مقدمة نخب العَدُوِّ

كدت أن أفتتح هذه المقدمة بهذا القول: «أطرح الرياء، وأبتعد عن الخيلاء؛ فأصارحك أنني أدفع إلى المسرح العربي برائعة، يفتخر بها أي درامائي كان، في أية لغة وأي زمان. أقول هذا وورائي في اختبار الفن المسرحي، دراسةً، وملاحظةً، وتأليفًا؛ خمسة عشر عامًا، تعرفت خلالها إلى معظم البارزين في هذا الفن، على المسرح، وفي الكتاب، وعلى الشاشة البيضاء.

ولئن دار في خلدك أنه قد تدحرجت من فمي كلمة ادعاء ضخمة، فأنا أدعوك إلى المقابلة، فأْتِ بأية رائعة إفرنجية، وقابلها «بنخب العدو» حادثةً، ومواقفَ، ونكاتٍ، وأشخاصًا، ومفاجآتٍ، وحركةً، وتضادًّا، وحِبكة فنية، وسلاسة؛ تجد «نخب العدو» تضاهي أجملهنَّ في كل شيء، وقد تكون دون بعضهن في روعة المأزق، ولكني واثق من أن نهايتها هي أجمل نهاية رواية تعرفها بدون استثناء، وعلى الإطلاق». «انتهى التَّبَجُّحُ».

غير أني وجدت مثل هذا القول بعيدًا عن سلامة الذوق والكياسة، وقد يكون غير صحيح، وها أنا ذا لا أملك وأنا أراجع قراءتها بعيدًا عن المسرح، من أن أسائل نفسي: أهذه هي الرائعة الأوتوبيوغرافية التي كنت أهرع إليها، كلما أصابني فشل جديد، فأعزي نفسي بقولي: لا بأس، إن «نخب العدو» ستخلد اسمك؟! أسائل نفسي بكثير من الشك: أعظيمة هذه الرواية بقدر ما كنت أتمنَّى؟ أم هي عادية، أم هي — ويا للعياذ بالله — جهد فاشل؟! أتعرى من عواطفي، وأقول لك ولنفسي بصدق، وبالألم الذي يلابس الحيرة: لا أدري، لا أدري، فالدرامة خارج المسرح كالسمكة خارج المياه، والرواية التمثيلية — كما يدل عليها اسمها — هي أداة تمثيل، وليست أداة مطالعة، وليس للقارئ أن يقيم نفسه قاضيًا عليها. هي ذا طاولتي تحمل أربعة مجلدات ضخمة، تضم كل درامة ناجحة بين عامي ١٩٠٤ و١٩٣٦. أذكر أنني لم أجلس لقراءة إحداها إلا شعرت كأنني مُرْغَمُ على تَجَرُّعِ دواء كريه.

وبعد، فأنا ألَّفت هذه الدرامة، وبيني وبين مسرحي خمسة آلاف ميل، وبيني وبين جمهوري اثنا عشر عامًا. ثم أين هي من المختبر العظيم — المسرح — تتكيف بالتمرين، وتُصَاغُ على التجربة، فلا يراها الناس إلا بعد أن تُمرَّن، وتُهذَّب، وتُراض؟ إنني لا أعرف في تاريخ الدرامة رواية كذا كانت ظروف إبداعها، فإن جاءت برغم هذه المصاعب ناجحة، وكان في حيويتها عناصر الخلود، وأعياني إذ ذاك المال، لقطعت الطريق أنهب لي ثمن تمثال أقيمه لنفسي. وما دام لكل قصةٍ قصةٌ، فهذه قصة «نخب العدو»: ألَّفت في صباي مهزلتين هما: «لولا المحامي» و«قُضِيَ الأمر»، كان من سوء حظي أنهما نجحتا، وهاجرت لبنان والأدب إلى التجارة، فكان من سوء حظي أني أصبت النجاح المالي عاجلًا، ووحلت طريقًا كانت مغبرَّة، فتبخرت الثروة، وأطفأ البعد والانقطاع عن الإنتاج اسمًا أدبيًّا كاد يلمع، فإذا لا خيل عندك ولا حمير، ولا أدب ولا مال. وخلال هذه الأعوام مرَّ بي من الحوادث والاختبارات والأشخاص ما لا تحشده الأيام في عشرات السنين، وكنت أثناء ذلك غير مواظب على شيء إلا الدرامة، وفي مخيلتي عشرات القصص ومئات المشاهد، أكثرها بخار وضباب، وحدث أن المهاجر اللبناني بحروز معضاد ماتت له همة في «البلاد»، فجاء يستكتبني مقدمة لرسالة تعزية، يسميها المهاجرون «ترجومة»، فعجز بياني عن تلك المحاولة العظمى، وجاء من أخبرني أن المواطنين المهاجرين يتضاحكون، ويقولون إنني أجهل الكتابة، حتى لا أقوى على خط «ترجومي»، وأن أحاديثي عما كتبته في صباي هي من قبيل التباهي الكاذب.

«سنرى!» قلتها لنفسي صارفًا بأسناني.

في تلك الساعة، عاهدت نفسي على أن أنتشلها من هُوَّةِ الخمول. في تلك الليلة عقد دخان سكائري غيومًا في غرفتي، وتذمَّر الجيران من رائحة البُنِّ في مطبخي، وتمخضت ﺑ «نخب العدوِّ». وجدت في تلك الليلة أن بين يديَّ ثروة من مذكرات دونتها في أحلامي النهارية، وفي أسفاري، ورجعت إلى أوراق صباي، أستوحيها ثقة بنفسي كادت تتلاشى، وكحلت عيني برؤية صورتي، يطرز إطارها في الصحف عبارات التقريظ، وناديت نفسي مشجِّعًا: «إلى الأمام! تقدر أن تؤلِّف. تقدر أن تؤلِّف.» والله لأؤلِّفنَّها هذه الليلة! هذه حوادثها واضحة في رأسي، ومواقفها لا ينقص إلا أن أضعها على الورق. ها هي العبارات تثور، والمكالمات تتسابق إلى الجلوس على القرطاس. «لأؤلِّفنَّها هذه الليلة!» قلتها لنفسي وأنا أجترُّ انتصارات غابرة، ومشى بي بصري في مقالة مدح من قلم توفيق قربان إليَّ: «ونرجو أن يماشي سعيد تقي الدين في تآليفه المستقبلة مبدأ النشوء والارتقاء.»

