شهرة المتنبي: حد الشاعر العظيم

استفادت شهرة المتنبي من عصره وذلك ما بيناه في المقال السابق، واستفادت من شعره ومن شخصه وهذا ما سنجمل الكلام عليه في هذا المقال.

كان المتنبي شاعرًا من شعراء العرب العظام، وحد الشاعر العظيم عندي هو أن تتجلى في شعره صورة كاملة للطبيعة بجمالها وجلالها وعلانيتها وأسرارها، أو أن يستخلص من مجموعة كلامه فلسفة للحياة، ومذهب في حقائقها وفروضها أيًّا كان هذا المذهب، وأيًّا كانت الغاية الملحوظة فيه.

فإذا جمع الشاعر بين الأمرين؛ أي إذا رسم لنا صورة كاملة للطبيعة، وشرع لنا مذهبًا خاصًّا في الحياة، فذلك هو الشاعر الأعظم الذي ندر أن يجود الزمان بمثله في الدهور المتطاولة والأجيال المتباعدة، والذي لا تنطبق على عد أقرانه في جميع الأمم أصابع اليدين؛ لأنه يجمع في نفسه قدرة جسيمة نادرة لا تبذل جزافًا ولا تفوقها على الإطلاق قدرة يعطاها إنسان.

ذلك أن نفس الشاعر العظيم كتلك المصورة الفلكية التي يرصدها الفلكيون لالتقاط أشعة النور من أبعد السماوات وأظلم الآفاق؛ نفس صحيحة الإحساس قويته لا يغيب عنها قريب ولا بعيد، ولا ظاهر ولا باطن مما يحيط بها من مشاهد الحس والخيال، وليس يفوتها علم شيء دق أو جل مما توحي به الطبيعة والحياة من الحقائق والأسرار؛ فإذا اتجه الشاعر العظيم إلى الطبيعة فهو الذي يسمعك الخليقة الأولى منقولة في لفظ والسماوات والأرضين منظومة في لحن؛ ويبثك من هذه الدنيا الإلهية نبضات أغوارها وصدحات أفلاكها، وما توسوس به وما تزمجر من نغمات رضاها وغضبها وطلاسم صلواتها وتعاويذها، يستوعب ذلك كله ألغازًا مبهمة ثم يرسله من خاطره المتوهج الصهار أرواحًا هائمة وشياطين حائمة وعرائس ترقص وطيرًا تغرد وزهرًا يتضوع ومعاني يمتلئ بها جو هذه الدنيا حياةً وركزًا، ويزدحم بها جو النفس شعورًا وأملًا، أو هو يكتب لك «بهيروغليفية» الإلهام كل ما في معجم الطبيعة من الكلمات والرموز، وكل ما يجري به لسانها الموري الملغز من الأسماء والحروف، فإذا الطبيعة بقضها وقضيضها مجموعة لديك، وإذا بك أنت تعيش في كل ناطقة وصامتة، وكل متحركة وساكنة من ذلك العالم السرمدي الرحيب، تحوله كله إلى جزء من حياتك أو تجعل حياتك ممدودة مبسوطة على كل جزء منه، فإن أردت أن تعرف معنى هذا باختصار، فاعلم أنه هو مضاعفة الحياة وتوسيع جوانب النفس حتى تعود الحياة الواحدة أبرك وأمتع من ألف حياة متصلة، وحتى يعود الحائن الفاني خالدًا في بعض أيامه؛ لأنه يشعر بهذا الكون الخالد شعور الخالدين؛ واعلم أنه ليس في وسع إنسان أن يطلب من الدنيا أجل وأغلى من هذا المطلب الذي قل أن ينال.

