الفصل الأول

المشهد الأول

(«عليَّة» في بيت من بيوت «وادي الأرز»، لبنان، وهذه «العلية» اللبنانية ليس لها نظير في أي مسكن من مساكن الدنيا. فهي إذا مدَّت فيها المائدة أصبحت غرفة طعام، أو اصطفت فيها الكراسي صارت غرفة استقبال، وإذا تثاءبت فيها الفُرش أمست غرفة نوم. في حيطانها عنابر صغيرة، كل واحدة تدعى الكوارة، اختبأت فيها مئونة الشتاء من غلال وما أشبه، وأنت لا تعرف أن في الحائط كوارة، لولا الثقب المدور الكبير، تسد فوهته كمامة من خِرق. يتوسط هذه العلية عمود، يتهدل منه مغزل صوف، وتتوجه روزنامة كبيرة واضحة، تستلفت الأنظار، تعرف منها أننا في ٢٧ أيلول من سنة ١٩٣٠.

كذلك، على العمود «مدك»، ومرآة وساعة دقاقة، يسميها الإفرنج «ساعة جدي». في الحائط الذي على يمين النظارة مكتبة صغيرة، أما الحائط المقابل للنظارة فعليه صور العهد القديم من رجال تقصفت شواربهم، وصور ملكات، وبين هذه الصور واحدة لجنرال ممتطٍ حصانًا أزرق. كذلك يوجد «مشكلة» مثلثة الزوايا، عليها أسلحة قديمة من جفت، ويطقان، وسيوف، وحراب. يتوسط هذا الحائط نافذة عليها آنية زهور فيها نبات الفل، والورد، والزنبق، والحبق. حصيرة وبساط وسجادة تغطي الأرض. قرب العمود «دهليز»، بابه جزء من أرض العلية يُفتح ويُغلق. كل شيء نظيف بل أنيق، وعلى فقر متاع «العلية»، يشعر الناظر أن وراء مظاهر هذا الفقر كبرياء صلبة، وقوة معنوية هائلة. تسألني: وكيف لأثاث بيت أن يظهر «قوة معنوية هائلة»، أو ضعة سكان؟ أجيبك: وكيف لعين في صورة يبرق منها شعاع الحياة، وثانية يخبو فيها الضياء! وقوفًا من أن نسترسل إلى فلسفات، نجيل النظر ثانيةً في العلية، فنجد أنه ليس من جو تلك الغرفة حقيبتان استندتا إلى العمود، يعرف الناظر إليهما من جدتهما وجودة صنعهما أن صاحبهما ابن مدينة. في زاوية العلية جرتان، ودويك، وإبريق. يرتفع الستار، وقد آن له أن يرتفع، فإذا بأم وسيم تهيئ ثياب شاب؛ فتعد الكلسات وتكوي القمصان، وهي تتمتم، مهمومة، نزقة، ثم تمشي إلى الروزنامة، وتقف أمامها تعد الأيام، وتقلب الورقات.)

أم وسيم : ٢٧ أيلول سنة ١٩٣٠، ٢٧ أيلول سنة ١٩٣٠، (ويعثر نظرها على صورتها في المرآة فتقول): ما بقي من العمر أكثر مما مضى، (وترجع تحوم في زوايا العلية، مقوِّمة حاجة هنا، مرتبة متاعًا هناك، إلى أن تنتهي إلى الجرتين، فترفع الأولى ثم الثانية، وتقلبهما، فإذا هما فارغتان، فيشتد حنقها، وتنادي): زليخة. زليخة. زلَّخك الله أيتها اللعينة النَّهمة. أفتنامين النهار كله إلا ساعات الأكل؟ (لا مجيب) زليخة، أفيقي يا عاهرة، (تدق بعصا على الأرض)، انهضي من نومك يا خائنة، أدجاجة أنت، فتنامين قبل المغيب؟! (صوت خافت من يسار النظارة، وكلمات مخنوقة، يُعرف منها أن مصدر الصوت شخص كسول، أُرغِمَ على الإفاقة من نوم هنيء).

(تدخل زليخة متكلمة، متثائبة، فلا يُفهم من كلماتها المخنوقة شيء، ثم تمخط في مريولها، وتتطلع إلى المرآة تصلح من شأنها، وأم وسيم خلال ذلك منفعلة، منرفزة، تصب شتائمها على تلك القطعة الهائلة الباردة من حيوان.)

أي نجم جهنمي كان يشع، عندما وسَّختِ وجه الأرض بهذه السحنة الشمطاء، يا لئيمة، أنزل الله عليك التيفوس، والجدري، والعمى، والطرش، والشلل، والسرطان والاستسقاء. (تشدها بغدائرها) أفيقي يا خاملة. أفيقي.
زليخة (تفتح عينيها) : أمرك، يا أم وسيم.
أم وسيم : وسم الله الدم على قلبك يا بقرة، غابت الشمس، وليس في الجرة نقطة ماء. أفنرتوي من رؤية وجهك يا فاجرة؟ وفي البيت ضيف من بيروت.
زليخة : الله يقطع الضيوف، ويدمِّر بيروت.
أم وسيم : ماذا يشرب الضيف إذا طلب ماء؟! آسف أن أضعفني العمر، فلا أقوى أن أطحن عظمك بيديَّ. (تمسك بها ثانية، وتهزها). (زليخة تبكي، وتتألم: آخ. آخ)، متى جاء ابني مع ضيفه، متى رجع وسيم، سأقول له أن يدق عنقك يا خاملة. كيف تقضين النهار؟ أنوم، وغناء، وأكل؟ لماذا لم يخلقك الله — ولا اعتراض على حكمه — حيوانًا تدبين على الأربع، بدلًا من مشيك على اثنتين، إذن لحرثنا عليك بدلًا من الثور. انهزمي إلى العين، (تناولها الجرة) وارجعي بها مملوءة، غابت الشمس — يا ليتك تغيبين معها، ولا ترجعين.
زليخة : آخ يا أم وسيم، بالله عليك يا معلمتي. دخلك. أرسليني إلى جهنم، ولا ترسليني إلى العين.
أم وسيم (تهزها ثانيةً) : أنا أرسلك إلى العين، والله يرسلك إلى جهنم متى دنت ساعتك. هيا إلى العين.
زليخة : دخلك يا معلمتي، لا أريد الذهاب إلى العين، إني كلما التقيت على العين بنساء عائلة الحمصي يهزأن بي، ويسألني صبيانهم: «يا زليخة، يا خادمة أم وسيم، إن معلمك وسيم أرشد وشبَّ، متى يأخذ بثأر أبيه؟» فيضحك كل من سمع، والبارحة قالت لي ورد الحمصي ساخرة: إننا نوصد الأبواب في النهار، خوفًا من بطش وسيم الحموي. كل من رآني يهزأ بي. كلهم يسألونني: متى يأخذ وسيم الحموي بثأر أبيه؟ لا ترسليني إلى العين يا أم وسيم.
أم وسيم (حديث زليخة يثير في نفسها الهواجس. فتثور دماؤها، وينعم صوتها، ويرتجف فزعًا، فتضع يدها على كتف زليخة برفق وتقول) : زليخة، بنيَّتي! كنت يتيمة منذ صغرك.
زليخة : بل منذ طفولتي، أنت التي ربيتني وحميتني، أطال الله عمرك يا أم وسيم.
أم وسيم : أنا أحنو عليك حنوي على ابنة لي (زليخة تذوب سذاجة)، فافعلي ما أقول لك؛ لا تشاكسي بيت الحمصي، ولا تقاتليهم، لا تكترثي بهم، ولا تجيبي على هزئهم، لا تحركي عش الدبابير، (مهددة) ولا تذكري كلمة لوسيم عما يقولون، ولا تخبري أحدًا من أقاربنا به، أفهمت؟ إنه إذا وقعت الواقعة بسببك بيننا وبين عائلة الحمصي (ترجع إلى لهجتها الأولى) سلخت جلدك حيةً، أفهمت؟ اذهبي إلى العين.
زليخة (خائفة، تخطف الجرة، وتتطلع إلى المرآة بنظرة غنج ودلال، فتبتسم وتنصرف)، (أم وسيم ترجع إلى ثياب ابنها ترتبها، فتسمع صوت زليخة من بعيد مغنية : «يا رايحين عا حلب».)
أم وسيم : الله يلعن حليب أمك.

(من باب ثانٍ على يسار النظارة يدخل أبو مرعي، متأبطًا ما يشبه الحزمة الطويلة، وهو يتسرق الخطى.)