«النشوء والارتقاء» — ها! تلك العبارة كبحت جنوني، وردَّت المنطق إلى تفكيري. النشوء والارتقاء. تقدم على مهل. كن أمينًا للذين تفاءلوا بك. درامة، لا تُكتب في ليلة. إلى فراشك يا غلام! اذْكُرْ أنَّ أحبَّ خِلَّانك إليك يقول لك إنك مجازف متهور. لولا هاتان الخصلتان لكنت اليوم غنيًّا. لا تجازف بأدبك كما جازفت بمالك. الرواية لا تُكتب بليلة. كن صادقًا لفنِّك، وتوجَّه إلى الناس بنهاية النهاية من مقدرتك. إن هذه المواد التي بين يديك قد تظهر لأول وهلة وافرة، فاقتطف منها أطيبها، وارم الحامض والمهترئ. قد تكون هذه آخر قفزاتك في الحياة، فتطلَّع قبل أن تقفز — حذارِ المهاوي.

وما زلت أحذف، وأكتب وأمزِّق، وأزيد وأُنقِص، إلى أن تجهزت هذه الدرامة.

فن مبذر مقامر

قد يكون ولعي بتأليف الدرامة أنه وقع مني على طبع مجازف. فالشاعر مثلًا ينظم أبياته في لحظات أو ساعات، فإن جاءت شعرًا، شعرًا، رددها الناس عامًا فعامًا، وجيلًا فجيلًا. أما المؤلف المسرحي فيصب فنه وروحه وخبرته، ويقوِّس ظهره ناحتًا حجارة قصر يشيده — لماذا؟ ليبيت فيه جمهوره ليلة، بل ساعتين أو ثلاث ساعات من ليلة. يا له من فن مسرف! القصَّاص يؤلف له نُوفِلَّة أو قصة قصيرة في وسعك أن تقرأها في فراشك، أو في القطار، أو حيث تستطيب، وحين تكون نفسيتك في شوق إلى قراءتها. أما الدرامائي فيشتغل، ويستشغل جيشًا من مخرجين وممثلين ودهانين و، و، و… ويقول للناس: تعالوا إليَّ في الليلة الفلانية، واسمعوا إلى ما أحدثكم به، وانظروا ما أعرضه عليكم. أنتم القضاة، وليس لحكمكم استئناف، ولا تمييز. لا أبالي في أية حالة نفسية أنتم. أريدكم في الساعة كذا أن تجتمعوا، والساعة كذا أن تنصرفوا. أنتم لكم ذهنيات متباينة أفرادًا، ولكم نفسية خاصة مجتمعين، ومن المحتم عليَّ أن أفهمكم أفرادًا وجماعةً، وهو فرض لا يعترض طريق فنان سواي.

الدرامائي رجل الشارع

هو بحكم الحال فنان غير اختصاصي. فالمصور مثلًا يقدر أن ينصرف إلى التصوير فقط، بل في وسعه أن يجنح إلى فرع من فروع التصوير، وله أن لا يفهم شيئًا سواه، وليس في ذلك ما يعيبه، بل إن نوابغ الفن المجازي جاءوا فقراء في دراسة الدنيا وشئونها. أما الدرامائي، فتتنوع أشخاص روايته، واختلاف مشاكلها ومواقفها؛ يحتم عليه أن يفهم كل شيء من العلوم والناس والتجارب، إن لم يكن من الألف إلى الياء، فعلى الأقل من الألف إلى الباء، فلا تتخيلنَّ الدرامائي فنانًا كلاسيكيًّا تهدل شعره، وتاهت إلى ما وراء الأفق نظراته، بل هو ابن الأرصفة، يسحب الأرانب من القبعات، ومن حصافة الرأي إذا صافحته أن تَعُدَّ أصابع يدك، لتتأكد أنها لا تزال في مكانها.

كنت في «نخب العدوِّ» أسائل نفسي، وأسائل الشهيرين من الأطباء، هل العلم يضحك من نظريتي التي وضعتها على فم «الدكتور نجيب» من أن المفاجأة العظمى تشفي العمى العصبي؟ هي نظرية ولدها خيالي، أيمكن أن تكون أو تصير حقيقةً علميةً؟ ابتسم الأطباء، وقالوا: من حظ المرضى أنك لم تمتهن الطب. إلى أن وقعت بين يديَّ مجلة أميركية، فإذا بعض أنواع العمى الذي يسببه الغضب يشفيه الخداع، أو اليقين. وعقبها بحث آخر في مجلة ثانية، تذيع أن الموسيقى تشفي بعض العميان. ومَنْ تبسط في درس تينك المقالتين يجد أن حادثة عمى «وسيم الحموي» في «نخب العدوِّ» وشفائه ليست من الغرابة بقدر ما تبدو لأول وهلة، بل إنها ربما كانت أو صارت حقيقة علمية. اتركها في «نخب العدو» يا غلام، واسبح في أحلامك النهارية، وادَّع أنك أصبت في الطب فتحًا جديدًا. بل انظر إلى نفسك في مرآة مقعرة، وقل لقد تنبَّأ «جون فرن» بالغواصات والطيارات. أنا جول فرن الطب! وليس على الادعاء ضريبة.

ولماذا لم تنشأ عندنا الدرامة؟

أقول: إن في شعبنا مواهب أدبية وإلهامًا صافيًا. أقول: إن ما ينتجه اليوم بعض شعرائنا هو من أصفى الشعر وأبدعه. أقول لجماعة بيروت — وفيهم كل قريب وحبيب: لقد أصبحتم ولا يعجبكم العجب، فلا تقتلوا بمرارة نقدكم شاعرية إخوانكم. وبعد، فالنقد فن زائف ومهنة طفيلية. فاصرفوا همكم إلى الإنتاج، وشيدوا لنا القصور والجسور، نتعلم منها فن البناء أكثر من تعلمنا إياه في خرائطكم الزرقاء، ولماذا لا تتأكدون من وجود الغلال على البيادر قبل أن تقيموا فبارك الغرابيل؟!

