الفصل التاسع والثلاثون

مجلس الرشيد

أما إسماعيل، فإنه انتظر حتى فرغ الخليفة من ذلك الوفد فعاد إلى التفكير فيما جاء من أجله، وأحب أن يخاطبه على انفراد قبل أن يأتي أحد من بني هاشم أو سواهم فيحول بينه وبين ما يريد. وهو يرى الإسراع في مهمته قبل ذهاب الفرصة، فلما ذهب الوفد عاد صاحب الستارة ودعاه للدخول على الرشيد؛ إذ لا حجاب عليه، وقال: «لما علم مولانا أمير المؤمنين بمجيئك أمرني أن أدخلك عليه.»

قال: «وأحب ألا تُدخل علينا أحدًا ريثما أفرغ من حديثي معه.»

فوسع له الستارة ما بين شطريها، فأطل إسماعيل على الرشيد، فرآه جالسًا على سرير من الذهب الإبريز مرصع بالجواهر١ فوق سدة في صدر المجلس منصوبة بين أسطوانتين من أساطين الإيوان، مجللتين بالوشي المنسوج بالذهب، وقد وقف عند كل منهما وُصفاء في أيديهم المذبَّات أو المناديل، ووراء السدة من الجانبين شاكريان بيد كلٍّ منهما سيف مسلول. والسدة عبارة عن مظلة قائمة على عمد من الأبنوس المطعم بالعاج، سقفها من الديباج الأسود المزركش بالذهب برسوم جميلة، وفي حاشيته من الأمام والجانبين أهلَّة من الذهب مدلاة في كل هلال منها أترجة ذهب مسبك، يتدلى من كل أترجة درر كبار بينها الياقوت الأحمر والأصفر والأزرق على نظام بديع يبهر النظر. والرشيد جالس على السرير في السدة تحت المظلة، وعليه ثياب يلبسها عند استقبال قادم من كبار الملوك أو نوابهم، إذا أراد إرهابهم بعز الإسلام، وجلال الدولة، وأبهة الخلافة. وقد لبسها في ذلك اليوم لاستقبال الوفد الهندي، فكان على رأسه قلنسوة قصيرة حولها عمامة سوداء من الخز الموشَّى، وبين ثناياها عقود من الجوهر بشكل مسبحات تملأ الأخلية بين تعاريج العمامة، وفي مقدمتها فوق الجبهة شبه طرَّة من الذهب المرصَّع بالجوهر والياقوت والزمرد يبرز منها كعرف الطاووس من أسلاك الذهب، وقد نظمت بها لآلئ بينها ثلاثٍ كبيض الحمام عند قاعدة العرف. وكان على الرشيد جبة سوداء فوقها بردة النبي . فهل يسع المُقبل على تلك السدة غير التهيب؟ أما إسماعيل فكان قد تعوَّد ذلك، وهو عاقل حكيم لا تأخذه المظاهر المبهرجة، وكان مع ذلك في شاغل من إعمال الفكرة في حال الخلافة وما يخشاه عليها من التدهور، وهو يعلم شدة انفعال الرشيد وتسرُّعه إذا غضب.

فلما أطلَّ من بين شطري الستارة قال بأعلى صوته: «السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.»

فتحرك الرشيد كأنه يتحفَّز للقيام إجلالًا لإسماعيل، وابتسم له وهو يقول: «وعليك السلام يا عماه. مرحبًا بك.»

فدخل وأسرع في خطواته ليمنع الخليفة من الوقوف له. أما الرشيد فنهض من مقعده قليلًا، ومد يده وصافح إسماعيل وقال: «لقد أتيت أهلًا يا عماه. أمثلك يستأذن في الدخول؟!»

ثم أومأ إلى الوصفاء فقدموا له مقعدًا وضعوه بجانب السرير، وأشار الرشيد إليه بالجلوس وهو يبتسم ترحابًا واستئناسًا. فجلس وأثنى على ما قوبل به من الرعاية والحفاوة، ودعا للرشيد. ولبث ساكتًا على عادة من يجالس الخلفاء، فإنهم لا يبدءون الخليفة بكلام، فاستحسن الرشيد تأدبه مع علمه بكبر نفسه ودالته، فقال: «لقد أتيتنا لخبر إن شاء الله؛ فإنك منقطع عنا منذ أيام، ولا تأتينا إلا لنصيحة أو مهمة، ونحن كل يوم نرجو لقاءك.»

قال: «إني يا أمير المؤمنين أقيم في البصرة، وقلما آتي بغداد، ولو علمت لدخولي على الخليفة نفعًا لقضيت سحابة عمري بين يديه. وأما الآن فقد أتيت ألتمس منه فضلًا، بالإضافة إلى عطاياه المتوالية، ونعمه السابغة.»

