حول رأي المعري في المرأة١

المرأة أكبر حبائل الحياة، من تعلق منها بسبب فقد تعلق من الحياة بأسباب، وخاض من الدنيا في أعمق الغمرات، فلا عجب أن يرفض المرأة من يرفض الحياة، وأن يكون شعور المتشائمين من ناحية المرأة مختصر شعورهم من ناحية الحياة؛ حب يشوبه ضغن، وشوق يغالبه حذر، وسوء ظن دائم بالحسن منها والقبيح على حد سواء، بل لعله يكون بالحسن أشد وأعظم؛ لأنه باب الخديعة وحبالة الأطماع، ولأن القبيح من السهل أن يتقى ويدفع، أما الحسن فلا يُتقى إلا بمغالبة، ولا يُدفع إلا بعناء.

وليس ينتظر من المعري إلا أن يكون على دين زملائه وإخوانه المتشائمين في الشرق والغرب في هذه العقيدة، فهو كاره للحياة كاره للمرأة، قد برم بالعالم كله فقال في نفس واحد:

فأف لعصريهم نهار وحندس
وجنسَي رجال منهم ونساء!

ولكنه إذا التفت إلى المرأة خاصةً عرف أنها الحياة مصغرة في ثوب من الجسد، وأنها خلاصة ما في الحياة من الغوايات التي يوصي بالحذر منها، والشرور التي يألم لها، والغير والصروف التي يزدري الحياة من أجلها، فيرفضها رفضًا مضاعفًا ويخصها بذم غير مشارك، وله في اللزوميات أشعار كثيرة تنطق كلها بهذا الرأي في عبارات مختلفة، فهو إذا رفق فالمرأة ألعوبة ملهية:

وما الغواني الغوادي في ملاعبها
إلا خيالات وقت أشبهت لعبًا

وإذا اشتد فالمرأة حية مؤذية:

وإنما الخود في مساربها
كربة السم في تسربها

وهي على كل حال آفة اللب وفتنة الحلم:

يفندن الحليم بغير لب
وهن وإن غلبن مفندات

ولن نصل منهن إلى خير، ولن نحمد لمسراهن غبًّا.

ولكن الأوانس باعثات
ركابك في مهالك مقتمات
صحبنك فاستفدت بهن ولدًا
أصابك من أذاتك بالسمات
ومن رزق البنين فغير ناءٍ
بذلك عن نوائب مسقمات

وليس عصمة المرأة بمأمن، ولا عفتها بمعقل محصن، فوصيته لكل ذي زوج أن يصاديها ويداريها، ولا يرفع عين الخفارة عنها:

فإن أنت عاشرت الكعاب فصادها
وحاول رضاها واحذرنَّ غضابها
فكم بكرت تسقي الأمرَّ حليلها
من الغار إذ تسقي الخليل رضابها

وإذا بلغ الوليد العشر، فليضرب بينه وبين النساء بحجاب:

إذا بلغ الوليد لديك عشرًا
فلا يدخل على الحرم الوليد
فإن خالفتني وأضعت نصحي
فأنت وإن رزقت حجى بليد
ألا إن النساء حبال غي
بهن يضيَّع الشرف التليد

أما العلم فحسبهن منه ما يصلح للمنزل من نسج وغزل وردن وغناء، ولا حاجة بهن إلى قراءة وكتابة:

ولا تحمد حسانك إن توافت
بأيد للسطور مقومات
فحمل مغازل النسوان أولى
بهن من اليراع مقلمات

هذا كلامه في اللزوميات: أما في رسالة الغفران، فمجمل ما يؤخذ من وصفه للحور ونساء الجنة أن المرأة عنده لا تعدو أن تكون متعة ولهوًا وعونًا على البطالة، كأنها باطية خمر، أو معزف من معازف السماع، لا فرق بينها وبين هذا الضرب من الملاهي، إلا في كونها تحس وتنطق، وأنها أحب وأشهى إلى الحس من سائر تلك الملاهي، وأحر بمن كان هذا وصفه لنساء الجنة أن يصد عن قرب المرأة في الدنيا؛ لأنها إذا كانت في الجنة لذة لا تعقب ألمًا، ولهوًا لا يورث حسرة ولا يضيع أربًا، فليست هي في الدنيا كذلك، وليس أحسن ما تطلب لأجله — وهو اللهو والطرب — بخال من أوشابه ومعقباته، ولا بسليم من عيوبه وآفاته؛ فهي أمن إلى وجل، ولذة إلى ملل، وحظوة وشيكة إلى حرمان عاجل، وهي إن أسعفت حالت دونها العوائق، وإن وفت لم تف بها الأيام، على أنها قل أن تسعف وندر أن تفي؛ لأنها طبعت على شيمة الدنيا من التغير والتقلب وإخلاف الظنون واجتواء الأصحاب والخلان، وقد كاد علقمة الفحل يستحق الجنة عند أبي العلاء لقوله في وصف النساء:

فإن تسألوني بالنساء فإنني
بصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب شعر المرء أو قل ماله
فليس له في ودِّهن نصيب
يردن ثراء المال حيث وجدنه
وشرخ الشباب عندهن عجيب

ولأبي العلاء في اللزوميات أشعار كثيرة بهذا المعنى، ولشعراء العرب مثلها، بل هذا هو الرأي الغالب في أقوال الرجال عامةً، ولا سيما أبناء الأمم الشرقية، فهم مجمعون على أن المرأة قليلة الوفاء سريعة التحول، لا يُحفظ لها عهد، ولا تصبر عن هوى، ولا تعدل بحب الشباب والمال شيئًا، وعابوا على المرأة ذلك، وتنقصوا عقلها وأخلاقها من أجله، وسيروا فيه الأمثال والعبر، وأجمعوا على ذلك إجماعًا يدعونا إلى أن نسأل: هل أصاب القائلون بهذا القول وهل أنصفوا؟ ألا إنها مسألة جامعة متشعبة، لا نريد أن نعرض لها هنا إلا من وجهة واحدة؛ إذ ليس مرادنا أن نحيل القضية على محكمة الأخلاق، ولا أن نقابل عيوب النساء بعيوب الرجال ليعلم هؤلاء أنهم ينظرون إلى النساء وينسون أنفسهم، فهذا غرض لم نقصد إليه هنا، ولكننا إنما نريد أن نرجع الأمر إلى وظيفة المرأة، وأن نبحث عن مكان هذه الأخلاق في طبيعتها لنرى هل هناك أصل لها نشأت منه، وهل هناك مسوغ لها يعتذر به إن كان في الأمر ما يوجب الاعتذار؟!

والذي نقوله في جملة واحدة: إن المرأة وفية صادقة؛ وفيه للحياة لا لهذا الرجل أو لذاك، وصادقة في الحب لا في إرضاء أهواء من تحب، ولو أنعمنا النظر لعرفنا أن المرأة تخون نفسها كما تخون الرجال في سبيل الأمانة للحياة، وتكذب على نفسها كما تكذب على محبيها في صيانة عهد الحب، فهي وفية بالفطرة رضيت أم لم ترض، وهي صادقة بالإلهام حيث أرادت وحيث لا تريد، ومهما يؤخذ على المرأة من شيء في أهوائها وأخلاقها، فذلك سيئة الحياة لا سيئتها، وأولى بنا أن نعده سيئة في ظاهر الأمر، أما في الحقيقة فهو حسنة نافعة وفضيلة مطلوبة، أو هو عيب في اليوم واليومين، أما في طويل السنين والأجيال فهو نافي العيوب ودرج الكمال. إن المرأة خلقت رسول الجسد وحارس النسل، فهي تعرف كيف تؤدي رسالتها وتقوم بحراستها، وهي أحصف من أن تتلقى درسًا في تبليغ السر الذي أودعته، نعم وأحرص من كل حريص على ذلك السر الذي أخذته من الحياة لتسلمه إلى الخلود دون أن تخرم حرفًا منه؛ لأنها أخذته سرًّا أعجم وتسلمه سرًّا أعجم دون أن تعي منه حرفًا ولا معنى.

ليقل علم الأخلاق ما بدا له فيما ينبغي أن يكون من أخلاق المرأة، وليشهد النساك والمتشائمون شهادتهم، وليزكها الرجال قاطبة تزكيتهم، فإن قالت المرأة بعد ذلك بلسان حالها لا بلسان مقالها: إن للوفاء حدًّا، وإن للأخلاق معنى غير معناها الذي يفهمه طلاب الراحة والرضى، فلنصدق ما تقول؛ فإن كل امرأة حذام فيما توحي به الفطرة، وكل امرأة في هذه الشئون قادرة على أن ترى القطا من مسيرة الأبد، لا من مسيرة ثلاثة أيام، ولنعلم أن ها هنا صوتًا يتكلم أعلى من صوت الأخلاق، وحكمًا يأمر أنفذ وأقدس من حكم العرف والمواضعات؛ هما صوت الحياة، وحكم القدرة التي تبعث الحياة في طريقها المجهول.