أبو مرعي : أختي، أم وسيم.
أم وسيم (تواجهه مبغوتة بعد أن كان ظهرها إليه) : أخي أبو مرعي، ماذا جرى؟ متى رجعت من بيروت، كيف كانت سفرتك؟
أبو مرعي (بلهجة الفخور الراضي عن نفسه، الحامل خبرًا سارًّا) : يا أم وسيم، كم في هذه الضيعة — كم في وادي الأرز من رجل مثل أخيك أبو مرعي؟
أم وسيم : ليس في وادي الأرز من أبي مرعي إلا أبو مرعي.
أبو مرعي : لو تعرفين ما بجيبي؟ (يغلق الباب) ولكن لأقفل الباب أولًا؛ مخافة أن يرانا واشٍ، نزلت بيروت، وانظري ماذا جلبت (يفك كمرًا تزنَّر به، فينتزع منه ورقة) ورقة، أمر صادر بتعيين أبو مرعي سليمان الحموي، ناطور موقت على وادي الأرز.
أم وسيم (فرحة) : الحمد لله على هذه النعمة، إنك تستحق هذا الشرف العظيم يا أبو مرعي، هنأك الله بهذه الوظيفة، سيحرق هذا الخبر آذان الحساد.
أبو مرعي : واحزري يا أم وسيم، كيف صدر الأمر؟
أم وسيم : كيف؟
أبو مرعي : أمر مطبوع على الطرنبنتر.
أم وسيم : هاه؟!
أبو مرعي : طبعته حورية (مقلدًا الضاربة على الماكنة) طق. طق. طق. طقطقطقطقطق، وأبو مرعي صار ناطور وادي الأرز، ليتك رأيت العروس التي طبعته، أظافرها حمراء، وشفتاها حمراء، وكعب حذائها أحمر طول الخيارة. طقطقطقطقطقطق، والآن ساعديني يا أختي على فتح هذه، وتطلعي إلى العروس (يتساعدان على فتح الرزمة الطويلة ساكتين، فعندما ينتهيان إذا بأم وسيم تصيح: «موزر خيالي»، وتقلب بين يديها بارودة حربية قصيرة.)
أم وسيم (تقلب البارودة، كخبير تعوَّد فحص الأسلحة) : كم دفعت ثمنها يا أبو مرعي؟
أبو مرعي : أربع إنكليزيات، فاض معي من ثمن حمل الزيت ليرة سوري.
أم وسيم : معها خرطوش؟
أبو مرعي : ٢٠٠ ضرب.
أم وسيم : سأخيط لك جنادًا لها.
أبو مرعي (يقبِّل البارودة) : متى وقعت الواقعة هذه المرة، فلن نقاتل بني حمص عزلًا، ستغني موازيرنا أغاني الموت في آذانهم، فكلنا مسلحون؛ أبناء عمي عندهم موازير (يمشي إلى النافذة مصوِّبًا بارودته إلى حي عائلة الحمصي) يا بني الحمصي! يا أذناب الخنازير، يا ضفادع المستنقعات، وقذارة المواخير، ستنطفئون أمام أسلحتنا، كأنكم مصابيح في زوبعة. إن رصاصنا سيجعل من صدوركم غرابيل، بل من ظهوركم، فما فيكم إلا كل جبان بَلِيل السروال في المعركة.
أم وسيم : تعالَ نخبئها.
أبو مرعي : أخبئها في برميل الزيت.
أم وسيم : تعال نخبئها في الدهليز هنا. (يتعاون الاثنان على رفع البساط، ويفتحان باب الدهليز، فينزل أبو مرعي، وتناوله أم وسيم البندقية، ثم ترجع إلى المخدع، فتنزع منه بعض الخرق وتقول لأبي مرعي): لفَّها بهذه الخرق، حتى لا تصدأ. (يصعد أبو مرعي مادًّا يده كأنَّ عليها قذارًا).
أبو مرعي (حانقًا) : من وسخ الدهليز؟ (يتناول ورقة من مكتبة وسيم، فيمسح بها يده).
أم وسيم : تلك اللعينة زليخة، تركت باب الدهليز مفتوحًا أمس، فسرح إليه الدجاج، آ، هذا أثر الدجاج.
أبو مرعي : لعن الله زليخة والدجاج، (يضع يده على شاربيه) أخ تفُه (يمسح يده ثانيةً).
أم وسيم : لماذا الله بلاني بتلك البغلة زليخة؟! (تأتي له بالصابونة) غسِّل وجهك بالصابون، (ترى قنينة كولونيا)، بل تعطَّر بهذا (تصب منها على يديه فيغسل شاربيه).
أبو مرعي : آ، رائحة طيبة، هذه رائحة المجموزال، التي طبعت الأمر بتعييني ناطور. لمن هذه القنينة، لوسيم؟
أم وسيم : لا، لصديقه راجي البيروتي.
أبو مرعي : راجي البيروتي، صديق وسيم!
أم وسيم : راجي دائمًا يتعطر بمي القنينة — كَولَونيا.
أبو مرعي : ما قتل الشبان إلا الكولونيا، مجموزال وكَولَونيا فهمنا، لكن شباب وكولونيا؟! ولماذا وسيم لا يتخذ صديقًا من أبناء طائفتنا؟ أليس في طائفتنا من يليق بالصداقة؟!
أم وسيم : حذَّرت وسيم مرارًا من ائتمان أبناء الجماعة، «من جَدُّه عادى جدك، يستحيل أن يودك» (يُسمَع قرع باب، وصوت وقور رزين ينادي): «يا أم وسيم، يا أم وسيم.»
أهلًا وسهلًا. من هذا؟
الصوت : أنا الدكتور نجيب.
أم وسيم (بصوت يفور منه الإخلاص) : يا ألف أهلًا وسهلًا بالحكيم. (تذهب لتفتح له الباب، فيغتنم أبو مرعي الفرصة، ويفرغ بعض قنينة الكولونيا في محرمة هائلة، ينتزعها من جيبه)، (أم وسيم تفتح الباب للدكتور نجيب قائلة): إن ظلك ينير دائمًا يا دكتور نجيب.
أبو مرعي : أهلًا وسهلًا بالدكتور نجيب.
الدكتور نجيب : مساء الخير يا أم وسيم. Oh! مرحبًا أبو مرعي. أين فتانا وسيم؟
أم وسيم : إن له صديقًا من بيروت، رفيقًا له في المدرسة، جاء به منذ شهر، وهما الآن في الصيد. اسمح لي أن أشعل القنديل، فقد أظلمت الدنيا (تشعل القنديل)، ولكن عودتهما قريبة، فالشمس غابت منذ نصف ساعة.
الدكتور : حظي قليل، حاولت أن أجتمع بوسيم في بيروت، فما اتفق لي ذلك، وها أنا لا ألقاه هنا (متذكرًا)، كان طفلًا حين هاجرت إلى أميركا.
أم وسيم : في الثالثة من عمره، وكنت يا حكيم قد أخذت شهادة الطب من جديد، وقد داويت عينيه …
الدكتور : أذكر ذلك جيدًا. ما أسرع العمر في ركضه؛ ١٩١٠ إلى ١٩٣٠ — عشرون سنة مضت! …
أم وسيم : ما أفجع أن تكون قد قضيت هذه السنين في الغربة، عسى أن تطول إقامتك بيننا.
الدكتور : أنا راجع بعد أسبوع.
أم وسيم : يا أسفي، ينجبك هذا الوادي، وينتفع بعلمك الأغراب.
أبو مرعي : يا دكتور، نحن نفتخر بالاسم الذي كوَّنتَه في المهجر، ما اسم البلاد التي أنت فيها؟
الدكتور : غرانبلا.
أبو مرعي : غرانبلا (يصفر) من اسمها تعرف أنها بعيدة (يضحكون).
أم وسيم : غرانبلا؟ كثيرون من الجماعة هناك؟
الدكتور : الجماعة؟ من هم الجماعة؟
أبو مرعي : ليس من جماعة إلا هم.
الدكتور : مَنْ هم؟
أبو مرعي : بيت الحمصي — أذناب الخنازير، وضفادع المستنقعات، وقذارة المواخير.
الدكتور (مشمئزًّا) : ليس من حقك أن تتكلم هكذا، فإني أعرف الكثيرين من آل الحمصي، وهم قوم أشراف.
أم وسيم وأبو مرعي : أنت غلطان يا دكتور. إذا كان هؤلاء أشراف فأنت لا تعرفهم يا دكتور.
أم وسيم : إذا كان هؤلاء أشراف، فسُمُّ الحية ترياق، ونعيب البوم تغريد!
أبو مرعي : حمصي وشرف، زيت وماء لا يختلطان.
الدكتور : لقد درت حوالي العالم أربع مرات و…
أبو مرعي وأم وسيم : ولو درت حوالي العالم ٤٠٠٠ مرة، لن تجد أرزل من بيت الحمصي.
أبو مرعي (وحده) : هؤلاء الأفاعي يبتلعون حتى أولادهم، يريدون رئيس البلدية منهم، والنائب من حزبهم، والطريق تمر قرب بيوتهم، وماء العين يسقي أراضيهم، ولا تنسَ أنهم قتلوا أبا وسيم، بيننا وبينهم دم يا دكتور، فلا تسمِّهم أشرافًا.
أم وسيم : الحية أشرف من الثعلب، والثعلب أشرف من النمس، والنمس أشرف من الحرامي، والحرامي أشرف من العقرب، والعقرب أشرف من الخنزير.
أم وسيم وأبو مرعي : والخنزير أشرف من بيت الحمصي.

(الدكتور خلال ذلك يتمشى منرفزًا، ويحاول أن يتكلم، فيطغى عليه طوفان الحديث من أم وسيم وأبو مرعي.)