قال: «قل ما شئت فإنك صاحب الأمر معنا.»

فأكبر إسماعيل تلك المجاملة وأحنى رأسه امتنانًا ويداه ملمومتان في حجره، وقال: «إن الأمر لمولاي، جعله الله له وحده لا ينازعه فيه أحد، وهو ينعم بما يشاء من فضله، فإذا سمح مولاي بكلمة؛ فإني أستأذنه في الخلوة.»

فأومأ الرشيد فخرج الوصفاء والشاكريان، وأقبل هو بكليته على إسماعيل، وقد أبرقت عيناه اهتمامًا وتفرسًا؛ لعلمه أن إسماعيل لا يطلب الخلوة إلا لأمر ذي بال.

فنظر إسماعيل إلى الرشيد وقال: «هل أتكلم؟»

قال: «تكلم. اطلب ما تشاء.»

فقال: «لا يخفى على مولاي أن جعفر ابن أخي الهادي من خيرة بني أعمامنا.»

فلما سمع الرشيد اسم جعفر أوجس خيفة مما قد يتلوه من اقتراحات لا يروق له تنفيذها، ولكنه أظهر اللطف وقال: «نعم، إنه ابن أخي، فهل هو في حاجة إلى عطاء؟»

فقال: «كلا يا مولاي؛ لأن نِعَم أمير المؤمنين تتوالى عليه كما تتوالى على سائر بني هاشم، ولكنه يودُّ الزيادة في شرفه.»

فأدرك الرشيد بفراسته أن إسماعيل إنما جاء خاطبًا، فتجاهل وقال: «إن قرابة الرسول أعظم أسباب الشرف له ولنا.»

فقال: «نعم، هو كذلك، ولكنه يحب التقرب من عمه أمير المؤمنين وخليفة سيد المرسلين.»

فلم يبق عند الرشيد شك في أنه جاء يخطب ابنته لجعفر، فابتدره قائلًا: «كل ما تقترحه يا عماه ينفذ إلا خطبة العالية.»

فاستغرب إسماعيل تلك المفاجأة وقال: «وأنا لم آتِ لأطلب سواها، فإذا كان ذلك ممتنعًا، فالأمر لأمير المؤمنين، ونحن مطيعون لإرادته ندعو له بطول البقاء، على أن ما خوَّلتنيه من الدالة يشجعني على سؤال أرجو ألا يثقل على مولاي.»

فقال: «قل؛ فإن لك رعاية وحقًا.»

قال: «لعل أمير المؤمنين لا يرى ابن أخيه كفؤًا لمولاتنا العالية! فمن يا ترى أكثر كفاءة لها من ابن عمها أخي أبيها، حفيد الملك النبيل والشيخ الجليل — يقصد المنصور؟»

فقال الرشيد وهو يعبث بقضيب الخلافة بين أنامله: «أما الكفاءة فلا ينازعه أحد فيها، كما ذكرت، ولكن سبق السيف العزل؛ فإن العالية مخطوبة.»

فاستبعد إسماعيل أن تخطب بنت الخليفة ولا يعلم هو بخطبتها، وظن أن الرشيد يقول ذلك ليبرر رفضه، فقال: «العالية مخطوبة؟ إني لا أعلم بذلك، ولو علمت به ما أقدمت على طلبها، ولم أكن أظن أن أحدًا يمكن أن يظفر بذلك غير ابن عمها!»

فتحرك الرشيد في مجلسه ونظر إلى البساط وقال وهو يحاول إخفاء ما كاد يظهر على وجهه من الانفعال: «نعم، لكن وزيرنا جعفرًا طلبها لإبراهيم بن عبد الملك بن صالح؛ ابن عمنا، فلم نرد طلبه.»

فلما سمع إسماعيل قوله أطرق وتشاغل ببلع ريقه وقد عظم عليه فشله، ولكن غضبه من نفوذ جعفر إلى هذا الحد كان أعظم عليه من ذلك الفشل، على أنه تماسك مخافة أن يظهر غضبه فيؤدي إلى النقمة عليه، وظل مطرقًا والرشيد ينظر إليه ويراقب ما يبدو منه وهو يودُّ الاكتفاء بما تقدم. فلما طال سكوت إسماعيل قال الرشيد: «إنه يؤسفني أن أردَّ طلبك لولا ما قلت لك من إتمام الخطبة، وأنت تعلم أن الرجوع عن ذلك لا يليق؛ فاطلب لابن أخينا منَّة أخرى.»

١  الأغاني ١٨٤، الجزء الثالث.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١