صفات المرأة١

تعرضت في المقال السابق للكلام على ما بين الرجال والنساء من الفوارق الخلقية والاجتماعية؛ فمن الواجب أن أتم ذلك بإبداء رأي مجمل عن الصفات التي تُنسب إلى المرأة خاصةً، ويُظن أنها انفردت بها أو تفوقت فيها على الرجال وهي على خلاف ذلك في الحقيقة، أو في رأي بعض المفكرين.

فمن أول هذه الصفات تذوق الجمال، ويلوح لنا أن جمهور الناس متفقون على اعتقاد أن المرأة أسلم ذوقًا من الرجال، وأقرب فطرةً إلى الحسن الجميل، فهي أخبر بتمييز شيات الحسن وسمات الملاحة حيث كانت، ولا يبنون هذا الاعتقاد على تجربة محققة وآثار معروفة في الدائرة التي يظهر فيها التفوق في تمييز الجمال وإبراز معانيه؛ وهي دائرة الفنون الجميلة، أو في عالم الأزياء التي تتجمل بها المرأة وتتهالك على اقتنائها ولا تبتكرها هي لنفسها، وإنما يبتكرها لها الرجال ويدوم تعلقها بها على قدر استحسانهم والتفاتهم إليها، ولكنهم يبنون رأيهم في إيثار المرأة بهبة الذوق الجميل على أنها هي نفسها جميلة في نظر الرجل، فيسبق إلى وهمهم أن الجميل في النظر لا بد أن يكون مفطورًا على الجمال عارفًا بأشكاله ومناظره صادق الحكم في نقده وتمييز ألوانه ودرجاته، وهو وهم لا حاجة بنا إلى الإسهاب في نقضه وإظهار بطلانه؛ إذ كان من الحقائق المسلمة أن الجمال لا يُؤتي صاحبه القدرة على الفهم في موضوعه المتعلق به ولا في غيره من الموضوعات، وليس باللازم من كون الشيء جميلًا أنه ذو دراية بالجمال وإحساس به، فإن من الجمال ما يكون في الجماد، ومنه ما يكون في النبات، ومنه ما يكون في الإنسان الفدم الذي لا ذوق له، وفي الطفل الصغير الذي لا عقل له، فمن الخطأ أن يظن بالمرأة سلامة الذوق لمجرد أن الذوق السليم يرتضي النظر إليها ويستحب محاسنها، كما أن من الخطأ أن نظن مثل ذلك بالفاكهة التي نستلذها والزهرة التي نأنق لها، والصورة التي نعجب بها، وإذا جاز أن يتخذ جمال المرأة علامة على صفة ما، فأولى بذلك الجمال أن يدل على سلامة ذوق الرجل وحسن تمييزه؛ لأن المرأة قد خُلقت جميلة كي تروق في عينه، وتتمكن من قلبه؛ فهو المقصود بمحاسنها، وإليه المرجع في اختيار المستملح من شمائلها، وترك المذموم من عيوبها، وهو لا يقصد بذلك إلا إذا كان هو المفطور على حب الجمال واشتهائه، وهو الممتاز بالقدرة على نقده وانتقائه، وقد لوحظ أن المرأة تعني بسلامة الأعضاء — كل عضو على حدته — أكثر من عنايتها بجمال الأعضاء وحسن تناسبها في مجموع شكلها، فإذا نظرت إلى الرجل تفرست في كل جارحة من جوارحه، وتأملت في تركيبها تأمل الطبيب الذي يفحص أجزاء الجسم، لا تأمل الناقد الفني الذي يلتفت إلى عموم الشكل، ثم إلى نسبة كل جزء منه إلى جملة أجزائه، ومعنى ذلك أن النزعة النفعية أغلب على مزاجها من النزعة الجمالية الفنية، وأنها تنظر إلى جسم الإنسان نظرها إلى جهاز مركب لأغراض مفيدة لا إلى دمية معبودة، أو تمثال وسيم من صنعة الفن الجميل.