وإذا اتجه الشاعر العظيم إلى الحياة، وانصرفت نفسه إلى ما بين الأحياء من العواطف والدوافع والصلات والفواصل، فهو الذي يسمعك أصداء النفس الآدمية في جهرها ونجواها، وفي شوقها وانقباضها، وحين ترتفع في معارج الخير، وحين تتردى في مهابط الشر، ويردد لك ما تضح به من الآلام، وما تحلم به من الآمال، ويترجم ألغازها وكناياتها؛ فإذا هي كلمات صريحة مأنوسة، ويجمع أشتات هواجسها وأعشار تجاربها؛ فإذا هي قوالب صحيحة ملموسة، فأنت تقول إذ تراها: نعم هذه هي النفس الآدمية بعينها وتصيح يا عجبًا! إنها لهي هي الحياة كما عهدتها، كأنها كانت ضائعة فردت إليك، أو كأنها كانت مفترقة موزعة فجمعت في قالب واحد لديك، أو كأنها كانت طائرة فوقعت بين يديك، فأنت تطمئن حين تقرأ شعر هذا الشاعر على محصولك من التجارب، وتأمن على ذخيرتك من المألوف والعجائب، ومعنى ذلك باختصار أيضًا أن في هذا الشعر توكيدًا للحياة وتقريرًا لها حتى يعود آبدها مشكولًا مستقرًّا، وعارضها مقيمًا لازبًا، وحتى تكون مستريحة بعد القلق واثقة بعد الارتياب محوطة بالرفاق والأصحاب بعد العزلة والاغتراب.

ومن الشعراء من يطربك متغزلًا، أو من يعجبك واصفًا، أو من يشجوك شاكيًا أو راثيًا، أو من تستمع له فتحلو لك نغمته في بعض مذاهبه، ولكنك لا تلقى عنده مستمعًا في غير الباب الذي تستحسنه منه، فهؤلاء الشعراء تستريح النفس إليهم في حالة من حالاتها، وتتسلى بهم في بعض نوباتها، غير أنها لا تشعر بعظمة فيهم حين تنصت إليهم، وهي على حق فيما تراه! فإن الشاعر الذي لا يخاطب النفس إلا من ناحية واحدة كالآلة الموسيقية التي ليس فيها غير فرد وتر، فهي تنطق بصوت واحد من أصوات هذه الحياة، ولكنها لا تتسع لتمثيل روايتها الكبرى بأصواتها المنوعة وأصدائها المختلفة المتجاوبة.

•••

لم يكن المتنبي ممن شغفوا بمحاسن الطبيعة وأسرارها، ولكنه كان ممن يقبلون بجملتهم على جهاد الحياة في وسط المعمعة، فيحصون عليها هزائمها وانتصاراتها، ويكتبون لها حسناتها وسيئاتها، وكان الرجل أشبه رجال القول برجال العمل في الخلق والمزاج، فأقبل على الجهاد في عصره عاملًا كما أقبل عليه مترقبًا دارسًا؛ فأعانه ذلك على تقييد ضوابطه، وتعليق شوارده، وأخرج لنا من شعره معرضًا واعيًا لكل ما يعتلج بالنفس المجاهدة، وعيبة حاوية لأشكال من الحكم العملية والقواعد المقررة المشاهدة، وأفسح الله مجال العبرة للمتنبي؛ إذ أرسله في ذلك العصر الذي كان بدعًا في عصور الدول العربية؛ فإنه كان عصر المطامع والشهوات والقلاقل والدعاوي، فلذلك لم يترك وديعة نفس ولا دخيلة طبع، إلا حفزها واستفزها ورج وعاءها، كما ترج القارورة لاختبار ما فيها؛ فأبرزها للعين بصفوها وكدرها، ولقد أفاد ذلك شهرة المتنبي من جهتين، أفاده خبرة وعلمًا؛ إذ فتح أمامه سفر الحياة فاقتبس منه ما شاء، وأمده بأصول الحكمة العملية فبنى عليها أحسن البناء، ثم أفاده روايةً وذكرًا؛ إذ جعل أهل ذلك العصر الحافل بالحوادث والعبر في حاجة دائمة إلى التأسي والاستشهاد والتمثل بالقول البليغ الموافق للتجربة المطابق للهوى شأن الناس في الميل إلى سماع الحكم التي تُعبر عما في ضمائرها، وتُعيد على مسامعهم ما لا يستطيعون أن يبدءوه من عند أنفسهم، فسار شعره على الألسنة، ولقي في كل مكان من يؤمن عليه، ويجد المناسبة في كل وقت لروايته والتذكير به.