أبو مرعي : أرادوا أن يكون وادي الأرز منهم، ولكن انظر إلى ما فعل أبو مرعي (يسحب الأمر من عبِّه)، أمر مطبوع، نافذ، مبرم، مطاع، مطبوع على الطربنتر، بتعيين أبو مرعي سليمان الحموي ناطور موقت على وادي الأرز. ليعض الحسد قلوبهم، فلأحكمنَّ وادي الأرز (هازًّا عصا النوطرة) بهذا الصولجان (الدكتور يضحك على الرغم منه) أتدري اليوم ماذا يفعلون؟ إنهم يتسلحون، يتسلحون ليهدروا دماءنا، فليس في بيت من بيوتهم إلا وفيه موازير، كلهم مسلحون، أما نحن بيت الحموي، فليس عندنا بارودة موزر، ولا جفت صيد، ولا دبوس بشنكل، (بالرغم منه يلقي نظرة سريعة على الدهليز، فيجفل ولكنه يكمل) ولا إبرة ولا كرباج.
أم وسيم (بلهجة الفاهم الأمور) : يا دكتور، أنت خبير بالطب والعلم الشريف، ولكنك تجهل القوم اللئام، أعطني دواء أطهِّر به فمي إذا تلفظ باسم «الحمصي».
أبو مرعي : ما أجمل أن أطحن رءوسهم بمجرفة، وأقطِّع عظامهم بمنشار صدئ!
الدكتور : آه! ما أجمل ذلك «وألطفه» يا أم وسيم! سألتِني متى تترك الضيعة؟ فقلت لك بعد أسبوع. إن هذا الذي يتعجل رحيلي، ويبغضني بهذا الوطن الذي أكاد أعبده، أنا لهذا الوادي؛ لهذا الوطن، ولهذه الضيعة، وليس عندي فرق بين بيت الحموي وبيت الحمصي وبين طائفة وطائفة. لَيدمي قلبي كلامكم في بيت الحمصي، ويمزِّق كبدي حديث بيت الحمصي فيكم. فعلامَ تقتتلون يا بني وادي الأرز، وعلى أي شيء تتنازعون؟ فإذا نزل بكم وباء أسألكم إلى أي عائلة أو طائفة تنتمون؟ فإذا انقطع خرير الماء، أفلستم كلكم تعطشون؟ أفلستم بنظر الغريب قومًا واحدًا، فلماذا تكونون في نظر أنفسكم شِيَعًا، وأديانًا، وأحزابًا تتطاحنون. يا قطعًا من حجارة هذا الوطن تناثرتم، فأنتم كوم يبول عليها كل عابر سبيل، بدلًا من أن تكونوا صفوفًا متراصة، هي حصن يتكنَّف دونه الغازي، ويعصم كلَّ مَنْ فيه. تتقاتلون على ناطور (أبو مرعي ينتفض) على بلدية، على قنديل، على طريق، وتتذابحون على حجل، أو دجاجة. في كل يوم نزاع وقتال ودسائس، أهكذا تطلبون الحياة أيها المنتحرون؟
أبو مرعي : هكذا خلقنا الله.
أم وسيم : هذه إرادة الله فينا.
الدكتور : تلهجون بذكر الله، وتسلكون سبل الشيطان، تقيمون من الأحقاد أصنامًا تعبدون، وتدفعون ثمن عدائكم عملة مصكوكة بدمائكم. أصلكم واحد، ارجعوا إلى أصلكم.
أبو مرعي : إلى أصلنا؟ نادِ أشعة الشمس تتلملم قافلة إلى مشرقها، واصرخ بشعاب النهر أن تركض القهقري إلى نبعها، واهتف بالرجال أن عودوا إلى أرحام أمهاتكم، إذ ذاك نرجع إلى أصلنا. أما الآن، فالله خلق الدنيا متضادة؛ طويل وقصير، طلعة ونزلة، وأبيض وأسود، رجل وامرأة، سمين وهزيل، حموي وحمصي، بخاطرك يا دَكْتور (يخرج).

(سكوت هنيهة، يهز الدكتور خلالها رأسه، وكذلك أم وسيم.)

الدكتور (يغيِّر الحديث) : سرَّني أن أقرأ في جرائد بيروت عن وسيم. أظنه شاعرْ.
أم وسيم : هو يكتب كثيرًا ويخطب، وقد ألَّف رواية مثلوها، (تنهض إلى صندوق قديم «بشتخته» فتأخذ منه شهادة) هذه شهادته نالها منذ شهرين، وهذه أقوال الجرائد فيه.
الدكتور (يقلِّب الجرائد بسرعة الذي يريد أن يتأدب، فيشارك الأم الإعجاب بوحيدها) : كوكب لماع، خطيب مفوه، برافو، شيء جميل هذه التقاريظ، ومديح أكثر من دُمَى أطفال الأغنياء، (الدكتور يستوي في مجلسه) يا أم وسيم، أصغي إليَّ، أهنئك بابنك، ولكنني وقد حشدت الأيام اختباراتها ﺑ ٥٥ سنة من عمري، أخاف أن يقتل المديح مستقبل ابنك؛ التقريظ كالعملة المزيفة تفقر حاملها، فلا تتركي وسيم يملأ جيبه منها، من أجل هذا جئت أزوركم، فإني أريد أن أتعرف إلى وسيم، فإني لم أره مذ كان طفلًا، وأريد أن أضع يدي على كتفه وأقول: «بُنَيَّ»، حذارِ النجاح الباكر، فإن أشجار الزيتون في هذا الوادي يكثر زهرها ويقل ثمرها. على أني راجع إلى هنا بعد حين — بل قولي لوسيم أن يزورني (يهم بالخروج).
أم وسيم : سيتشرف وسيم بزيارتك يا دكتور، والامتثال إلى نصائحك الغالية، وحبذا لو فحصت عينيه ثانيةً، فهو ما زال يشكو منهما.
الدكتور : سأفحص عينيه (وفيما هو يهم بالخروج يباغته صراخ زليخة، ودخولها كأنها دبابة تبصق النار).
زليخة : دخلكم، دخلكم، يا ذلِّي، يا ذلِّي!
أم وسيم : ماذا جرى؟
زليخة : آخ. آخ. (تستمر على صراخها، واضعة يدها على قلبها حينًا، ثم على رأسها).
الدكتور : ما بكِ، أين الألم، قلبك؟
زليخة : يا ليت.
الدكتور : معدتك؟
زليخة : يا ليت. آخ.
الدكتور : دماغك؟
أم وسيم : ليس لها دماغ يا دكتور.
زليخة : آخ يا دكتور.
أم وسيم : قولي ماذا جرى؟ قبل أن أُجري العصا على جسدك.
زليخة (تسكت بغتةً) : بيت الحمصي كسرُولي الجرة (ترجع إلى الصراخ) آخ. دخلكم. يا ذلِّي.
أم وسيم : اخرسي، اخرسي، ولا كلمة. حذارِ أن تخبري أحدًا من رجالنا بهذه الحادثة، انصرفي إلى المطبخ (للدكتور) أنظرت يا دكتور فعل «الجماعة» بنا؟ (الدكتور يجلس ثانيةً مفكِّرًا).
الدكتور : لعلها فعلة أولاد صغار.
أم وسيم : يا حكيم، هذا فعل بيت الحمصي. قتلوا زوجي، وفي كل يوم يتحرشون بنا. (تفرك يديها متحسرة) ما اسم تلك الآلة التي جلبتها معك من أميركا، والتي تتنبأ عن الطقس؟
الدكتور : اسمها البارومتر.
أم وسيم : أنا تلك الآلة، وما أخطأت نبوءتي خلال خمسين عامًا في هذا الوادي. أقول لك يا دكتور، إني أشم رائحة البارود، وأسمع لعلعة الرصاص، العاصفة قريبة، إن هذه الضيعة بالبارود حبلى، وكلنا يلعب بالكبريت. نحن جالسون على فوهة بركان، ولا ندري متى ينفجر. إن النفوس حاقدة، والصدور تغلي، ويا خرابك يا وادي الأرز، إذا اصطدم نظر بنظر (زليخة تدخل في يدها فك الجرة المكسورة)، أنا مهمومة على وسيم الغالي.
الدكتور : كل غالٍ يجلب الهم.
زليخة : هذا فك الجرة التي كسروها (ترجع للبكاء).
أم وسيم : قلت لك: اختفي (تفعل)، (للدكتور) لو أنَّ أحدًا من رجالنا رأى هذه الجرة المكسورة، لتكسر قبل مطلع الفجر ألف ضلع وجمجمة، وقاك الله يا وسيم شرَّ الأعداء. ماذا أفعل بوحيدي! خذه معك إلى كرانبلا يا دكتور، ولكن لا؛ إذ إن من «الجماعة» أناسًا هناك. قل لي ماذا أفعل بوسيم؟ إن بيت الحمصي يكادون ينهشونه بعيونهم، ما أوجع أن أسلخه عني، ولكني سأرمي به إلى الغربة مخافة أن يفتكوا به، كما فتكوا بأبيه؛ ما ربيت وسيم؛ ليكون مرمى رصاص بيت الحمصي.

(يدخل نبهان آغا — مختار الضيعة، ووراءه ولده أسعد آغا، فينحنحان بانتظار أن يُلقى عليهما السلام.)