تحب المرأة الشباب ومن ذا الذي لا يحب الشباب؟ إن الشباب نفحة الخلود وروح من روح الله، تصور الأقدمون الآلهة فلم يفرقوا بينهم وبين الشباب، وأسبغوا عليهم كساء سرمديًّا من نسجه، وبهاء متجددًا من صنعه، شعورًا منهم بأن الشباب سمة الحياة الخالدة، وروح المعاني الإلهية وترجيحًا لخير الشباب على شره، ولمحاسنه على عيوبه، ولم يزل للشباب مسحة ظاهرة في كل أثر إلهي، في العظمة التي يتقد فيها قبس من نار الشبيبة من لدن تشب عن الطوق إلى أن توارى في التراب، وفي الدين الذي تلتهب به حرارة العقيدة الفتية في صدور المؤمنين به، وفي رياض الربيع النامية، وفي ألاعيب الحب العابث حتى في قلوب الشيوخ، والشباب هو الحياة؛ لأن ما قبله استعداد له، وما بعده استعداد للموت.

والناس قد ألفوا أن ينظروا إلى حظ الشاب من شبابه، فيلصقوا الشباب بحضيض هذه الأرض ويستصغروه؛ لأنهم لا يرون ثمة إلا شهوات وأرجاسًا، ولكنهم يخطئون ويظلمون، فما هذا الحظ القليل إلا اختلاس اللص السارق أو الأجير المسخر من تلك الأمانة الهائلة التي يشتمل عليها الشباب؛ وما يشتمل عليها إلا لفائدة الإنسانية كلها، بل لفائدة الحياة التي تتخذ الإنسانية آلة من آلاتها وجسرًا لها إلى غاياتها، والمرأة إنما تساق سوقًا إلى عشق هذا الشباب الذي ليس لذاتها منه إلا نصيب قليل، فلو أنها نظرت إليه بعين التاجر لرفضته رفضًا؛ لأنها تخسر منه أكثر مما تربح، وتشقى به أضعاف ما تسعد؛ ولكنها تنظر إليه بعين المجاهد المغامر الذي تغلبه على رشده حماسة الحرب ونخوة البطولة، وتلك تفدية لا تستحق من العارفين بقدر الحياة إلا كل تقديس وإجلال.

•••

ثم تحب المرأة المال، ومن ذا الذي يكره المال؟ غير أننا قد نرى للمرأة سببًا غير سائر الأسباب التي تغري بحب المال وإعظام أصحابه، نرى أن كسب المال كان ولا يزال أسهل مسبار لاختبار قوة الرجل وحيلته، وأدعى الظواهر إلى اجتذاب القلوب والأنظار، واجتلاب الإعجاب والإكبار، فقد كان أغنى الرجال في القرون الأولى أقدرهم على الاستلاب، وأجرأهم على الغارات، وأحماهم أنفًا، وأعزهم جارًا، فكان الغنى قرين الشجاعة والقوة والحمية، وعنوانًا على شمائل الرجولة المحببة إلى النساء، أو التي يجب أن تكون محببة إليهن، ثم تقدم الزمان فصار أغنى الرجال أصبرهم على احتمال المشاق، وتجشم الأخطار، والتمرس بأهوال السفر، وطول الاغتراب، وأقدرهم على ضبط النفس، وحسن التدبير، فكان الغنى في هذا العصر قرين الشجاعة أيضًا وقوة الإرادة وعلو الهمة وصعوبة المراس، ثم تقدم الزمان فصار أغنى الرجال أبعدهم نظرًا، وأوسعهم حيلةً، وأكيسهم خلقًا، وأصلبهم على المثابرة، وأجلدهم على مباشرة الحياة ومعاملة الناس، فكان الغنى في هذا العصر قرين الثبات والنشاط ومتانة الخلق وجودة النظر في الأمور.

وهكذا نجد اكتساب المال الكثير في كل عصر دليلًا على فضل الرجل، وعلامة توحي إلى نفس المرأة ما يعين غريزتها على اختيار أجدر الرجال بحبها، وأصلح الآباء لأبنائها، فلا تثريب عليها أن تختبر مزايا الرجل بهذا المسبار السهل القريب، ولا لوم عليها أن تريد ثراء المال، ولا تعدل به الفقر والفاقة، نعم إن هذه الحالات تختلف أحيانًا وتنعكس في بعض المطالب التي يزاولها الرجال، ولكن الفطرة العامة والميول الغريزية لا تركب على الشواذ، ولا تبنى على المطالب الخاصة المستثناة، وإنما تركب على القواعد الأصيلة، والمطالب العامة التي تزاول في أكثر الأحوال وأشيعها على اختلاف الأمم والعصور.