أما طوفان النقد في سوريا ولبنان، فراجع إلى أسباب عدة، أترك منها ما هو معروف وشائع، وأذكر ما أعتقد أنه على القراء جديد. فالنقد يوهم صاحبه — ولو ضمنًا — بالتفوق على المنقود. أنا أنقدك إذن أنا أفضل منك، وما دام حب التسوُّد غريزة إنسانية، فلا عجب إذا تفشَّى داء النقد. ثم إن في قرارة النفس الإنسانية في كل شعب وقطر — ولا احتكار في الموبقات — حثالة لؤم يفسح النقد عنه؛ فلا عجب إذن إذا شاع. زِدْ على ذلك أن النقد يضع بيني يدي الأديب أو المتأدب موضوعًا جاهزًا، فلا حاجة إلى حك الرأس والتنقيب عن موضوع يبحثه الكاتب. كذلك ليس من إنتاج — مهما عظم — إلا وفيه نواحٍ ضعيفة، يسهل اكتشافها، فتسري نشوة الظفر في عروق الناقد مكتشفها. كذلك التطرف يولد التطرف. القياصرة خلقوا البلاشفة، والمديح بلا وزن سبب النقد الأعمى، وسيأتي يوم تتزن فيه خطواتنا، في الطريق الوسط السويِّ، ولكننا أغربنا عن الموضوع، وكان «لماذا لم يكن عندنا درامة؟»

من معائب إرثنا الأدبي خلوُّه من الدرامة، ومن معائب حالتنا القومية أنه ليس عندنا جمهور، فشعبنا ليس موحد التاريخ، انظر إلى بعضنا يقول بالإسلام والعروبة، وآخرين بالمسيحية والفينيقية. هذه قريتنا فيها الفلاح الصلب الفطري، وفيها المتأمرك، والمتبرزل، والمتفرنس، إلخ … عندنا ألف حزب وحزب، وألف دين ودين، وألف معبد ومعبد، وفي آخر الزمان فشت الروابط العائلية، «كالرابطة الشرندعية» لعائلة شرندع، والرابطة العلوشية لبني علوش، كأننا بدلًا من أن نسير في نشوئنا وارتقائنا إلى صهر العائلات والطوائف في قالب الوطن، أخذنا نتقهقر في تهذيبنا القومي إلى فك سلسلة الوطن إلى حلقاتها الصغرى.

ثقافتنا ليست موحدة، فهي علمانية، لاهوتية، عربية، إفرنسية، أميركية، أو خليط من بعضها أو كلها. أثوابنا تتراوح بين العمامة والقبعة، وبين البنطلون والسروال. أعيادنا، وأيام الراحة عندنا ليست موحدة، كذلك لهجاتنا، وأساليب معيشتنا، وطرق تفكيرنا. تاريخنا يرشح بالحروب الأهلية، ونحن في بيروت — مدينة العلم والنور — تلك الشرفة التي نطل منها على الدنيا، والتي زيناها للدنيا، وفي عام ١٩٣٦ «يلي ب.م، وليس قبله» تذابحنا مسلمين ونصارى — ويا للعار! — ونهبنا أموال بعضنا بعضًا. أفي مثل هذا الشعب «جمهور» بمعناه المسرحي، الجمهور الموحد التهذيب والشعور والعاطفة، المتشابه الأذواق؟ المتحاكي العقليات؟! الجمهور الذي يضحك لنكتة، ويستفزه تلميح إلى حادثة؟! سل لي أربعة أو خمسة من عشرائك أن ينشدوا نشيدًا، تسمعهم يبدأون موحدي النغمة والكلمات، فإذا انتهوا من المقطع الأول من الأغنية اختلط عليهم النغم، واختلفت الكلمات، وأصبح «كُلٌّ يغني على ليلاه.» هل في القوم الذي يعجز أي أربعة منهم على الاتفاق ولو على إنشاد أغنية «جمهورٌ»؟ تقول لي إن الدرامائي يجب أن يخلق الوحدة في جمهوره، بحيث يبدع له شيئًا يستطيبه المعمم، والمطربش، والمبرنط، والسافرة، والمحجبة. أجيب: إنَّ هذا التنافر بالأذواق والتربية والعواطف يجعل الأمور المشتركة بين جمهورنا ضئيلة، إلى حد أن توقع المؤلف في خطرين؛ فإما أن يرضي الجميع فيأتي بالسخيف، أو أن يرضي شيعة دينية، أو سياسية، أو طبقة فكرية دون أخرى، وفي ذلك هلاكه. وهذه المشكلة لا تواجه أي درامائي كان في أي بلد من بلدان الدنيا، وهذا أحد أسباب انعدام الدرامائيين عندنا، إذ إن خالق الرواية التمثيلية — بسبب عسر جمهورنا — يجب أن يُخْلَقَ عبقريًّا لا عاديًّا، يتدرج هو أو من بعده إلى الإبداع؛ أي إنه يجب أن نظفر من لادرامائي بالمرة، إلى درامائي نابغة. أَرَجَعْتَ تتطلع إلى المرآة المقعَّرة يا مغرور؟!

والسبب الآخر الكسل. أين يقضي أدباؤنا أوقاتهم؟ أفي محترفاتهم ومكاتبهم؟ أغلب ظني أنهم في المقاهي والملاهي منغمسون، فهل تعجب إن جاء مجموع إنتاجهم — بقطع النظر عن نوعه — يُوضَعُ بين دفتي كتاب واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة؟

الأدب لا يطعم خبزًا

جملة يقولها من حملة الأقلام، حتى من تعرف أنت أنه بغير الخبز يملأ معلفه. «الأدب لا يطعم خبزًا»، ولكنه يطعم ما هو أشهى من الخبز؛ فهو يشبع كبرياءك ويذيع أمرك بين الناس، ويروي عطشك من الشهرة، وهذان الجوع والعطش هما مهمازا الإنتاج الأدبي. بلى، لو أن للإنتاج الأدبي ربحًا ماليًّا عندنا، لوفرت محاصيلنا القلمية، وكذلك لو لم تتبذل وسائل الإذاعة الصحفية، إلى حديث يشتهر الكاتب بمقالة واحدة؛ لما وقف أدباؤنا في إنتاجهم عند هذه الدرجة الدنيا، بحجة أن الأدب لا يطعم خبزًا، وإننا لن نستغل عقولنا وهممنا في نهاية مواهبها إلا إذا ابتعدنا عن الصحف، وابتعدت الصحف عنَّا.