أم وسيم : مساء الخير يا سيدي نبهان آغا، وأنت أيضًا يا سيدي أسعد آغا.
نبهان آغا : بلغني أن بني الحمصي كسروا جراركم، وأغلظوا الشتائم لخادمتكم. غريب أمر هؤلاء البشر، يتحرشون بالشرِّ. أما كفاهم قتل أبي وسيم! لماذا هم يتنمرون عليكم الآن؟! صحيح وسيم ابن مدرسة، لكنه شاب شجاع، قد يحرجه التحرش إلى قتل أحدهم.
أسعد آغا : وسيم قبضاي.
نبهان آغا : ليس في بيت الحمصي من هو أشجع منه.
الدكتور : مساء الخير يا أم وسيم، أذكِّرك بإرسال وسيم إليَّ، ولا تأبهي بحادثة الجرة، فأنا سأزور الآن بيت إبراهيم الحمصي؛ لأنه مريض، وأذكر له الحادثة، ولا ريب أنهم سينزلون العقاب بمن كسر الجرة، وينتهي الأمر.
أم وسيم : يا حكيم، تعرَّف على سيدنا نبهان آغا، من آغاواتنا، ومختار هذه القرية، وهذا ابنه أسعد آغا، من المتأدبين، الذين يكتبون في الجرائد. (للآغا) الدكتور نجيب له صيت واسع في جرانبلا، لا شك أن جنابك سمعت به.
نبهان آغا (غير مكترث للدكتور، وهذا يحدجه بنظرة استخفاف حنقة) : جرانبلا! هناك تسكن صديقتك هدى الحمصي. (إلى الدكتور) في معركة السنديانة سنة ١٩٠٨ كسرت أم وسيم فخذ هدى الحمصي. آ، أم وسيم في صباها كانت بطاشة، لا تزال هدى تعرج حتى الآن، وقد حلفت أم وسيم أن تخنق هدى بغدائرها. آتني بهدى الحمصي، وأنا أكفل لك خنقها، لعلك تعرف هدى في غرانبلا يا نجيب.
الدكتور : إن المهذبين من الناس ينادونني «دكتور نجيب».
نبهان آغا (ضاحكًا) : دكتور، هاه! لقد نبتَ للسلحفاة جانحان. عمن ورثت هذا اللقب يا نجيب؟!
الدكتور : لم أرثه، كسبته.
نبهان آغا : اكتسب اللقب. هاه! (للدكتور) نجيب، لك أن تهاجر، ولك أن تتحدث الناس عن عظيم مقامك هناك، وكبير علمك، ولكنك إذ تطأ أرض هذا الوادي، هنا، فاعلم أن أبناء أسياد أبيك لا يزالون أسيادك، وكل ما في مقدورك أن تفعله هو أن تتفيَّأ ظلالهم.
الدكتور : تريد للنسر أن يأوي إلى قن الدجاج! خسئت أيها الميت، الغير مدفون. إن كلماتك تقزمك في عيني. إن شمسكم غربت يا آغا. رويدك قليلًا، إذ يتحرك هذا الشعب فيخنقكم بغبار أقدامه. نادني بالاسم الذي تريد، فالنور الذي أشعلته في بلاد المهجر سينير طريق الناس، بعد أن يدفن الناس آغاواتهم بزمن طويل، ولكن لماذا أحرجتني إلى التباهي؟ خفَ الله يكفيك، جئت إلى هذه المرأة تثير بغضاءها، وتذكرها بقتالها مع هدى الحمصي، وترش الملح على الجرح في قضية كسر الجرة. اذكر الله، ولا تزرع قنابل التفرقة بين جيرانك.
الآغا : يظهر أنك أعور العقل.
الدكتور : بلى أنا أعماه إذ أكترث بمومياء مثلك.
أسعد آغا (يريد أن يحسم الخلاف) : طوِّل بالك يا أبتي، وأنت يا دكتور، لماذا الغضب؟! قل لي ما هو رأيك في قضية القديم والحديث في الأدب؟
الدكتور : ما هو رأيك في قضية زيت الخروع والملح الإنجليزي في الطب؟

(ينصرف، فتلحق به أم وسيم مودعة قائلة):

أم وسيم : يا حكيم، هذه الحادثة مع سيدنا الآغا تؤسفني و… (تختفي مع الدكتور).
نبهان آغا : دكتور!
أسعد آغا : سأهجوه بقصيدة، لا تخف. «دكتور أنت من اﻟ …» لا بأس بساعة ثانية.
نبهان آغا : لا أخاف هذا المتدكتر؛ فسيرحل، ولكني أخاف وسيم ابن هذه المرأة؛ لأنه سيقيم هنا، وهو طَموح. خَفِ الطموح يا أسعد؛ إذ لا نهاية لأمانيه، ولا حد لمحتمل أعماله. هذا الغلام إذا ظفر بوظيفة في بيروت، فقد ينتزع منا وظيفة المختار. لنهلكْه قبل أن يصطادنا.
أسعد آغا : ما العمل إذن؟
نبهان آغا : اذهب إلى طعان الحمصي ابن هدى، إنه فتًى جبار، ديناميتي الطباع، كبريتي المزاج، قل له: إن وسيم يتوعد بقتله، ثأرًا لكسر جرة صانعتهم، (أسعد ينصرف).

(ترجع أم وسيم قائلة):

أم وسيم : آسف يا سيدنا، أن يكون الدكتور تطرف بالكلام.
الآغا : هؤلاء المهاجرون الراجعون يتكلمون بما لا يفهمون. لعن الله ساعة فُتِحَتْ أبواب أميركا، فوضعت الفلفل في أنوف العامة.

(صوت أغنية عصرية عربية أو أفرنجية يغنيها اثنان)، (يدخل وسيم وراجي بلباس الصيد، وكلٌّ معه جفت، في يد راجي حمامة مقتولة. يركض وسيم إلى أمه.)

وسيم : أمي، أمي. (يقبِّل يديها، فتقبِّله ضامَّة إياه).
أم وسيم : يا تقبر أمك، لماذا تأخرتم؟! ادخل إلى الغرفة الثانية، فأبدل ثيابك.
راجي : خالتي أم وسيم، مساء الخير، انظري إلى أمهر صياد في الدنيا، قضينا النهار كله ولم نظفر بطريدة إلا هذه (مشيرًا إلى الحمامة)، طلق واحد من أمير الصيادين راجي البيروتي أوقع هذه الحمامة البرية وهي طائرة، (متهكمًا) اسألي وسيم كم طير اصطاد؟! إن آلهة القنص أمنت الطير على أرواحها إذ يخرج وسيم للصيد. أهون عليَّ أن أنظم قصيدة من أن يصيب طريدة. زليخة! عساك أكثرت الخبز، ففي مقدوري أن آكل محصول فرن، ويا خالتي أم وسيم، إذا كان العشا حاضر فأنا حاضر.
وسيم : اتركيه يا أمي يجوع، لعله يريحنا من ثرثرته.
راجي : ولا؟! وسيم، ولَّا …؟!

(يتماسكان، هازلين، مظهرَين العراك.)

أم وسيم : يسرني احمرار وجهك ورجوع العافية إليك، فقد جئتنا أصفر الوجه هزيلًا، فما أجمل لون الصحة على محيَّاك!
وسيم (إلى الآغا) : مساء الخير نبهان آغا، هذا صديقي راجي البيروتي، هو كثير الدعابة، فلا تكترث لمهازله، واذكر أنه بيروتي، وأهل بيروت (مشيرًا إلى رأسه).
راجي : وأهل الجبل (يمشي متبخترًا، مقلدًا المتكبرين).
الآغا : عساك تستطيب الإقامة في ضيعتنا، ما رأيك في هذه القرية، وادي الأرز، أليس السكن فيها جميلًا؟
راجي : يعني إذا سكنها سواي، ولماذا سميتوها «وادي الأرز»؟ فهي جبل، وليست واديًا، وليس فيها أرز، بل فيها شجر البلوط. قل للبلدية أن تسميها «جبل البلوط»، بدلًا من وادي الأرز.
الآغا : وقل لبلدية بيروت أن تسمي بيروت «قوس القزح»، ففيها كل ألوان البشر.
راجي : سنسميها الطاحونة؛ لأن كل الدروب تؤدي إليها. يا آغا، أريد أن أستفسر منك عن أمر.
الآغا : تفضل.
راجي : لماذا أنت آغا يا آغا؟
الآغا : لأن أبي كان آغا.
راجي : ولماذا أبوك كان آغا؟
الآغا : لأنَّ أباه كان آغا.
راجي : حقًّا! إنك ذكي، تعرف كيف تنتقي أسلافك.
الآغا : وأنت، هل عرفت كيف تنتقي أسلافك؟
راجي : أبي ريِّس.
الآغا : ريِّس؟ ريِّس ماذا؟!
راجي : ريِّس بحارة بيروت.
الآغا : أهو حي؟
راجي : لا، انتحر.
الآغا : لماذا انتحر؟
راجي : في المدينة فتش عن المرأة، وفي الضيعة فتش عن الآغا.
أم وسيم : يا نبهان آغا، شرفنا للعشاء.
وسيم (غامزًا راجي) : حقًّا! ابقَ تعشَّ معنا يا نبهان آغا.
الآغا (ممسكًا الحمامة) : أرى أنك صياد ماهر، فإن لم تكن قد أحسنت اختيار أسلافك، فأنت أحسنت اختيار الطريدة (وسيم يقلب كتبه، مدمدمًا كأنه في غيبوبة)، (أم وسيم تهيئ الطعام مع زليخة).
راجي : صياد ماهر! ألم تسمع بما فعلته كفي في غوطة الشام؟ كنا في العام الفائت نصطاد في الغوطة، ولم يبقَ معي من الذخيرة إلا رصاصة واحدة، وإذ أطلَّ عليَّ نمر وأسد. نمر وأسد. أسد ونمر. الأسد عن يساري، والنمر عن يميني، وفي بارودتي رصاصة واحدة. أتدري ماذا فعلت؟
وسيم : أنا أدري، ولكني أستحي أن أقول.
راجي : انتضيت سكيني، (ممثلًا) وغرزتها في الأرض هكذا، ثم ابتعدت (يبتعد)، وأطلقت رصاصتي على حد السكين١ فانشطرت الرصاصة شطرين، الواحدة قتلت النمر، والثانية قتلت الأسد. حادثة هائلة.

