الفصل السادس والأربعون

السر

فاتكأ الرشيد على السرير وأومأ إليه أن يجلس، فجلس جاثيًا على البساط والدموع لا تزال في عينيه، فقال له: «لا تخف يا أبا العتاهية، إنك في أمان.»

فأجاب بصوت مختنق: «هل أنا آمن يا أمير المؤمنين؟»

قال: «أنت آمن إذا صدقتني.»

قال: «آمن منك ومن وزيرك؟»

قال: «لا تكثر من الأسئلة؛ إذا أمَّنك أمير المؤمنين فلا خوف عليك.»

فتنفس الصعداء حتى هدأ روعه ثم قال: «وسيعلم مولاي أني إنما ركبت هذا المركب الخشن في سبيل خدمته.»

قال وقد ملَّ الانتظار: «قل لي من أين عرفت هذا الشعر، ومَن الذي أطلعك عليه؟»

فقال: «لم يطلعني عليه أحد.»

قال: «وكيف عرفته؟ لعله من نظمك؟»

فقال: «نعم.»

قال: «وما الذي حملك على نظمه؟»

فقال: «حملني على ذلك أمر عرفته، وعلمت أن ليس بين رجال بطانتك من يجرؤ على أن يُطلعك عليه، فلجأت إلى هذه الحيلة في إبلاغه إليك؛ فأرجو ألا أكون قد أسأت إلى نفسي وإلى أهلي.»

قال: «لا بأس عليك، وما هو ذلك الأمر؟ وما صلة وزيرنا به؟»

فقال: «إنه يتعلق به وحده يا سيدي، وسأقصُّه عليك، فإذا تحققت من وقوعه؛ فأنا آمن، وإلا فدمي مسفوك.»

قال: «اقصص الخبر ولا تخف.»

فقص عليه حكاية العلوي ونجاته على يد جعفر إلى آخر الحديث.

وكان أبو العتاهية يتكلم وصوته يرتجف ويتقطع، والرشيد مُصغٍ بكل جوارحه وجأشه رابط. فلما أتى على آخر حديثه سأله: «هل أنت واثق من صدق هذه الرواية؟»

فقال: «لو لم أكن واثقًا، بل لو لم أكن على يقين من الأمر ما عرَّضت حياتي لهذا الخطر العظيم.»

فتذكر الرشيد علاقة جعفر به، ورفعة مقامه عنده، فأكبر أن يدخل ذلك الشاعر بينهما، ورأى أن من الحزم والحكمة أن يُغالطه فاغتصب ضحكة وقال: «لا ريب عندي أنك أقدمت على كشف هذا الأمر غَيرةً منك على مصلحة الدولة؛ ولذلك فأنت أهل للشكر والجائزة، ولكنك كلَّفت نفسك عناءً عظيمًا بلا طائل؛ لأن وزيرنا لم يأت بهذا العمل من نفسه، فهو لم يطلق ذلك العلوي إلا بإشارتي، بعد أن تحققت أنه لا بأس من إطلاقه.»

فلما سمع أبو العتاهية ذلك أُسقط في يده وتولاه الخجل، ولكنه اطمأن باله على حياته وقد ربح المال الذي وعده الفضل به، على أنه ظل خائفًا من جعفر إذا بلغه خبر هذه الوشاية، فقال: «أحمد الله على أن ذلك لم يحدث إلا برأي أمير المؤمنين، وقد اطمأن بالي على حياة الوزير، ولكنني أصبحت أخشى على حياتي منه إذا بلغه أني نقلت هذا الخبر، فيحسبني من أعدائه.»

فقطع الرشيد كلامه قائلًا: «لا تخف؛ فإني سأكتم ذلك عنه. كن مطمئنًا.» قال ذلك ونهض، فنهض أبو العتاهية وقد هدأ روعه. أما الرشيد فقد انحبس غضبه حتى ضاق صدره عنه وكاد يصرعه. فعل ذلك رغبة في إخفاء ما في نفسه عن أعداء جعفر. ولم يَخفَ عليه أن أبا العتاهية لم يأت من عند نفسه، وأن الفضل هو الذي أرسله، ولكنه اكتفى بما سمعه وصفَّق، فجاء مسرور مسرعًا كالبرق الخاطف، فقال له الرشيد: «خُذْ أبا العتاهية، ومُرْ صاحب بيت مالنا أن يعطيه ألف دينار، وأطلق سبيله.»

فقال: «سمعًا وطاعة يا أمير المؤمنين.» وأمسك أبا العتاهية بيده وخرج به.

فلما خلا الرشيد إلى نفسه هاج بلباله وعادت إليه وساوسه، فتذكر ما دار بينه وبين إسماعيل في ذلك الصباح، وكيف ردَّه خائبًا رغم قرابته، وجلالة قدره، رعاية لحق جعفر. وكيف تبدر منه هذه البادرة، فيطلق أسيرًا عهد به إليه، فثبت عنده ما كان يتهمه به من الميل إلى العلويين والرغبة فيهم عن العباسيين، فلما تصور ذلك هاج غضبه، ونسي موقفه، وجعل يمشي ذهابًا وإيابًا على غير هدًى، ويخاطب نفسه قائلًا: «هل أنا في حلم؟ أيرتكب جعفر هذه الخيانة وقد أحببته وأكرمته، ورفعت قدره، وسلمت إليه مقاليد الأحكام، وأطلقت يديه في شئون الدولة؟ وهل يعقل أن يكون ما سمعته وشاية من الحساد؟ لا يعقل ذلك. ولكن كيف أتصور أن يغدر بي جعفر ويطلق عدوًّا سلمته إليه، مع ما يعلمه من بغضي للعلويين؟ بل كيف يفعل ذلك ولا يخاف على حياته؟ وهذا أيضًا لا يعقل، إلا أن يكون الرجل مصابًا في عقله؛ لأنه يعلم بطش هارون إذا غضب.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