قلت لك إن تأليف الدرامة فن مقامر مسرف، وأزيد: إنه ليس بالفن الذي يدرُّ على صاحبه الربح الأدبي من صيت وشهرة. أنت تنظر إلى هذه الرواية، وتقول: أقرأها بساعة، وأشهد تمثيلها بساعتين، فمن المنطق أن تستنتج أن تأليفها سهل غير مجهد، ولكن صغر الساعة لا يعني أن صنعها هين. أقسم لك، إنني طرحت من مواد هذه الرواية ما يؤلف ١٧ رواية، وقرأت لها مجلدات تملأ مكتبة، وأفنيت في ميكانيكية صوغها الشهور. القصَّاص مثلًا له أن يسرد حكايته في ألف صفحة أو مائة، وله أن يملأ أوراق المطابع إذا أراد. يقدر أن يقفز بك من مشهد تحت سنديانة الضيعة إلى غرفة على ظهر الباخرة. أما الدرامائي، فيجب أن يزحم في ساعتين أو ثلاث قصته ومشاهده، بحيث يجيء اختزالها واضحًا وطبيعيًّا، وعليه أن لا ينسى أنه يكتب لمسرح فقير، ولمخرج وممثلين يجهلهم، ويجهل مكانهم، ومتى يجتمعون، وفي أي محفل. عليه أن يعرف كيف وأين يزرع الحادثة، وكيف وأين يستغلها، وعليه أن يحيك شبكة حوادثها، بحيث تأتي شبكة غير مشتبكة، والنكتة؟ والحركة؟ والفاجعة؟ والحوار؟ والأشخاص — وهؤلاء من هم؟ وما هي مظاهرهم الجسدية، وقواهم الروحية؟ وبماذا يفكرون، وكيف يتكلمون؟ وعليه أولًا وفوق كل شيء أن يستوثق من نفسه أنه مُلْهَم، موهوب تلك المنحة النادرة — النكتة.

الدرامائي يجب أن تكون له حنكة السياسي ودهاؤه. فإن كنت تبشر بنظرية جديدة، أو تدعو لعقيدة غير عادية، أو أحببت أن تصدم الناس بنتاج عقلي غير مألوف، فكن شاعرًا يطير في طيات وحل الأثير، منشدًا «تتهادى الرياح في مهجتيَّا.» أو فيلسوفًا ينطق بمثل الحكمة «الحياة أغاريد الخنازير، وأغاريد الخنازير هي الحياة»، أو مصورًا يصور قطيع فيلة، تتدلى خراطيمها من شعر الأقرع، وذيل الصورة ﺑ «غمار الهرم»، أو فكن عالمًا يؤلف ١٤ مجلدًا في «الدعوة إلى الزواج المختلط بين الإنسان والحيوان؛ لتحسين نسل السوبرمان»، ولكن لا تقترب من المسرح؛ فالدرامائي رجل الغوغاء، ورجل العامة، ورجل النخبة من الناس معًا، وهو كالصحافي رجلُ يومه، قد يلقي نظرة سريعة إلى خلفه فيلمح الماضي، وربما يمشي وراء أنفه قليلًا، فيبصر من المستقبل وَمْضَةً، ولكن أفقه دائرة قطرها يداه، يقول: هذا عالمي أؤلفه اليوم؛ ليمتع به اليوم. بالطبع أستثني العبقري الذي يؤلف لليوم، فيتمسك بإنتاجه للغد، ويدفعه هذا إلى ما بعده، وهكذا دواليك، حتى يخلد.

اللغة

من الأبحاث ما تلوكه الألسنة، فتتقزز النفس لتبذله. من هذه الأبحاث هي اللغة، التي صارت في العالم العربي «فوتبول» الجدل في السنين الأخيرة، ولكن هذه المقدمة تستوجب أن ألبط هذه الطلبة ولو مرة واحدة بالرغم مني. فكلمتي في هذا البحث شطران؛ أولًا: من الحمق مضغ الكلام، وسن الشرائع، والدعاية لهذه النظرية أو تلك. أنت تقول: يجب أن نؤلف بالعامية. الحق معك تفضَّل، وألِّف بالعامية، فإن راج مؤلفك، وثبت على الدهر وشاع؛ كانت العامية هي اللغة التأليفية المثلى. أنت تستنكر العامية، وتنتفض لذكر كلمة إفرنجية تسربت إلى الفصحى. هاتِ قوانينك وجنودك تمنع الناس عن استعمال كلمة «الأفلام» و«الترامواي». لماذا التشاحن النظري، وعلامَ هذا الحرب بالنظارات إذن؟! في رأيي — وليس أسهل على المرء من إبداء الآراء — أنه من الجريمة أن نؤلف باللغة العامية؛ لسبب بسيط، هو أنه ليس عندنا لغة عامية شاملة. في الأقطار العربية مئات اللهجات واللغات، فأيها تعتمد؟! وأين الحكمة في طرح تراث مئات السنين، والتعلق بوراثة عامية معدمة! إذ ليس فيها كتاب واحد، وكيف تريد أن ننصرف عن عالم ثقافة عربي عدده ملايين إلى لغة شيعة قد لا تتجاوز الألوف؟! على أن الدفاع عن الفصحى في التأليف لا يعني منع التفاعل بين الفصحى والعامية. خذ مثلًا في الفصحى:

قالوا اللقاء غدًا بمنعرج اللوى
وا طول شوق المستهام إلى غدِ

هذا ليس أفخم في ميكانيكية تركيبه من:

قالوا الكردي فزَّ الحيط
هذا الكردي وهذا الحيط

«خذ حذرك»، كنت أعتقد أنها عامية، حتى قرأتها في القرآن الكريم. في ظني أن أفعل عبارة سمعتها في حياتي تلفَّظ بها رجل حط به الدهر؛ فاضطر إلى التعامل مع بعض سقط الناس، فالتفت إليهم في ساعة حنق، وصاح «لما كنت مكاري ما عاشرت هيك بغال.» ماذا عليك لو فصَّحت مثلًا مثل هذه العبارة الجميلة، تناولتها من اللغة العامية بأصابعك من غير ملعقة، وأنا أكفل لك أنك لا تحتاج إلى غسل يديك.

في لغتي المسرحية تعمدت، وربما لم أتعمد لغة طبيعية سهلة، لها صدى موسيقى الأدب العالي، ولكن فيها جلبة الشارع وضجيج ساحة القرية. اللغة هي من المشاكل الكبرى في التأليف المسرحي عندنا، وهذه المعضلة لا تواجه فيما أعلم أي مؤلف مثلما تواجه المؤلف العربي؛ لسعة الخليج الذي يفرق العامية عن الفصحى، ولتعدد لهجات العامية. ولكننا سنتغلب على هذه المصاعب، نقهرها بالتأليف والإنتاج، وليس بعلم النظريات، ومضغ الكلام، ومط البديعيات، وبالتحذلق في كيف يجب أن نكتب، أو لا نكتب.