(زليخة تنذهل، وتصيح «يا ربي!» فيقع الصحن من يدها.)

وسيم : هائلة وثخينة، ثخينة!
زليخة : سبحان الخالق.
الآغا (وهو يفحص الحمامة) : غريب أمر هذه الحمامة البرية! إنها تلبس الخلخال.
راجي : خلخال، هاه! أنا لا أصطاد رعاع الطير، بل آغواته.
زليخة : هذه حمامة بيت الحمصي. هذه حمامة طعَّان.
وسيم (مهمومًا) : هذا جائز. فأذكر أنك اصطدتها في خراج القرية.

(الآغا يشرق وجهه، كمن فاجأه فكر عظيم.)

الآغا : على كل حال بخاطركم (يخرج بسرعة).
زليخة : سيدي وسيم، بيت الحمصي كسرُولي …
أم وسيم : اخرسي … (لوسيم) الدكتور نجيب زارنا.
وسيم (متألمًا) : صحيح؟ ما أقل حظي! لم أجتمع به حتى الآن.
راجي : من هو هذا الدكتور نجيب؟
وسيم : غريب! ما أوسع مجهولاتك، بعد قليل ستسألني من هو أبو العلاء المعري؟!
راجي (ببرودة) : على فوقه، من هو أبو العلاء المعري؟
وسيم (بحنق) : صاحب كاراج على «فرن الشباك».
أم وسيم : لقد سألت الدكتور نجيب أن يفحص عينيك.
راجي : لماذا لم تسأليه أن يفحص دماغه. إن ابنك يا خالتي أم وسيم لولد عجيب. بالكرم حاتم طي تقمص في جسد وسيم الحموي. أكرم من السيف! أكرم من طالب وظيفة!
أم وسيم : ألاحظ أنه مبذر، ولكن الأيام ستفطمه عن هذه العادة.
راجي : سيقضي عمره يوحِّل في كتاب الأغاني (يأخذ كتاب الأغاني من مكتبة وسيم، ويقرأ متهكمًا) «دخل العمروط بن هرموط على الأمير مرقوع بن مفقوع …» اسأليه ما هو طموحه؟ طموحه أن يسمع التصفيق، ومستقبله مثل التصفيق (يصفق) بُوه؛ يتلاشى.
أم وسيم : وأنت يا ابني، ما هو مستقبلك، وفي يدك شهادة مثل شهادة وسيم؟
راجي : يا خالتي، في بيروت أوتوموبيلات اسمها «تكسي»، يركبها من يشاء إلى حيث يشاء. هكذا نحن الشباب المثقف (مناديًا) إلى العراق، فلسطين، مالطة، السودان، مصر، السند، الهند. الفرق أن «التكسي» لها تعريفة، أما نحن الشباب المثقف فليس لنا تعريفة. اركب وادفع ما تشاء.
أم وسيم : سأتركك ووسيم في دعابتكم، أنا ذاهبة أسهر عند ابنة خالتي. زليخة تقوم بأموركم.
وسيم : ألم تنسَيْ شيئًا يا أمي؟

(أم وسيم متذكرة، فتتطلع إلى وسيم، ثم يضحكان.)

أم وسيم ووسيم : القهوة!
وسيم : سأهدي روايتي الجديدة «إلى القهوة التي صنعتها أمي.»
أم وسيم : القهوة حاضرة (تعطيه الغلاية).
وسيم : قهوة! ومغيب، ووادي الأرز. أين القبعة، والعصا، والسيكار؟ (لراجي) هذا لباس الوحي (يلبس القبعة، ويحمل العصا، ويولع السيكار)، لا أقدر أن أخطَّ سطرًا بدون أن ألبسه.
راجي : إذن لا تلبسه.
أم وسيم : بخاطركم.
راجي : سؤال قبل أن تنصرفي يا خالتي أم وسيم، هل تجيبينني عليه؟
أم وسيم : إذا قدرت!
راجي : ما رأيك بطائفتنا؟
أم وسيم (ضاحكة) : ما أكثر سؤالاتك. بخاطركم.
راجي : ألا تلومين وسيم على انتقائه ضيفًا من غير دينه؟ الصحيح يا أم وسيم. ما رأيك بي؟ الصحيح.
أم وسيم : الصحيح يا ابني — يا غبنك تكون من «الجماعة!»
وسيم : يا غبن «الجماعة»، يكون فيهم واحد مثل راجي.
أم وسيم : بخاطركم.
وسيم : أمي ادعي لي بالإلهام.
أم وسيم (متضرعة إلى الله) : رب، يا من أغدقت المواهب على بني وادي الأرز، اغمر بإلهامك قلب وسيم. (تقبله ثانيةً، وتنصرف)، (وسيم يهم بالدخول إلى الغرفة الثانية).
راجي (حانقًا) : وسيم! إلامَ تسمرني في هذه القرية؟ تعال ننزل إلى بيروت الآن — هذه الليلة.
وسيم : ما أكثر لجاجك! قلت لك: غدًا ننزل إلى بيروت، ألا ترى حوائجنا جاهزة؟ صبرت ثلاثين ليلة، أضاقت أنفاسك بهذه الليلة؟ اصبر للغد، فأريك مطلع الفجر في الوادي، فترى الصبح يتنفس. آه! لو تأتي إلينا في الربيع، إذ تنوِّر الأزاهير و…
راجي : آخ؛ الفجر، الربيع، الأزاهير، أهذه الغلاطات موجودة في كتاب الأغاني؟ الفجر في بيروت؟ متى سمعت (مناديًا) كعك سخن، قل: طلع الفجر، ومتى رخص سعر الفجل، قل: أطلَّ الربيع. لا كانت ساعة اطللت بها على هذه الضيعة. أنا على إبر ودبابيس. أريد أن أذهب.
وسيم : ألا يسرك الراعي بشبابته، يرعى قطيعه؟
راجي : بل يسحرني! البارحة رأيت راعيًا مع قطيعه، فهربت.
وسيم : لماذا هربت؟
راجي : الرائحة لا تُطاق. غرام التيوس يفسد الجو.
وسيم : والطيور؟
راجي : الطيور؟ لم أرَ من الطيور إلا البرغش والذبان.
وسيم : لا تكفر بنعمة الطبيعة. أنشق العبير.
راجي : أنشق البعير.
وسيم : أنا أهوى هذا الوادي، أنا ألصق بهذه الأرض من صخرها.
راجي : الله يقلعك، أنا لاصق بهذه الضيعة كأني ذبابة في صحن دبس، وسيم! تعالَ ننزل إلى بيروت هذه الليلة، فأنيمك في تخت فيه العبير والزهور والربيع، وكل أدوات الوحي … ها أنا أستعجل الدهر (يمشي إلى الروزنامة، فينزع منها ورقة)، ها نحن في ٣٠ أيلول سنة ١٩٣٠. ها هو فجر الغد، فلنمشِ. قل لماذا تسوِّفني؟ كل يوم تقول غدًا.
وسيم : راجي لا تهزأ بي، أريد أن أنهي روايتي.
راجي : وأين صرت فيها؟
وسيم : في الفصل الأخير أتذكره؟ صديقان تغربا. مات أحدهما، فأوصى رفيقه أن يأتي إلى القرية بزجاجة فيها رماد جسمه.
راجي : أوف!
وسيم : فيأتي الصديق بالرماد، ويقف على عتبة الباب.
راجي : أوووف.
وسيم : فيسمع الأب والأم يصليان، ضارعين إلى الله أن يرجع ابنهما إليهما، وابنهما ميت، بوفاته لا يعلمان.
راجي : أوووووف!
وسيم : وإذ يذر الرماد على عتبة البيت، تهب نسمة تعبث بالرماد، فتقول الأم لزوجها: أني أشعر برعشة في نسيم هذا المساء …
راجي : أووف … أوف … (يسحب محرمته، ويتهكم باكيًا).
وسيم : راجي، إني أحس بهذه الرعشة الآن في نفسي، وأريد أن أضعها على الورق، غدًا نذهب إلى بيروت، ولك أنت أن تنام في التخت الذي تستطيبه.
راجي (متظاهرًا كأنه ملهم) : وأنا ألَّفتُ رواية.
وسيم : هاه!
راجي : أما القنينة ففيها رماد سخن، أذره في عيون كل من قال الشعر وألَّف الروايات.
وسيم (مدغدغًا خد راجي) : سأدخل إلى الغرفة الثانية أكتب، فابق أنت هنا هنيهة، بعد عشر دقائق نتعشى.
راجي : تريد أن تربطني هنا جائعًا، أعلك لجامي حتى تعود؟
وسيم : أعلك رسنك حتى أعود، وإذا شئت أن تتسلى فاقرأ هذا الكتاب (يرمي له بكتاب الأغاني).
راجي : يا ربي! كتاب الأغاني! (يأخذ علبة كبريت من جيبه، ويهم بحرق الكتاب، فيوقفه وسيم).
وسيم : لا تكن حقودًا كالجبليين، انتظرني حتى أنهي الفصل (ينصرف).
راجي (بعد هنيهة) : زليخة، زليخة.
زليخة : نعم.
راجي : قولي لي، أَكُلُّ أهل وادي الأرز ينظمون الشعر؟
زليخة : الذي لا ينظلم الشعر ينظم قرادي.
راجي (مباسطًا) : وأنت ألا تنظمين الشعر؟
زليخة (تضحك متدللة) : وأنت يا راجي أفندي، ألا تنظم الشعر؟
راجي : أنا؟ ألم تسمعي بي؟ أنا إمبراطور الشعراء.
زليخة (بازدراء) : إمبراطور الشعراء؟ فقط لا غير؟ في وادي الأرز ألف إمبراطور شعر. قل لي قصيدة من قصائدك.
راجي : على فوقه، ماذا طبخت الليلة؟
زليخة (تضحك) : قل لي قصيدة من قصائدك.
راجي : أتريدين شعر أم قرادي؟
زليخة : من الاثنين.

