباس.

  • (٢)
    يسيطر قلب الشرق الأوسط على أهم الممرات البحرية العالمية في الشرق الأوسط (انظر خريطة ٢٥):
    • (أ)

      المضايق التركية بين البحر الأسود والمتوسط، وتشترك اليونان وتركيا في الإشراف على بحر إيجه الذي يكمل مسارات الملاحة السوفيتية والكتلة الشرقية من البحر الأسود إلى عالم البحر المتوسط، ومن ثم إلى المحيط الهندي عبر السويس.

    • (ب)

      قناة السويس وباب المندب اللذان يتحكمان في طريق الملاحة الدولي من أوروبا والاتحاد السوفيتي وأمريكا الشمالية إلى المحيط الهندي وخليج البترول والشرق الأقصى، وتشارك في الإشراف على هذا الطريق كافة دول البحر الأحمر والصومال واليمن الجنوبية بما في ذلك جزيرة سقطرة التابعة لليمن الجنوبية.

    • (جـ)

      مضيق هرمز الذي يتحكم في الملاحة بين أغنى منطقة إنتاج بترولي في العالم وبين أسواقه عبر البحار إلى شتى قارات العالم، والمفروض أن تتحكم كلٌّ من إيران ودولة الإمارات العربية المتحدة في هذا المضيق، لكن إيران — باحتلالها لجزر الطنب، وبقوتها العسكرية المدعمة بواسطة الأحلاف الأمريكية المتعددة — تسعى لكي تصبح الحاكم الفعلي لهذا الممر الحيوي بالنسبة لتجارة البترول العالمية.

  • (٣)

    في الشرق الأوسط القلب يتركز حوالي ٣٥٪ من إنتاج البترول الخام العالمي، وحوالي ٦٠٪ من احتياطي البترول العالمي المؤكد أيضًا، وبذلك يضيف هذا الإقليم إلى أهميته التقليدية أهمية جديدة، خاصة وأن الشرق الأوسط هو أكبر إقليم تصدير بترولي للعالم، ولا شك في أن زيادة استهلاك الشرق الأوسط من البترول في المستقبل، لكافة أغراض التنمية والطاقة، ستقلل كمية صادرات الإقليم إلى المناطق الجائعة للبترول، ولكن إنتاج الشرق الأوسط من البترول كبير للدرجة التي سيظل معها متصدرًا أقاليم التصدير البترولية العالمية لفترة طويلة خلال عصر البترول.

وفي الواقع فإن البترول في الشرق الأوسط قد أضاف إلى المنطقة أشكالًا جديدة من الاستراتيجيات الجيوبوليتيكية العالمية، متمثلة في الصراع الدولي حول المنطقة، وقد اتخذت جيوبوليتيكية البترول في تأثيرها السياسي على دول المنطقة عدة مراحل، وكانت المرحلة الأولى صراعًا واضحًا بين الرغبات القومية وبين مصالح الشركات الأجنبية المنتجة للبترول، وقد بدأت حركة تأميم البترول الإيراني في ظل حكومة مصدق في عام ١٩٥١ المرحلة الثانية من جيوبوليتيكية البترول، فقد تحول الصراع حول البترول إلى صراع قوميات المنطقة والمصالح القومية للعالم الغربي بأسره، وفي هذه المرحلة ألقت أمريكا بكل ثقلها السياسي والاستراتيجي كحليفة للقوى الإمبريالية الأوروبية القديمة، ولا شك أنه كان من آثار الصراع الذي ظهر على السطح فترة زمنية محدودة في إيران، وانتهى بفوز مصالح الشركات والدول الغربية معًا، اتجاه محسوس إلى زيادة عوائد البترول للدول المنتجة في الشرق الأوسط، وظهر مبدأ اﻟ ٥٠٪ في المشاركة بين الشركات والدول، وظهرت في تلك الفترة (١٩٦٠) منظمة الدولة المصدرة للبترول «أوبك OPEC»، وكان من نتائجها زيادة أسعار البترول تدريجيًّا وتغير نظام اﻟ ٥٠٪ في حالات كثيرة إلى ميزان أكثر ميلًا لصالح الدول المنتجة — في أغلب الحالات أصبحت النسب ٥٥–٧٥٪ للدولة المنتجة و٤٥–٢٥٪ للشركات القائمة بأعمال الإنتاج، ولكن في مقابل ذلك تلكأت الشركات في تشييد معامل تكرير البترول في الشرق الأوسط، وبدلًا من ذلك تضاعفت الطاقة التكريرية للبترول في أوروبا الغربية على وجه الخصوص.

ولقد بدأت المرحلة الثالثة في جيواستراتيجية البترول بالتلويح باستخدام البترول في الشرق الأوسط عامة، وفي العالم العربي بوجه خاص — بما في ذلك ليبيا والجزائر — كجزء من أسلحة الصراع العربي الإسرائيلي، وكان ذلك في النصف الثاني من الستينيات، ولكن استخدامه الفعلي لم يحدث إلا بعد نحو سبع سنوات من التلويح به، وكان ذلك في حرب أكتوبر ١٩٧٣، ولأول مرة يصبح البترول سلاحًا سياسيًّا ذا فعالية خطيرة، على مستوى ذي أبعاد دولية شاسعة، بعد أن كان مجرد سلاح تتدرع به القوميات النامية، كفنزويلا والمكسيك وإيران، لحماية مصالحها القومية فقط.

وإلى جانب آثار الحرب الساخنة في أكتوبر ١٩٧٣ بين العرب وإسرائيل، فإن سلاح البترول العربي قد اشترك بإيجابية كبيرة في رفع مشكلة الشرق الأوسط القومية والسياسية (العرب والإمبريالية الصهيونية) والاستراتيجية (الصراع الشرقي والغربي) والاقتصادية (مشكلة الطاقة في العالم الصناعي الأوروبي والأمريكي معًا، بالإضافة إلى اليابان) إلى أعلى مستوى من الفكر والمناقشة والتفاوض الجماعي وغير الجماعي بين دول السوق الأوروبية، والمعسكرين الشرقي والغربي، ودول العالم العربي، والعالم الأفريقي والآسيوي، والأمم المتحدة.

هوامش

(١) في خلال الحرب العالمية الثانية كان الشرق الأوسط في مفهوم السلاح الجوي البريطاني يمتد في شرق أفريقيا حتى يشتمل على كينيا بالإضافة إلى الصومال وإثيوبيا.
(٢) سهول تركيا المطلة على البحر الأسود وبحر مرمره وبحر إيجه، والسهول الساحلية السورية اللبنانية الفلسطينية، وسهول طرابلس الغرب، وسهول بحر قزوين الإيرانية.
(٣) معظم المرتفعات الأناضولية، والسلاسل الجبلية في سوريا ولبنان وشمال فلسطين، وهضبة كردستان وجبال زاجروس والبرز في إيران، والجبل الأخضر في برقة وعمان، وجبال اليمن والهضبة الحبشية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