على أن الجمال نفسه ليس بالمزية المسلم بها للمرأة كل التسليم، ولا بالحكر الخالص لها المحرم على غيرها، فهذا شوبنهور مثلًا ينكره عليها بتة، ويزعم أن المرأة على العكس مما يظن الناظر إليها دميمة قبيحة، فإذا تخيلناها حسناء فاتنة فهي الغريزة الجنسية التي تزيغ بصرنا، وتطمس على بصيرتنا فتلهينا عن عيوب خلقتها، كما يلهينا الجوع والظمأ عن عيوب الطعام الخبيث والشراب الكدر! ودارون يعترف لها بالجمال، ولكنه يميل إلى تفضيل جمال الرجل على جمال المرأة، ويقيس ذلك على عطل الإناث، وروعة منظر الذكر في كثير من المخلوقات، ومقام شوبنهور في الفلسفة ومقام دارون في العلم كلاهما في أعلى مكان.

•••

والرحمة من أخص مناقب المرأة التي تُنتسب إليها، وكأني بسائل يبادر مستغربًا فيقول: وكيف لا؟ أفي ذلك شك أيضًا؟ فأقول: أما أنا فلا شك عندي في رحمة المرأة إذا دعتها الطبيعة إلى الرحمة، ولكن يشك في ذلك كاتب من أذكى من نبغ في هذا العالم وأعني به تلميذ شوبنهور «أوتو ويننجر» الألماني صاحب كتاب «المزاج والجنس» الذي أفرده للكلام في العلاقة بين الجنس والأخلاق فأتى فيه بالعجب من براعة التفكير واستقامة الملاحظة، فهذا الفيلسوف الفتى يرى أن المرأة مطبوعة على القسوة وبلادة الحس ولا دليل على ذلك — فيما أذكر — إلا ما يتخذه الناس دليلًا على شدة عطف المرأة ورقة قلبها وعظيم شفقتها، دليله على قسوة المرأة أنها تصبر على مراقبة المرضى وخدمة المصابين وملازمة فراشهم، ولا يكون هذا إلا من آيات الطبع البليد والقلب المغلف؛ لأنها لو كانت تعطف عليهم عطفًا صادقًا، وتكره أن يتألموا لما أطاقت الصبر على سماع أنينهم وإطالة النظر إلى سيماء العذاب والألم في وجوههم، ولكنها لا تشعر بالعطف الصادق، ولا تؤلمها الشفقة كما تؤلم نفوس الرجال، فلا تحاول أن تبعد من أسرة المرضى كما يفعل الذي يؤذيه أذاهم وتوجعه أوجاعهم، وهذا تأويل صبرها على التمريض ومؤاساة الجرحى والترفيه عن الموجعين.

أما أن شفقة المرأة غير شفقة الرجل فذلك ما لا ريب فيه، وأما أن ملازمة المرضى دليل على الخلو من الشفقة ففيه رأي آخر، وأولى بذلك عندي أن يكون دليلًا على الاستغراق في عاطفة الرحمة، لا على الخلو منها؛ لأن من شأن الاستغراق في عاطفة من العواطف أن يذهل صاحبه عما حوله كما يذهل العاشق الواله عن موجبات البغض والنفرة من معشوقه، فإذا هو ينجذب إليه بما حقه أن يبعده منه، ويفتتن فيه بما لعله أدعى إلى البغض والكراهية.

وكذلك الشفقة إذا لجت بصاحبها، فقد ينسى ألم المعذب الذي حرك شفقته حبًّا في إنقاذه وتخفيف ألمه، وقد يصبر على رؤيته في أشد حالات العذاب والحزن؛ لأن ذلك يغذي عاطفته ويمدها بأسباب دوامها واسترسالها، فتقوى العاطفة وتصبر وتطرد في طريق سلس لين مهدته الشجون المتوالية واللواعج المتلاحقة، وربما كان لضعف الخيال يد في تسهيل مناظر العذاب والشقاء على نفس المرأة، فإن سعة جوانب الخيال تجسم الآلام فتكبر وتتعدد، كما تكبر الصور وتتعدد في المرايا المعظمة المتقابلة، أما العواطف الحسية فهي حركات جسدية تتغذى بالمشاهدة، وقد تكظها هذه المشاهدة إلى حد الموت، والظاهر أن سائر فضائل المرأة هي مما ينتمي إلى الجسد، لا إلى الروح، وهي بالحس ألصق منها بالبواعث النفسية والمبادئ الكمالية.

