الفصل الثامن عشر

المقابلة

وكانت العباسة واقفة في غرفتها وركبتاها ترتعدان من شدة التأثر تتنازعها عوامل الحب والخوف والعتاب والرجاء، وكانت تلك الغرفة على سعتها وبما فيها من وسائل الزينة من المنائر المنصوبة، والصور المعلقة، والطنافس المفروشة؛ أضيق في عينيها من صندوق صغير. ورأت الانتظار تلك اللحظة أطول من انتظارها معظم ذلك النهار، ثم ما لبثت أن سمعت خفق نعاله بالباب، وسمعت حركة خلع النعال. وكانت عتبة تساعده على ذلك، فلما خلعها وضعتها على رفٍّ مُعدٍّ لمثلها هناك وعادت.

أما العباسة فتقدمت نحوه وهي في ثوب بسيط تعودَّت أن تلبسه عند مقابلته، وكان شعرها محلولًا وقد ضفرته ضفيرة واحدة جمعتها في أعلى رأسها بدبوس مرصع، والتفَّتْ فوق الرداء بمطرف من الحرير مزركش بأشعار طرزت على حواشيه بالقصب. وقد رسم القلق في أسِرَّتها عبوسًا زادها هيبة وجمالًا. ولم تتمالك عندما وقع نظرها على جعفر عن الابتسام، وقد نسيت ما أعدته من عبارات الشكوى، وذهب من مخيلتها ما تزاحم فيها من أسباب المخاوف، وأحست بارتياح تعودته في ساعة اللقاء، شأن الحب الصادق، فإنه غالب على أسباب الشقاء في كل حال؛ فالمحب مهما انتابه من المشاق أو اعترضه من العقبات إذا رأى حبيبه نسي كل شيء، واشتغل به عن كل شيء. والحب سعادة حقيقية لا يزيدها الشقاء إلا تمكنًا؛ كالذهب لا تزيده النار إلا صفاء ورونقًا.

وكان جعفر مع ما يراه من تفاني العباسة في حبه، وتفانيها في راحته، لا ينسى أنها من دم أجمع أهل ذلك الزمان على أنه أشرف من دمه؛ لأنها عربية هاشمية بنت خليفة وأخت خليفة، وهو فارسي أعجمي لا يسوءه مع ما بلغ إليه من السيادة ونفوذ الكلمة أن يُعدَّ في جملة الموالي — على جاري اصطلاحهم في ذلك العهد — ولم يجرؤ على الطمع في مثل ما ناله جعفر أحد من العجم، مهما بلغ من سطوتهم وعلو مرتبتهم، حتى الملوك والسلاطين من ظهور الإسلام إلى أواسط القرن الخامس للهجرة. وأول من أقدم على ذلك السلطان طغرلبيك السلجوقي، فأراد أن يتزوج ابنة الخليفة القائم بأمر الله العباسي، فانزعج الخليفة لطلبه، ولم يعقد له عليها إلا مضطرًّا عام ٤٥٤ﻫ، والخلفاء العباسيون يومئذ في دور الضعف. فكيف في أيام الرشيد وهو عصرهم الذهبي؟ فإذا عرف المرء ذلك، أدرك لماذا تخوف جعفر من انكشاف أمره واطلاع الرشيد على حقيقة زواجه بالعباسة زيجة حقيقية، وهو إنما عقد له عليها لتحلَّ له رؤيتها، وقد حسب ذلك منَّةً كبرى على وزيره وصديقه والقائم بدولته؛ فجعفر لم يُقدم على ذلك الأمر الخطير، ولا أقدمت العباسة عليه إلا لتغلُّب سلطان الحب عليهما.

فلما التقى الحبيبان نسي كل منهما الغرض من ذلك الاجتماع لحظة على حد قول الشاعر المجنون:

فيا ليلى، كم من حاجة لي مهمة
إذا جئتكم في الليل لا أدري ما هيا

ثم انتبهت العباسة لما يهددها من الخطر، فافتتحت الحديث وغلب عليها الدلال، فبدأت بالعتاب وهو فاتحة حديث المحبين، أو هو حجة يتطرقون بها إلى التشاكي، وما التشاكي إلا جلاء القلوب بالاحتكاك، فيزداد تجاذبها وتذكو نيران الغرام فيها، فقالت: «لم يرُق لجعفر أن يجيب طلب العباسة إلا الآن!»

فأجابها وهو ينظر إليها نظرة المحب الولهان: «إن طلب العباسة أمر لا مرد له، ولكن الظروف قضت بإبطائي خوفًا من أعين الرقباء، وقد جئتك بقارب على دجلة وبعثت غلامي بالجواد لأعود عليه.»

فأدركت السبب في عدم رؤيتها إياه من الشرفة ساعة مجيئه، فجلست على وسادة من الحرير المطرز، وهي ممسكة يده تدعوه إلى الجلوس بجانبها، فأحس ببرودة تلك اليد وارتعاشها، وجلس على وسادة أخرى بجانبها وهو يحاذر أن يتحول نظره عن نظرها، ولبث ينتظر ما يبدو منها، فإذا هي تقول وصوتها يرتجف: «إلى متى هذا الحذر يا جعفر؟ قد آن لنا أن نعيش أو نموت.»