ولو توفرت هذه الفرص لشاعر غير المتنبي لما كان من المحقق أن يصيب شعره هذا الاهتمام الذي أصابه شعر المتنبي، ذلك لأن الشاعر يطبع الكلام بطابعه، ويعيره من المنزلة بقدر ما له من المنزلة في نفسه. فالشاعر الضعيف لا يخرج من قريحته كلامًا قويًّا ولو كانت التجارب القوية منه على طرف الثمام، والرجل الذي لا يعبأ بنفسه قل أن يعبأ الناس بكلامه ولو كان من أعلام الكلام، وقد كان المتنبي قوي الطبع فمرق كلامه من قلبه ومن ذهنه مروق السهم النافذ من القوس المتينة، وكان أبي النفس فأكرم مقاله عن المقامات الزرية والمواقف المهينة، كانت قوة طبعه عونًا لاعتداده بنفسه وثقته بعظمته، وكان اعتداده بنفسه وثقته بما فيها من العظمة عونًا لقوة طبعه، فأبى أن يسف بأمله حيث يسف غيره، وعرف لشعره قدره فعرف الناس له هذا القدر طائعين أو مكرهين، ولما اشترط على سيف الدولة أن ينشده المديح وهو قاعد، وأن لا يكلفه تقبيل الأرض بين يديه نسبوه إلى الجنون! ولا شك أنه ضرب من الجنون إذا كان العقل والحزم أن يحتال الإنسان لمصلحته بالرفق والملق، ولكن المتنبي لم يكن يشق عليه أن يوصف بهذا الضرب من الجنون على ما يظهر من قوله في أبي شجاع:

وقد يلقبه المجنون حاسده
إذا اختلطن «وبعض العقل عقال»
أناله الشرف الأعلى تقدمه
فما الذي بتوقي ما أتى نالوا؟

فأصرَّ على ترفعه وأنف أن يستكين لعنت الدهر وعثرات الأمل، وزاده ترفعًا وأنفةً أنه كان يرى الناس حوله صغار النفوس صغار الهمم، ويجد نفسه غريبًا في أمم كالأنعام وأيام كأيام الفترة بين الرسل:

ودهر ناسه ناس صغار
وإن كانت لهم جثث ضخام

فطمع في الملك والولاية، ولم يستكثر على نفسه قدرًا كائنًا ما كان في عصر تدار فيه لكافور ثلاثة أمصار فسيحات، ويدان فيه لكارميته بإمامة الدين والدنيا! ومن ذا الذي يخطئه حين يذم دهره مخاطبًا كافورًا:

ولله آيات! وليس كهذه،
فإنك يا كافور آيته الكبرى
لعمرك ما دهر به أنت طيب
أيحسبني ذا الدهر أحسبه دهرًا؟

وقد أملى للمتنبي في الطمع فوق ما أشرنا إليه أن الأدب كان في عصره، وقبل عصره، مما ينيل مراتب الوزارة ويخول صاحبه مناصب الرئاسة، فلا جناح على من كان في أدبه وعلو همته أن يتبوأ المقاعد التي طمح إليها بعد أن تبوأها من هم أقل منه معرفةً وأوضع منه أملًا، غير أن الرجل نسي أن الأدب وحده لا يغني في هذه المطالب، وأن الذين صعدوا على هذا السلم من الأدباء إنما صعدوا بكفاءة أخرى غير الأدب أو مع الأدب، صعدوا بالحيلة والمراوغة والتأني والمداراة، وما إلى ذلك مما لا يحسنه هو ولا يقدر على مجاراتهم فيه، فلما فشل من حيث نجح من دونه، وتخلف من حيث جلَّى المتخلفون وراءه، نقم على الزمن نقمة زادته احتقارًا لأهله وتيهًا بنفسه وتمردًا على حظه؛ فغالى بشعره أيما مغالاة وأخرجه العناد في بعض الحالات إلى ما لا يليق بالسداد.

•••

فاعتداد المتنبي بنفسه، وظهور شخصيته وقوة طبعه، وكثرة تجاربه، وحاجة الناس إلى الاستشهاد بأمثاله وحكمه في عصره، وتنافس الأمراء على اشتراء مدحه وكثرة حساده، هذه هي الخصائص التي انفرد بجمعها المتنبي، فأشاعت ذكره وحفظت شعره وأنالته من المكانة في أدب العرب ما لم ينله شاعر سواه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