واعتمد كاتب إنجليزي هو بنيامين كد صاحب التآليف الاجتماعية المعروفة على قول شوبنهور: «إن المرأة تحيا بجملتها في النوع أكثر من حياتها في الفرد.» فبنى عليه ما بنى وعلق على المرأة آمال المستقبل في السلام ووضع بين يديها وديعة «المثل الأعلى» وقال: إنها تؤثر المبدأ على المصلحة في كل خلاف يشتجر بين المبادئ والمصالح الحاضرة، فأما أنها تحيا في النوع أكثر من حياتها في الفرد فذلك حق، وأما أنها تدين بالمثل الأعلى، فذلك محل للشك الكثير، وإنما ساق الكاتب إلى القول به ما علمه من أن المرأة تخدم النوع بغرائزها، وتستفز النفوس إلى النضال في سبيل الأمثلة العليا، ولا يخفى أن الفرق عظيم بين من يخدم النوع بغريزته، وبين من يخدمه بالسعي وراء المثل الأعلى؛ لأن غريزة حفظ الذات كثيرًا ما تدفع بنا في طريق التقدم لنا وللنوع عامةً، وكثيرًا ما كان لها الفضل الأول في ترقي الأنواع وتحسين خلق الحيوانات الدنيا والحشرات الحقيرة؛ ومع هذا لا نسمي الدفاع عن النفس والجهاد في تحصيل القوت تعلقًا بالمثل الأعلى وسعيًا وراء الكمال وإصرارًا على المبادئ والفضائل، فكذلك لا يصح أن نُسمي شقاء المرأة في إنتاج النسل وحضانة المستقبل طموحًا إلى المثل الأعلى وتجردًا لآمال الخير والكمال، فالمرأة لا تعرف المثل الأعلى ولا تغتر به إلا قليلًا، وإنما هي أسيرة الحس والواقع وأمة الغرائز والدوافع الجسدية، وكل ما لم يكن محسوسًا ملموسًا لديها، فهو هباء وعبث لا طائل تحته، ولا حظ له منها غير السخرية أو قلة الاكتراث، وفي آداب العرب شاهد على ذلك من تلك القصائد التي يناجي فيها الشعراء أزواجهم اللائمات على الجود وإتلاف المال للضيوف، اللاحيات على النجدة والخطار بالنفس وغير ذلك من الفضائل البدوية والسجايا النبيلة العالية، فهذه القصائد كثيرة متواترة تقوم المرأة فيها كلها بدور النصيح المذكر بالمصلحة الشخصية المحذر من المفاداة والتضحية، ولو كانت مما يجلب الحمد ويكسب السمعة والمجد، وقد يتفق أن يقع استثناء لهذه القاعدة فتسمع مرة فيما يسمع من هذه الشواذ القليلة أن امرأة من نساء العرب تنصح لزوجها أن ينحر مطيته لشاعر عابر، وتلك هي قصة المحلق التي نظم فيها الأعشى قافيته المشهورة، ولكنك تبحث عن سبب هذا الشذوذ وعلة هذا الكرم العجيب فتعلم أن المرأة كانت تريد أن تزوج بناتها فاستأجرت لسان الشاعر لذلك!