(في هذه الأثناء يأخذ من حقيبته زجاجة ويسكي، فيصب في كأس، ويشرب.)

راجي : نبدأ بالشعر، ثم القرادي! …
قفا نبكِ من ذكر الزهور العوائب
ونهدي ألالي في مطلع الشعر غائب
أنا إن قلت يا زليخةُ شعرًا
ضحك الشعر في السنين الخوالي
فانهكي حرمة الغرام
واهدِ منِّي لك السلام
جدنا جدُّ العظام
في البريق
والنهيق
نزعه مثل اللبيط
بل هي زهر وماء
مثل زهر القرنبيط
إيه خصر الحبيب، يجتاحك صبح الغداة دولاب طنبر
زليخة (تصفق) : وقرادي؟ (في الأثناء، راجي يشرب).
راجي : قرادي؟ هذه قصيدة عنوانها «طبلية الحب أو طراحة الغرام.»
نحنا ولاد الفن
دجاجاتنا بالقن
الدنيا قايمة دربكِّي
والدبس دبس بعلبكي
والزهر والوزال
والزعتر والعرزال
يا قاف
يا راء
يا دال
تفسيرها يا قرد

(زليخة تصفق ثانيةً.)

وأنت يا زليخة، ألا تنظمين الشعر؟ (زليخة تتدلل) قوليلي، تعالي … آو …
زليخة : احكي لك الصحيح يا راجي أفندي؟
راجي : الصحيح يا زليخة أفندي، يا زليخة.
زليخة : كلما رأيت سيدي وسيم … (تسكت).
راجي (مشجِّعًا) : آ. (تضحك زليخة … إلخ) ترين وسيم معتزلًا يكتب، (زليخة تقاطعه، مؤمنة ضاحكة) البرنيطة على رأسه، وفنجان القهوة في يمينه.
زليخة : آ. آ.
راجي : والعصا بيده يضرب بها الجو (يتقلده).
زليخة : آ. آ.
راجي : وقد انفرج قميصه عن صدر نبت فيه الشعر.
زليخة : آ. آ.
راجي : تتمنين.
زليخة : آ. آ.
راجي : تتمنين لو … لو …
زليخة : آ. آ.
راجي : لو أنه كان زوجك.
زليخة (حانقة) : احشم حالك يا راجي أفندي.
راجي : لا تحنقي عليَّ يا زليخة. تتمنين لو … لو … كنت أديبة مثله.
زليخة (مبتهجة) : صدقت يا راجي أفندي، صحيح أن البيارته شطار.
راجي (متظاهرًا كأنه في تفكير عميق) : إذا كنت تريدين أن تكوني أديبة مثل وسيم، فما عليك إلا أن تفعلي مثله … على فوقه، ماذا طبخت للعشاء؟ ذوقيني لقمة (تذوقه).
طيبة يا زليخة. عندما أنشر ديوان شعري، سأقدمه (مقلدًا وسيم) «إلى المخلوطة التي طبختها زليخة»، والآن إذا كنت تريدين أن تكوني أديبة مثل وسيم، فافعلي مثلما يفعل؛ هذه البرنيطة (يعطيها برنيطته، ثم يلبسها إياها) وهاك العصا، تمشِّي يا زليخة مثلما يتمشى وسيم (تتمشى)، الآن بقي أمر القهوة؛ هذه قهوة بيروتية، البعض يسمونها ويسكي، أو جوني ووكر، أو بدرو دوماك، ولكنها في الحقيقة قهوة بيروتية، كل قنينة مكفولة أن تعصر عشرة آلاف قصيدة. (يصب لها وله) اشربي (يشربان)، الشعر هنا يا زليخة (مشيرًا إلى القنينة)، وما عليك إلا أن تستخرجيه.
زليخة (بعد أن تشرب) : هذه تحرق، وليس لها طعمة قهوة.
راجي : اشربي ثانيةً، أول كأس مرَّة، الحلاوة في قعر القنينة يا زليخة (تشرب ثانية).
زليخة : كيف تصنعون هذه القهوة؟
راجي : نخلط نصف رطل لبيط بغال، مع أقة ديناميت، وعشرة كيلو من نار جهنم.
زليخة (وقد لوَّحت معها) : نار جهنم! بدأت أرى الجنة.
راجي : الآن انظمي الشعر.
زليخة : طلَّ القمر عاوادي الأرز.
راجي : برافو زليخة، طل القمر عاوادي الأرز.

(يعيدان هذه عدة مرات مغيرين اللهجة، ويعركان الردة بين طل القمر عا أرز الوادي. طل الأرز عا وادي القمر، طل الوادي عا أرز القمر، طل وادي الأرز عا قمر الوادي.)

فلتحيَ أميرة الشعراء، فليحيَ الأدب، هذا هو الأدب (يقبِّلُها).
زليخة (تصفعه) : هذا قلة أدب! (تنصرف بعد أن ترمي بالعصا من يدها والبرنيطة من على رأسها).
راجي (وحده. يريد أن يسلي نفسه، فيأكل لقمة، ويشرب كأسًا، ثم يسحب كتاب الأغاني لأبي فرج الأصبهاني، ويقرأ :
جادك الغيث إذا الغيث همي
يا زمان الوصل في الأندلس
جاد: تكرَّم.
الغيث: المطر.

همي: سقط.

يا زمان الوصل …

(صارخًا) هنا قلة الأدب يا زليخة! (يدق الباب الذي خرج منه وسيم) وسيم، وأنا أريد أن أؤلف رواية (يضع البرنيطة على رأسه، ويمشي ملوِّحًا بالعصا)، راجي البيروتي الروائي الشهير (يحاول بصراخه أن يقلق وسيم في خلوته)، عنوان الرواية:

قرن الديك؟ لا.

ريش الحمار؟ لا.

مجنون ليلى؟ لا.

ضرس العقل؟ لا.

الوطنية والعلم؟ لا.

الانتقام العادل؟ لا.

رواية أدبية، عصرية، انتقادية، حماسية، وطنية، شعرية، نثرية، مبكية، مضحكة، منومة، يخصص ريعها «لجمعية قطع دابر الشعراء والأدباء.»

ألَّفها؟ لا.

خلقها؟ لا.

كوَّنها؟ لا.

سرقها؟ لا.

ترجمها؟ لا.

اقتبسها؟ لا.

(متظاهرًا بالتفكير) وجدتها، وجدتها! Eureka, Eureka باضها راجي البيروتي!