•••

ولقد عيب على المرأة تناقض شديد في الأخلاق والأطوار، فبينا هي عنيدة متغطرسة، إذا هي مستسلمة ذليلة، وبينا هي حكيمة حاذقة، إذا هي غريرة ساذجة، تصبر صبر الأبطال، ثم تجزع جزع الأطفال؛ وقد تخور فإذا قلب تهوله ذرات الهباء، وقد تقر فإذا جأش تنهزم عنه زعازع الأنواء، تقسو فتريك الوحش ضاريًا، وتلين فتريك الماء جاريًا، لها تضحية يضرب بها المثل، ولها أثرة تعز فيها الحيل، وهي في غالب أطوارها إما إلى هذا الطرف، وإما إلى ذاك الطرف ذهابًا وجيئةً بين النقيضين المتباعدين، فلا توسط في فضائلها ولا اعتدال في نزعاتها.

ولا يهمنا هنا من هذه الخلال أن ننقدها ونحاسب المرأة عليها، وإنما نشير إليها لنقول: إننا نحسبها من مقتضيات طبيعة المرأة وضرورات وظيفتها، ونبين ذلك فنقول: إن المرأة خُلقت يتنازعها إحساسان قويان هما إحساس العاشقة وإحساس الوالدة، وليس أغلب على نفسها ولا أملك لمشاعرها من هذين الإحساسين الغريزيين، فإذا تنبه فيها إحساس العاشقة رامت من الرجل مرامًا بعيدًا، وسرها منه أن يكون غلابًا لأنداده، مستعليًا على خصومه، مجازفًا في مطامعه، رهيب الجانب، منيع الحوزة، وثارت في نفسها ثورة المزاحمة، وما تستتبعه من عدد الجهاد وصفات القسوة واللدد، وإذا تنبه فيها إحساس الأمومة آثرت الرفق والهوينا، وودت لو كانت الأرض رخاءً كلها، فلا حرب ولا خصومة، ولا غل ولا ملاحاة إلا المودة والحسنى والسماحة للأعداء والعفو عن المسيئين، ومن هذا التناقض بين هذين الإحساسين ينشأ تناقض آخر في كثير من الهنات والبدوات؛ لأن الطبيعة متى بنيت على اختلاف الأهواء لم يقف هذا الاختلاف على موضوعه الأول وهو التنازع بين إحساس العشق وإحساس الأمومة، بل تجاوزه إلى كل ما يجيش بالنفس من المشاعر والمدركات؛ والمرأة سواء نظرت بعين الحب الجنسي، أو بعين الحنان الأموي، تنقاد في الحالين للغريزة والشعور، فلا تملك إرادتها، ولا تستمع لنصيحة العقل إذا أمرها أو نهاها، ومن كان لا يملك إرادة، ولا يستمع لنصيحة عقل، فهو عرضة للتناقض في كل حين كلما تغيرت عليه الطوارئ وتجاذبته الدواعي، كأنه سفينة تختلف عليها مهاب الرياح.

ومما يعاب على المرأة الرياء، ولست أبرئها منه، ولكني أظن رياءها أنفع من صراحتها وأصدق في نظر الحياة من صدقها، فالمرأة مجبولة على الزينة والتمنع، والزينة ضرب من الرياء، ولكنه منتسب إلى حب الجمال ونواميس الطبيعة في جميع طبقات الحيوان، والتمنع خلة تبلو بها المرأة أقصى ما عند الرجل لكيلا تسلم في قلبها لمن لا يستحق شرف الأبوة لأبنائها، وقد تميل المرأة إلى الرجل لأول نظرة، ولكنها تمنع نفسها منه حتى ترى أقصى ما يستطيعه من حول وحيلة وقوة جنان وخلابة لسان، فإذا سلمت له بعد ذلك سلمت مغلوبة على أمرها حتى لا ينال حبها إلا رجل غالب متفوق بين الرجال.

إن الزينة هي العناية بالظواهر، والتمنع هو إخفاء ما في باطن النفس، وكلاهما لازم للمرأة أو للطبيعة، وكلاهما يستدعي الرياء والمحاولة، ولا سيما إن كانا في خلق ضعيف لا يقدر على إظهار كل ما يخالجه ولا يأمن أن يبوح بكل سره، ولو أننا خيرنا بين امرأة صريحة؛ أي تهجر الزينة وتطيع أول رغبة، وبين امرأة مرائية؛ أي تتحلى وتستعصم، لما طال بنا التردد والاختيار، ولعلمنا حينئذ أن فلسفة الطبيعة أصدق وأحكم من فلسفة علم الأخلاق.

•••

وللمرأة خلال كثيرة من هذا القبيل، يأباها علم الأخلاق، وينفيها الفلاسفة من عداد الأخلاق الكريمة، ولكنها عريقة في الطبيعة بعيدة الغور في الحياة، فخير ما تصنعه المدنية في هذه الخلال أن توفق بينها وبين مطالبها أحسن توفيق مستطاع، أما أن تستأصلها وتقضي عليها، فتلك جريمة كبرى وسعي عقيم.

١  البلاغ في ١٣ نوفمبر سنة ١٩٢٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