اللصوصية في الأدب

نُلخص أجوبة الأدباء حتى الساعة، إذ يُتهمون بالانتحال، أو الاقتباس؛ بكلمة واحدة هي: «بيكذبوا»، عساي أختط للكتبة طريقًا جديدة، إذ «أعترف» بكيف آخذ عن الغربيين ما قد تكتشفه في هذا المؤلف.

أمامي كتاب ميخائيل نعيمة في «جبران خليل جبران». إن المتضلع من الإنكليزية، المنغمس في معاشرة الأميركان، المعجب بقوة إفصاح لغتهم العامية؛ يشعر إذ يقرأ كتاب نعيم، بصدًى بعيد في نفسه يسائله: «أين قرأت هذه العبارة؟ متى مررت بتلك الاستعارة؟ من أسمعني هذا الرأي؟» أسمعه في صفحة ٣ يقول:

أنا أستعد للانصراف من محل، أنحر فيه كل يوم ساعات بكارى من حياتي لعدد محدود من مومسات الريالات.

لا ريب أن المؤلف كان يسمع شتائم الدمغيين١ في الحملات الانتخابية في أميركا، يقولون في أخصامهم You have prostituted the government تعبير جديد قوي الإفصاح تاق نعيمة إلى تعريبه، فلما أن جلس يقص علينا آلام زمن أفناه في بيت تجاري، صرف بأسنانه وشتم: آ — شتيمة — عاهر — مومس — جاءت «مومسات الريالات.» ونعيمة ككل فنان، يدين بمذهب التضاد، ويحذق استغلال المعاكسات. ركضت إليه لفظة بكارى، وهي ضد مومسات، فجاء ظافرًا في العبارة كلها. غير أنه فشل في صفحة ٨٥ في قضية «عضَّاض»، فالجملة الإنكليزية الشائعة التي تقابل «برد قارس» هي Biling Cold. قال نعيمة لنفسه لأدخلنَّ على العربية تعبيرًا جديدًا «برد عضَّاض» ها! كلمة «عض» قادته إلى «ناب»؛ طبعًا الناب للعض، والناب عضو من أعضاء الجسم، فزلق إلى «رِجل»، فأتت الجملة «يوم برده عضاض … أنيابه من ذهب … رجلاه من زجاج …» فشل على طول الخط؛ يبدأ ﺑ «عض»؛ لأن الضاد حرف دافئ، ولفظة قارس أفعل في أداء معنى البرد من «عضاض». وأصغ إليه في صفحة ٣٢، يقول:

كأنه محمول على سحابة.

فهذا التشبيه الجميل في العربية هو من عاديات الاصطلاحات الإنكليزية Soiling on a Cloud.
وفي صفحة ٤٨ يقول:

نجوت من الصرف، والنحو، والمعاني، والعروض والقوافي.

فكأنه اختزل بسبع كلمات مقالة شهيرة لهزال أميركي نسيت اسمه، ولم أنسَ عنوان مقاله You will get me your education، والكتاب حافل بمثل هذه الاقتباسات، بعضها ناجح، والبعض — كما ينتظر — فاشل، فهل نتهم نعيمة بأنه نشال إذا حاول عمدًا أو بغير عمد أن يغني العربية بهذه التعابير، والأفكار الوهاجة؟ بل هل في وسع نعيمة — أو أي من الناس — تثقف بالإفرنجية، ولعله عاش ودرس وفكر إفرنجيًّا، أن يجلس إلى ورقة فيتعرى من ثقافته ودراسته، ويخترع كل كلمة وعبارة وفكر؟! وهل من الحكمة أن يفعل كذلك إذا هو قدر؟ وهل من العار أن جاءت الاقتباسات وهي تكاد تكون من مبتذلات اللغة الإفرنجية؟ إن ابن القاهرة لا ينقص من شهيته للعنب كون العنب فاكهة مبتذلة في لبنان.

أريد أن أهمس إليك: إنك إذا كنت تحسب مثل هذا التعريب أو الاقتباس، أو الأصح التفاعل سرقة، فأنا في «نخب العدو»«حرامي».

تسألني: ولماذا اخترت كتاب نعيمة في جبران، واقتطفت منه الأمثال، فهل سندشت٢ اسمك بين كوكبين؛ ليستضيء بلمعان جارَيه فيراه الناس، أم لتتحدى المقابلة، فيُذكر اسمك وجبران ونعيمة في نَفَس واحد؟ أجيب — ولك أن لا تصدقني — أن «جبران خليل جبران» هو الكتاب العربي الوحيد الذي قرأته خلال ما يزيد عن عقد من السنين، فكان من الطبيعي أن تجيء منه استشهاداتي، وأنا لا يقتصر تكسبي على الكتب بل أتعداه، فإني مولع بمطالعة المؤلَّف الذي له قدمان وعينان وأذنان، والذي اسمه إنسان. لم أَجِئْ بهذا الاعتراف اعتذارًا عن جريمة اقترفتها، بل لأوضح ما يجب أن يكون أشيَع من البديهيات، وهو أن الاختراع الصرف الطاهر، يكاد يكون مستحيلًا. ذكر دوماس — وقانا الله شر الاستشهادات — وقد عيروه بتهمة الاقتباس أن أول المقتبسين هو الله، إذ خلق الإنسان على شاكلته، ولم يبتدع رجلًا جديدًا. فلا يقومنَّ غدًا لئيم يتهمني باللصوصية، إذ حتم الصدق عليَّ هذا الاعتراف، و«نخب العدو» بالمعنى الشائع هو مبتكرة حوادثها وحوارها، وكل شيء فيها. ولئن مررت بعبارة تلبس الثوب الإفرنجي، فتأكد أن روحها عربية مثل «لو أمطرت الدنيا دولارات، للبس وسيم مشمعًا»، هذه عبارة لي، بعتها لمجلة بثلاثة دولارات. بل إني أندب الكثير من الأفكار والعبارات التي تتسرب إليَّ بالإفرنجية، ولا يمكنني تعريبها، إما لتلاعب لفظي، أو لفقدان بعض الكلمات والاصطلاحات في العربية، يحضرني من هذه العبارات قولي: History is libre money, it sometimes spoils people to inherit too much of it، فهذه عبارة عَنَّ تعريبها؛ لعدم وجود ما يقابل Too بالإنكليزية.