الفصل الأول: تظهر بطلة الرواية. الحبيبة — يا قلب اخفق — يا جارة الوادي — ويا نار اشتعلي — ينزل الستار ثم يطلع الستار (كل هذا بصوتٍ عالٍ؛ حتى يشاغب على وسيم) ثم ينزل، ثم يطلع، وكل ما يطلع ينزل، وكل ما ينزل يطلع. تظهر عروس الرواية، ووراءها أولادها، وأولاد أولادها، يأتي البطل، ها لطيف البطل. غرام وغرام وعشق وهيام وamour، ها لطيف الأمور، زواج وانتحار، انتحار وزواج، وأخذ بالثار، يهيج الجمهور، المؤلف، المؤلف، (صارخًا بأعلى صوته نحو غرفة وسيم) المؤلف، المؤلف. (يظهر وسيم، فيضربه ببندورة من على المائدة!)
وسيم (شارقًا بالدمع) : راجي، اهزأ بي ما تريد، واضربني بالبندورة ما تريد، والبيض، والأحذية، ولكن اتركني في خلوتي وفنِّي. إن شعلة من الوحي بيضاء ترقص في صدري، فلا تطردها بدعابتك، إنْ كلمةٌ علياء فرت فلن تعيدها قوى الأرض. راجي، إن الذي خلقني أرادني أن أخلق هذه الرواية، أحس بموجة في نفسي تململت، ثم اشرأبت، وها هي تكاد تدفع إلى الدنيا بجوهرة. راجي، اتركني واترك الناس يستمتعون برائعتي، لن تفهم في أي غيبوبة أنا، دعني، فلن يهدأ بالي إلا إذا صقلت هذا التمثال الذي أصنعه من الصلصال الذي وُهِبتُه، ولن يستريح ضميري إلا إذا سمعت هاتفًا يقول لي: أكملت عملك، سلمت يداك. ألا تفهم أني كأم تتمخض بحياة. بربك! اتركني في لذة عذابي، ولك أن تفعل بي بعد هذا ما تريد.
راجي (مأخوذًا بإخلاص وسيم) : ارجع إلى عملك يا وسيم، وسألجم حنكي (يرجع وسيم إلى غرفته)، (يعاود المرح راجي، فيخاطب السقف) إني كأم أتمخض بحياة، يعني كدجاجة تبيض. صدقت يا راجي البيروتي، أنا أونباشي الأدب. أنباشي؟! شاويش، كولونل، جنرال، حفلة تكريم للأستاذ راجي البيروتي. (ضرب قوي على الباب، وصوت وحشي يصيح): افتحوا. (زليخة تفتح الباب، وتهرب صارخة: «يا ذلي! طعان الحمصي»).
طعان : وأين هو عنترة عبس، والزير أبو ليلى المهلهل؟
راجي (ببرودة) : عنترة عبس ليس هنا، أبو ليلى المهلهل غائب، أبو العلاء المعري فاتح كاراج على «فرن الشباك»، أبو الفرج الأصبهاني على الطاولة هناك، داعيك اسمه راجي البيروتي.
طعان : والداعي اسمه طعَّان الحمصي.
راجي : هاه؟
طعان : طعَّان الحمصي، طعَّان.
راجي : طرزان؟
طعان : طعَّان يا …
راجي : آ، طعان، كيف حالك يا طعان أفندي؟
طعان : أنت أفندي، أبوك أفندي، وكل عائلتك أفندية.
راجي : كلك لطف، هل من حاجة أقضيها لك؟
طعان : حاجتي إلى البطل المغوار وسيم الحموي، يخبرني لماذا قوَّس حمامتي؟ أثأرًا لجرة صانعته، أم ثأرًا لأبيه؟ فإن كان ثأرًا لأبيه فقد أغلى الثأر، كان يجب عليه أن يقتل كلبًا، ليصير «دم بدم».
راجي : أنا قوست الحمامة، لم أعرف أنها تخصكم حتى رأينا الخلخال، أريد أن أدفع لك ثمنها (يسحب محفظته).
طعان : الضيوف لا يدفعون ثمن شيء، ولكن بني الحموي سيدفعون ثمن هذه الحمامة غاليًا؛ كل ريشة برجل، برجل؟! كأن في هؤلاء الخنافس رجالًا.
راجي : هوِّن عليك، أنتم إخوان.
طعان : يا وسيم الحموي، يا عنترة، أطل وخذ بثأر أبيك.

(يظهر وسيم.)

وسيم : سمعتك تناديني يا طعان.
طعان : صدقت فمتى قلت لك يا عنترة، فأنا أناديك. أراك ساحبًا العصا، فأنا مستعد إلى لقائك، ولو أن في يدك الناعمة مدفع متراليوز. (وسيم يرمي بالعصا جانبًا).
وسيم : لك يا طعَّان أن تقول عني إني جبان، ولكن يدي لن تولع هذه القنبلة، لن أكون الشرارة، التي تشعل هذه الضيعة.
طعان : أنا وأنت، ولا حاجة للضيعة.
وسيم : لن يسترجع أبي حياته إن أنا فتكت بك.
طعان : أنت جبان يا ابن المدرسة. حلقت شاربيك، وخضبت كالنساء بالعطر شعر رأسك، فلماذا لا تلبس الفسطان، وتسمي نفسك مزمزال (يضحك ضحكًا وحشيًّا).
وسيم : إن الحمامة خطأً وقعت.
طعان : الذنب ذنب الحمامة هاه! الحمامة أصابت الرصاصة هاه! هكذا علمتك المدرسة، مدرسة بيروت يا مزمزال!
راجي : قلت لك: سأعوض عليك ثمنها، تعال ننظم قصيدة، هاك المطلع: طل القمر … هذه قهوة بيروتية (طعان لا يأبه به).
طعان : جئت أرمد بيوتكم، حسبت أني ألقى شبه رجل أقاتله، ولكن جبنك يعيب الأرنبة يا مبصقة الرجال، لو أن خوفك كان إقدامًا لكنت عنترة، ولو أن فسق أمك كان طهرًا؛ لكانت أمك راهبة يا ابن القحبة، (كالبرق ينقض وسيم على طعان، فيرميه ببوكس. ينهض طعان، فيهجم على وسيم. يتقاتلان بضع دقائق، ترى فيها وسيم هادئًا يقاتل كالملاكم، ومتى ظفر فلا يتحدى خصمه. أما طعان فيقاتل بفطرة وحشية حنقة، فيخسر في كل جولة. تسمع خلال ذلك أزيز «السين»، فإذا اشتبه أحد أن السين كسرة من الشتيمة الشائعة، قل له معتذرًا: إنها صريف الأسنان، وابتسم. حينما ييأس طعان من التغلب على وسيم، يبتعد عنه ساحبًا مسدسه، ويصيح: «خذها من يد طعان يا ابن الحموي»، فيسرع وسيم فيلوي يد طعان، بحيث ينطلق المسدس، فتصيب رصاصة قلب طعان، يتلوى هذا ألمًا، ويصيح: آخ. آخ. قتلني ابن الحموي، وينطرح على الأرض، بحيث يختفي زناره وما فوق خلف الكواليس، وتبقى رجلاه على المسرح منظورتين).

(سكوت رهيب هنيهة، وراجي ووسيم يتشاوران.)

راجي : جس نبضه (وسيم يفعل).
وسيم : ميت …
راجي : ميت!
وسيم وراجي : لنهرب. فلنهرب (يقفزان من النافذة إذ):
(ينزل الستار)

(أصوات بعيدة، مغمغة، مخنوقة، ضوضاء، يتخللها طلق رصاص، وهتاف: حموي. حمصي. عليهم، ولا. زلاغيط، وأصوات حدا وتألم جازع.)

المشهد الثاني

(أم وسيم كوَّمت نفسها حزينة. الدكتور نجيب منرفز يتمشى. أبو مرعي يقظ، كأنه لاعب شطرنج، يفكر بالخطوة التالية.)