فظنها تعرِّض بما يخشيانه من أمر الرشيد، فتنهد وقال: «إن الأقدار حكمت علينا بهذه المخاوف لأنها جعلت بيني وبينك حجابًا من شرف النسب، فجعلتك من سادة بني هاشم وجعلتني من الموالي.»

فقالت وهي تنظر إليه عاتبة: «إنه حجاب من الوهم الباطل؛ فأنت أسمى نفسًا من السادة، وأرفع في عينيَّ من كل بني هاشم، ولكن.» وسكتت.

فقال: «لقد دعوتني على عجل فجئت، فهل حدث شيء جديد؟»

قالت وقد ذهبت دهشة اللقاء وعادت إليها مخاوفها، وأسرعت الدموع إلى مآقيها: «نعم. فينبغي أن نموت أو نعيش؛ إذ لا طاقة لي بما نقاسيه من الخوف.»

فأجفل وقال: «ما الذي حدث مما نخافه إلى هذا الحد؟ أما الموت فإني أرحب به في سبيل راحتك.»

قالت وصوتها يرتجف: «لقد انكشف أمرنا، ولا يلبث أن يطلع أخي على سرنا.» واختنق صوتها.

قال وقد بُغت: «وأي سر؟ ومن اطَّلع عليه؟ وكيف؟ ومتى؟»

قالت: «قد انكشف سرَّنا بالأمس وأنا في دار فنحاس مع ولدينا أُقبِّلهما وأشبع شوقي لرؤيتهما.»

قال: «ومن اطَّلع عليه؟ مَن تجرَّأ على ذلك؟»

قالت: «أبو العتاهية اللعين.»

فأجفل وصاح: «أبو العتاهية؟ يجب أن يقتل حالًا.»

قالت: «وقد أردت قتله، فبعثت شرذمة من الجند للقبض عليه في صباح هذا اليوم، وهو لا يزال في تلك الدار، فتمكن من الفرار.»

قال: «وكيف يفر من أيدي الجند؟ تبًّا لهم.»

قالت: «إنما نجَّاه عدوُّك الخبيث.»

قال: «وأي أعدائي تعنين؟ فإنهم كثيرون.»

قالت: «صدقتَ. إنهم كثيرون، ولكنني أعني أشدَّهم حسدًا لك، وأكثرهم سعيًا في أذاك، ووشاية بك. ألم تعلم من هو؟»

قال: «أظنك تعنين الفضل بن الربيع؟»

قالت: «إياه أعني.» وأجهشت بالبكاء.

فحمي غضب جعفر لبكائها، وكاد يمزق ثوبه غضبًا وكيدًا، وقال: «الفضل بن الربيع! قبَّحه الله من وغدٍ زنيم. ألم يخفْ من سطوتي؟ ألم يرهب حدَّ سيفي؟ ما الذي جرَّأه على هذه الوقاحة؟»

قالت: «جرَّأه أنه مُقربٌ من محمد بن زبيدة، وأنت تعلم نفوذ كلمتها عند أخي، واتَّفق وجوده في دار الرقيق لابتياع بعض الجواري المغنيات لذلك الغلام الخليع، وبينما هو خارج رأى جندنا يهمُّون بالقبض على أبي العتاهية فاستنجد به، وقد رأته جاريتي عتبة يشير إليه بعينيه كأنه يعده بكشف سرٍّ يهمه، فأنقذه واستعان على ذلك برجاله وهدَّد رجالنا، فتركوا أبا العتاهية وعادوا فقصُّوا عليَّ الخبر فكدتُ أتقد بثيابي، ولم أعد أدري ماذا أعمل، فأشارت عليَّ تلك الجارية الأمينة أن أُطلعك على الواقع، وذهبت هي إليك بتلك البطاقة وأنت تلعب بالكرة والصولجان، فعهدتْ بها إلى غلامك حمدان الذي تعودت إنفاذه إليَّ، وهو أوصلها إليك. وقد قضيت في انتظارك ساعات هي أطول عليَّ من الدهر حتى جئتَ الآن، وهذا هو ما أردت أن أخبرك به، فما رأيك؟ لقد أصبحتُ لا آمن البقاء هنا ساعة، ويُخيل إليَّ أن أحجار بغداد ومياه دجلة تعلم بسرِّي، وكأن خدمي وجواريَّ جند يهمُّون بالقبض عليَّ. ولو كان الخطر عليَّ وحدي لهان مصابي، لكنني أخاف عليك من غضب أخي وشدة بطشه.» قالت ذلك وأخرجت منديلها تمسح به عينيها وقد استغرقت في البكاء.

وكان جعفر يسمع حديثها، وعيناه شاخصتان إليها، وقلبه يخفق بشدة، ولحيته ترقص غضبًا، فلما فرغت من كلامها هاجت عواطفه، وحمي غضبه، فلم يتمالك أن وقف بغتة وقال: «لا تخافي يا حبيبتي، إنهم لن ينالوا منك شعرة قبل أن تزهق أرواحهم جميعًا.»

فأمسكت بطرف ردائه وأجلسته وهي تقول له: «لا تجعل للغضب عليك سلطانًا؛ فإن الأمر يحتاج إلى التأنِّي والتبصُّر؛ لأن عدوك الخليفة أمير المؤمنين، وبنو هاشم وسائر العرب وأحزابهم وأجنادهم، ولك حساد يتوقعون منك كبوة يجعلونها حجة؛ لذلك أخشى إذا أخذت الأمر عنوةً أن تعرِّض نفسك للخطر.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