لم أذكر كل هذا لأدل باضطلاعي من الإنكليزية، أو لأوهمك أنني في تلك اللغة كاتب؛ بل لأني أشعر، وبعض العبارات تتبرقع بالإفرنجية، بظنك أن هذه العبارت منهوبة، وما حيلتي في تعريبها، وقد ولدتها إفرنجية؟

يلعن دين

هل أنا أول من وضع هذه الشتيمة على الورق؟! إن كنت ذلك الكاتب فأنا لست بخجول، لا أريد أن أبرئ نفسي أو فعلتي هذه بالقول: إن كبريات مجلات أميركا وصحفها بدأت في السنوات الأخيرة تطبع العبارات السفيهة، ولكني أقول: إن «يلعن دين» هي شتيمة، غير أنها ليست بالشتيمة القذرة، ومن منا لا يستعملها؟ وأنا إذا استعملت «يلعن دين الورق»، لم أشتم شخصًا ولا دينًا. فلماذا لا أذكر عبارة بليغة في تأدية المعنى، وأرجع إلى مثل «لحاك الله» بدلًا منها؟! ألا لحاني الله حتى لأتعثر بلحيتي إن أمكنني استعمال «يلعن دين»، واعتضتُّ عنها ﺑ «لحى الله». أما كلمة «قحبة» فهي قاموسية، وهي «العاهرة» بعينها، ولكني آثرت الأولى؛ لأنها فصيحة وعامية معًا؛ ولأن أنين القاف الصلبة إذا جاورت فحيح الحاء أقرب إلى أداء معنى الفحش والزنا من «عاهرة»، وهذه كلمة موسيقية عذراء، مثل «طاهرة، وشاعرة، وساهرة.»

والسبب الآخر في فشل الدرامة عندنا

هو أن هذا الفن يقتضي التعاون في أبلغ درجاته، فالنحات والشاعر والمصور والموسيقي لا يحتاج إلى رفاق. أما الدرامائي، فهو حين يفرغ من حَبْكِ درامته، ينتهي من بناء أول درجة من سلم ينطح الجوء، المخرج والممثلون والأوركسترا والخياطون، حتى والجمهور هم الرفقة المتممون لكل درامة. فالسبب الذي من أجله لم نتعاون ولم نَصِرْ أمة حتى اليوم، هو السبب الذي من أجله لم يثبت أمام جمهورنا مسرح ولا درامة. متى أردنا إخراج درامة، فالكل يريد دور البطل، ثم نتنافر، ثم لا نتمرن كفاية اعتدادًا بأنفسنا، والاعتداد هو «سبور» قومي عندنا، ثم لا يتعاون الممثل ورفيقه الممثل، ثم لا نجتمع في ساعة الاجتماع، ثم — وكم ثم تطلب حتى تهدم رواية، وواحدة تكفي للهدم؟! لهذا لا يُستغرب أن معظم الروايات يمثلها التلامذة؛ إذ إن الحسد والتباغض والكسل تكون على أقلها في عذارى نفوسهم. أما من الوجهة التجارية، فإن سوق الدرامة موجودة عندنا إذا قام عندنا مؤلف، وتعاونت معه فرقة، إذ إن شعبنا شعب متعطش للهو، متعشق للأدب، وهذه دور السينما والفرق الأجنبية تستغل شعبنا رابحة. الدرامة لا تشيع إلا بالتعاون، ونحن شعب متخاذل. خذ حملة الأقلام عندنا. لقد قردوا الأدب بحرب أهلية، أثاروها بينهم، وانصرفوا عن الإنتاج إلى التشاتم والانتقاص، وتهديم بعضهم بعضًا. تسألني: وكيف تكتب؟ بل أنت لم تسألني، ولا تريد أن تسمع، ولكن صبرك لحظة، فلن أقول لك: إنني أُكثر التدخين والقهوة، وإنني يجب أن أكون في حالة جسدية تامة، وأنني أروض ذهني بسماع الموسيقى، أو التطلع إلى حسناء، أو قراءة أدب عالٍ، أو أستعيد ذكرى مفرحة أو ظفرًا غابرًا، أو أنغمس بحلم جميل. هذا كله ليس بالجديد عليك، ولكنك لعلك لم تسمع أن أجمل ما كتبته كان بعد لعبة بوكر خاسرة. فإن أعظم مثير لهمتي، وجامع لأفكاري، ودافع بي إلى العمل، هو توبيخ الضمير إذ أقترف موبقة، أو أقصِّر في تنفيذ واجب، فيصيبني من الندم والتحسُّر ما يهيجني إلى التكفير عن إثمي بإنتاج شيء أعتقده ثمينًا. لا بأس عليك إذا سكرت مرة، بشرط أن لا تصبح سكيرًا، وبشرط أن يبقى ضميرك حيًّا، فتتطلع بالمرآة في صباح اليقظة بعد مساء السكر، فتخاطب الوجه في المرآة: «هذا شحوب الضعة في اصفرارك، وهذه الحياة تتناثر من زئبق عينيك. هيا يا مجرم، كفِّر عن معاصيك بعمل مجيد.» أنا لا أجد من دافع إلى العمل مثل ضميرٍ حيٍّ يشعر بالندم. فإن أنت أمنت من وجدانك بالصلابة، فليس أنفع لك من اقتراف الخفيف من الإثم حينًا بعد حين.

غير أنني لا «أجلس لأكتب»، فكل ما أضعه على الورق أنقله من مذكرات في دفتري أو خاطري جاهزة أفكارًا وعبارات وكلمات، ولست أقعد إلا لأؤلف بينها، وقد أزيد أو أنقص، ولكن الفكرة الرئيسية جاهزة بكل معداتها. أما «نخب العدو» فقد ولدت أشخاصها أجنة، وكبروا، وكبرت معهم، وعايشتهم هاتين السنتين، ففي مقدرتي أن أقص عليك سِيَرهم، ولو أني رسام لصورتهم لك. لا أنسى منذ أيام إذ لقيت في الشارع مواطنًا، فهرعت إليه أسلم عليه سلام الأحباب. قال: «يا أفندي، أشكر لك بهجتك بلقائي، ولكنني أنا من جبال القدس، فيها قضيت كل حياتي، ولم أصل هذا المهجر إلا البارحة، ولا أعتقد أن الله أنعم عليَّ بلقائك قبل اليوم»، فانصرفت أسائل نفسي: من هذا الرجل؟ يستحيل أن لا أكون أعرفه، إلى أن انبثق النور أمام عيني — بلى «هذا شمدص جهجاه»، كما تخيلته في «نخب العدو». حتى أحلام الليل صارت تهبط عليَّ في شكل درامة — على مسرح وأمام نظارة، يرتفع الستار عن حادثة، وينزل على حادثة.