ولقد كان من أمل «بنيامين كد» أن يستعين بهذا الذي سماه إيمانًا من المرأة بالمثل الأعلى على نشر السلام في المستقبل وتطهير الأرض من شرور الحروب والمخاصمات، وكان يقوي فيه هذا الأمل حنان المرأة الفطري وقلة اكتراثها لعلل الخلاف التي تثير نخوة الحرب بين الأوطان المختلفة والملل المتباغضة، وأنها خُلقت لخدمة مصالح النوع، لا خدمة المصالح الفردية، وكان هذا ولا يزال أمل الكاتبة السويدية الذكية «ألن كي» التي تنحو قريبًا من هذا النحو وترجو من الأمهات الشابات أن ينشئن في العالم نشأة روحية جديدة، وتقول: «إن هؤلاء الأمهات وحدهن — بما يهتدين به من الأفكار النشوئية وما يتغلغل في نفوسهن من حب الحياة — هن القادرات على إنشاء الجيل الجديد على روح الاحترام المتزايد لأعمال الحضارتين الفكرية والمادية، والكراهة الدائبة لذرائع التلف والتدمير ومسخ النفوس الذي تسلطه على نوع الإنسان الحروب المنوية والحروب الفعلية على حال سواء.» و«على هؤلاء الأمهات أن يصرفن غيرة أبنائهن ومطامعهم ويوجهن خيالاتهم وإراداتهم إلى حب الاستكشاف والاختراع ومكافحة الأدواء وإتقان العمل وإنقاذ الحياة بدلًا من إفنائها، وليجعلن أول همهم — أي الأبناء — أن يدبروا الوسائل الناجعة لأن يحكموا تركيب نظام المجتمع، وليرينهم أننا نحن سكان هذا الكوكب المساكين لسنا عرضة لأخطار النار والماء والهواء وحدها، ولكنا عرضة كذلك للانقلابات الكونية المحتومة التي قد تكون بعيدة عنا، ولكنها كائنة لا محالة في يوم من الأيام، فأمام هذه النكبات الحاضرة والمتوقعة يجدر بأولئك الأمهات أن يعرفن كيف يرين أطفالهن أي جنون هو هذا الذي يحدو بنوع الإنسان على هذه الكرة المهددة وسط هذا الكون العظيم إلى بذل هذا الجهد الحثيث، وشحذ الأسلحة من الذهب والحديد لإضعاف نفسه وجر الخراب على رأسه والإسراف في تبديد وسائل الحضارة وتحف التهذيب وإنفاق ما يتجدد له من ثروة حيوية، ألا ينبغي أن تتجمع كل هذه الأشلاء والأدمغة التي تبعثر في ميادين القتال، وهذه القوى والجهود التي تنزفها أدوات التسليح فتستغل كلها فيما يجعل هذا النوع أصلح وأقدر على الحلول في محله من الطبيعة؟ تلك الطبيعة التي لا يزال عاجزًا قليل الحول والحيلة بين يدي كوارثها الأرضية والسماوية.»

ولست أدري ماذا تصنع الأمهات الشابات في وجه الكوارث التي ستدهمنا الآن أو فيما يلي من الأزمان، ولست أفهم إذا علم الناس أن أرضهم هذه عرضة للكوارث الأرضية والسماوية ماذا يقعدهم عن الخصومة والقتال، وماذا يصرفهم عن الهدم والتدمير إلى البناء والتعمير؟ غير أني أعتقد أن المرأة قد تفيد فائدة تذكر في تقليل الحروب ومنع بعض الخصومات؛ لأن عاطفتها النوعية أقوى من عاطفتها الوطنية، وهذه العاطفة الوطنية هي علة كثير من العدوان والشحناء ومبعث كثير من الفتن والقلاقل، ولكن إذا أفادت المرأة في هذا الأمر بعض الفائدة، فقد تكون رأس الضرر ورأس الفتنة من ناحية أخرى، فإن العاطفة النوعية أيضًا طالما كانت محضأ للحروب والمنافسات، وطالما كانت هذه الحروب والمنافسات محكًّا لأقدار الرجال ومعرضًا لتفضيل بعضهم على بعض في قلوب النساء، وما يدرينا لعل المسئول المجهول عن الحرب العظمى مثلًا امرأة حسناء، أو شرذمة من النساء الحسان! أليس كل بطل من أبطال الحرب يتغنى في نفسه بمثل قول أبي فراس:

ورحت أجر رمحي عن مقام
تحدث عنه ربات الحجال
فقائلة تقول أبا فراس
لقد حاميت عن حرم المعالي
وقائلة تقول جزيت خيرًا
أعيذ علاك من عين الكمال

وسواء بقيت هذه الميول الجنسية على حالها أو تغير منها بعض الشيء في امرأة المستقبل، فالواجب أن لا تفوتنا الحقيقة وهي أن المرأة لا تضع المعايير الجنسية والقيم الخلقية، ولكن توضع المعايير والقيم لها وللرجال معًا، والذي يضعها هو الطبيعة التي تجري على سنن لا سلطان للنساء ولا للرجال على غير القليل العرضي منها، فإذا وجدت الطبيعة خيرًا للنوع الإنساني في استمرار الحروب وإضراء الناس بالتأهب لها والتنافس في إحراز عددها كما وجدت ذلك خيرًا فيما مضى، فلن تغني المرأة شيئًا في صد هذا التيار الجارف، ولن تقدر نساء الأرض جميعًا على منع خصومة واحدة مما تحض عليه الطبيعة، بل المرأة أول من يطيعها ويستسلم لدوافعها ويجد لذة نفسه في مؤاتاتها والامتثال الأعمى لأوامرها ونواهيها، ومن خطر لها من النساء أن تشذ عن هذه السنة، وأن تضع لها معايير جنسية غير هذه المعايير، فلن تفلح أبدًا ولن يصغي إليها أحد، وسيكون نصيبها من الرجال الإعراض والصدوف عنها إلى المرأة التي تمالئ الطبيعة وتجري على مشيئتها.

•••

وخلاصة القول: إن الفضائل قسمان: فضائل الإرادة وفضائل الغريزة أو هي فضائل تغلب فيها الإرادة على الغريزة وفضائل تغلب فيها الغريزة على الإرادة، والمرأة لها الحصة الوافية من فضائل الغريزة وهي أعظم أثرًا فيها من الرجل، فأيما خير يرجى للإنسانية من هذه الفضائل فللمرأة فيه أوفى نصيب.

وهنا نسأل: علامَ تدل غلبة الغريزة على الإرادة في فضائل المرأة بخلاف الرجل؟ ألا تدل على أن المرأة قوة مسوقة، وأن الرجل هو القوة العاملة؟ ألا تدل على أن عمل المرأة هو التحضير للحياة، وأما عمل الرجل فهو هو الحياة؟ فالمرأة تعطي الحياة والرجل يحيا، والمرأة تهيئ المائدة والرجل يأكل، والمرأة تخدم القانون المبرم، والرجل يخدم الحرية المتطلعة. ولكل نصيب من الحياة، وعلاقة بالطبيعة على قدر هذا التقسيم.

•••

وبعدُ، فلا بد من كلمة في ختام هذا المقال نوجهها إلى حضرة المعلم الفاضل «ج. س. سلامة» الذي أخذ على بعض ما كتبته في مقال متقدم عن وفاء المرأة فقال يسألني: «أنحرق كتب الأخلاق؟ أنسفه الحمقى القائلين بتربية النفس وتهذيبها وتكوين الإرادة وتقويتها.» وجوابي أنني لم أقل في تعليل خلق المرأة وقلة وفائها ما يوجب هذا السؤال، فإني لم أدع إلى الإباحة ولم أبخس حق الإرادة خضوعًا لحكم الغريزة المطلق، ولا أوصيت بنبذ الفضائل التي استخلصتها المدنية من تجاربها الطويلة، ولكني قلت: إن خير ما تصنعه المدنية أن توفق بين الغرائز التي يأباها علم الأخلاق وبين مطالبها «أحسن توفيق مستطاع، أما أن تستأصلها وتقضي عليها فتلك جريمة كبرى وسعي عقيم» نعم جريمة كبرى؛ لأن الغرائز الحيوية لا تُستأصل إلا بقتل الحياة، فالغرائز لا تُعوض إذا فُقدت، ولكن الأخلاق مستدركة مع بقاء دوافع الحياة سليمة من العطب.