الدكتور نجيب : ما أهون التدمير، نستعبد النفس للعلم، لنخلص حياة، أو نخفف الألم عن الحياة، وفي نصف ساعة تطفئون أربع عشرة حياة؟!
أبو مرعي : ثلاثة عشر قتيلًا يا دكتور، سليم الحمصي بعد ما مات.
الدكتور : ولكنه سيموت. (متأملًا) أربع عشرة روحًا هُدرت. يا خرابك يا وادي الأرز! ما أكثر تبذيرك في دماء بنيك، من يدري أن لا يكون بين من قتلهم الجهل، شاعر كجبران، مخترع كالصبَّاح، بطل كسلطان، عالم كالبستاني، أو جندي كفوزي.
أبو مرعي : هذا بدء الشر، وليس نهايته، نصف الضيعة في الحبس.
الدكتور (يمشي إلى الروزنامة) : ألف وتسعماية وثلاثين! تكذبين، تكذبين، ما نحن في القرن العشرين، لقد نام الإنسان في نفوسنا، ونهض الحيوان، نحن في العصر الحجري في أخلاقنا، ولم نلبس من المدنية إلا هذه الأثواب — أثواب فقط.
أم وسيم : إن ابني ليس بشرير، إن ولدي لم يعتدِ على الجماعة، ابني لا يهتم إلا بكتبه وأوراقه، جاء ابن الحمصي — حمَّص الله قلوبهم — إلى زاوية بيتنا، فشتم ابني وحقَّره، وضربه، في النهاية صوب إليه المسدس، فلم يفعل وسيم إلا أن لوى المسدس، من يلومه يا دكتور؟!
الدكتور : هل قبضوا عليه؟
أم وسيم : إذا كان الله يقبل صلواتي فلن يقبضوا عليه.
أبو مرعي : ولكن لبيت الحمصي عيون وجواسيس، كَفُّوا يدي عن وظيفة الناطور، الأيام بيننا وبينهم.
الدكتور : هذه كم قرش (يعطيها كدسة أوراق نقود) ربما تحتاجين إليها.
أم وسيم : كثَّر الله خيرك يا دكتور، نحن في سعة، عندنا مائة زيتونة (لا تأخذ المبلغ منه).
الدكتور : أتكفيك هذه المائة زيتونة؟
أم وسيم : كفت من قبلي آبائي، والله وكيل أن تكفيني ووسيم. ليس هذا الذي يشغل بالي يا حكيم، (فاركة يديها باكية) ولدي، ولدي، ربيته وثقفته، ليمسى طريدًا في البراري؟! وإذا قبض عليه الجند؟ وإذا ظفر به بنو الحمصي؟! ربِّ، ماذا فعلتُ لتنزلَ بي هذه المحنة؟! (يدخل المختار الآغا).
الآغا : هكذا، فلتكن الرجال، إن وسيم رجل، أخذ بثأر أبيه، فقتل ابن هدى الحمصي، (ضاحكًا) فما عليك إلا أن تخنقي أم طعان بغدائرها؛ ليكتمل الثأر. هكذا فلتكن الشباب، وأنت يا أبا مرعي، عزلوك من وظيفتك؟ هذه دسائس بيت الحمصي، فالنائب من حزبهم.
الدكتور : أربعة عشر قتيلًا، عشرون جريحًا، معظم رجال الضيعة في السجن. ألا تكفي هذه المصائب لتشرح قلبك القذر يا نمَّام، أبؤرة دسائس في صدرك؟ يا ويلك! من يوم يحملق بك الشعب، ويقول (متهددًا): يا آغا. (إلى أم وسيم) هذا تقرير وفاة طعان، فاحتفظي به، قد يساعد وسيم في المحكمة إذا مثل أمام القضاء، التقرير يثبت أن وسيم كان مدافعًا عن نفسه، الله معك يا أم وسيم، بخاطرك يا أبا مرعي.
أبو مرعي : بخاطرك يا دكتور.
أم وسيم : مع السلامة يا حكيم، الله يحرسك.
الآغا : يخرج بدون أن يودعني! سألحق به، وأريه (يتظاهر بالهجوم للخارج).
أبو مرعي : طوِّل بالك (الآغا يقف).
المختار : إذن، فقد عزلوك يا أبا مرعي.
أبو مرعي : الدنيا دولاب!
المختار : عزلوك يا أبو مرعي.
أبو مرعي : أنا كنت أهم بالاستعفاء.
المختار : عزلوك يا أبو مرعي.
أبو مرعي : أنا لا أحب النوطرة، المشي يتعبني.
المختار : عزلوك يا أبو مرعي.
أبو مرعي (تاركًا برقع التظاهر) : عزلوك يا أبو مرعي (يهدد بقبضتيه إذ):
(ينزل الستار)

المشهد الثالث

(فرشتان متقاربتان، زليخة نائمة كأنها رحى طاحونة، أم وسيم قرب القنديل، بين يديها كتاب صلاة، تبتهل.)

أم وسيم : «ربِّ، سدِّد خطواته، وأبعد الشر عنه. ربِّ، إن أردت به سوءًا فأنزله بي واجعلني فداه. يا إلهي، يا سندي، وملجأي، ومعبودي، رجوتك، وتمنيت عليك راكعة باكية أن تحفظ وحيدي وفلذة كبدي. ربِّ …»

(يدخل وسيم وراجي متلصصين.)

بنيَّ، لماذا رجعت؟! ولدي، إنهم يفتشون عليك.
وسيم : جئت أودِّعك أمي، وآخذ أوراقي، فأنا وراجي مسافران، سيهربنا بحارة بيروت إلى المهجر، إلى أميركا، فوداعك أمي، سأكتب لك من حيث أكون (يتعانقان)، (كل هذه الأحاديث تُهمَس همسًا).
أم وسيم : ستكون غربتك موجعة، ولكني سأتحملها في سبيل سلامتك. هذا (مشيرةً إلى راجي) أيرافقك؟
وسيم : يصر على أن يرافقني.
أم وسيم : لا تأتمنه، ليس من طائفتنا، سيخونك، يستحيل أن يخلص لك، «من جده عادى جدَّك يستحيل أن يودَّك.»
وسيم : لآخذ أوراقي (وسيم يأخذ أوراقه وكتاب الأغاني من المكتبة. راجي يشير عليه — بالإشارة لا بالكلام — أن يرمي بتلك الأوراق وذلك الكتاب. أم وسيم تفتح صندوقها، وتنزع منها صرة).
أم وسيم : هذه صرة اليقين، فيها عشرون ليرة ذهبية، خذها يا بني، والله معك.
(قرع شديد على الباب) افتحوا باسم القانون.

(تشير لابنها وراجي، مخاطبة القارع): مهلًا، مهلًا، سأفتح لكم (حينما تدير ظهرها، وسيم يفتح الصندوق، فيرمي بصرة اليقين فيها، ثم يفرغ ما في جيبه من نقود أيضًا. كذلك راجي يفعل نفس الشيء. كل هذا يجري بسرعة خاطفة. راجي ينحني على زليخة، التي بدأت تتململ، ويقول: «طل القمر». يقفزان من النافذة، فيختفيان).

مهلًا، يا حضرة الضابط.
الضابط (من الخارج) : افتحي باسم القانون، باسم القانون، افتحي يا أم وسيم، وإلا كسرت الباب.
أم وسيم : ألست أنت أبو شكيب؟
الضابط (من الخارج) : بلى، أنا هو، أنا السرجان سلوم، افتحي باسم القانون، وإلا كسرت الباب.
أم وسيم : أنت لا تكسر بابًا على عجوز، ولا تريد الدخول على غرفة فيها امرأتان في ملابس النوم، كان اسمك أبو شكيب قبل أن سموك السرجان سلوم، وكنت تحلف باسم الشرف قبل أن تحلف باسم القانون، رويدك! حتى ألبس ثيابي.
الضابط (من الخارج) : أمهلك خمس دقائق.
أم وسيم : شكرًا لك، كلك ناموس يا أبو شكيب (متطلعة من النافذة التي قفز منها وسيم وراجي، ثم تحكم قفلها. زليخة خلال كل هذا المشهد تشخر. أم وسيم توقظ زليخة).
زليخة، انهضي يا بقرة، انهضي.
زليخة (نصف واعية) : طل القمر …
أم وسيم (هامسة) : اسمعي، الضابط والجنود سيدخلون علينا؛ ليفتشوا المنزل، وسيم مختبئ بهذا الدهليز (تشير إلى الدهليز) إياك أن تخبري الضابط أن وسيم هناك، أفهمتِ؟ إياك أن تدلي الجنود على مخبأه، فهمت؟
زليخة : فهمت!
أم وسيم : أين مفتاح الدهليز؟

(زليخة تقطع المفتاح من خيط علقته برقبتها، وتعطيه لأم وسيم.)

(بصوتٍ عالٍ) افتحي الباب لحضرة السرجان.

(يدخل السرجان وجنود، فيتفرقون.)

الضابط : نريد وسيم.
أم وسيم : لا أدري أين هو، لم أرَ وجهه منذ الحادثة.
الضابط : أريد وسيم.
أم وسيم : فتش البيت. أحلف لك: إنه ليس هنا.
الضابط (للجنود) : فتشوا البيت (يتفرقون)، (لزليخة) أين وسيم يا زليخة؟
زليخة : هاه!
الضابط (يبرم يدها) : أين وسيم؟ قولي، وإلا سحقت عظامك.
زليخة : في الدهليز، في الدهليز يا أفندي، (مشيرةً إليه) هنا.
الضابط (يصفر فيجتمع الجنود، يخاطبهم) : وسيم هنا، خذوا حذركم، (يكشف عن الدهليز، فيراه مقفلًا) أين المفتاح؟
زليخة : مع أم وسيم.
أم وسيم (تنزع المفتاح من عبها، فتبتلعه وتصيح) : شقُّوني، وخذوا المفتاح.
الضابط : سنكسره. (بينما يكسرون قفل الدهليز، أم وسيم تتضرع للضابط).
أم وسيم : بربك يا سرجان، لا تطلق الرصاص على ابني، لا تقبض عليه، إنهم يشنقونه في بيروت، (كأنها تخاطب ابنها داخل الدهليز) وسيم ابني، تجلد. لا تقاتل الجنود، فهم مسلحون. لا تحاول الهرب، فقد يطلقون الرصاص عليك. بنيَّ، تجلد. (وفيما هم يكسرون القفل، يرفعون الباب، ثم يصطفون حول الدهليز بشكل دائرة، وبواريدهم مصوبة نحو الدهليز. ينحدر أحدهم، شاهرًا المسدس)، (سكوت رهيب).
الضابط : هل قبضت عليه؟

(خارج من الدهليز وفي يده ديك.)

– قبضت على هذا.
الضابط : إذن، فقد ضللتنا أم وسيم؛ لتسهل سبيل الفرار له. لماذا خدعتنا يا أم وسيم؟
أم وسيم : لأني أم وسيم.
(ينزل الستار)
١  حادثة الصيد قصها ألماني يُدْعَى أنه أمير الكذابين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١