تسألني، وهل أنت تخلق أشخاصك خلقًا، أم هم أحياء منقولون؟ أجيب: إن كلا الأمرين ميسور وموافق، فرب صورة فوتوغرافية لغادة يقصر عن استيحاء نظيرها من خياله أعظم الرسامين، ورب دون كيشوت تعرفه أشد إضحاكًا في مهازئ مغامراته الحقيقية من دون كيشوت الأصلي، وما دام في وسعي أن أمسخ، وأشوِّه، وأن أكوِّن من شخصيتين أو أكثر شخصية تلائم قصتي، فلماذا أسمِّر نفسي إلى طريقة واحدة؟! ولعل أقرب أشخاص الرواية إلى الأشخاص الحقيقيين هو دور «الدكتور نجيب»، الذي كرسته لذكرى الرجل العظيم المرحوم الدكتور نجيب الصليبي.

أما الدرامة، فتنشب في رأسي غوغاء من مشاهد وأشخاص وحوادث، فقد يخلق المشهد شخصية، أو الشخصية حادثة، أو الحادثة عبارة، أو العبارة قصة. أي مؤلف يدري كيف يؤلف؟ أنا كثير الاستنجاد بعقلي الباطن، فكل ما صعب عليَّ، لا أيأس منه، بل أودعه عقلي الباطن، وأقول: «المروءة يا هذا، أخوك الواعي عجز، وأنا في حاجة ماسة إلى تلك اللفظة أو الحادثة، فاشتغل بها، ومتى ظفرت نادني.» وفي هدأة الليل، أو في التاكسي، أو في أي مكان وزمان تفاجئني اللفظة أو الحادثة. أطلق لمخيلتي العنان، فتزخر أمامي مشاهد وأصوات ومواكب غريبة شتى؛ نابليون أمام الأهرام، لندبرغ يقطع الأتلانتيك، نعش حبيب حي، باخرة تغرق، حرب أهلية في السودان، معركة في حانة، سكير في مدرسة، طفلة بين عجلات الترامواي، مدرسة تحترق، أبيات من الشعر، حسن الزيلعي على المنبر، والمحامي صياح العبود مضرب عن الطعام في السجن. ومن هذه المشاهد الجنونية المتناثرة، تنبت جرثومة، فغرسة، فشجرة. أطلق لحصان فكرك العنان فقد يفر، ويكر، ويعرِض، ولكنه في نهاية الأمر يركض بك إلى هدف معلوم.

ولئن تركت هذه الرواية في نفسي من حسرة، فهي أنني أُرغمت على خلقها قزماء، ولم أتركها تنشأ هيفاء، ممشوقة القوام. ليت جمهورنا واسع الصدر، بعيد عن التعصب، إذن لجعلت «الحموي والحمصي» بيت «الخوري وعبد النبي»، مسلمين ونصارى، وحملتهم الأسلحة وتركتهم يتقاتلون ويتناحرون ويتشاتمون، ثم ألَّفت بين قلوبهم، فإذا هم عصبة دفنت الأحفاد، ولكنني أؤلف لمسرح، ولا أريد أن ألعب بالقذائف، فأي أحمق يجسر أن يضع على أفواه أشخاص روايته كلمة، قد يفسرها جاهل أنها تحقير لجماعة، أو مدح لمذهب على حساب مذهب؟ هذه الرواية — على ما أعلم — هي المحاولة الأولى في العربية لبث دعاية الألفة في مؤلف أدبي، ولا عجب إن جاءت المحاولة مبتورة بحكم الفن، مغمغمة بسبب توتر الأعصاب. «الحذر هو ثلثا البأس.»

تستفهمني سرًّا عن مذاهب أشخاص «نخب العدو». أجيب: لو أني أعرف أنا دينَ أحدهم لعرفته أنت، وما اضطررت إلى سؤال. حينما شرعت أدوِّن مذكراتي كان «الحموي والحمصي»، «الحداد والنجار»، وهما اسمان مشتركان بين جميع الطوائف، غير أني خشيت، وكل معارفي الحدادين مسيحيون، أن يأتي بنو الحداد في «نخب العدو» — ولو على الرغم مني — نصارى. فاستبدلت الاسمين، إذ أنا لا أعرف في الدنيا لا «حموي» ولا «حمصي». إن من بحث الأديان في لبنان وسوريا، وجب عليه أن يمشي على الأخمصين، ويضع المخمل في الكفين، ويطلي بالعسل الشفتين، فأين التسامح عندنا أين؟

هل هذه الدرامة محلية؟ أصيح بك بشراسة جبلية: لا! ففكرتها الرئيسية هي إنسانية شاملة طرقها قبلي — عفوك يا قارئ — شكسبير في روميو وجولييت، وعالجها الإغريق قبل شكسبير في روايات عدة، ولئن جاءت حوادثها في «وادي الأرز»، وفي مهجر من مهاجر بني وادي الأرز، فلا يعني أنها «أرزية»؛ إذ إن الحوادث تتطلب مكانًا ما تقع فيه، والحكم على محليتها أو على شامليتها يكون بموضوعها وحوادثها وأفكارها، وليس بمكانها. غير أني لا أنكر أني لو أبحت لنفسي أن أشرد عن الفن قليلًا، وأغراني من كثرة السذج تملقهم فخامة العبارة الجوفاء، ومواقف البطولة الفارغة، ونعتهم «بالولدنة» المجبون، وهو في نظري أرقى أنواع الأدب وأعسره؛ إذ فيه دراسة وعظة وترويح للنفس، لعرَّيتها من حلاوة نكات، ونزعت عنها الكثير من مألوف الكلام، وأرسلتها في الناس طنطانة، وألبست كلًّا من أشخاصها حلة ذات لون واحدة، وحقًّا لقد نظرت في أن أفعل هذا، وقلت: لماذا أصور نفسي في عيون الكثيرين روائيًّا لبنانيًّا، أو سوريًّا، وفي أسهل ميسوري أن أحذف القليل، وأُنَقِّخ القليل، وأملِّح المشاهد بشيء من بديهيات القول، فيرضى الذين يحسبون الشحم عضلًا — وهم كثرة — ويقولون: هذا درامائي عربي بل عالمي! وهممت أن أزين «نخب العدو» على النحو الذي ذكرت، فأبصرت حبري قد اصفرَّ جبنًا، ويدي بدم الإثم ترشح، وهتف بي ذلك الخفير القابع في زاوية نفسي: «ستأتي طنطنتك مزيفة، وللصدق حيلة على الظفر لا نفهمها، ولكنها فائزة في نهاية الأمر، فالزم النزاهة، وإن كان الإبداع نصيبك، فسيأتيك متفجرًا من إلهام نفسك، لا حلة عارية منسوجة من خيوط تفكير سواك.»