وبعيد على من يعتقد في الفضائل الجنسية مثل اعتقادي أن يستخف بالعفة ويغضي عن الإباحة والغواية؛ فإني أعتقد أن العفة وغيرها من فضائل الاستعصام «مزايا جسدية فسيولوجية قبل أن تكون مزايا أدبية أو دينية» وقد بينت ذلك بشيء من التفصيل في مقال لي بعنوان الفضائل الجنسية نشر في مجموعة «الفصول» فأكتفي هنا بنقل النبذة الآتية منه:

فحيثما برز في الرجل أو المرأة امتياز يتلاشى إن لم ينتقل بالوراثة برز بإزائه شرط أدبي لضبط العلاقات الجنسية يترتب عليه بقاء ذلك الامتياز عقبًا بعد عقب ويتبعه حتمًا الإحجام عن بعض هذه العلاقات والرغبة في بعضها، وحيثما امتنع الإحجام انعكست الآية، وصارت الرغبة بلا ضابط دليلًا على أن ليس في الفرد أو الأمة امتياز ينقل بالوراثة، وقديمًا كان شيوع الرذيلة في بلد مؤذنًا بانقراض الدولة وضياع الشوكة ومرادفًا لقول الأمة بلسان حالها: إن جيلها المقبل همل لا يعتنى به.

أما تنويهي بوفاء المرأة للحياة وعذري إياها في حب الشباب والمال، فليست نتيجته الإباحة كما وهم حضرة المعلم الفاضل ولكن نتيجته، إذا بلغ الأمر إلى نتائجه، أن يمتنع بناء الشيوخ الفانين بأتراب حفيداتهم من الأبكار الكواعب والفتيات العوانس، وأن تكون الشريعة عونًا على فسخ كل زواج مدابر للطمع أو غير مثمر، وألا يكون العرف حربًا على المرأة التي تُطيع الله فيما خلقها له وزودها بمعداته، وليس في ذلك تقويض للأخلاق، بل فيه تثبيت لها وتدعيم لأساسها، وهو قصد السبيل بين طرفي الغلو والتفريط في هذا الصدد، فأما الغلو فأن نذهب في الإباحة مذهب «الأسبارطيين» الذين كانوا يوصون الشيوخ والضعاف بأن يقتنصوا الرجال الأشداء لنسائهم برًّا بالمجتمع كما زعموا، وتحرجًا من تعقيم من خلقه الله منتجًا، وتكثيرًا للذرية الصالحة القوية، وأما التفريط فأن تشيع الفوضى وتعم المساواة حتى يصبح كل رجل كفؤًا لكل امرأة بلا تفريق بين الأعمال والمزايا، والأول حيف على الغريزة من ناحية لإرضائها من ناحية أخرى، والثاني إهمال ضار لها، وكلاهما غير محمود في طبع ولا شريعة.

ونظن المعلم الفاضل لا يُنكر أن المرأة حين تحب الشباب وعلو الهمة تساق في هذا الحب بسائق الطبيعة التي فطرها الله عليها لحفظ نوع الإنسان، ونشر ما فيه من حسن، وطي ما فيه من قبيح وإتمام مشيئة الله على الأرض، فإذا كانت كتب الأخلاق تسول لنا أن تشل تلك الطبيعة وتعطل مشيئة الله خالقها وهاديها فلماذا لا نحرقها؟ نحرقها يا سيدي الفاضل، وعلي أنا لا عليك أنت ثمن عيدان الثقاب!

١  البلاغ في ٢٦ نوفمبر سنة ١٩٢٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