إلى المخرج

ليس أدعى إلى التفاهم من الصراحة، فأخبرك فيما يقرب الوقاحة أنني أمقتك. إن بيني وبينك من البغضاء الغريزية ما بين الأم وصهرها. تحدث الأم نفسها فتقول: هو ذا النفس التي انبثقت من نفسي، والتي ربيتها بدموعي وتنهداتي، وغمرتها بحنوِّي؛ يقصيها عني غريب. ويقول الصهر: هذه حبيبتي التي اخترتها من بين فتيات الدنيا، تحاول امرأة أنانية خرقاء أن تحتفظ بها دوني. هكذا أنا أَلِدُ هذه الدرامة، وأنت تتمتع بإخراجها، وهي طوع يديك، وليس لي بعد طبعها أمر ولا نهي.

أفهمت لماذا أبغضك؟

ولكن هذه القرابة بيننا قد فرضتها الطبيعة علينا، فلنحاول إذن أن نكون صديقين.

لك أن تتمدد باسمك على برنامج الحفلة قرب اسمي، وليكن بطوله وعرضه. فأنت شريكي في هذا الجهد الأدبي، لك قسمة النجاح، وعلى رأسك نصف عاقبة الفشل. لا أحسدك على مكانك؛ إذ إنك في مأزق أصعب من مأزقي. أنت تواجه قضاتك، وسيقرأون حكمهم عليه بحيث تسمعه. أما أنا، فأتلقى الحكم غيابيًّا، فهكذا يتضاعف عليك ألم الفشل، أو حلاوة الفوز، ولقد بعتك نصف الأمل بالفوز، بنصف الخشية من الخذلان. ارفع الستار عن سريرتك، واعترف أنك في باطن قلبك تكرهني، وتستخف بإنتاجي، وتعتقد بتفوقك عليَّ. أنا من رأيك، فلا ريب أنك أخبر بالدرامة مني، وأن قلمك أكتب من قلمي. رجوتك إذن أن تتفضل وتخلق لنفسك درامة، من غير أن تشوِّه كتابي، فكل حرف في روايتي هو قطعة من روحي، فلا تعذبني ببتر حرف منها، وارفق بي، فلا تغير ولا تبدِّل فيها شيئًا. لا تحاول تطبيبها، فهي صحيحة في عيني. أنا ولوع بالأحبَّاء أولادك — حفظك الله وحفظهم — غير أني لا أود أن أتبناهم، فارحمني ولا تُسَنْدش أيتام أفكارك بين أبناء فكري وبناته. إن جمعية «الرفق بالأبالسة» هي جمعية نبيلة الغاية، من المروءة أن تتبرع لها بريع حفلة التمثيل، ولكن افعل ذلك سرًّا، ولا تُذِعْهُ، فإني أريد من القوم أن يدفعوا ثمن تذكرة الحضور عن شوقٍ؛ لمشاهدة «نخب العدو»، وثقة منهم أن أجرة الدخول تساوي لذة مشاهدتها، فلا أريدك أن تقول للناس: تبرعوا بمالكم للمشروع الفلاني، وهذه «نخب العدو»، تَنْكَةٌ، أجمع بها إحسانكم.

كذلك، أنا معجب بالآنسة مرتا — مدموازيل مارغو — البولاقي، وأتشنج نشوةً إذ أسمع صوتها الملائكي، وأذوب طربًا لعود الأستاذ جاد الله البحناوي، ويُغمى عليَّ ضحكًا لطقطوقة صديقينا «حويشان وزيدي»، فأرجوك أن تقيم لهؤلاء الفنانين النابغين حفلة خاصة، يعرضون بها بضائعهم، واترك ليلة «نخب العدو» ﻟ «نخب العدو».

تمنطق بمتراليوز، وتأبط رشاشة النار، فإذا نهض شاعر المدينة، وبلبل المغردين «صديقنا» سلوم الأندبوري، وارتجل بضعة أبيات تناسب المقام، فلقمه النار، وازرع بالرصاص جسده، ودمه في عنقي. زيِّن المحفل بالألوية والأزهار، ولتشعَّ في جوانبه الأنوار، وليكن مستقبلوك فتيانًا عتاليت٣ بسَّامين، ولتعزف الأوركسترا حينًا بعد حين، واخلق في القاعة جوًّا فرحًا، كأن القوم في مهرجان، إذ لو قطب الجمهور لكان في عبوسهم مأتمك ومأتمي.

لا تضرب بالعصا على المسرح قبل رفع الستار، بل اخترع لحنًا عسكريًّا هزليًّا، ينفخ من بوق قبل أن يسفر برفع المسرح عن مشاهدك. حذار القنابل حذار! فلا تنطق ممثليك بلهجات خاصة؛ إذ إن «نخب العدو» هي سلسلة عِقَد كفاح بين أشخاص، وفئات، ومبادئ، ومواقف، فلا تفسحنَّ للئيم أو جاهل يقول: لقد أردتني، أو أردتنا بذلك الشخص أو تلك الكلمة.

بقي أن تذكر أن البغضاء لون من ألوان المحبة، فاغسل بالعطر شاربيك، وهاتِ منهما قبلة! …

١  تعريبي للفظة Demagogues، ويعجبني من اللفظة العربية أن شقها «دم».
٢  سندش من السندوش، وهي عشبة خضراوية، ورقها كالهندباء حامض، كانت العرب تغمسها بالرُّب، وهو سلافة خثارة كل ثمرة بعد اعتصارها، وتفل السمن، فتضمه بين قطعتين من معجون الرمخة — أي البلح — فيأكلونه، وعنه أخذ الإفرنج كلمتهم Sandwich. جاء في «الحواسة العزقولية»، وهي المخطوطة الفريدة التي يملكها الأستاذ إسعاف النشاشيبي: «دخل عسيل الرعماط على مجلس الأمير حندوش الزندعي، فلقي رجلًا حدبارًا — هزيلًا — يُدعى خميط، وقد تصدر مجلسًا حفل بكل درقاس — الضخم من الرجال — فارتجل مشيرًا إلى خميط:
لحاك الله شرًّا من حِدبْر
يسندش نفسه بين الدرافس»
٣  جمع عتليت؛ أي: Athlete، وتلك أوفق من «رياضي» لالتباس هذه بين الرياضة والرياضيات، يُقال عتلته فهو متعتلت وعتليت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